tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum tariqa qadiriya boudchichiya.ch
sidihamza.sidijamal.sidimounir-ch
 
 FAQFAQ   RechercherRechercher   MembresMembres   GroupesGroupes   S’enregistrerS’enregistrer 
 ProfilProfil   Se connecter pour vérifier ses messages privésSe connecter pour vérifier ses messages privés   ConnexionConnexion 

كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف

 
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية حية قادرية النسب تيجانية المشربCatégorie >>> مكتبة منتدي الصوفية
Sujet précédent :: Sujet suivant  
Auteur Message
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Ven 5 Oct - 22:15 (2012)    Sujet du message: كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف Répondre en citant






كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف


   
لأبي بكر الكلاباذي رحمه الله  
 
الفهرست
مقدمة: لجنة نشر الأصول الصوفية وكتاب التعرف مقدمة المؤلف: التعرف لمذهب أهل التصوف الباب الأول: قَوْلهُم في الصُّوْفِيَّة: لِمَ سُمّيت الصُّوْفِيَّةُ صُوْفِيَّة
  
الباب الخامس والخمْسُون: قولهم في السُّكر والصَّحْوَة الباب الخامِس والسّتّون: حالهم في الكلام على الناس
  
 
 

مقدمة بقلم: عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور ا



التَصَوّفْ وكتاب التعرف

↑↑

يقول العلامة الصوفي أبو سليمان الداراني: "القلب الصوفي قد رأى الله وكل شيء يرى الله لا يموت" فمن رأى الله فقد خلد. وكل كلمة خطها الصوفية كانت خالدة كالقلب الصوفي. خالدة لا تموت لأنها ارتبطت بالله واستهدفت رضاه واقتبست من هداه وأشرقت بحبه وأضاءت بنوره. ومادة التصوف سواء أكانت أخلاقا أو معرفه أو سلوكا أو تعبيرا عن مشاهدة أو تصويرا لمناجاة أو تذوقا لتجليات أو تحليقا حول إشراقات فهي مادة موصولة بالله قائمة به وله، فانية فيه سبحانه. ولهذا آمن الصوفية بأنهم أحباب الله وأصفياؤه وأولياؤه وصفوه عبادة وحراس ينابيعه وآياته. كما آمنوا بأن أعمالهم وحركاتهم ومعارفهم وأذواقهم ومقاماتهم كلها هبات الله وفيض عطاياه. إن مولاهم سبحانه هو مربيهم ومعلمهم وهاديهم ومرشدهم. إنه الحبيب القريب المجيب الآخذ بنواصيهم إلى وجهه الكريم.
قيل لمعروف الكرخي أخبرنا عن المحبة أي شئ هي؟ قال: "يا أخي ليست المحبة من تعليم الناس، المحبة من تعليم الحبيب."
وبهذا الارتباط المشتعل بالوجد والحب وملهمات الأنس والقرب أصبح الصوفي أينما تولى فثم وجه الله لا يرى سواه. وكل شئ في الوجود مرآه يرى فيها الصوفي وجه الله وآياته وقدرته ورحمته. يقول ذو النون في مناجاته:

إلهي ما أصغيت إلى صوت حيوان ولا إلى حفيف شجر ولا خرير ماء ولا ترنم طائر ولا تنغم طل ولا دوى ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك داله على أنه ليس كمثلك شئ.

↑↑
ومن هنا لم تتحدث طائفة من الناس عن الحب الإلهي وعن الفناء في الله كما تحدث الصوفية. والفناء الصوفي فوق سموه الإيماني مذهب في التربية والأخلاق لا يماثله مذهب آخر من مذاهب التربية والأخلاق. وعلى ضوء علم النفس الحديث وعلى هدى المذاهب العلمية التربوية يجب أن ننظر إلى الفناء الصوفي على أنه منهج للكمال والتسامي لا يطاوله غيره ولا يغني عنه سواه. إنه إفناء المشاعر والرغبات الأرضية في شئ أكبر وأعظم من المثل الأعلى المصطلح عليه خلقيا وتربويا إنه إفناء هوى النفوس وشهواتها وعواطفها وكل ما تحب فيما يحبه الله ويريده ويأمر به ليعيش الصوفي متخلقا بخلق الله أو كما يقول الإمام الجنيد: فتكون كل حركاته في موافقة الحق دون مخالفاته فيكون فانيا عن المخالفات باقيا في الموافقات.

إنه إذن استبدال خلق بشري بخلق رباني وذلك ارتفاع بالبشرية لا نعرفه ولا تعرفه الدنيا لغير الصوفية الإسلامية. فالفناء الصوفي ليس فناء جسد في جسد ولا فناء روح في روح إنه فناء إرادة في إرادة وفناء أخلاق في أخلاق وصفات في صفات أو كما يقول الصوفية: "فانيا عن أوصافه باقيا بأوصاف الحق". إنه لتصعيد للكمال تصعيد تخفق أجنحته في أفق قدسي علوي ثم تخفق صاعدة صاعدة حتى تنال شرف التخلق بأخلاق الصفات الإلهية.

وهذا الفناء هو الذي عبر عنه الحديث النبوي:

"تخلقوا بأخلاق الله".

وصوره الحديث القدسي: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به".

وبهذا الفناء يحس الصوفي إحساس ذوق ووجدان وقلب وروح بإذن الله سبحانه معه وفي ضميره وحركاته وكلماته.

يقول العلامة الكلاباذي: ومن فناء الحظوظ حديث عبد الله بن مسعود قال: "ما علمت أن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يريد الدنيا حتى قال الله تعالى: ((منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)) فكان عبد الله في هذا المقام فانيا عن إرادة الدنيا.

لقد فني الصوفية في حب مولاهم وتخلقوا بأخلاقه وتأدبوا بآدابه وتربوا في محاربيه وعاشوا في ذكره ومناجاته فعلمهم وطهرهم وزكاهم واصطفاهم واجتباهم وأحبهم ورضي عنهم ففتح لقلوبهم ملكوت السموات والأرض يريهم عجائب كونه وبدائع قدرته وبدائع قدرته وأسرار خليقته. وأفاض عليهم هداياه وعطاياه علوما وأذواقا. أو كما يقول الصوفية: "أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت".

ومن هذا الفناء جاءهم الخلود وبهذا التخلق أصبحوا أئمة يهدون إلى الله بأمره ويقفون حراسا على آياته ومشاهده مبشرين بكلماته متحدثين عن حضراته داعين إلى محبته ومناجاته مترنمين في آفاقه وجدا وشوقا بتسبيحه وذكره.
↑↑
يقول العلامة الإمام الكلاباذي واصفا لمقاماتهم وأحوالهم:

سبقت لهم من الله الحسنى

وألزمهم كلمة التقوى

وعزف بنفوسهم عن الدنيا

صدقت مجاهداتهم فنالوا علوم الدراسة

وخلصت عليها معاملاتهم فمنحوا علوم الوراثة

وصفت سرائرهم فأكرموا بصدق الفراسة

ثبتت أقدامهم وزكت أفهامهم

أنارت أعلامهم

فهموا عن الله

وساروا إلى الله

وأعرضوا عما سوى الله

خرقت الحجب أنوارهم

وجالت حول العرش أسرارهم

وجلّت عند ذي العرش أخطارهم

وعميت عما دون العرش أبصارهم

فهم أجسام روحانيون

وفي الأرض سماويون

ومع الخلق ربانيون.

سكوت

نظار غيب

حضار ملوك

تحت أطمار أنزاع قبائل وأصحاب فضائل وأنوار دلائل

آذانهم واعية

وأسرارهم صافية

ونعوتهم خافيه صفرية صوفيه نوريه صفيه

ودائع الله بين خليقته

وصفوته في بريته

ووصاياه لنبيه

وخباياه عند صفيه

هم في حياته أهل صفته

وبعد وفاته خيار أمته

لم يزل يدعو الأول الثاني والسابق التالي بلسان فعله أغناه ذلك عن قوله.

تلك لمحة عن التصوف والصوفية الذين رأت قلوبهم الله فلم تمت قلوبهم بعد المشاهدة بل خلدت تنبض بالحب وتقتات بالذكر وتنعم بالهدى والرضا وترسل الشعاع الذي ينير طريق السالكين إلى ربهم.

وخلد مع القلب الحي الطاهر كل ما صدر عنه من كلم حي طاهر طيب مرتبط بالله موصول به. وإن من أخلد ما كتب عن التصوف والصوفية لكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للإمام العالم العارف تاج الإسلام أبي بكر محمد بن إسحاق البخاري الكلاباذي المتوفى سنة 380 ه 990 م. وهو من أقدم وأدق وأنقى وأصفى ما كتب عن هذا العلم ورجاله.

↑↑
كتبه العارف الكلاباذي في العصر الذهبي للتصوف في أوائل القرن الرابع للهجرة. القرن الذي بلغ فيه التصوف كماله العلمي والفني واستكمل فيه التصوف علومه ومناهجه وآدابه وسلوكه ومقاماته. وجاء كتاب الكلاباذي صورة كاملة لعصره الذهبي بل صورة للتصوف في أعلى ذراه وأنقى موارده وأهدى معارجه. والكتاب بعد هذا صورة ورسالة يقوم على منهج وغاية في دقة وأمانة وبراعة علمية وكفاءة فنية يزينه ويجليه أسلوب عبقري فيه إشراق ومرونة لا يعرف الحشو والتطرف ولا البهرج المتكلف بل يقصد إلى غايته بأرشق الكلمات وأحلاها وأعلاها في غير إسراف أو تطويل أو خروج عن الهدف والمنهج. ولهذا كان هذا الكتاب مع قله صفحاته موسوعة علمية صوفية كبرى يغني عن غيره من الموسوعات الكبرى، ولا يغني غيره عنه حتى قال علماء التصوف القدامى: لولا التعرف لما عرف التصوف.

والكلاباذي ليس مؤرخا في هذا الكتاب فحسب بل هو عالم عارف ذائق يدلي برأيه وحجته. ثم هو معاصر وصديق للثقات الأئمة الذين أضاءوا آفاق التصوف في عصره الذهبي. ولهذا يقول في كتابه وهو يعرض لأحاديث الصفوة الأعلام: سمعنا أو قال لنا.

ويحدثنا الكلاباذي عن منهجه في كتابه فيقول: "فدعاني ذلك إلى أن رسمت في كتابي هذا وصف طريقتهم وبيان نحلتهم وسيرتهم من القول في التوحيد والصفات وسائر ما يتصل به مما وقعت فيه الشبهة عند من لم يعرف مذاهبهم ولم يخدم مشايخهم. وكشفت بلسان العلم ما أمكن كشفه ووصفت بظاهر البيان ما صلح وصفه ليفهمه من يفهم إشاراتهم ويدركه من لم يدرك عباراتهم. وينتفي عنهم خرص المتخرصين وسوء تأويل الجاهلين ويكون بيانا لمن أراد سلوك طريقه مفتقرا إلى الله تعالى في بلوغ تحقيقه بعد أن تصفحت كتب الحذاق فيه، وتتبعت حكايات المتحققين له بعد العشرة لهم والسؤال عنهم."

↑↑
ثم لا يكتفي الكلاباذي في كتابه بهذا. إن له لشخصيته وعلمه واستنباطه واجتهاده. وإنه ليسخر كل ملكاته ليقدم لنا المعرفة الصوفية في صورة كاملة من تحصيله وتصويره. وهو منهج في التأليف قل نظيره في قدامى المؤرخين. يقول الكلاباذي: "هذا ما تحققناه وصح عندنا من مذاهب القوم من أقاويلهم في كتبهم ممن ذكرنا أسماءهم ابتداء ما سمعناه من الثقات ممن عرف أصولهم وتحقق مذاهبهم والذي فهمناه من رموزهم وإشاراتهم في ضمن كلامهم". قال "وليس كل ذلك مسطورا لهم على حسب ما حكيناه وأكثر ما ذكرنا من العلل والاحتجاج فمن كلامنا عبارة عما حصلناه من كتبهم ورسائلهم. ومن تدبر كلامهم وتفحص كتبهم علم صحة ما حكيناه. ولولا أنا كرهنا الإطالة لكنا نذكر مكان ما حكيناه من كلامهم في كتبهم نصا ودلالة إذ ليس كل ذلك مرسوما في الكتب على التصريح"

وكتاب التعرف ليس كتابا من كتب الطبقات. وليس موسوعة تجمع أشتاتا من المعارف لا ترابط بينها. إنه مادة العلم الصوفي وجوهره مع الدليل والتحليل والبرهان الذي لا يرقى إليه شك ولا يشوبه غموض.

↑↑
فإذا تحدث الكلاباذي عن المقامات مثلا راح في علم وذوق يحللها ويجليها ويكشف عن أسرارها ومعانيها ويقدم لها الدليل تلو الدليل من الكتاب والسنة والمنطق الإسلامي. يقول الكلاباذي في حديثه عن المقامات:
"ثم لكل مقام بدء ونهاية. وبينهما أحوال متفاوتة ولكل مقام علم وإلى كل حال إشارة. ومع كل مقام إثبات ونفي وليس كل ما نفي في مقام كان منفيا فيما قبله، ولا كل ما أثبت فيه كان مثبتا فيما دونه. وهو كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له". فنفي إيمان الأمانة لا إيمان العقد. والمخاطبون أدركوا ذلك إذ كانوا قد حلوا مقام الأمانة أو جاوزوه إلى ما فوقه. وكان عليه السلام مشرفا على أحوالهم فصرح لهم. فأما من لم يشرف على أحوال السامعين وعبر عن مقام فنفى فيه واثبت جاز أن يكون في السامعين من لم يصل ذلك المقام وكان الذي نفاه القائل مثبتا فيه في مقام السامع، فيسبق إلى وهم السامع أنه نفى ما أثبته العلم فخطأ قائله أو بدعه وربما كفره. فلما كان الأمر كذلك اصطلحت هذه الطائفة على ألفاظ في علومها تعارفوها بينهم ورمزوا بها فأدركه صاحبه وخفي على السامع الذي لم يحل مقامه. فإما أن يحسن ظنه بالقائل فيقبله ويرجع إلى نفسه فيحكم عليها بقصور فهمه عنه، أو يسوء ظنه به فيهوس قائله وينسبه إلى الهذيان. وهذا أسلم له من رد حق وإنكاره".

↑↑
ذلك هو منطق الكلاباذي في عرضه العلمي وتحليله الصوفي وهذا منهجه في سائر ما يتناول في كتابه من دقائق. ولهذا كان كتابه صورة صادقة لاسمه: "التعرف لمذهب أهل التصوف".

ولقد وقفنا طويلا عند هذه التسمية وأخذنا نتساءل أهذه التسمية دقيقة؟

لقد أثارت في قوة ٍانتباهنا إليها ككل، وأثارت في عنف انتباهنا إلى كل كلمة من كلماتها. إن المؤلف قال "التعرف"، ولم يقل دراسة أو بحث أو شرح. وقال "مذهب" بصيغة المفرد ولم يقل مذاهب. وقال "أهل التصوف" ولم يقل الصوفية مثلا. وكان من الممكن أن تكون التسمية هكذا "دراسة مذاهب الصوفية".

هل التزم المؤلف الدقة في هذا العنوان وتروى في كلماته؟

إن المؤلف من أعلام الصوفية. فإذا عبر عن التصوف فإنما يعبر عن شعور وذوق. إنه يعبر عن تجربة مر بها فلا يمكن إلا أن يكون دقيقا. ثم هو فقيه حنفي ومن خصائص فقهاء الأحناف المنطق الدقيق والاستدلال العقلي.
والمؤلف إذن جمع بين الشعور الذوقي والإتقان المنطقي. وكتابه إذن إنما صدر عن تجربة وعن منطق. ويظهر ذلك بوضوح في كل صفحة من صفحات الكتاب. ولكن أيظهر ذلك في العنوان أيضا؟ الواقع أننا بعد أن أطلنا التفكير في العنوان دهشنا لدقته الدقيقة وإحكامه المحكم.

إن أمر التصوف في الواقع ليس أمر جدل أو بحث أو أخذ ورد، وإنما هو تعرف. والقياس فيه والمنطق والاستدلال والبحث والدراسة والأسلوب العلمي يصب ظاهرا منه وشكلا أو رسما. وربما كانت حجابا أو ظلمة تبعد الدارس عن النور بدل أن تغمره بلآلئه. ومن المؤكد أن الذين لا يعلمون إلا ظاهرا من الأمر هم عن الحقيقة محجوبون. والتصوف تجربة والتجربة شعور والشعور ليس منطقا ولا برهانا إنما هو تعرف. وحينما دخل المنطق والبرهان في التصوف وكان أوضح مثل لذلك دراسات المستشرقين ومن لف لفهم من الشرقيين أفسد ذلك التصوف لأنه حول النبع المتدفق إلى ركود آسن. وحول السناء المتلألئ إلى ظلمة حالكة وأرجع فضل الله ونعمته إلى مرض من الأمراض. يعالج بالمادة ويشفي بالعقاقير.

↑↑
إن التصوف ليس علما وإذا تدخل العلم فيه أفسده كإفساد العلم المزيف للدين حينما تدخل في الوحي والنبوة والألوهية. ونقول العلم المزيف لأن العلم الصحيح لا يتعدى حدوده. وللعلم الصحيح دائرته وهي التجربة المادية التي لا يتعداها. والتصوف تجربة روحية وليس للمادة شأن بالروح. فليس للعلم بالمعنى الحديث إذن شأن بالتصوف. إن العلم أرض ومادة وحس، والتصوف سماء وروح وذوق. وأمر التصوف في النهاية تعرف لا دراسة أو جدل أو علم.

↑↑
وإذا ما وصلنا إلى هذه النتيجة التي هي في رأينا صحيحة كل الصحة فإن معنى ذلك أن من لا يشعر بالشعور الصوفي فإنه لا يتعرف عليه، كما أن من لم يسلك طريقا معينا بالذات ولو مرة واحدة فإنه لا يتعرف على ما فيه من ظل ظليل أو زهور ناضرات.


وقديما قالوا "من ذاق عرف" وبالتالي فإن من لم يذق لا يعرف. وكتاب المؤلف إذن ليس إلا محاولة للتعبير بالألفاظ عن الشعور المتدفق الفياض. وهذا التعبير لا يفهمه حق فهمه إلا من شعر به. ومعنى فهمه له أنه تعرف عليه وفهمه. إذن إنما هو تعرف فحسب.

والمؤلف يقول "مذهب". وفي الناس من يرى أن التصوف مذاهب وفرق وطوائف ولكن هذا التفكير المنحرف تأتى إلى القائلين به من نظرتهم إلى علم الكلام وإلى الفلسفة. ففي علم الكلام أشاعرة ومعتزلة ومشبهة وفي الفلسفة أرسطيون وأفلاطونيون وديكارتيون. وأمر الطوائف والفرق يتجاوز علم الكلام والفلسفة إلى الاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع. والنفوس مهيأة لقبول فكرة الطوائف في جميع العلوم النظرية.

↑↑
ولقد خلط الكاتبون بين هذه الدراسات والتصوف فزعموا أن في التصوف مذاهب وفرقا وطوائف. ولو أنعموا النظر لعرفوا أن التصوف تجربة روحية وليس نظرا عقليا. وإذا كان النظر العقلي يفرق الناظرين إلى طوائف، وفرق فإن التجربة لا يختلف فيها اثنان. وإذا كانت الفلسفة -لأنها نظر عقلي- مذاهب متعددة فإن التصوف -وهو تجربة- مذهب واحد لا تعدد فيه ولا اختلاف.


وكما أنه لا يستساغ الخلطة بين الوسائل والغايات في أي ميدان من الميادين، فإنه لا يستساغ الخلط بين طرق التصوف وهي وسائل، وبين الغاية وهي التصوف نفسه. فطرق التصوف متعددة مختلفة وبعضها أوفق من بعض وبعضها أسرع من غيرها، ولكنها على اختلافها وتعددها تؤدي إلى هدف واحد وغاية واحدة.

التصوف إذن مذهب بصيغة المفرد، لا مذاهب بصيغة الجمع. وتعبير المؤلف إذا مستقيم كل الاستقامة.

ويقول المؤلف "أهل التصوف". وللتصوف حقيقةً أهله وذووه. أما أهله وذووه فهم هؤلاء الذين وهبهم الله حسا مرهفا وذكاء حادا وفطرة روحانية وصفاء يكاد يكون في صفاء الملائكة، وطبيعة تكاد تكون مخلوقة من النور. والناس معادن، والطبائع مختلفة. فمنها ما يرقى إلى الطبيعة الملائكية وكأنه في طبيعته قبس خالص من نور الله، ومنها ما يسفل ويسفل إلى أن يصبح أو يكاد في مستوى السائمة.

ولقد صور رسول الله صلى الله عليه وسلم طبائع الناس في تقبل النور الإلهي فقال: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت 
به



↑↑
وفي القرآن صور رائعة للطبائع المختلفة والآية الآتية تصور تلك الطبائع يقول الله تعالى لرسوله الكريم: ((واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا. ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا)).


ومن أروع الصور القرآنية للذين نزلت طبائعهم إلى مستوى السائمة قوله تعالى: ((واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)).
واختلاف الطبائع مسالة بديهية. وما دام التصوف نورا وهداية فإن له أهله وذويه الذين اصطفى الله واجتبى.
"

التعرف لمذهب أهل التصوف" إنه عنوان هادف كما أنه كتاب هادف.

ولهذا حرصنا كل الحرص على أن نقدمه مصححا محققا إلى العالم الإسلامي بعد أن راجعناه على نسختين خطيتين ليكون قبسا من نور وقبضه من شعاع وفيضا من علم وأخلاق وطهر. وصورة من منهج رسم الطريق الصاعد للعالم الإسلامي في ماضيه المشرق العظيم. ويرسم الطريق الصاعد للعالم الإسلامي في حاضره أو فجره الذي تتراءى أنواره في الآفاق مبشرة بغد يسامق ماضيه في الإشراق والعزة والقوة.



مقدمة لجنة نشر الأصول الصوفية وكتاب التعرف ب

↑↑

إن المدينة العالمية الحاضرة إنما هي مدنية المادة. وإن أدنى نظرة فيها ترى بوضوح أن الروح المادية مسيطرة طاغية. حتى لقد حددت دائرة العلم فيها بدائرة مادية واتجه البحث نتيجة لذلك إلى المادة على الخصوص. ومنذ أن أرسى "بيكون" قواعد الاستقراء والملاحظة والتجربة اتجه الباحثون إلى اتخاذ ذلك وحده منهجا للبحث عن الحقيقة. وحينما نشأ ملاحدة القرن الثامن عشر والتاسع عشر موهوا على الناس فصوروا لهم الدائرة المادية على أنها الدائرة الثابتة التي تتكشف فيها الحقائق. أما ما عدا هذه الدائرة مما وراء الطبيعة ومن الغيب فإنها زيف كلها وسراب خداع. وقام في الغرب كما قام في الشرق أفذاذ مصلحون ينادون بأن طغيان الروح المادية يتنافى مع الإنسانية ومع الأخلاق ومع الدين أي دين كان. ولكن صرخاتهم تلاشت أمام الغرائز الجامحة والشهوات الملحة والأهواء الغلابة وسادت الروح المادية في الحضارة الراهنة. وكان من نتيجة ذلك الحرب الكبرى الأولى والحرب الكبرى الثانية اللتان لم تدعا قطرا من الأقطار أو إقليما من الأقاليم إلا ونثرتا فيه الشقاء ألوانا. شقاء الفقر أو شقاء الموت والهلاك والدمار.


وإذا سادت الروح المادية أصبحت الأهداف والغايات مادية. أصبحت استعمارا وامتصاص دماء وسيطرة بالقوة واغتصابا. بل أصبحت سلبا ونهبا واستعباد دولة لدولة وإلقاء بكل المعايير الأخلاقية والإنسانية إلى موطئ الأقدام. وكل ذلك في الواقع هو الحضارة الحالية. بل إن الواقع أدهى من ذلك وأفظع وأي قلم يمكنه أن يصور مأساة هيروشيما وناجازاكي التي تولى كبرها وباء بإثمها من يزعمون أنهم حملة مشعل حضارة القرن العشرين.

وأي قلم يمكنه أن يصور نتائج مخترعات الدمار التي تتبارى الشعوب فيها وتتنافس وتنفق عليها آلاف الملايين يجمعونها من كدح العمال وتعبهم المضني لينفقوها في هلاك العالم وتدمير الإنسانية. القنبلة الذرية القنبلة الهدروجينية، الكوبالت، أشعة الموت، حرب الميكروبات، حرب الغازات. ومع كل هذه الوسائل التدميرية العالمية تأتي وسائل أشد فتكا بالروح الإنساني والقيم الأخلاقية والمباديء الإيمانية. تأتي المذاهب الإلحادية الفاجرة والفلسفات الوجودية الداعرة والشهوات المسعورة السافرة. إنها المدنية الحاضرة، إنها الحضارة الراهنة؛ حضارة الشيطان التي خلا لها وجه العالم أو أوشك.

↑↑
ونحن أبناء القرآن لنا حضارة عريقة ولنا رسالة إنسانية عالمية هي رسالة الروح والإيمان والأخلاق والأخوة الإنسانية. حضارة لا تخضع للغرائز ولا تسلم قيادها للشهوات ولا تسجد للشيطان ولا تتبع خطواته في الإفساد والاستعباد والتدمير. وإنها لتسمو على هذا كله، لأن هدفها الأول والأخير إيجاد الإنسان الفاضل والظفر برضوان الله وحبه. وإنها لرسالة يجب أن يتكاتف المؤمنون على القيام بها وفتح الآفاق لأنوارها وكشف الحجب عن روحها. يجب أن نضئ مصابيحها وأن نبرز مناهجها وأهدافها وأن نقدم زادها الروحي والخلقي والإيماني للناس كافة ليجدوا فيه نجاتهم وعصمتهم مما يعده رسل الجاهلية الشيطانية من تدمير وإفساد.


وإن في تلك الحركات العلمية والإصلاحية الحركات الحية الفتية التي تمشي على وجه الحياة في العالم الإسلامي لبشرى لمن يرجون أيام الله ويرتقبون عودة الحضارة الإيمانية إلى الحياة. وفي سبيل الحضارة الإيمانية الربانية وبين يديها نطلق تلك الأشعة الصوفية التي تعمق الاتجاه الروحي في النفوس القلقة وتثبت الإيمان وتنميه في القلوب الحائرة. وفي سبيل عالم أسمى وإنسانية أهدى ورضوان من الله أكبر قمنا بنشر سلسلة الأصول الصوفية الكبرى التي تضم روائع التراث الروحي الإسلامي.

↑↑
ومما يبعث الغبطة والأمل في قلوبنا أن الكثير من الكتب التي نشرناها والتي نحن بسبيل شرها قد ترجم ترجمة صحيحة إلى اللغات العالمية. ونحن نرجو أن يكون انتشارها في الشرق والغرب معا أساسا لقبس من النور والهداية. ندعو الله أن يكتب له النمو والانتشار حتى يتم ضوؤه ويعم نوره فيكون طليعة بعث جديد لحضارة جديدة أقوم قيلا وأهدى سبيلا.

ونحن كما يرى القارئ كعهدنا لم نحاول أن نظهر تعالما زائفا يحشد الكثير من الهوامش التي لا ضرورة لها. وإنما كان هدفنا أن ننشر النص صحيحا محققا محررا وأن نيسره للقارئ العربي كما نيسر ترجمته للقارئ الغربي.
↑↑
عبد الحليم محمود

طه عبد الباقي سرور





مقدمة المؤلف: التعرف لمذهب أهل التصوف ج

↑↑



الحمد الله المحتجب بكبريائه عن درك العيون.

المتعزز بجلاله وجبروته عن لواحق الظنون. المتفرد بذاته عن شبه ذوات المخلوقين. المتنزه بصفاته عن صفات المحدثين. القديم الذي لم يزل، والباقي الذي لا يزال. المتعالي عن الأشباه والأضداد والأشكال. الدال لخلقه على وحدانيته بإعلامه وآياته. المتعرف إلى أوليائه بأسمائه ونعوته وصفاته. المقرب أسرارهم منه، والعاطف بقلوبهم عليه. المقبل عليهم بلطفه الجاذب لهم إليه. بعطفه طهر عن أدناس النفوس أسرارهم. وأجل عن موافقة الرسوم أقدارهم.

اصطفى من شاء منهم لرسالته، وانتخب من أراد لوحيه وسفارته. انزل عليهم كتبا أمر فيها ونهى، ووعد من أطاع وأوعد من عصى. أبان فضلهم على جميع البشر، ورفع درجاتهم أن يبلغها قدر ذي خطر. ختمهم بمحمد عليه وعليهم الصلاة والسلام وأمر بالإيمان به والإسلام. فدينه خير الأديان. وأمته خير الأمم. لا نسخ لشريعته، ولا أمة بعد أمته. جعل فيهم صفوة وأخيارا ونجباء وأبرارا. سبقت لهم من الله الحسنى وألزمهم كلمة التقوى وعزف بنفوسهم عن الدنيا. صدقت مجاهداتهم فنالوا علوم الدراسة. وخلصت عليها معاملاتهم. فمنحوا علوم الوراثة. وصفت سرائرهم فأكرموا بصدق الفراسة. ثبتت أقدامهم وزكت أفهامهم وأنارت أعلامهم. فهموا عن الله وساروا إلى الله وأعرضوا عما سوى الله. خرقت الحجب أنوارهم وجالت حول العرش أسرارهم وجلت عند ذي العرش أخطارهم وعميت عما دون العرش أبصارهم. فهم أجسام روحانيون وفي الأرض سماويون ومع الخلق ربانيون. سكوت، نظار غيب، حضار ملوك. تحت أطمار أنزاع قبائل وأصحاب فضائل وأنوار دلائل. آذانهم واعية وأسرارهم صافية ونعوتهم خافية صفرية، صوفية، نوريه صفية. ودائع الله بين خليقته وصفوته في بريته ووصاياه لنبيه وخباياه عند صفيه. هم في حياته أهل صفته وبعد وفاته خيار أمته. لم يزل يدعو الأول الثاني والسابق التالي بلسان فعله أعناه ذلك عن قوله.

حتى قل الرغب.

وفتر الطلب.

فصار الحال أجوبة ومسائل، وكتبا ورسائل.

فالمعاني لأربابها قريبة. والصدور لفهمها رحيبة.

إلى أن ذهب المعنى، وبقى الاسم.

وغابت الحقيقة، وحصل الرسم.

↑↑

فصار التحقيق حلية. والتصديق زينة. وادعاه من لم يعرفه وتحلى به من لم يصفه. وأنكره بفعله من أقر به بلسانه. وكتمه بصدقه من أظهره ببيانه. وأدخل فيه ما ليس منه. ونسب إليه ما ليس فيه. فجعل حقه باطل،ا وسمى عالمه جاهلا. وانفرد المتحقق فيه ضنا به. وسكت الواصف له غيرة عليه. فنفرت القلوب منه. وانصرفت النفس عنه.
فذهب العلم وأهله. والبيان وفعله. فصار الجهال علماء، والعلماء أذلاء. فدعاني ذلك إلى أن رسمت في كتابي هذا وصف طريقتهم. وبيان نحلتهم وسيرتهم. من القول في التوحيد والصفات وسائر ما يتصل به مما وقعت فيه الشبهة عند من لم يعرف مذاهبهم ولم يخدم مشايخهم. وكشفت بلسان العلم ما أمكن كشفه. ووصفت بظاهر البيان ما صلح وصفه.

ليفهمه من لم يفهم إشاراتهم. ويدركه من لم يدرك عباراتهم. وينتفي عنهم خرص المتخرصين، وسوء تأويل الجاهلين.

ويكون بيانا لمن أراد سلوك طريقه مفتقرا إلى الله تعالى في بلوغ تحقيقه. بعد أن تصفحت كتب الحذاق فيه. وتتبعت حكايات المتحققين له بعد العشرة لهم والسؤال عنهم. وسميته بكتاب "التعرف لمذهب أهل التصوف" إخبارا عن الغرض بما فيه.

وبالله أستعين وعليه أتوكل وعلى نبيه أصلي وبه أتوسل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

↑↑



الباب الأول: قَوْلهُم في الصُّوْفِيَّة: لِمَ سُمّيت الصُّوْفِيَّةُ صُوْفِيَّة

↑↑

قالت طائفة: إنما سميت الصوفية صوفية: لصفاء أسرارها، ونقاء آثارها.

وقال بشر بن الحارث: الصوفي: من صفا قلبه لله.

وقال بعضهم: الصوفي: من صفت لله معاملته، فصفت له من الله كرامته.

وقال قوم: إنما سموا صوفية: لأنهم في الصف الأول بين يدي الله ؛ بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم بقلوبهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه.

وقال قوم: إنما سموا صوفية: لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصُّفَّة، الذين كانوا على عهد رسول الله .

وقال قوم: إنما سموا صوفية: للبسهم الصوف.

وأما من نسبهم إلى الصُّفَّة والصوف: فإنه عبر عن ظاهر أحوالهم؛ وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان، وهجروا الأخدان، وساحوا في البلاد، وأجاعوا الأكباد، وأعروا الأجساد، لم يأخذوا من الدنيا إلا مالا يجوز تركه من ستر عورة، وسد جوعة.

فلخروجهم عن الأوطان سموا: غرباء.

ولكثرة أسفارهم سموا: سياحين.

ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار: "شكفتية" والشكفت بلغتهم: الغار والكهف.

وأهل الشام سموهم: "جوعية"؛ لأنهم إنما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب للضرورة؛ كما قال النبي : {بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه}.

وقال السري السقطي - ووصفهم - فقال: "أكلهم أكل المرضى، ونومهم نوم الغرقى، وكلامهم كلام الخرقى".

ومن تخليهم عن الأملاك سموا: فقراء ؛ قيل لبعضهم: من الصوفي؟ قال: "الذي لا يملِك ولا يُملَك" يعنى: لا يستَرِقّه الطمع. وقال آخر: "هو الذي لا يملك شيئا، وإن ملكه بَذَلَه".

ومن لبسهم وزيهم سموا: "صوفية"؛ لأنهم لم يلبسوا لحظوظ النفس ما لآن مسه، وحسن منظره، وإنما لبسوا لستر العورة، فتجزوا بالخشن من الشعر، والغليظ من الصوف.

ثم هذه كلها: أحوال أهل الصُّفَّة، الذين كانوا على عهد رسول الله ؛ فإنهم كانوا غرباء فقراء مهاجرين، أخرجوا من ديارهم وأموالهم، ووصفهم أبو هريرة وفضالة بن عبيد فقالا: يخرون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين، وكان لباسهم الصوف حتى إن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن إذا أصابه المطر، هذا وصف بعضهم لهم، حتى قال عيينة بن حصن للنبي : إنه ليؤذيني ريح هؤلاء، أما يؤذيك ريحهم؟!

ثم الصوف: لباس الأنبياء، وزى الأولياء.

وقال أبو موسى الأشعري عن النبي : {إنه مر بالصخرة من الرَّوحاء سبعون نَبِيَّاً، حفاة، عليهم العَبَاء، يؤمون البيت العتيق}.

↑↑

وقال الحسن البصري: كان عيسى يلبس الشَّعر، ويأكل من الشجرة، ويبيت حيث أمسى ".

وقال أبو موسى: كان النبي يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويأتي مدعاة الضعيف ".

وقال الحسن البصري: لقد أدركت سبعين بدريا، ما كان لباسهم إلا الصوف ".

فلما كانت هذه الطائفة بصفة " أهل الصفة " فيما ذكرنا، ولبسهم وزيهم زي أهلها، سموا " صُفِّيَّة "، و" صوفية ".

ومن نسبهم إلى الصُّفَّة والصف الأول: فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم؛ وذلك أن من ترك الدنيا وزهد فيها وأعرض عنها، صفَّى الله سره، ونور قلبه.

قال النبي : {إذ دخل النور في القلب انشرح وانفسح}، قيل: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: {التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله}، فأخبر النبي أن من تجافى عن الدنيا نور الله قلبه. ↑↑

وقال حارثه حين سأله النبي : {ما حقيقة إيمانك}؟ قال: عزفت بنفسي عن الدنيا، فأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وإلى أهل النار يتعادون "، فأخبر أنه لما عزف عن الدنيا، نور الله قلبه، فكان ما غاب منه بمنزلة ما يشاهده.

وقال النبي : {من أحب أن ينظر إلى عبد نور الله قلبه، فلينظر إلى حارثة}، فأخبر أنه منور القلب.

وسميت هذه الطائفة: نوريه "؛ لهذه الأوصاف، وهذا أيضا من أوصاف أهل الصفة؛ قال الله تعالى {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين}، والتطهر: بالظواهر عن الأنجاس، وبالبواطن عن الأهجاس وما يتحرك في الضمير من الخواطر.

وقال الله تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}.

ثم لصفاء أسرارهم تصدق فراستهم؛ قال أبو أمامة الباهلي عن النبي : {اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله}.

وقال أبو بكر الصديق : ألقى في روعي: أن ذا بطن بنت خارجة "، فكان كما قال.

وقال النبي : {إن الحق لينطق على لسان عمر}.

وقال أويس القرني لهرم بن حيان - حين سلم عليه -: وعليك السلام يا هرم بن حيان "، ولم يكن رآه قبل ذلك! ثم قال له: عرف روحي روحك ".

وقال أبو عبد الله الأنطاكي: إذا جالستم أهل الصدق، فجالسوهم بالصدق؛ فإنهم جواسيس القلوب، يدخلون في أسراركم، ويخرجون من هممكم ".

ثم من كان بهذه الصفة (من صفوة سره، وطهارة قلبه، ونور صدره): فهو في الصف الأول؛ لأن هذه أوصاف السابقين.

قال النبي : {يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب}، ثم وصفهم وقال: {الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يكوون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون}، فلصفاء أسرارهم وشرح صدورهم وضياء قلوبهم، صحت معارفهم بالله، فلم يرجعوا إلى الأسباب، ثقة بالله ، وتوكلا عليه، ورضا بقضائه.

فقد اجتمعت هذه الأوصاف كلها، ومعاني هذه الأسماء كلها، في أسامي القوم وألقابهم، وصحت هذه العبارات، وقربت هذه المآخذ.

وإن كانت هذه الألفاظ متغيرة في الظاهر، فإن المعاني متفقة؛ لأنها إن أخذت من " الصفاء والصفوة " كانت صَفَويَّة، وإن أضيفت إلى " الصفِّ أو الصُّفَّة " كانت صَفِّيَّة أو صُفِّيَّة.

ويجوز أن يكون تقديم " الواو " على " الفاء " في لفظ " الصوفية "، وزيادتها في لفظ " الصَّفِّيَّة والصُّفِّيَّة ": إنما كانت من تداول الألسن. ↑↑

وإن جعل مأخذه من " الصوف ": استقام اللفظ، وصحت العبارة: من حيث اللغة، وجميع المعاني كلها (من التخلي عن الدنيا، وعزوف النفس عنها، وترك الأوطان، ولزوم الأسفار، ومنع النفوس حظوظها، وصفاء المعاملات، وصفوة الأسرار، وانشراح الصدور، وصفة السباق).

وقال بندار بن الحسين: الصوفي: من اختاره الحق لنفسه فصافاه، وعن نفسه برأه، ولم يرده إلى تعمل وتكلف بدعوى. و" صُوْفِي ": على زِنَة عُوْفِي، أي: عافاه الله فعوفي، وكوفي، أي: كافاه الله فكوفي، وجوزي، أي: جازاه الله؛ ففعل الله به ظاهر في اسمه، والله المتفرد به ".

وقال أبو علي الرّوذباري - وسئل عن الصوفي - فقال: من لبس الصوف على الصفاء، وأطعم الهوى ذوق الجفاء، وكانت الدنيا منه على القفا، وسلك منهاج المصطفى ".

وسئل سهل بن عبد الله التستري: من الصوفي؟ فقال: من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله من البشر، واستوى عنده الذهب والمدر ".

وسئل أبو الحسن النوري: ما التصوف؟ فقال: ترك كل حظ للنفس ".

وسئل الجنيد عن التصوف؟ فقال: تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية، واستعمال ما هو أولى على الأبدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، واتباع الرسول في الشريعة "

وقال يوسف بي الحسين: لكل أمَّةٍ صَفْوَة، وهم وديعة الله الذين أخفاهم عن خلقه، فإن يكن منهم في هذه الأمة: فهم الصوفية ".

قال رجل لسهل بن عبد الله التستري: من أصحب من طوائف الناس؟ فقال: عليك بالصوفية؛ فإنهم لا يستكثرون، ولا يستنكرون شيئا، ولكل فعل عندهم تأويل، فهم يعذرونك على كل حال.

وقال يوسف بن الحسين: سألت ذا النون من أصحب؟ فقال: من لا يملّك، ولا ينكر عليك حالا من أحوالك، ولا يتغير بتغيرك وإن كان عظيما؛ فإنك أحوج ما تكون إليه أشد ما كنت تغيرا.

وقال ذو النون: رأيت امرأة ببعض سواحل الشام، فقلت لها: من أين أقبلت رحمك الله؟

قالت: من عند أقوام تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفا وطمعا.

قلت: وأين تريدين؟
 

قالت: إلى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

قلت: صفيهم لي؟ فأنشأت تقول:

↑↑


قومٌ: هُمُومُهم بالله قد عَلِقَت *** فما لهم هِمَمٌ تسمو إلى أحد  
فمطلب القوم مولاهم وسيدهم *** يا حسن مطلبهم للواحد الصمد  
ما إنْ تَنَازَعهُم دُنْيا ولا شرف *** من المطاعم واللذات والولد  
ولا للبس ثياب فَائِقٍ أنِقِ *** ولا لروح سرور حلَّ في بلد  
إلا مسارعة في إثْرِ منزلة *** قد قارب الخطو فيها بَاعِدُ الأبد  
فهم رهائن غدران وأوديَة *** وفي الشوامخ تلقاهم مع العدد  
 
الباب الثاني: في رجال الصُّوفِيَّة

↑↑

ممن نطق بعلومهم، وعبر عن مواجيدهم، ونشر مقاماتهم، ووصف أحوالهم قولا وفعلا بعد الصحابة : علي بن الحسين زين العابدين، وابنه محمد بن علي الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق، ، بعد علي، والحسن، والحسين، ، وأويس القرني، وهرم بن حيان، والحسن بن أبي الحسن البصري، وأبو حازم سلمة بن دينار المديني، ومالك بن دينار، وعبد الواحد بن زيد، وعتبة الغلام، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وابنه علي بن الفضيل، وداود الطائي، وسفيان بن سعيد الثوري، وسفيان بن عيينة، وأبو سليمان الداراني، وابنه سليمان، وأحمد بن الحواري الدمشقي، وأبو الفيض ذو النون بن إبراهيم المصري، وأخوه ذو الكفل، والسري ابن المغلس السقطي، وبشر بن الحارث الحافي، ومعروف الكرخي، وأبو حذيفة المرعشي، ومحمد بن المبارك الصوري، ويوسف بن أسباط، رحمهم الله. ↑↑

ومن أهل خراسان والجبل: أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطامي، وأبو حفص الحداد النيسابوري، وأحمد بن خضرويه البلخي، وسهل بن عبد الله التستري، ويوسف بن الحسين الرازي، وأبو بكر بن طاهر الأبهري، وعلي بن سهل بن الأزهر الأصفهاني، وعلى بن محمد البارزي، وأبو بكر الكناني الدينوري، وأبو محمد بن الحسن بن محمد الرحاني، والعباس بن الفضل بن قتيبة ابن منصور الدينوري، وكهمس بن علي الهمداني، والحسن بن علي بن يزدانيار، أجمعين.



الباب الثالث: فِيْمَن نشَرَ عُلومَ الإشَارَة كُتُباً وَرَسَائل

↑↑

أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي، وأبو الحسين أحمد بن محمد ابن عبد الصمد النوري، وأبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز (ويقال له: لسان التصوف)، وأبو محمد رويم بن محمد، وأبو العباس أحمد بن عطاء البغدادي، وأبو عبد الله عمرو بن عثمان المكي، وأبو يعقوب يوسف بن حمدان السوسي، وأبو يعقوب إسحاق بن محمد بن أيوب النهرجوري، وأبو محمد الحسن بن محمد الجريري، وأبو عبد الله محمد بن علي الكتاني، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص، وأبو علي الأوراجي، وأبو بكر محمد بن موسى الواسطي، وأبو عبد الله الهاشمي، وأبو عبد الله هيكل القرشي، وأبو علي الروذباري، وأبو بكر القحطي، وأبو بكر الشبلي (وهو دلف بن جحدر) أجمعين.





الباب الرابع: فِيْمَن صَنَّفَ في المُعَاملات


↑↑  
أبو محمد عبد الله بن محمد، وأبو عبد الله أحمد بن عاصم الأنطاكيان، وعبد الله بن خبيق الأنطاكي، والحارث بن أسد المحاسبي، ويحيى بن معاذ الرازي، وأبو بكر محمد بن عمر بن الفضل الوراق الترمذي، وأبو عثمان سعيد بن إسماعيل الرازي، وأبو عبد الله محمد بن علي الترمذي، وأبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي، وأبو علي الجوزجاني، وأبو القاسم ابن إسحاق بن محمد الحكيم السمرقندي. وهؤلاء هم الأعلام المذكورون المشهورون، المشهود لهم بالفضل، الذين جمعوا علوم المواريث إلى علوم الاكتساب، سمعوا الحديث، وجمعوا الفقه والكلام واللغة وعلم القرآن، تشهد بذلك كتبهم ومصنفاتهم. ولم نذكر المتأخرين وأهل العصر، وإن لم يكونوا بدون من ذكرنا علما؛ لأن الشهود يغني عن الخبر عنهم، وبالله التوفيق.




الباب الخامس: شَرْح قَوْلهم في التَّوْحِيْد

↑↑

اجتمعت الصوفية على: أن الله واحد أحد، فرد صمد، قديم، عالم، قادر، حي، سميع بصير، عزيز عظيم، جليل كبير، جواد رؤوف، متكبر جبار، باق، أول، إله، سيد، مالك، رب، رحمن، رحيم، مريد، حكيم، متكلم، خالق، رازق.

موصوف بكل ما وصف به نفسه من صفاته، مسمى بكل ما سمى به نفسه، لم يزل قديما بأسمائه وصفاته.

غير مشبه للخلق بوجه من الوجوه، لا تشبه ذاته الذوات، ولا صفته الصفات، لا يجري عليه شيء من سمات المخلوقين الدالة على حدثهم.

لم يزل سابقا متقدما للمحدثات، موجودا قبل كل شيء، لا قديم غيره ولا إله سواه.

ليس بجسم، ولا شبح، ولا صورة، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، لا اجتماع له ولا افتراق، لا يتحرك ولا يسكن، ولا ينقص ولا يزداد، ليس بذي أبعاض ولا أجزاء، ولا جوارح ولا أعضاء، ولا بذي جهات ولا أماكن، لا تجري عليه الآفات، ولا تأخذه السنات، ولا تداوله الأوقات، ولا تعينه الإشارات، لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان، لا تجوز عليه المماسة، ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، لا تحيط به الأفكار، ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الأبصار.

وقال بعض الكبراء في كلام له: لم يسبقه قبل، ولا يقطعه بعد، ولا يصادره مِن، ولا يوافقه عن، ولا يلاصقه إلى، ولا يحله في، ولا يوقفه إذ، ولا يؤامره إن، ولا يظله فوق، ولا يقله تحت، ولا يقابله حذاء، ولا يزاحمه عند، ولا يأخذه خلف، ولا يحده أمام، ولا يظهره قبل، ولا يفنيه بعد، ولا يجمعه كل، ولا يوجده كان، ولا يفقده ليس، ولا يستره خفاء؛ تقدم الحدث قِدَمُه، والعَدَمَ وجودُهُ، والغاية أزله.

إن قلت متى؟ فقد سبق الوقت كونُه، وإن قلت قبل؟ فالقبل بعده، وإن قلت هو؟ فالهاء والواو خلقه، وإن قلت كيف؟ فقد احتجب عن الوصف بالكيفية ذاتُه، وإن قلت أين؟ فقد تقدم المكان وجوده، وإن قلت ما هو؟ فقد باين الأشياء هويته. ↑↑

لا يجتمع صفتان لغيره في وقت، ولا يكون بهما على التضاد؛ فهو باطن في ظهوره، ظاهر في استتاره، فهو الظاهر الباطن، القريب البعيد، امتناعا بذلك من الخلق أن يشبهوه.

فعله من غير مباشرة، وتفهيمه من غير ملاقاة، وهدايته من غير إيماء، لا تنازعه الهمم، ولا تخالطه الأفكار، ليس لذاته تكييف، ولا لفعله تكليف ".

وأجمعوا على: أنه لا تدركه العيون، ولا تهجم عليه الظنون، ولا تتغير صفاته، ولا تتبدل أسماؤه. لم يزل كذلك، ولا يزال كذلك، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.



الباب السَّادِس: شَـرح قَوْلهم في الصّفَات

↑↑

أجمعوا على أن لله صفات على الحقيقة هو بها موصوف: من العلم، والقدرة، والقوة، والعز، والحلم، والحكمة، والكبرياء، والجبروت، والقدم، والحياة، والإرادة، والمشيئة، والكلام.

وأنها ليست بأجسام، ولا أعراض، ولا جواهر، كما أن ذاته ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر.

وأن له سمعا، وبصرا، ووجها، ويدا، على الحقيقة، ليس كالأسماع والأبصار والأيدي والوجوه.

وأجمعوا أنها صفات لله، وليس بجوارح، ولا أعضاء، ولا أجزاء.

وأجمعوا أنها ليست هي هو، ولا غيره، وليس معنى إثباتها أنه محتاج إليها، وأنه يفعل الأشياء بها، ولكن معناها: نفى أضدادها وإثباتها في أنفسها، وأنها قائمات به. ↑↑

ليس معنى العلم نفى الجهل فقط، ولا معنى القدرة بنفي العجز، ولكن إثبات العلم والقدرة؛ ولو كان بنفي الجهل عالما، وبنفي العجز قادرا، لكان المراد نفي الجهل والعجز عنه: عالما وقادرا. وكذلك جميع الصفات.

وليس وصفنا له بهذه الصفات صفة له، بل وصفنا صفتنا، وحكاية عن صفة قائمة به، ومن جعل صفة الله وصفة له من غير أن يثبت لله صفة على الحقيقة فهو كاذب عليه في الحقيقة، وذاكر له بغير وصفه، وليس هذا كالذكر فيكون مذكورا بذكر في غيره؛ لأن الذكر صفة الذاكر وليس بصفة للمذكور، والمذكور مذكور بذكر الذاكر والموصوف ليس بموصوف بوصف الواصف، ولو كان وصف الواصف صفة له لكانت أوصاف المشركين والكفر صفات له، كنحو الزوجة والولد والأنداد! وقد نزه الله تعالى نفسه عن وصفهم له فقال: {سبحانه وتعالى عما يصفون}، فهو جل وعز موصوف بصفة قائمة به، ليست ببائنة عنه؛ كما قال تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه}، وقال: {أنزله بعلمه}، وقال: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه}، وقال: {ذو القوة المتين}، {ذو الفضل العظيم}، {فلله العزة جميعا}، {ذي الجلال والإكرام}. ↑↑

وأجمعوا أنها لا تتغاير ولا تتماثل، وليس علمه قدرته ولا غير قدرته، وكذلك جميع صفاته: من السمع والبصر والوجه واليد، ليس سمعه بصره ولا غير بصره، كما أنه ليس هي هو ولا غيره.

واختلفوا في (الإتيان والمجيء والنزول): فقال الجمهور منهم: إنها صفات له كما يليق به، ولا يعبر عنها بأكثر من التلاوة والرواية، ويجب الإيمان بها، ولا يجب البحث عنها ".

وقال محمد بن موسى الواسطي: كما أن ذاته غير معلولة، كذلك صفاته غير معلولة، وإظهار الصمدية إياس عن المطالعة على شيء من حقائق الصفات، أو لطائف الذات ".

وأولها بعضهم فقال: معنى الإتيان منه: إيصاله ما يريد إليه، ونزوله إلى الشيء: إقباله عليه وقربه كرامته، وبعده: إهانته، وعلى هذا جميع هذه الصفات المتشابهة".

↑↑



الباب السَّابع: واختلفوا في أنه لم يزلْ خالِقاً

↑↑

فقال الجمهور منهم، والأكثرون من القدماء منهم، والكبار: إنه لا يجوز أن يحدث لله تعالى صفة لم يستحقها فيما لم يزل، وإنه لم يستحق اسم الخالق لخلقه الخلق، ولا لإحداث البرايا استحق اسم البارئ، ولا بتصوير الصور استحق اسم المصور؛ ولو كان كذلك لكان ناقصا فيما لم يزل وتم بالخلق! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا "

وقالوا: إن الله تعالى لم يزل خالقا بارئا مصورا غفورا رحيما شكورا، وكذلك جميع صفاته التي وصف بها نفسه: يوصف بها كلها في الأزل؛ كما يوصف بالعلم والقدرة والعز والكبرياء والقوة، كذلك يوصف بالتكوين والتصوير والتخليق والإرادة والكرم والغفران والشكر ".

ولا يفرقون بين صفة هي فعل، وبين صفة لا يقال إنها فعل، نحو العظمة والجلال والعلم والقدرة.

وكذلك: إنه لما ثبت أنه سميع بصير قادر خالق بارئ مصور، وأنه مدح له، فلو استوجب ذلك بالخلق والمصور والمبرئ لكان محتاجا إلى الخلق، والحاجة أمارة الحدث. ↑↑

وأخرى: أن ذلك يوجب التغير والزوال من حال إلى حال، فيكون غير خالق ثم يكون خالقا، وغير مريد ثم يكون مريدا، وذلك نحو الأفول الذي انتفى منه خليله إبراهيم بقوله: {لا أحب الآفلين}.

والخلق والتكوين والفعل: صفات لله تعالى، وهو بها في الأزل موصوف، والفعل غير المفعول.

وكذلك: التخليق والتكوين؛ ولو كانا جميعا واحدا لكان كون المكونات بأنفسها، لأنه لم يكن من الله إليها معنى سوى أنها لم تكن فكانت.

ومنع بعضهم من أن يكون فيما لم يزل خالقا، وقال: إنه يوجب كون الخلق معه في القدم ".

وأجمعوا: أنه لم يزل مالكا إلها ربا ولا مربوب ولا مملوك، وكذلك يجوز أن يكون خالقا بارئا مصورا ولا مخلوق ولا مبروء ولا مصور.

↑↑



الباب الثامن: واختَلَفوا في الأسماء

↑↑

فقال بعضهم: أسماء الله: ليست هي الله ولا غيره، كما قالوا في الصفات ".

وقال بعضهم: أسماء الله: هي الله ".





الباب التاسع: قَوْلهم في القُرآن

↑↑

أجمعوا: أن القرآن كلام الله تعالى على الحقيقة، وأنه ليس بمخلوق، ولا محدث، ولا حدث، وأنه متلو بألسنتنا، مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في صدورنا، غير حال فيها؛ كما أن الله تعالى معلوم بقلوبنا مذكور بألسنتنا معبود في مساجدنا غير حال فيها. وأجمعوا: أنه ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض.





الباب العاشر: واختَلَفوا في الكَلام ما هو؟

↑↑

فقال الأكثرون منهم: كلام الله: صفة الله لذاته لم يزل، وإنه لا يشبه كلام المخلوقين بوجه من الوجوه، وليست له مائية؛ كما أن ذاته ليست لها مائية إلا من جهة الإثبات ".

وقال بعضهم: كلام الله: أمر ونهي، وخبر، ووعد ووعيد، وقصص وأمثال، والله تعالى لم يزل آمرا ناهيا مخبرا واعدا موعدا حامدا ذاما: إذا خُلِقْتُم وبلغت عقولكم فافعلوا كذا، وانتم مذمومون على معاصيكم مثابون على طاعتكم إذا خُلِقْتُم، كما أنا مأمورون مخاطبون بما نزل من القرآن على النبي ولم نخلق بعد ولم نكن موجودين ".

وأجمع الجمهور منهم على أن " كلام الله تعالى ": ليس بحروف ولا صوت ولا هجاء، بل الحروف والصوت والهجاء دلالات على الكلام.

وأنها لذوي الآلات والجوارح (التي هي: اللهوات، والشفاه، والألسنة)، والله تعالى ليس بذي جارحة، ولا محتاج إلى آلة، فليس كلامه بحروف ولا صوت.

↑↑

وقال بعض كبرائهم في الكلام له: من تكلم بالحروف فهو معلول، ومن كان كلامه باعتقاب فهو مضطر ".

وقالت طائفة منهم: كلام الله حروف وصوت "! وزعموا: أنه لا يعرف كلامه إلا كذلك، مع إقرارهم أنه صفة الله تعالى في ذاته غير مخلوق! وهذا قول حارث المحاسبي، ومن المتأخرين ابن سالم.

والأصل في هذا: أنه لما ثبت أن الله تعالى قديم، وأنه غير مشبه للخلق من جميع الوجوه، كذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، فلا يكون كلامه حروفا وصوتا ككلام المخلوقين.

ولما أثبت الله لنفسه كلاما بقوله: {وكلم الله موسى تكليما}، وقوله: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}، وقال: {حتى يسمع كلام الله}، وجب أن يكون موصوفا به لم يزل؛ لأنه لو لم يكن موصوفا به فيما لم يزل، لكان كلامه كلام المحدثين، ولكان في الأزل موصوفا بضده من سكون أو آفة.

ولما ثبت أنه غير متغير، وأن ذاته ليست بمحل للحوادث، وجب أن لا يكون ساكتا ثم صار متكلما، فإذا ثبت كلامه وثبت أنه ليس بمحدث وجب الإقرار به.

↑↑

ولما لم يثبت أنه حروف وصوت، وجب الإمساك عنه.

ثم "القرآن" ينصرف في اللغة على وجوه، منها: مصدر القراءة، كما قال الله تعالى: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه}، أي: قراءته.

والحروف المعجمة في المصاحف: تسمى قرآنا؛ قال النبي : {لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو}.

ويسمى كلام الله: قرآنا.

فكل قرآن سوى كلام الله: فمحدث مخلوق، والقرآن الذي هو كلام الله: فغير محدث ولا مخلوق.

والقرآن إذا أرسل وأطلق: لم يفهم منه غير كلام الله تعالى، فهو إذا غير مخلوق.

والوقف فيه لأحد أمرين: إما أن يقف فيه وهو يصفه بصفة المحدث والمخلوق، فهو عنده مخلوق، ووقوفه تقية.

أو يقف وهو منطو على أنه صفة لله في ذاته، فلا معنى لوقوفه عن عبارة الخلق والنطق به، اللهم إلا أن ينطوي على أنه صفة لله، وصفات الله غير مخلوقة، ولم يمتحن بناف يجب عليه إثباته فيقول: القرآن كلام الله " ويسكت؛ إذ لم يأت ب" غير مخلوق " رواية، ولا تليت به آية، فهو عند ذلك مصيب. ↑↑





الباب الحادي عَشَر: قوْلهُم في الرُّؤيَة

↑↑

أجمعوا: على أن الله تعالى يرى بالأبصار في الآخرة، وأنه يراه المؤمنون دون الكافرين؛ لأن ذلك كرامة من الله تعالى، لقوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}.

وجوزوا الرؤية بالعقل، وأوجبوها بالسمع؛ وإنما جاز في العقل: لأنه موجود، وكل موجود فجائز رؤيته إذا وضَعَ الله تعالى فينا الرّؤيَةَ له.

ولو لم تكن الرؤية جائزة عليه لكان سؤال موسى : {أرني أنظر إليك}: جهلا وكفرا!

ولمَّا علق الله تعالى الرؤية بشريطة استقرار الجبل بقوله: {فإن استقر مكانه فسوف تراني}، وكان ممكنا في العقل استقراره لو أقره الله، وَجَبَ أن تكون الرؤية المعلقة به جائزة في العقل، ممكنة.

فإذا ثبت جوازه في العقل، ثم جاء السمع بوجوبه بقوله: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة}، وقوله: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، وقوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} وجاءت الرواية بأنها الرؤية، وقال النبي : {إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته يوم القيامة}، والأخبار في هذا مشهورة متواترة، وجَبَ القول به، والإيمان والتصديق له.

↑↑

وما تأولت النافية لها: فمستحيل، كقولهم في {إلى ربها ناظرة}: أي إلى ثواب ربها ناظرة؛ لأن ثواب الله غير الله. وقولهم في {أرني أنظر إليك}: سؤال آية؛ فإنه قد أراه آياته. وقوله {لا تدركه الأبصار}: أنه كما لا تدركه الأبصار في الدنيا، كذلك في الآخرة؛ وإنما نفى الله تعالى الإدراك بالأبصار: لأن الإدراك يوجب كيفية وإحاطة، فنفى ما يوجب الكيفية والإحاطة دون الرؤية التي ليست فيها كيفية وإحاطة.

وأجمعوا: أنه لا يرى في الدنيا بالأبصار ولا بالقلوب إلا من جهة الإيقان؛ لأنه غاية الكرامة، وأفضل النعم، ولا يجوز أن يكون ذلك إلا في أفضل المكان، ولو أعطوا في الدنيا أفضل النعم لم يكن بين الدنيا الفانية والجنة الباقية فرق، ولما منع الله سبحانه كليمه موسى ذلك في الدنيا وكان من هو دونه أحرى. وأخرى: أن الدنيا دار فناء، ولا يجوز أن يرى الباقي في الدار الفانية، ولو رأوه في الدنيا لكان الإيمان به ضرورة. والجملة: أن الله تعالى أخبر أنها تكون في الآخرة، ولم يخبر أنها تكون في الدنيا، فوجب الانتهاء إلى ما أخبر الله تعالى به. ↑↑



الباب الثاني عَشَر: اختِلاف قَولهُم في رُؤيَة النَبي عَليْهِ السَّلام

واختلفوا في النبي : هل رأى ربه ليلة المسرى؟

↑↑

فقال الجمهور منهم والكبار: إنه لم يره محمد ببصره، ولا احد من الخلائق في الدنيا؛ على ما روى عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد كذب " "، منهم: الجنيد، والنوري، وأبو سعيد الخراز.

وقال بعضهم: رآه النبي ليلة المسرى "، وإنه خُصَّ من بين الخلائق بالرؤية كما خص موسى بالكلام؛ واحتجوا بخبر ابن عباس وأسماء وأنس، منهم: أبو عبد الله القرشي، والشِّبلي، وبعض المتأخرين.

وقال بعضهم: رآه بقلبه، ولم يره ببصره "؛ واستدل بقوله: {ما كذب الفؤاد ما رأى}.

ولا نعلم أحدا من مشايخ هذه العصبة المعروفين منهم والمتحققين به، ولم نر في كتبهم، ولا مصنفاتهم ولا رسائلهم، ولا في الحكايات الصحيحة عنهم، ولا سمعنا ممن أدركنا منهم، زَعَمَ: أن الله تعالى يرى في الدنيا، أو رآه أحد من الخلق، إلا طائفة لم يعرفوا بأعيانهم، بل زعم بعض الناس: أن قوما من الصوفية ادعوها لأنفسهم.

وقد أطبق المشايخ كلهم: على تضليل من قال ذلك، وتكذيب من ادعاه، وصنفوا في ذلك كتبا، منهم أبو سعيد الخراز، وللجنيد في تكذيب من ادعاه وتضليله رسائل وكلام كثير.

وزعموا: أن من ادعى ذلك: فلم يعرف الله عز وجل.

وهذه كتبهم تشهد على ذلك. ↑↑





الباب الثالث عَشَر: قوْلهم في القَدَرِ وَخَلْقِ أفْعالِ العِبَاد

↑↑

أجمعوا: أن الله تعالى خالق لأفعال العباد كلها كما أنه خالق لأعيانهم، وأن كل ما يفعلونه من خير وشر: فبقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته؛ ولولا ذلك لم يكونوا عبيدا ولا مربوبين ولا مخلوقين، وقال : {قل الله خالق كل شيء}، وقال: {إنا كل شيء خلقناه بقدر * وكل شيء فعلوه في الزبر}: فلما كانت أفعاهم أشياء وجب أن يكون الله خالقها.

ولو كانت الأفعال غير مخلوقة لكان الله خالق بعض الأشياء دون جميعها! ولكان قوله {خالق كل شيء}: كذبا! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان، فلو كان الله تعالى خالق الأعيان، والعباد خالقي الأفعال، لكان الخلق أولى بصفة المدح في الخلق من الله تعالى، ولكان خلق العباد أكثر من خلق الله، ولو كانوا كذلك لكانوا أتم قدرة من الله تعالى، وأكثر خلقا منه!

وقد قال الله تعالى: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم * قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار}، فنفى أن يكون خالقا غيره.

↑↑

وقال الله تعالى: {وقَدَّرْنَا فيها السَّيْرَ}، فأخبر أنه قدر سير العباد.

وقال: {والله خلقكم وما تعملون}، وقال: {من شر ما خلق}، فدل أن مما خلق شرا.

وقال: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}، أي: خلقنا الغفلة فيه.

وقال: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق}، فأخبر أن قولهم وسرهم وجهرهم خلق له}.

وقال عمر : يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه، أعلى أمر قد فرغ منه أو أمر مبتدأ؟ فقال: {على أمر قد فرغ منه}، فقال عمر: أفلا نتكل وندع العمل؟ فقال: {اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له}.

وسئل النبي : أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، هل يرد من قدر الله؟ قال: {إنه من قدر الله}.

وقال: {والله لا يؤمن أحد حتى يؤمن بالله، وبالقدر خيره وشره من الله}.

↑↑

ولما جاز أن يخلق الله تعالى العين الذي هو شر، جاز أن يخلق الفعل الذي هو شر.

ومجمع: على أن حركة المرتعش خلق الله، فكذلك حركة غيره، غير أن الله تعالى خلق لهذا حركة واختيارا، وخلق للآخر حركة ولم يخلق له اختيارا.

قال أبو بكر الواسطي في قوله تعالى: {وله ما سكن في الليل والنهار}، قال: من ادعى شيئا من ملكه (وهو ما سكن في الليل والنهار، من خطرة وحركة) أنها له، أو به، أو إليه، أو منه، فقد جاذب القبضة، وأوهن العزة.

وفي قوله: {ألا له الخلق والأمر}: خلق إيجاد وأمر إطلاق، ما لم يأمر الجوارح أمر إطلاق لم توافقه في شيء، كذلك المخالفة. ↑↑



الباب الرَّابع عَشَر: قولهم في الاستِطْاعةِ

↑↑

أجمعوا: أنهم لا يتنفسون نفسا، ولا يطرفون طرفة، ولا يتحركون حركة إلا بقوة يحدثها الله تعالى فيهم، واستطاعة يخلقها الله لهم مع أفعالهم، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها ولا يوجد الفعل إلا بها، ولولا ذلك لكانوا بصفة الله تعالى (يفعلون ما شاءوا، ويحكمون ما أرادوا)، ولم يكن الله القوى القدير بقوله {ويفعل الله ما يشاء} أولى من عبد حقير ضعيف فقير.

ولو كانت " الاستطاعة " هي الأعضاء السليمة، لاستوى في الفعل كل ذي أعضاء سليمة، فلما رأينا ذوي أعضاء سليمة ولم نر أفعالهم، ثبت أن الاستطاعة: ما يرد من القوة على الأعضاء السليمة، وتلك القوة متفاضلة في الزيادة والنقصان ووقت دون وقت، وهذا يشاهده كل من نفسه.

ثم لما كانت القوة عرضا، والعرض لا يبقى بنفسه، ولا بقاء فيه؛ لأن ما لا يقوم بنفسه ولا يقوم به غيره لا يبقى ببقاء في غيره، لأن بقاء غيره ليس ببقاء له، بطل أن يكون له بقاء، وإذا كان كذلك وجب أن تكون " قوة كل فعل " غير " قوة غيره "؛ ولولا ذلك لم تكن للخلق حاجة إلى الله تعالى عند أفعالهم، ولا كانوا فقراء إليه، ولكان قوله تعالى {وإياك نستعين} لا معنى له.

ولو كانت " القوة " قبل " الفعل "، وهي لا تبقى لوقت الفعل، لكان الفعل بقوة معدومة، ولو كانت كذلك لكان وجود الفعل من غير قوة! وفي ذلك إبطال الربوبية والعبودية جميعا؛ لأنه لو كان كذلك: لكان يجوز وقوع فعل من غير قوى، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون وجودها بأنفسها من غير فاعل، وقد قال الله تعالى في قصة موسى والعبد الصالح: {إنك لن تستطيع معي صبرا}، وقوله: {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} يريد لا تقوى عليه.

وأجمعوا: أن لهم " أفعالا واكتسابا " على الحقيقة، هم بها مثابون، وعليها معاقبون؛ ولذلك جاء الأمر والنهي، وعليه ورد الوعد والوعيد.

↑↑

ومعنى الاكتساب: أن يفعل بقوة محدثة.

وقال بعضهم: معنى الاكتساب: أن يفعل لجر منفعة أو دفع مضرة؛ لقوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}.

وأجمعوا أنهم مختارون لاكتسابهم، مريدون له، وليسوا بمحمولين عليه، ولا مجبرين فيه، ولا مستكرهين له.

ومعنى قولنا " مختارون ": أن الله تعالى خلق لنا اختيارا، فانتفى الإكراه فيها، وليس ذلك على التفويض.

قال الحسن بن علي : "إن الله تعالى لا يطاع بإكراه، ولا يعصى بغلبة، ولم يهمل العباد من المملكة ".

وقال سهل بن عبد الله: "إن الله تعالى لم يُقَوّ الأبرار بالجبر، إنما قواهم باليقين ".

وقال بعض الكبراء: "من لم يؤمن بالقدر فقد كفر، ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر". ↑↑





الباب الخامِس عَشَر: قولهم في الجَبْرِ

↑↑

وأحال بعضهم "الجبر"؛ وقال: لا يكون الجبر إلا بين الممتنعين: وهو أن يأمر الآمر ويمتنع المأمور فيجبره الآمر عليه. ومعنى الإجبار: أن يستكره الفاعل على إتيان فعل هو له كاره ولغيره مؤثر، فيختار المجبر إتيان ما يكرهه ويترك الذي يحبه، ولولا إكراهه له وإجباره إياه لفعل المتروك وترك المفعول.

ولم نجد هذه الصفة في اكتسابهم الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية؛ بل اختار المؤمن الإيمان وأحبه واستحسنه وأراده وآثره على ضده، وكره الكفر وأبغضه واستقبحه ولم يرده وآثر عليه ضده، والله خلق له الاختيار والاستحسان والإرادة للإيمان، والبعض والكراهة والاستقباح للكفر؛ قال الله تعالى: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}. واختار الكافر الكفر واستحسنه وأحبه وأراده وآثره على ضده، وكره الإيمان وأبغضه واستقبحه ولم يرده وآثر عيه ضده، والله تعالى خلق ذلك كله؛ قال الله : {كذلك زينا لكل أمة عملهم}، وقال {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} وليس أحدهما بممنوع عن ضد ما اختاره، ولا بمحمول على ما اكتسبه، ولذلك وجبت حجة الله عليهم، وحق عليهم القول من ربهم، ومأوى الكافرين النار بما كانوا يكسبون، {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين}، {ويفعل الله ما يشاء}، {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.

قال ابن الفرغاني: ما من خطرة ولا حركة إلا بالأمر، وهو قوله {كن}؛ فله الخلق بالأمر، وله الأمر بالخلق، والخلق صفته، فلم يدع بهذين الحرفين لعاقل يدعى شيئا من الدنيا والآخرة: لا له، ولا به، ولا إليه، {فاعلم أنه لا إله إلا الله}. ↑↑



الباب السَّادِس عَشَر: قولهم في الأصْلَحِ

↑↑

أجمعوا: على أن الله تعالى يفعل بعباده ما يشاء، ويحكم فيهم بما يريد، كان ذلك أصلح لهم أولم يكن؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.

ولولا ذلك لم يكن بين العبد والرب فرق. وقال الله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} وقال {إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون}، وقال {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم}.

والقول بالأصلح يوجب نهاية القدرة، وتنفيذ ما في الخزائن، وتعجيز الله - تعالى عن ذلك -؛ لأنه إذا فعل بهم غاية الصلاح فليس وراء الغاية شيء، فلو أراد أن يزيدهم على ذلك الصلاح صلاحا آخر لم يقدر عليه، ولم يجد بعد الذي أعطاهم ما يعطيهم مما يصلح لهم! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وأجمعوا: أن جميع ما فعل الله بعباده (من الإحسان والصحة والسلامة والإيمان والهداية واللطف) تفضل منه، ولو لم يفعل ذلك لكان جائزا، وليس على الله بواجب؛ ولو كان ما يفعل مما يفعل شيئا واجبا عليه لم يكن مستحقا للحمد والشكر. ↑↑

وأجمعوا: أن الثواب والعقاب ليس من جهة الاستحقاق، لكنه من جهة المشيئة والفضل والعدل؛ لأنهم لا يستحقون على أجرام منقطعة عقابا دائما، ولا على أفعال معدودة ثوابا دائما غير معدود.

وأجمعوا: أنه لو عذب جميع من في السماوات والأرض لم يكن ظالما لهم، ولو أدخل جميع الكافرين الجنة لم يكن ذلك محالا؛ لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، ولكنه أخبر: أنه ينعم على المؤمنين أبدا، ويعذب الكافرين أبدا، وهو صادق في قوله، وخبره صدق، فوجب أن يفعل بهم ذلك ولا يجوز غيره؛ لأنه لا يكذب في ذلك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وأجمعوا: أنه لا يفعل الأشياء لعلة؛ ولو كان لها علة لكان للعِلَّة علة إلى ما لا يتناهى، وذلك باطل؛ قال الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم من الحسنى أولئك عنها مبعدون}، وقال: {هو اجتباكم}، وقال: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، وقال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس}.

ولا يكون شيء منه ظلما ولا جورا؛ لأن الظلم إنما صار ظلما: لأنه منهي عنه، ولأنه وضع الشيء في غير موضعه. والجور إنما كان جورا: لأنه عدل عن الطريق الذي بُيِّنَ له، والمثال الذي مثل له مَنْ فوقه، ومن هو تحت قدرته، ولما لم يكن الله تحت قدرة قادر، ولا كان فوقه آمر ولا زاجر، لم يكن فيما يفعله ظالما، ولا في شيء يحكم به جائرا، ولم يقبح منه شيء؛ لأن القبيح ما قبحه، والحسن ما حسنه. ↑↑

وقال بعضهم: القبيح: ما نهى عنه، والحسن ما أمر به ".

وقال محمد بن موسى: إنما حسنت المستحسنات بتجليه، وقبحت المستقبحات باستتاره، وإنما هما نعتان يجريان على الأبد بما جريا في الأزل "، معناه: كل ما ردك إلى الحق من الأشياء فهو حسن، وما ردك إلى شيء دونه فهو قبيح، فالقبيح والحسن: ما حسنه الله في الأزل وما قبحه. ومعنى آخر: أن المستحسن: هو ما تخلى عن ستر النهى فلم يكن بين العبد وبينه ستر، والقبيح: ما كان وراء الستر وهو النهي، على معنى قوله : {وعلى الأبواب ستور مرخاة} قيل: الأبواب المفتحة محارم الله، والستور حدوده. ↑↑





الباب السابع عَشَر: قوْلهم في الوَعْد والوَعِيْدِ

↑↑

أجمعوا: أن الوعيد المطلق: في الكفار والمنافقين، والوعد المطلق: في المؤمنين المحسنين.

وأوجب بعضهم غفران الصغائر باجتناب الكبائر بقوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} الآية، وجعلها بعضهم كالكبائر في جواز العقوبة عليها؛ لقوله تعالى: {إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} الآية، وقالوا معنى قوله {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} هو الشرك والكفر، وهو أنواع كثيرة فجاز أن يطلق عليها اسم الجمع. وفيه وجه آخر: وهو أن الخطاب خرج على الجمع فكانت كبيرة كل واحد منهم عند الجمع كبائر.

وجوزوا غفران الكبائر بالمشيئة والشفاعة.

وأوجبوا الخروج من النار لأهل الصلاة لا محالة بإيمانهم؛ قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء}، فجعل المشيئة شرطا فيما دون الشرك. ↑↑

وجملة قولهم: إن المؤمن بين الخوف والرجاء، يرجو فضل الله في غفران الكبائر، ويخاف عدله في العقوبة على الصغائر؛ لأن المغفرة مضمون المشيئة، ولم يأت مع المشيئة شرط كبيرة ولا صغيرة.

ومن شدد وغلظ في شرائط التوبة وارتكاب الصغائر، فليس ذلك منهم على إيجاب الوعيد، بل ذلك على تعظيم الذنب في وجوب حق الله في الانتهاء عما نهى عنه.

ولم يجعلوا في الذنوب صغيرة إلا عند نسبة بعضها إلى بعض، فطالبوا النفوس بإيفاء حق الله تعالى والانتهاء عما نهى الله عنه، والوفاء بما أمر به الله، ورؤية التقصير في شرائط العمل.

وهم مع ذلك كله: أرجى الناس للناس، وأشدهم خوفا على أنفسهم، حتى كأنَّ الوعيد لم يرد إلا فيهم، والوعد لم يكن إلا لغيرهم. ↑↑

قيل للفضيل عشية عرفة: كيف ترى حال الناس؟ قال: مغفورون لولا مكاني فيهم ".

وقال السري السقطي: إني لأنظر في المرآة كل يوم مرارا مخافة أن يكون قد اسود وجهي ".

وقال: لا أحب أن أموت حيث أعرف؛ مخافة أن لا تقبلني الأرض فأكون فضيحة ".

وهم أحسن الناس ظنونا بربهم؛ قال يحيى: من لم يحسن بالله ظنه لم تقر بالله عينه ".

وهم أسوأ الناس ظنونا بأنفسهم، وأشدهم إزراء بها: لا يرونها أهلا لشيء من الخير دينا ولا دنيا.

والجملة: أن الله تعالى قال: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} الآية، أخبر أن المؤمن له عملان صالح وسيء، فالصالح له، والسيئ عليه.

وقد وعد الله تعالى على ما له ثوابا، وأوعد على ما عليه عقابا، والوعيد حق الله تعالى من العباد، والوعد حق العباد على الله فيما أوجبه على نفسه، فإن استوفى منهم حق نفسه ولم يوفهم حقهم لم يكن ذلك لائقا بفضله مع غناه عنهم وفقرهم إليه، بل الأليق بفضله والأحرى بكرمه: أن يوفيهم حقوقهم، ويزيدهم من فضله، ويهب منهم حق نفسه؛ وبذلك أخبر عن نفسه فقال: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما}، وفي قوله: {من لدنه} أنه تفضل، وليس بجزاء. ↑↑





الباب الثامِن عَشَر: في مُتَفَرّقَات

↑↑

أجمعوا: على أن الإقرار بجملة ما ذكر الله تعالى في كتابه وجاءت به الروايات عن النبي في الشفاعة واجب؛ لقوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}، {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}، {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}، وقول الكفار: {فما لنا من شافعين}، وقال النبي : {شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي}، وقوله: {واختبأت دعوتي الشفاعة لأمتي}.

وأقروا: بالصراط، وأنه جسر يمد على جهنم؛ وقرأت عائشة {يوم تبدل الأرض غير الأرض} قالت: فأين الناس حينئذ يا رسول الله؟ فقال: {على الصراط}.

وأقروا: بالميزان، وأن أعمال العباد توزن؛ كما قال الله تعالى: {فمن ثقلت موازينه فألئك هم المفلحون ومن خفت موازينه} الآية، وإن لم يعلموا كيفية ذلك.

وقولهم في هذا وأمثاله (مما لا يدرك العباد كيفيته): آمنا بما قال الله، على ما أراد الله، آمنا بما قال رسول الله  على ما أراد رسول الله.

وأقروا: أن الله تعالى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ على ما جاء في الحديث.

وأقروا: بتأبيد الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأنهما باقيتان أبد الأبد، لا تفنيان ولا تبيدان. وكذلك أهلوهما: باقون فيهما خالدون مخلدون، منعمون ومعذبون، لا ينفد نعيمهم ولا ينقطع عذابهم.

وشهدوا: لعامة المؤمنين بالإيمان في ظاهر أمورهم، ووكلوا سرائرهم إلى الله تعالى، وأقروا أن الدار دار إيمان وإسلام، وأن أهلها مؤمنون مسلمون. ↑↑

وأهل الكبائر عندهم مسلمون، مؤمنون بما معهم من الإيمان، فاسقون بما فيهم من الفسق.

ورأوا: الصلاة خلف كل بر وفاجر.

ورأوا: الصلاة على كل من مات من أهل القبلة.

ورأوا: الجمعة والجماعات والأعياد واجبة على من لم يكن له عذر من المسلمين، مع كل إمام بر أو فاجر. وكذلك الجهاد معهم والحج.

ورأوا: الخلافة حقا، وأنها في قريش، وأجمعوا: على تقديم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي .

ورأوا: الاقتداء بالصحابة والسلف الصالح، وسكتوا عن القول فيما كان بينهم من التشاجر، ولم يروا ذلك قادحا فيما سبق لهم من الله من الحسنى. ↑↑

وأقروا: أن من شهد له رسول الله بالجنة فهو في الجنة، وأنهم لا يعذبون بالنار.

ولا يرون الخروج على الولاة بالسيف وإن كانوا ظلمة.

ويرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا، لمن أمكنه بما أمكنه، مع شفقة ورأفة، ورفق ورحمة ولطف ولين من القول.

ويؤمنون بعذاب القبر، وبسؤال منكر ونكير.

وأقروا: بمعراج النبي ، وأنه عرج به إلى السماء السابعة، وإلى ما شاء الله، في ليلة، في اليقظة، ببدنه.

ويصدقون بالرؤيا، وأنها بشارة للمؤمنين، وإنذار لهم، وتوقيف.

وعندهم أن من مات أو قتل فبأجله، ولا يقولون باخترام الآجال، وأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. ↑↑



الباب التاسِع عَشَر: في متَفَرّقَاتٍ أخرى

↑↑

وأقروا: أن أطفال المؤمنين مع آبائهم في الجنة.

واختلفوا في أطفال المشركين: فمنهم من قال: لا يعذب الله بالنار إلا بعد لزوم الحجة على من عاند وكفر، ووجبت عليه الأحكام "، وأرجأ الأكثرون أمرهم إلى الله تعالى، وجوزوا تعذيبهم وتنعيمهم.

وأجمعوا: على أن المسح على الخفين حق.

وجوزوا أن يرزق الله الحرام.

وأنكروا الجدال والمراء في الدين، والخصومة في القدر، والتنازع فيه.

ورأوا التشاغل بما لهم وعليهم أولى من الخصومات في الدين.

ورأوا طلب العلم أفضل الأعمال، وهو علم الوقت بما يجب عليهم ظاهرا وباطنا.

وهم أشفق الناس على خلق الله: من فصيح وأعجم، وأبذل الناس بما في أيديهم، وأزهدهم عما في أيدي الناس، وأشدهم إعراضا عن الدنيا، وأكثرهم طلبا للسنة والآثار، وأحرصهم على اتباعها. ↑↑





الباب العشرون: في متفرّقات أُخرى

↑↑

أجمعوا: أن جميع ما فرض الله تعالى على العباد في كتابه، وأوجبه رسول الله : فرض واجب، وحتم لازم على العقلاء البالغين، لا يجوز التخلف عنه، ولا يسع التفريط فيه بوجه من الوجوه لأحد من الناس (من صديق وولي وعارف)، وإن بلغ أعلى المراتب، وأعلى الدرجات، وأشرف المقامات، وأرفع المنازل.

وأنه لا مقام للعبد تسقط معه آداب الشريعة (من إباحة ما حظر الله، أو تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو سقوط فرض)، من غير عذر ولا علة، والعذر والعلة: ما أجمع عليه المسلمون، وجاءت به أحكام الشريعة.

ومن كان أصفى سرا وأعلى رتبة وأشرف مقاما، فإنه اشد اجتهادا، وأخلص عملا، وأكثر توقيا.

وأجمعوا: أن الأفعال: ليست بسبب للسعادة والشقاوة، وأن السعادة والشقاوة سابقتان بمشيئة الله تعالى لهم ذلك، وكتابه عليهم؛ كما جاء في الحديث: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله : {هذا كتاب من رب العالمين، فيه: أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم}، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدا. وكذلك قال في أهل النار. وقال : {السعيد: من سعد في بطن أمه، والشقي: من شقي في بطن أمه}.

وأجمعوا: أنها: ليست بموجبة للثواب والعقاب من حيث الاستحقاق، بل من جهة الفضل ومن جهة إيجاب الله تعالى ذلك. ↑↑

وأجمعوا: أن نعيم الجنة: لمن سبق له من الله السَّعادة من غير علة، وأن عذاب النار: لمن سبق له من الله الشَّقَاوة من غير علة؛ كما قال: {هؤلاء في الجَنَّة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي}، وقال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس}، وقال: {إن الذين سبقت لهم منَّا الحسنى أولئك عنها مبعدون}.

وقالوا: إنها - أعني: أفعال العباد -: علامات وأمارات على ما سبق لهم من الله؛ كما قال النبي : {اعملوا، فكل ميسر لما خلق له}.

وقال الجنيد: الطاعة عاجل بشراه على ما سبق لهم من الله تعالى، وكذلك المعصية ".

وقال غيره: العبادات حلية الظواهر، والحق لا يبيح تعطيل الجوارح من حلاها ".

وقال محمد بن على الكتاني: الأعمال كسوة العبودية، فمن أبعده الله عند القسمة نزعها، ومن قربه أشفق عليها ولزمها ".

وهم مع ذلك مجمعون: على أن الله تعالى يثيب عليها ويعاقب؛ لأنه وعد على صالحها، وأوعد على سيئها، فهو ينجز وعده، ويحقق وعيده؛ لأنه صادق خبره صدق.

وقالوا: على العباد بذل المجهود في أداء ما كَلَّفَ، وإتيان ما نَدَبَ إليه، بعد التكليف، وبعد إتيانها وإيفاء ما عليه تكون المشاهدات؛ كما جاء في الحديث: {من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يعمل}، وقال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون}. ↑↑

وقال يحيى: لن يصل إلى قلبك روح المعرفة وله عليك حق لم تؤده ".

وقال الجنيد: إن الله تعالى يعامل عباده في الآخر على حسب ما عاملهم في الأول: بدأهم تكرما، وأمرهم ترحما، ووعدهم تفضلا، ويزيدهم تكرما، فمن شهد بره القديم سهل عليه أداء أمره، ومن لزم أمره أدركه وعده، ومن فاز بوعده لا بد أن يزيده من فضله ".

وقال سهل بن عبد الله التستري: من غمض بصره عن الله طرفة عين فلا يهتدي طول عمره ". ↑↑



الباب الحادي والعشرون: قوْلهم في سَبِيْل مَعْرفَةِ الله تعَالى

↑↑

أجمعوا: على أن الدليل على الله: هو الله وحده، و"سبيل العقل" عندهم سبيل العاقل في حاجته إلى الدليل؛ لأنه محدث، والمحدث لا يدل إلا على مثله.

وقال رجل للنوري: ما الدليل على الله؟ قال: الله، قال: فما العقل؟ قال: العقل عاجز، والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله. ↑↑

وقال ابن عطاء: العقل آلة للعبودية، لا للإشراف على الربوبية ".

وقال غيره: العقل يجول حول الكون، فإذا نظر إلى المكون ذاب ".

وقال أبو بكر القحطبي: من لحقته العقول فهو مقهور إلا من جهة الإثبات، ولولا أنه تعرف إليها بالألطاف لما أدركته من جهة الإثبات ".

وأنشدونا لبعض الكبار:


من رامه بالعقل مسترشدا *** سَرَّحَهُ في حَيْرَة يَلْهو  
وشَاب بالتلبيس أسْرَارَه *** يقول من حَيْرَتِهِ: هل هو؟  
↑↑
وقال بعض الكبار: لا يعرفه إلا من تعرف إليه، ولا يوحده إلا من توحد له، ولا يؤمن به إلا من لطف به، ولا يصفه إلا من تجلى لسره، ولا يخلص له إلا من جذبه إليه، ولا يصلح له إلا من اصطنَعَه لنفسه ". معنى (من تعرف إليه): أي من تعرف الله إليه، ومعنى (من توحد له): أي أراه أنه واحد.

وقال الجنيد: المعرفة معرفتان: معرفة تَعَرُّف، ومعرفة تَعْرِيف، معنى التعرف: أن يعرفهم الله نفسه، ويعرفهم الأشياء به؛ كما قال إبراهيم : {لا أحب الآفلين}. ومعنى التعريف: أن يريهم آثار قدرته في الآفاق والأنفس، ثم يحدث فيهم لطفا تدلهم الأشياء: أن لها صانعا، وهذه معرفة عامة المؤمنين. والأولى معرفة الخواص، وَكُلٌّ لم يعرفه في الحقيقة إلا به ". ↑↑

وهذا كما قال محمد بن واسع: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه ".

وقال غيره: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله ".

وقال ابن عطاء: تَعَرَّفَ إلى العامة بخلقه؛ لقوله: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} الآية، وإلى الخاصة بكلامه وصفاته؛ بقوله: {أفلا يتدبرون القرآن}، وقال: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}، {ولله الأسماء الحسنى}، وإلى الأنبياء بنفسه؛ كما قال: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} الآية، وقال: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} الآية. ↑↑

وقال بعض الكبراء من أهل المعرفة:




لم يبق بيني وبين الحق تبياني *** ولا دليلٌ ولا آيات برهاني  
هذا تجلى طلوع الحق نَائِرةً *** قد أزهرَت في تَلالِيْهَا بسلطان  
لا يعرفُ الحَقَّ إلا مَن يُعَرِّفُه *** لا يَعْرِفُ القِدَمِيَّ المُحْدَثُ الفاني  
لا يُسْتَدَلُّ على الباري بصنعته *** رأيتُمُ حدَثاً يُنْبِي عن أزمان  
كان الدَّليلَ لهُ منه إليه بِهِ *** مَنْ شاهد الحق في تنزيل فرقان  
كان الدَّليلَ لهُ منه بِهِ وله *** حَقاً وجدناه، بل عِلماً بتبيان  
هذا وجودي وتشريحي ومعتقدي *** هذا توحُّدُ توحيدٍ وإيماني  
هذا عِبَارة أهل الانفراد بهِ *** ذَوي المعارف في سِرٍّ وإعلان  
هذا وُجودُ وجود الواجدين لهُ *** بني التجانس، أصحابي وخلاني  
 
وقال بعض الكبراء: إن الله تعالى عرفنا نفسه بنفسه، ودلنا على معرفة نفسه بنفسه، فقام شاهد المعرفة من المعرفة بالمعرفة بعد تعريف المعرف بها ". معناه: أن المعرفة لم يكن لها سبب غير أن الله تعالى عرف العارف، فعرف بتعريفه.

وقال بعض الكبار من المشايخ: البادي من المكونات معروف بنفسه؛ لهجوم العقل عليه، والحق أعزّ من أن تهجم العقول عليه؛ وأنه عرفنا نفسه أنه ربنا فقال: {ألست بربكم}، ولم يقل: من أنا؟ فتهجم العقول عليه حين بدا معرفا، فلذلك انفرد عن العقول، وتنزه عن التحصل غير الإثبات ". ↑↑

وأجمعوا: أنه لا يعرفه إلا ذو عقل؛ لأن العقل آلة للعبد يعرف به ما عرف، وهو بنفسه لا يعرف الله تعالى؛ وقال أبو بكر السباك: لما خلق الله العقل قال له: {من أنا}؟ فسكت، فكحَّلَه بنور الوحدانية، ففتح عينيه، فقال: أنت الله لا إله إلا أنت. فلم يكن للعقل أن يعرف الله إلا بالله ". ↑↑



الباب الثاني والعِشْرون: اختلافهم في معرفَة الله

↑↑

ثم اختلفوا في المعرفة نفسها: ما هي؟ والفرق بينها وبين العلم؟

فقال الجنيد: المعرفة: وجود جهلك عند قيام علمه "، قيل له: زدنا؟ قال: هو العارف وهو المعروف "، معناه: أنك جاهل به من حيث أنت، وإنما عرفته من حيث هو. وهو كما قال سهل: المعرفة هي المعرفة بالجهل ".

وقال سهل: العلم يثبت بالمعرفة، والعقل يثبت بالعلم، وأما المعرفة: فإنها تثبت بذاتها "، معناه: أن الله تعالى إذا عرَّفَ عبدا نفسه فعرف الله تعالى بتعرفه إليه، أحدث له بعد ذلك علما، فأدرك العلمَ بالمعرفة، وقام العقل فيه بالعلم الذي أحدثه فيه ". ↑↑

وقال غيره: تَبَيُّنُ الأشياء على الظاهر علم، وتبينها على استكشاف بواطنها معرفة ".

وقال غيره: أباح العلم للعامة، وخص أولياءه بالمعرفة ".

وقال أبو بكر الوراق: المعرفة: معرفة الأشياء بصورها وسماتها، والعلم: علم الأشياء بحقائقها ".

وقال أبو سعيد الخراز: المعرفة بالله: هي علم الطلب لله من قبل الوجود له، والعلم بالله: هو بَعدَ الوجود، فالعلم بالله أخفى وأدق من المعرفة بالله ". ↑↑

وقال فارس: المعرفة: هي المستوفية في كنه المعروف ".

وقال غيره: المعرفة: هي حقر الأقدار إلا قَدْرَ الله، وأن لا يشهد مع قدر الله قدرا ".

وقيل لذي النون: بم عرفت ربك؟ قال: ما هممت بمعصية فذكرت جلال الله إلا استحييت منه "، جعل معرفته بقرب الله منه دلالة المعرفة له.

وقيل لعليان: كيف حالك مع المولى؟ قال: ما جفوته منذ عرفته "، قيل له: متى عرفته؟ قال: منذ سموني مجنونا "، جعل دلالة معرفته له تعظيم قدره عنده.

قال سهل: سبحان من لم يدرك العِبَادُ من معرفته إلا عجزا عن معرفته ". ↑↑





الباب الثالث والعشرون: قوْلهم في الرُّوح

↑↑

قال الجنيد: الروح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، ولا يجوز العبارة عنه بأكثر من موجود؛ لقوله: {قل الروح من أمر ربي}.

قال أبو عبد الله النباجي: الروح: جسم يلطف عن الحس، ويكبر عن اللمس، ولا يعبر عنه بأكثر من موجود ".

قال ابن عطاء: خلق الله الأرواح قبل الأجساد؛ لقوله تعالى: {ولقد خلقناكم} يعني: الأرواح {ثم صورناكم} يعني: الأجساد ".

وقال غيره: الروح: لطيف قام في كثيف، كالبصر جوهر لطيف قام في كثيف ".

وأجمع الجمهور: على أن الروح معنى يحيى به الجسد.

وقال بعضهم: هو روح نسيم طيب يكون به الحياة، والنفس ريح حارة تكون بها الحركات والسكنات والشهوات ".

وسئل القحطبي عن الروح؟ فقال: لم يدخل تحت ذل كن "، ومعناه عنده: أنه ليس إلا الإحياء والحي، والإحياء: صفة المحيي، كالتخليق والخلق صفة الخالق.

واستدل من قال ذلك: بظاهر قوله: {قل الروح من أمر ربي}، قالوا: أمره كلامه، وكلامه ليس بمخلوق! كأنهم قالوا: إنما صار الحي حيا بقوله كن حيا، وليس الروح معنى في الجسد حالا مخلوق كالجسد!

قال الشيخ: وليس هذا بصحيح، وإنما الصحيح: أن الروح معنى في الجسد مخلوق كالجسد. ↑↑





الباب الرابع والعشرون: قوْلهم في الملائكة والرُّسُل

↑↑

سكت الجمهور منهم عن تفضيل الرسل على الملائكة وتفضيل الملائكة على الرسل، وقالوا: الفضل لمن فضله الله، ليس ذلك بالجوهر، ولا بالعمل ". ولم يروا أحد الأمرين أوجب من الآخر بخبر ولا عقل.

وفضل بعضهم الرسل وبعضهم الملائكة.

وقال محمد بن الفضل: جملة الملائكة أفضل من جملة المؤمنين، وفي المؤمنين من هو أفضل من الملائكة "، كأنه فضل الأنبياء وعلى الملائكة.

وأجمعوا: أن بين الرسل تفاضلا؛ لقول الله تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض}، وقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}، ولم يعينوا الفاضل والمفضول؛ لقوله : {لا تخيروا بين الأنبياء}.

وأوجبوا فضل محمد بالخبر: وهو قوله : {أنا سيد ولد آدم ولا فخر؛ آدم ومن دونه تحت لوائي}، وسائر الأخبار التي جاءت، وقول الله : {كنتم خير أمة أخرجت للناس}، فلما كانت أمته خير الأمم، وجب أن يكون نبيها خير الأنبياء، وسائر ما في القرآن من الدلائل على فضله. ↑↑

وأجمعوا جميعا: أن الأنبياء أفضل البشر، وليس في البشر من يوازي الأنبياء في الفضل (لا صديق، ولا ولي، ولا غيرهم)، وإن جل قدره وعظم خطره؛ قال النبي لعلي : {هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين} يعني: أبا بكر وعمر، فأخبر أنهما خير الناس بعد النبيين.

قال أبو يزيد البسطامي: آخر نهايات الصديقين: أول أحوال الأنبياء، وليس لنهاية الأنبياء غاية تدرك ".

وقال سهل بن عبد الله: انتهت همم العارفين إلى الحجب، فوقفت مطرقة، فأذن لها، فسلمت، فخلع عليها خلع التأييد، وكتب لها براءة من الزيغ وهمم الأنبياء، جالت حول العرش فَكُسِيَت الأنوار، ورفع منها الأقذار، واتصلت بالجبار، فأفنى حظوظها، وأسقط مرادها، وجعلها متصرفة به له ".

قال أبو يزيد: لو بدا للخلق من النبي ذرة لم يقم لها ما دون العرش ".

وقال: ما مثل معرفة الخلق وعلمهم بالنبي، إلا مثل نداوة تخرج من رأس الزّقّ المربوط ".

قال بعضهم: لم ينل أحد من الأنبياء الكمال في التسليم والتفويض غير الحبيب والخليل صلى الله عليهما، فلذلك أيس الكبراء عن الكمال، وإن كانوا في حال القربة مع تحقيق المشاهدة ".

قال أبو العباس بن عطاء: أدنى منازل المرسلين: أعلى مراتب النبيين، وأدنى منازل الأنبياء: أعلى مراتب الصديقين، وأدنى منازل الصديقين: أعلى مراتب الشهداء، وأدنى منازل الشهداء: أعلى مراتب الصالحين، وأدنى منازل الصالحين: أعلى مراتب المؤمنين ". ↑↑



الباب الخامس والعشرون: قوْلهم فيمَا أضِيْفَ إلى الأنبيَاء مِنَ الزَّلل

↑↑

قال الجنيد والنوري وغيرهما من الكبار: إن ما جرى على الأنبياء: إنما جرى على ظواهرهم، وأسرارهم مستوفاة بمشاهدات الحق "، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {فَنَسِيَ ولم نجد له عزما}؛ وقالوا: ولا تصح الأعمال حتى يتقدمها العقود والنيات، وما لا عقد فيه ولا نية فليس بفعل، وقد نفى الله تعالى الفعل عن آدم بقوله: {فنسي ولم نجد له عزما}

قالوا: ومعاتبات الحق لهم عليها: إنما جاءت إعلاما للأغيار؛ ليعلموا عند إتيانهم المعاصي مواضع الاستغفار ".

وأثبتها بعضهم، وقالوا: إنها كانت على جهة التأويل والخطأ فيه، فعوتبوا عليها لعلو مرتبتهم وارتفاع منازلهم، فكان ذلك زجرا لغيرهم، وحفظا لمواضع الفضل عليهم، وتأديبا لهم ". ↑↑

وقال بعضهم: إنها كانت على جهة السهو والغفلة "، وجعلوا سهوهم في الأدنى بالأرفع، وهكذا قالوا في سهو النبي في صلاته: إن الذي شغله عن صلاته كان أعظم من الصلاة؛ لقوله: {وجعلت قرة عيني في الصلاة}، فأخبر أن في الصلاة ما تقر به عينه، ولم يقل جعلت قرة عيني الصلاة ".

وكل من أثبتها زللا وخطايا، فإنهم جعلوها صغائر مقرونة بالتوبة؛ كما قال الله تعالى مخبرا عن صفيه آدم وزوجته : {ربنا ظلمنا أنفسنا} الآية، وقوله: {فتاب عليه وهدى}، وفي داود : {وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب}. ↑↑



الباب السادس والعشرون: قوْلهم في كرامات الأولياء

↑↑

اجمعوا: على إثبات كرامات الأولياء، وإن كانت تدخل في باب المعجزات، كالمشي على الماء، وكلام البهائم، وطي الأرض، وظهور الشيء في غير موضعه ووقته.

وقد جاءت الأخبار بها، وصحت الروايات، ونطق بها التنزيل: من قصة الذي عنده علم من الكتاب في قوله تعالى {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}، وقصة مريم حين قال لها زكريا: {أني لك هذا؟ قالت: هو من عند الله}، وقصة الرجلين اللذين كانا عند النبي ثم خرجا فأضاء لهما سوطاهما، وغير ذلك.

وجواز ذلك في عصر النبي وغير عصره واحد؛ وذلك أنه إذا كانت في عصر النبي للنبي على معنى التصديق له، كان في غير عصره على معنى التصديق؛ وقد كان بعد النبي لعمر بن الخطاب - حين نادى سارية - قال لسارية: يا سارية بن حصن، الجبل، الجبل "، وعمر بالمدينة على المنبر، وسارية في وجه العدو على مسيرة شهر. والأخبار في هذا كثيرة وافرة. ↑↑

وإنما أنكر جواز ذلك من أنكر: لأن فيه زعم إبطال النبوات؛ لأن النبي لا يظهر عن غيره إلا بمعجزة يأتي بها، تدل على صدقه، ويعجز عنها غيره، فإذا ظهرت على يدي غيره لم يكن بينه وبين من ليس بنبي فرق، ولا دليل على صدقه، قالوا: وفيه تعجيز الله عن إظهار نبي عن من ليس بنبي "!

وقال أبو بكر الوراق: النبي لم يكن نبيا للمعجزة، وإنما كان نبيا بإرسال الله تعالى إياه، ووحيه إليه، فمن أرسله الله وأوحى إليه فهو نبي كانت معه معجزة أو لم تكن، ووجب على من دعاه الرسول الإجابة له وإن لم يره معجزة، وإنما كانت المعجزات: لإثبات الحجة على من أنكر، ووجوب كلمة العذاب على من عاند وكفر، وإنما وجبت الإجابة للنبي بدعوته: لأنه يدعوه إلى ما أوجب الله عليه: من توحيده، ونفي الشركاء عنه، وإتيان ما ليس في العقل استحالته، بل وجوبه أو جوازه ". ↑↑

والأصل في ذلك: أنهما عينان: نبي ومتنبي، فالنبي صادق، والمتنبي كاذب، وهما يشتبهان في الصورة والتركيب.

وأجمعوا: أن الصادق يؤيده الله بالمعجزة، والكاذب لا يجوز له ما يكون للصادق؛ لأن في هذا تعجيز الله عن إظهار الصادق من الكاذب.

فأما إذا كان ولي صادق وليس بنبي: فإنه لا يدعي النبوة، ولا ما هو كذب وباطل، وإنما يدعو إلى ما هو حق وصدق، فإن أظهر الله عليه كرامة لم يقدح ذلك في نبوة النبي، ولا أوجب شبهة فيها؛ لأن الصادق: يقول ما يقوله النبي، ويدعو إلى ما يدعوا إليه النبي، فظهور الكرامة له تأييد للنبي، وإظهار لدعوته، وإلزام لحجته، وتصديقه فيما يدعوه ويدعيه من النبوة، وإثبات توحيد الله . ↑↑

وجوز بعضهم أن يرى الله أعداءه في خاصة أنفسهم وفيما لا يوجب شبهة: ما يخرج من العادات، ويكون ذلك استدراجا لهم، وسببا لهلاكهم؛ وذلك أنها تولد في أنفسهم تعظما وكبرياء، ويرون أنها كرامات لهم استأهلوها بأعمالهم، واستوجبوها بأفعالهم، فيتكلون على أعمالهم، ويرون لهم الفضل على الخلق، فيزرون بعباده، ويأمنون مكره ويستطيلون على عباده.

وأما الأولياء: فإنهم إذا ظهر لهم من كرامات الله شيء، ازدادوا لله تذللا وخضوعا، وخشية واستكانة، وإزراء بنفوسهم، وإيجابا لحق الله عليهم، فيكون ذلك زيادة لهم في أمورهم، وقوة على مجاهداتهم، وشكرا لله تعالى على ما أعطاهم.

فالذي للأنبياء: معجزات، وللأولياء: كرامات، وللأعداء: مخادعات. ↑↑

وقال بعضهم: إن كرامات الأولياء تجري عليهم من حيث لا يعلمون، والأنبياء تكون لهم المعجزات وهم بها عالمون، بإثباتها ناطقون؛ لأن الأولياء قد يخشى عليهم الفتنة مع عدم العصمة، والأنبياء لا يخشى عليهم الفتنة بها؛ لأنهم معصومون "، قالوا: وكرامة الولي: بإجابة دعوة، وتمام حال، وقوة على فعل، وكفاية مؤنة، يقوم لهم الحق بها، وهي مما يخرج عن العادات. ومعجزات الأنبياء: إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وتقليب الأعيان ".

وجوز بعض المتكلمين وقوم من الصوفية: إظهارها على الكذابين من حيث لا يعلمون وقت ما يدعونها فيما لا يوجب شبهة، كما روى في قصة فرعون: من جرى النيل معه، وكما أخبر النبي في قصة الدجال: أنه يقتل رجلا ثم يحييه فيما يخيل إليه، قالوا: إنما جاز ذلك لأنهما ادعيا ما لا يوجب شبهة؛ لأن أعيانهما تشهد على كذبهما فيما ادعياه من الربوبية ".

واختلفوا في الولي: هل يجوز أن يعرف أنه ولي أم لا؟ ↑↑

فقال بعضهم: لا يجوز ذلك؛ لأن معرفة ذلك تزيل عنه خوف العاقبة، وزوال خوف العاقبة يوجب الأمن، وفي وجوب الأمن زوال العبودية؛ لأن العبد بين الخوف والرجاء: قال الله تعالى: {ويدعوننا رغبا ورهبا} ".

وقال الأجلة منهم والكبار: يجوز أن يعرف الولي ولايته؛ لأنها كرامة من الله تعالى للعبد، والكرامات والنعم يجوز أن يعلم ذلك فيقتضي زيادة الشكر ".

والولاية ولايتان: ولاية تخرج من العداوة، وهي لعامة المؤمنين، فهذه لا توجب معرفتها والتحقق بها للأعيان، لكن من جهة العموم، فيقال: المؤمن ولي الله ولاية اختصاص واصطفاء واصطناع.

وهذه توجب معرفتها والتحقق بها، ويكون صاحبها محفوظا عن النظر إلى نفسه فلا يدخله عجب، ويكون مسلوبا من الخلق (بمعنى النظر إليهم بحظ) فلا يفتنونه، ويكون محفوظا عن آفات البشرية، وإن كان طبع البشرية: قائما معه، باقيا فيه، فلا يستحلى حظا من حظوظ النفس استحلاء يفتنه في دينه واستحلاء الطبع قائم فيه، وهذه هي خصوص الولاية من الله للعبد. ↑↑

ومن كان بهذه الصفة: لم يكن للعدو إليه طريق (بمعنى الإغواء)؛ لقوله : {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}، وهو مع هذا ليس بمعصوم من صغيرة ولا كبيرة، فإن وقع في أحديهما قارنته التوبة الخالصة. والنبي معصوم: لا يجري عليه كبيرة بإجماع، ولا صغيرة عند بعضهم.

وزوال خوف العاقبة ليس بممتنع، بل هو جائز؛ فقد أخبر النبي أصحابه بأنهم من أهل الجنة، وشهد للعشرة بالجنة، والراوي له: سعيد ابن زيد (وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة)، وشهادة النبي : توجب سكونا إليها، وطمأنينة بها، وتصديقا لها، وهذا يوجب: الأمن من التغيير، وزوال خوف التبديل لا محالة.

والروايات التي جاءت في خوف المبشرين: من قول أبي بكر : يا ليتني كنت تمرة ينقرها الطير "، وقول عمر : يا ليتني كنت هذه النبتة، ليتني لم أك شيئا "، وقول أبي عبيدة بن الجراح : وددت أني كبش، فيذبحني أهلي ويأكلون لحمي ويحسون مرقي "، وقول عائشة : يا ليتي كنت ورقة من هذه الشجرة "، وهي من شهد لها عمار بن ياسر على منبر الكوفة، فقال: أشهد أنها زوجة النبي في الدنيا والآخرة ". ↑↑

إنما كان ذلك منهم: خوفا من جريان المخالفات عليهم، إجلالا لله تعالى، وتعظيما لقدره، وهيبة له، وحياء منه؛ بأنهم أجلوا الحق أن يخالفوه وإن لم يعاقبهم، كما قال عمر : نعم المرء صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه "، يعني: أن صهيبا ليس يترك المعصية لله خوف عقوبته، ولكنه يتركها إجلالا له، وتعظيما لقدره، وحياء منه.

فخوف المبشرين: لم يكن خوفا من التغيير والتبديل؛ لأن خوف التغيير والتبديل مع شهادة النبي يوجب شكا في أخبار النبي ، وهذا كفر. ولم يكن ذلك خوف عقوبة في النار دون الخلود فيها؛ لعلمهم بأنهم لا يعاقبون بالنار على ما يكون منهم، لأنها إما أن تكون صغائر فتكون مغفورة باجتناب الكبائر، أو بما يصيبهم من البلوى في الدنيا.

قال عبد الله بن عمر فيما روى عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند رسول الله ، فأنزلت هذه الآية: {من يعمل سوءا يجز به} فقال رسول الله : {ألا أقرئك آية أنزلت عليَّ}؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأقرأنيها، فلا أعلم ما أصابني، إلا أني وجدت انقصاما في ظهري، فتمطيت لها، فقال رسول الله : {ما شأنك يا أبا بكر}؟ فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! وأينا لم يعمل سوءا؟ وإنا لمجزون بما عملنا؟ فقال رسول الله : {أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون: فتجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب. وأما الآخرون: فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة} "، أو تكون كبائر فتقارنها التوبة لا محالة، فتصح بشارة النبي لهم بالجنة. على أن هذا الحديث: قد بين أنه يأتي يوم القيامة ولا ذنب له، قال النبي لعمر: {وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم}. ↑↑

ولو كان كما قال بعض الناس: إنهم بشروا بالجنة، ولم يبشروا بأنهم لا يعاقبون، فكان خوفهم من النار وإن علموا أنهم لا يخلدون فيها "! لكان المبشرون وغيرهم من المؤمنين في ذلك سواء؛ لأنهم لا محالة مخرجون منها.

ولو جاز دخول أبي بكر وعمر النار مع قول النبي هما سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، جاز دخول الحسن والحسين مع قوله هما سيدا شباب أهل الجنة؛ فإن كانت سادة أهل الجنة يجوز أن يدخلهم الله النار، ويعذبهم بها، لم يجز أن يدخل أحد الجنة إلا بعد أن يعذب بالنار.

وقال النبي : {إن أهل الدرجات العلى: ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما}، فإن كان هذان يدخلان النار ويخزيان فيها؛ لأن الله تعالى قال: {إنك من تدخل النار فقد أخزيته}! فكيف بغيرهما؟!! ↑↑

وقال ابن عمر إن رسول الله دخل المسجد، وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما، وقال: {هكذا نبعث يوم القيامة}، فإن جاز دخولهما النار جاز دخول الثالث.

وقال النبي : {يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب}، فقال عكاشة بن محصن الأسدي: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال النبي : {أنت منهم}، وأبو بكر وعمر أفضل من عكاشة لا محالة؛ لقول النبي : {هما سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين}، فكيف يجوز أن يدخل عكاشة الجنة بغير حساب وهو دونهما في الفضل، وهما في النار؟! فهذا غلط كبير.

فقد صح بهذه الأخبار: أنهما لا يجوز أن يكونا معذبين بالنار مع شهادة الرسول لهما بالجنة، فقد تبين أمنهما، فمهما قيل فيهما وفي غيرهما من المبشرين، كان ذلك قولا فيمن سواهما من الأولياء من جواز الأمن.

وأما طريق معرفة سائر الأولياء دون المبشرين - إذ كان المبشرون إنما علموا ذلك بأخبار النبي وغيرهم لم يكن فيهم رسول الله فيخبرهم -: فإنهم إنما يعرفون بما يحدث الله فيهم من اللطائف التي يخص بها أولياءه، وبما يورد على أسرارهم من الأحوال التي هي أعلام ولايته: من اختصاصه لهم به، وجذبه لهم مما سواه إليه، وزوال العوارض عن أسرارهم، وفناء الحوادث لهم، والصوارف عنه إلى غيره، ووقوع المشاهدات والمكاشفات التي لا يجوز أن يفعلها الله تعالى إلا بأهل خاصته ومن اصطفاه لنفسه في أزله، مما لا يفعل مثلها في أسرار أعدائه؛ فقد ورد الخبر عن النبي في أبي بكر الصديق : {أنه لم يفضلكم بكثرة الصوم والصلاة، ولكن فضلكم بشيء وقر في صدره} أو {في قلبه}، فهذا معنى الحديث. ↑↑

ويؤمنهم أن يجدوا في أسرارهم كرامات ومواهب، وأنها على الحقيقة، وليست بمخادعات كالذي كان للذي آتاه آياته فانسلخ منها، ومعرفتهم أن أعلام الحقيقة لا يجوز أن يكون كأعلام الخداع والمكر؛ لأن أعلام المخادعات تكون في الظاهر: من ظهور ما خرج من العادة مع ركون المخدوع بها إليها، واغترارهم بها، فيظنوا أنها علامات الولاية والقرب، وهو في الحقيقة خداع وطرد. ولو جاز أن يكون ما يفعله بأوليائه من الاختصاص كما يفعله بأعدائه من الاستدراج، لجاز أن يفعل بأنبيائه ما يفعل بأعدائه: فيبعد أنبياءه ويلعنهم كما فعل بالذي آتاه آياته! وهذا لا يجوز أن يقال في الله . ولو جاز أن يكون للأعداء: أعلام الولاية، وأمارات الاختصاص، ويكون دلائل الولاية لا تدل عليها، لم يقم للحق دليل بته. وليست أعلام الولاية من جهة حلية الظواهر، وظهور ما خرج من العادة لهم فقط، لكن أعلامها: إنما تكون في السرائر، بما يحدث الله تعالى فيها: مما يعلمه الله تعالى ومن يجده في سره. ↑↑



الباب السَّابع والعشرون: قوْلهم في صِفَة الإيمان

↑↑

الإيمان عند الجمهور منهم: قول وعمل ونية، ومعنى النية: التصديق؛ وروى عن رسول الله من طريق جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي أنه قال: {الإيمان: إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالأركان}.

قالوا: أصل الإيمان: إقرار اللسان بتصديق القلب، وفروعه: العمل بالفرائض ".

وقالوا: الإيمان في الظاهر والباطن، والباطن شيء واحد: وهو القلب، والظاهر أشياء مختلفة ".

وأجمعوا: أن وجوب الإيمان ظاهرا كوجوبه باطنا: وهو الإقرار، غير أنه قسط جزء من أجزاء الظاهر دون جميعه، ولما كان قسط الباطن من الإيمان قسط جميعه، وجب أن يكون قسط الظاهر من الإيمان قسط جميعه، وقسط جميعه: هو العمل بالفرائض؛ لأنه يعم جميع الظاهر، كما عم التصديق جميع الباطن.

وقالوا: الإيمان يزيد وينقص ". ↑↑

وقال الجنيد وسهل وغيرهما من المتقدمين منهم: إن التصديق يزيد ولا ينقص، ونقصانه: يخرج من الإيمان؛ لأنه تصديق بأخبار الله تعالى وبمواعيده، وأدنى شك فيه كفر. وزيادته: من جهة القوة واليقين وإقرار اللسان لا يزيد ولا ينقص، وعمل الأركان يزيد وينقص ".

وقال قائل منهم: المؤمن اسم الله تعالى؛ قال الله : {السلام المؤمن المهيمن}، وهو يؤمن المؤمن بإيمانه من عذابه، والمؤمن إذا أقر وصدق وأتى بالأعمال المفترضات، وانتهى عن المنهيات أمن من عذاب الله، ومن لم يأت بشيء من ذلك فهو مخلد في النار، والذي اقر وصدق وقصر في الأعمال فجائز أن يكون معذبا غير مخلد، فهو آمن من الخلود غير آمن من العذاب، فكان أمنه ناقصا غير كامل، وأمن من أتى بها كلها أمنا تاما غير ناقص، فوجب أن يكون نقصان أمنه لنقصان إيمانه؛ إذ كان تمام أمنه لتمام إيمانه ".

وقد وصف النبي إيمان من قصر في واجب بالضعف فقال: {وذلك أضعف الإيمان}، وهو الذي يرى المنكر فينكره بباطنه دون ظاهره، فأخبر أن إيمان الباطن دون الظاهر إيمان ضعيف. ↑↑

ووصفه بالكمال فقال: {أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا}، والأخلاق تكون في الظاهر والباطن، فما عم الجميع وصف بالكمال، وما لم يعم الجميع وصف بالضعف.

وقال بعضهم: زيادة الإيمان ونقصانه من جهة الصفة لا من جهة العين: فزيادة الإيمان: من جهة الجودة والحسن والقوة، ونقصانه: من نقصانها، لا من جهة العين ".

وقد قال النبي : {كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع، وهن: مريم، وفاطمة، وخديجة، وعائشة }، ولم يكن نقصان سائر النساء من جهة أعيانهن، ولكن من جهة الصفة.

ووصفهن أيضا بنقصان العقل والدين، وفسر نقصان دينهن بتركهن الصلاة والصيام في الحيض، والدين: الإسلام، وهو والإيمان واحد عند من لا يرى العمل من الإيمان.

وسئل بعض الكبراء عن الإيمان؟ فقال: الإيمان من الله لا يزيد ولا ينقص، ومن الأنبياء يزيد ولا ينقص، ومن غيرهم يزيد وينقص ".

فمعنى قوله " من الله لا يزيد ولا ينقص ": أن الإيمان صفة لله تعالى وهو موصوف به؛ قال الله تعالى: {السلام المؤمن المهيمن}، وصفات الله: لا توصف بالزيادة والنقصان. ↑↑

ويجوز أن يكون الإيمان من الله : هو الذي قسمه للعبد منه في سابق علمه، لا يزيد وقت ظهوره ولا ينقص عما علمه منه، وقسمه له.

والأنبياء: في مقام المزيد من الله تعالى: من جهة القوة واليقين، ومشاهدات أحوال الغيوب؛ كما قال الله تعالى: {وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين}.

وسائر المؤمنين: يزيد إيمانهم في بواطنهم بالقوة واليقين، وينقص من فروعه بالتقصير في الفرائض وارتكاب المناهي.

والأنبياء معصومون عن ارتكاب المناهي، ومحفوظون في الفرائض عن التقصير، فلا يوصفون بالنقصان في شيء من أوصافهم في حقائق الإيمان.↑↑





الباب الثامن والعشرون: قوْلهم في حقيقة الإيمان والفرق بينه وبين الإسلام

↑↑

قال بعض الشيوخ: حقائق الإيمان أربعة: توحيد بلا حد، وذكر بلا بت، وحال بلا نعت، ووجد بلا وقت "، معنى " حال بلا نعت ": أن يكون وصفه حاله، حتى لا يصف حالا من الأحوال الرفيعة إلا وهو بها موصوف. " ووجد بلا وقت ": أن يكون مشاهدا للحق في كل وقت.

وقال بعضهم: من صح إيمانه لم ينظر إلى الكون وما فيه؛ لأن خساسة الهمة: من قلة المعرفة بالله تعالى ".

وقال بعضهم: صدق الإيمان: التعظيم لله، وثمرته: الحياء من الله ".

وقيل: المؤمن: مشروح الصدر بنور الإسلام، منيب القلب إلى ربه، شهيد الفؤاد لربه، سليم اللب، متعوذ بربه، محترق بقربه، صارخ من بعده ".

وقال بعضهم: الإيمان بالله: مشاهدة ألوهيته ". ↑↑

وقال أبو القاسم البغدادي: الإيمان: هو الذي يجمعك إلى الله، ويجمعك بالله، والحق واحد، والمؤمن متوحد، ومن وافق الأشياء فرفته الأهواء، ومن تفرق عن الله بهواه وتبع شهوته وما يهواه: فاته الحق؛ ألا ترى أنه أمرهم بتكرير العقود عند كل خطرة ونظره، فقال: {يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله}،

وقال النبي : {الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء}.

وقال النبي : {تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد بطنه، تعس عبد فرجه، تعس عبد الخميصة}.

وسألت بعض مشايخنا عن الإيمان؟ فقال: هو أن يكون الكل منك مستجيبا في الدعوة مع حذف خواطر الانصراف عن الله بسرك، فتكون شاهدا لما له، غائبا عما ليس له ".

وسألته مرة أخرى عن الإيمان؟ فقال: الإيمان: ما لا يجوز إتيان ضده، ولا ترك تكليفه ".

وفي قوله: {يا أيها الذين آمنوا}: يا أهل صفوتي ومعرفتي، يا أهل قربي ومشاهدتي.

وجعل بعضهم "الإيمان والإسلام" واحدا، وفرق بعضهم بينهما، فقال من فرق بينهما: الإسلام عام والإيمان خاص.

وقال بعضهم: الإسلام: ظاهر، والإيمان: باطن.

وقال بعضهم: الإيمان: تحقيق واعتقاد، والإسلام: خضوع وانقياد.

وقال بعضهم: التوحيد: سر، وهو: تنزيه الحق عن دركه. والمعرفة: بِرّ، وهو: أن تعرفه بصفاته. والإيمان: عقد القلب بحفظ السر ومعرفة البر. والإسلام: مشاهدة قيام الحق بكل ما أنت به مطالب. ↑↑



الباب التاسع والعشرون: قوْلهم في المذاهب الشَّرعِيَّة

↑↑

إنهم يأخذون لأنفسهم بالأحوط والأوثق فيما اختلف فيه الفقهاء، وهم مع إجماع الفريقين فيما أمكن.

ويرون اختلاف الفقهاء صوابا، ولا يعترض الواحد منهم على الآخر، وكل مجتهد عندهم مصيب.

وكل من اعتقد مذهبا في الشرع وصح ذلك عنده بما يصح مثله مما يدل عليه الكتاب والسنة وكان من أهل الاستنباط فهو مصيب باعتقاده ذلك.

ومن لم يكن من أهل الاجتهاد: أخذ بقول من أفتاه: ممن سبق إلى قلبه من الفقهاء أنه أعلم، وقوله حجة له.

وأجمعوا: على تعجيل الصلوات - وهو الأفضل عندهم مع التيقن بالوقت -، ويرون تعجيل أداء جميع المفترضات عند وجوبها، لا يرون التقصير والتأخير والتفريط فيها إلا لعذر.

ويرون: تقصير الصلاة في السفر، ومن أدمن السفر منهم ولم يكن له مقر أتم الصلاة.

ورأوا الفطر في السفر جائزا، ويصومون.

واستطاعة الحج عندهم: الإمكان من أي وجه كان، ولا يشترطون الزاد والراحلة فقط؛ قال ابن عطاء: الاستطاعة اثنان: حال ومال، فمن لم يكن له حال يقله، ولا مال يبلغه، لا يجب عليه. ↑↑



الباب الثلاثون: قوْلهم في المكاسِب

↑↑

أجمعوا: على إباحة المكاسب (من: الحِرَف، والتجارات، والحرث، وغير ذلك مما أباحته الشريعة) على تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات.

وأنها تُعمل للتعاون، وحسم الأطماع، ونية العود على الأغيار، والعطف على الجار.

وهي عندهم: واجبة لمن ربط به غيره ممن يلزمه فرضه.

وسبيل المكاسب: عند الجنيد: على ما سبق من الشرط: سبيل الأعمال المقربة إلى الله ، ويشتغل العبد بها على حسب ما يشتغل في إتيان ما ندب إليه من النوافل، لا على أن بها تجلب الأرزاق، وتجر المنافع.

وهي عند غيره: مباح للفرد ليس بواجب عليه، من غير أن يقدح في توكله، أو يجرح دينه.

والاشتغال بوظائف الحق أولى وأحق، والإعراض عنه عند صحة التوكل والثقة بالله أوجب؛ وقال سهل: لا يصح الكسب لأهل التوكل إلا لاتباع السنة، ولا لغيرهم إلا للتعاون ".

هذا ما تحققناه وصح عندنا من مذاهب القوم: من أقاويلهم في كتبهم، ممن ذكرنا أساميهم ابتداء. وما سمعناه من الثقات: ممن عرف أصولهم، وتحقق مذاهبهم. والذي فهمناه من رموزهم وإشاراتهم في ضمن كلامهم. ↑↑

قال: وليس كل ذلك مسطورا لهم على حسب ما حكيناه، وأكثر ما ذكرنا من العلل والاحتجاج فمن كلامنا؛ عبارة عما حصلناه من كتبهم ورسائلهم.

ومن تدبر كلامهم، وتفحص كتبهم، علم صحة ما حكيناه، ولولا أنا كرهنا الإطالة والإكثار، لكنا نذكر مكان ما حكيناه من كلامهم من كتبهم نصا ودلالة؛ إذ ليس كل ذلك مرسوما في الكتب على التصريح.

ونذكر الآن: بعض ما تخصصوا به من أقاويلهم، وما استعملوه من ألفاظهم، مما تفردوا به، والعلوم التي عنوا بها، وما يدور كلامهم عليه، ونشرح بعض ما يمكن شرحه، وبالله نستعين، ولا حول وقوة إلا بالله العلى العظيم. ↑↑





الباب الحادي والثلاثون: عُلْوم الصّوفيّة

↑↑

أقول وبالله التوفيق: اعلم أن "علوم الصوفية": علوم الأحوال، والأحوال: مواريث الأعمال، ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال.

وأول تصحيح الأعمال: معرفة علومها، وهي علم الأحكام الشرعية: من أصول الفقه، وفروعه (من الصلاة، والصوم، وسائر الفرائض، إلى علم المعاملات: من النكاح، والطلاق، والمبايعات، وسائر ما أوجب الله تعالى، وندب إليه، وما لا غناء به عنه من أمور المعاش)، وهذه: علوم التعلم والاكتساب.

فأول ما يلزم العبد: الاجتهاد في طلب هذا العلم، وإحكامه على قدر ما أمكنه ووسعه طبعه، وقوى عليه فهمه، بعد إحكام علم التوحيد والمعرفة، على طريق: الكتاب، والسنة، وإجماع السلف الصالح عليه، القدر الذي يتيقن بصحة ما عليه أهل السنة والجماعة. ↑↑

فإن وُفِّقَ لما فوقه: من نفي الشبه التي تعترضه (من خاطر، أو ناظر) فذاك، وإن أعرض عن خواطر السوء اعتصاما بالجملة التي عرفها، وتجافى عن المُنَاظِرِ الذي يحاجه فيه ويجادله عليه وباعده، فهو في سعة إن شاء الله ، واشتغل باستعمال علمه وعمل بما علم.

فأول ما يلزمه: علم آفات النفس، ومعرفتها، ورياضتها، وتهذيب أخلاقها. ومكائد العدو، وفتنة الدنيا، وسبيل الاحتراز منها، وهذا العلم علم الحكمة.

فإذا استقامت النفس على الواجب، وصلحت طباعها، وتأدبت بآداب الله : من زم جوارحها، وحفظ أطرافها، وجمع حواسها، سهل عليه إصلاح أخلاقها، وتطهير الظاهر منها، والفراغ مما لها، وعزوفها عن الدنيا، وإعراضها عنها.

فعند ذلك يمكن العبد مراقبة الخواطر، وتطهير السرائر، وهذا هو علم المعرفة.

ثم وراء هذا: علوم الخواطر، وعلوم المشاهدات المكاشفات، وهي التي تختص بعلم الإشارة: وهو العلم الذي تفردت به الصوفية، بعد جمعها سائر العلوم التي وصفناها. ↑↑

وإنما قيل " علم الإشارة ": لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن العبارة عنها على التحقيق، بل تعلم بالمنازلات والمَواجيد، ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال، وحل تلك المقامات.

روى سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: قال رسول الله : {إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله}.

وعن عبد الواحد بن زيد قال: سألت الحسن عن علم الباطن؟ فقال: سألت حذيفة بن اليمان عن علم الباطن؟ فقال: سألت رسول الله عن علم الباطن؟ فقال: سألت جبريل عن علم الباطن؟ فقال: سألت الله عن علم الباطن؟ فقال: "هو سر من سِرّي، أجعله في قلب عبدي، لا يقف عليه أحد من خلقي".

قال أبو الحسن بن أبى ذر في كتابه منهاج الدين: أنشدونا للشّبلي: ↑↑




عِلمُ التصوف: عِلمٌ لا نَفَادَ له *** عِلْمٌ سَنِيٌّ سَمَاوي رَبُوْبِي  
فيه الفوائد للأرباب يَعرِفُها *** أهل الجزالة والصنع الخصوصي  
 
ثم لكل مقام بدء ونهاية، وبينهما أحوال متفاوتة، ولكل مقام علم، وإلى كل حال إشارة، ومع كل مقام إثبات ونفي، وليس كل ما نفي في مقام كان منفيا فيما قبله، ولا كل ما أثبت فيه كان مثبتا فيما دونه.

وهو كما روى عن النبي أنه قال: {لا إيمان لمن لا أمانة له}، فنفى إيمان الأمانة لا إيمان العقد، والمخاطبون أدركوا ذلك؛ إذ كانوا قد حلوا مقام الأمانة، أو جاوزوه إلى ما فوقه.

وكان مشرفا على أحوالهم فصرح لهم، فأما من لم يشرف على أحوال السامعين، وعبر عن مقام: فنفى فيه وأثبت! جاز أن يكون في السامعين من لم يحلّ ذلك المقام، وكان الذي نفاه القائل مثبتا في مقام السامع، فيسبق إلى وهم السامع أنه نفى ما أثبته العلم، فخطأ قائله، أو بدعه، وربما كفره. ↑↑

فلما كان الأمر كذلك، اصطلحت هذه الطائفة على ألفاظ في علومها، تعارفوها بينهم ورمزوا بها، فأدركه صاحبه، وخفي على السامع الذي لم يحل مقامه، فأما أن يحسن ظنه بالقائل فيقبله ويرجع إلى نفسه فيحكم عليها بقصور فهمه عنه، أو يسوء ظنه به فيهوس قائله وينبه إلى الهذيان؛ وهذا أسلم له من رد حق وإنكاره.

قال بعض المتكلمين لأبي العباس بن عطاء: ما بالكم - أيها المتصوفة - قد اشتققتم ألفاظا أغربتم بها على السامعين، وخرجتم عن اللسان المعتاد! هل هذا إلا طلب للتمويه، أو ستر لعُوَّار المذهب؟ فقال أبو العباس: ما فعلنا ذلك إلا لغيرتنا عليه؛ لعزته علينا، كيلا يشربها غير طائفتنا، ثم اندفع يقول:




أحسن ما أُظْهِرُهُ وَنُظْهِرُهُ *** بادئ حَقٍَ للقلوب نشعره  
يُخبرني عني وعنه أخبره *** أكسوه من رونقه ما يستره  
عن جاهل لا يستطيع ينشره *** يُفْسِد مَعناه إذا ما يعبره  
فلا يُطْبِقُ اللفظ بل لا يَعْشرُه *** ثُمّ يُوافِي غَيْرَه فيخبره  
فَيَظْهَر الجَهْلُ وتبدو زمره *** ويُدْرَسَ العِلْمُ وَيَعْفُو أثرُه  
 


وأنشدونا أيضا له: ↑↑


إذا أهلُ العِبَارَة سَاءلونا *** أجَبنَاهم بأعلام الإشارة  
نُشِيرُ بها فنَجعلها غُمُوضاً *** تُقَصِّرُ عَنهُ ترجمةُ العِبَارة  
ونَشْهَدُهَا وتُشْهِدُنا سروراً *** له في كُلّ جارِحَةٍ إثارة  
ترى الأقوالَ في الأحوال أسْرَى *** كأسْرِ العارِفِين ذوي الخَسَارة   
 


الباب الثاني والثلاثون: في أَركانِ التَّصَوّف

↑↑

سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد الفارسي يقول: أركان التصوف عشرة: أولها تجريد التوحيد، ثم فهم السماع، وحسن العشرة، وإيثار الإيثار، وترك الاختيار، وسرعة الوجد، والكشف عن الخواطر، وكثرة الأسفار، وترك الاكتساب، وتحريم الادخار ".

معنى " تجريد التوحيد ": أن لا يشوبه خاطر تشبيه، أو تعطيل.

و " فهم السماع ": أن يسمع بحاله، لا بالعلم فقط.

و " إيثار الإيثار ": أن يؤثر على نفسه غيره بالإيثار؛ ليكون فضل الإيثار لغيره.

و " سرعة الوجد ": أن لا يكون فارغ السِّرِّ مما يثير الوجد، ولا ممتلئ السِّرِّ مما يمنع من سماع زواجر الحق.

و " الكشف عن الخواطر ": أن يبحث عن كل ما يخطر على سرِّه، فيتابع ما للحق، ويدع ما ليس له.

و " كثرة الأسفار ": لشهود الاعتبار في الآفاق والأقطار؛ قال الله تعالى: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم}، {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق}؛ قيل في قوله {قل سيروا في الأرض}: قال بضياء المعرفة، لا بظلمة النكرة. ولقطع الأسباب ورياضة النفوس

و " ترك الاكتساب ": لمطالبة النفوس بالتوكل.

و " تحريم الادخار ": في حالة، لا في واجب العلم؛ كما قال النبي في الذي مات من أهل الصفة وترك دينارا، فقال رسول الله : {كيَّة}.



الباب الثالث والثلاثون: في وُجُوه الخاطِر

↑↑

قال بعض الشيوخ: الخاطر على أربعة أوجه: خاطر من الله ، وخاطر من الملك، وخاطر من النفس، وخاطر من العدو.

فالذي من الله: تنبيه، والذي من الملك: حث على الطاعة، والذي من النفس: مطالبة الشهوة، والذي من العدو: تزيين المعصية.

فبنور التوحيد يقبل من الله، وبنور المعرفة يقبل من الملك، وبنور الإيمان ينهى النفس، وبنور الإسلام يرد على العدو ".



الباب الرابع والثلاثون: في التَّصَوف والصُّوفي

↑↑

قال الجنيد: التصوف: حفظ الأوقات "، قال: وهو أن لا يطالع العبد غير حده، ولا يوافق غير ربه، ولا يقارن غير وقته ".

وقال ابن عطاء: التصوف: الاسترسال مع الحق ".

قال أبو يعقوب السوسي: الصوفي: هو الذي لا يزعجه سلب، ولا يتعبه طلب ".

قيل للجنيد: ما التصوف؟ قال: لحوق السر بالحق، ولا ينال ذلك إلا بفناء النفس عن الأسباب؛ لقوة الروح والقيام مع الحق ".

وسئل الشبلي: لم سميت الصوفية صوفية؟ قال: لأنها ارتسمت بوجود الرسم وإثبات الوصف، ولو ارتسمت بمحو الرسم لم يكن إلا اسم الرسم ومثبت الوصف، فأحالهم على رسومهم، وأنكر أن يكون للمتحقق رسم أو وصف ".

قال أبو يزيد: الصوفية أطفال في جحر الحق ".

قال أبو عبد الله النباجي: "مثل التصوف مثل علة البرسام، في أولها هذيان، فإذا تمكنت أخرست"، يعني: أنه يعبر عن مقامه، وينطق بعلم حاله، فإذا كوشف تحير وسكت. ↑↑

سمعت فارسا يقول: متى تظاهر في خواطر الهجوس على دواعي ملمات النفوس، وجد السبيل إلى ترجيح الأولى، فيقع النشر. وأما الوصلة: فإنها تحجب موادَّ الإملاء، فيكون المرجع إلى الخرس عن كل نفس ".

سئل النورى عن التصوف؟ فقال: نشر مقام، واتصال بقوام "، قيل له: فما أخلاقهم؟ قال: إدخال السرور على غيرهم، والإعراض عن أذاهم؛ قال الله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ".

معنى " نشر مقام ": هو أن يعبر عن حاله إذا عبر، لا عن حال غيره، بلسان العلم.

ومعنى " اتصال بقوام ": هو أن يحمله حاله في حاله عن حال غيره.

وأنشدونا للنورى:


أزعَجْتَنِي عن نعوت الحال بالحال *** وكيف يُنْعَتُ "من لا قال" بالقال؟  
ما كل من يدعى حالا تصدّقه *** حتى يترجم عنه صاحب الحال  
 
ونريد أن نخبر الآن ببعض المقامات على لسان القوم من غير بسط؛ كراهة الإطالة، ونحكى من مقالات المشايخ فيها ما قرب منها إلى الأفهام، دون الرموز الخفية، والإشارات الدقيقة، ونبدأ بالتوبة: ↑↑



الباب الخامس والثلاثون: قَولُهم في التَّوبَة

↑↑

سئل الجنيد بن محمد عن التوبة ما هي؟ فقال: هو نسيان ذنبك ". وسئل سهل عن التوبة؟ فقال: هو أن لا تنسى ذنبك ".

فمعنى قول الجنيد: أن تخرج حلاوة ذلك الفعل من قلبك، خروجا لا يبقى له في سرك أثر، حتى تكون بمنزلة من لا يعرف ذلك قط.

وقال رويم: معنى التوبة: أن تتوب من التوبة "، معناه: ما قالت رابعة: أستغفر الله من قلة صدقي في قولي أستغفر الله.

سئل الحسين المغازلي عن التوبة؟ فقال: تسألني عن توبة الإنابة، أو توبة الاستجابة "؟ فقال السائل: ما توبة الإنابة؟ قال: أن تخاف من الله؛ من أجل قدرته عليك "، قال: فما توبة الاستجابة؟ قال: أن تستحي من الله لقربه منك.

قال ذو النون: توبة العام من الذنب، وتوبة الخاص من الغفلة، وتوبة الأنبياء من رؤية عجزهم عن بلوغ ما ناله غيرهم ".

وقال النوري: التوبة: أن تتوب من ذكر كل شيء سوى الله ".

قال إبراهيم الدقاق: التوبة: أن تكون لله وجها بلا قفا، كما كنت له قفا بلا وجه، والله الموفق ". ↑↑



الباب السادس والثلاثون: قَولُهم في الزُّهد

↑↑

قال الجنيد: الزهد: خلو الأيدي من الأملاك، والقلوب من التتبع ".

قال على بن أبى طالب وسئل عن الزهد ما كان؟ فقال: هو أن لا تبالي مَنْ أكل الدنيا: من مؤمن أو كافر ".

قال يحيى: الزهد: ترك البد ".

قال مسروق: الزاهد: الذي لا يملكه مع الله سبب ".

سئل الشبلي عن الزهد؟ فقال: ويلكم، أي مقدار لأقل من جناح بعوضة حتى يزهد فيها ".

قال أبو بكر الواسطي: كم تصول بترك كنيف، وإلى متى تصول بإعراضك ما لا يزن عند الله جناح بعوضة؟ ".

وسئل الشبلي عن الزهد؟ فقال: لا زهد في الحقيقة؛ لأنه: إما أن يزهد فيما ليس له، فليس ذلك بزهد. أو يزهد فيما هو له، فكيف يزهد فيه وهو معه وعنده؟ فليس إلا ظلف النفس، وبذل، ومواساة "، كأنه جعل الزهد: ترك الشيء فيما ليس له، وما ليس له لا يصح له تركه؛ لأنه متروك، وما هو له لا يمكنه تركه.



الباب السَّابع والثلاثون: قَولهم في الصَّبر

↑↑

قال سهل: الصبر: انتظار الفرج من الله تعالى، قال: وهو أفضل الخدمة وأعلاها.

وقال غيره: الصبر: أن تصبر في الصبر، معناه: أن لا تطالع فيه الفرج.

قال بعضهم:


صابَر الصبرَ فاستغاث به الصبرُ *** فنادى الصبور يا صبر صبرا  
قال سهل في قوله: {واستعينوا بالصبر والصلاة}: أي: استعينوا بالله، واصبروا على أمر الله، واصبروا على أدب الله سبحانه ".
قال سهل: الصبر مقدس، تقدس به الأشياء.

قال أبو عمرو الدمشقي في قوله تعالى: {مسني الضر}: أي: مسني الضر فصبرني؛ لأنك أرحم الراحمين.

وقال غيره: مسني الضر الذي تخص به أنبيائك وأوليائك بلا استحقاق منى، لكن لأنك أرحم الراحمين.

وقال بعضهم: إنما جزع من أجله، لا من أجل نفسه؛ وذلك أن الألم استولى على بدنه، فخاف زوال عقله.



أنشدونا لأبى القاسم سمنون:


تجرّعتُ من حاليه نُعْمَى وأبْؤساً *** زَمانٌ إذا أمضى عَزَالَيْه احتسى  
فكم غمرة قد جَرَّعتني كؤوسُها *** فجَرَّعتُها من بحر صبري أكؤسا  
تدرعت صبري والتحقت صروفه *** وقلت لنفسي: الصبر أو فاهلكى أسا  
خطوب لو أن الشُّمَّ زاحمن خطبها *** لساخت ولم تدرك لها الكفُّ ملمسا  
   
 
الباب الثامن والثلاثون: قَولهم في الفَقْر

↑↑

قال أبو محمد الجريرى: الفقر: أن لا تطلب المعدوم حتى تفقد الموجود "، معناه: أن لا تطلب الأرزاق إلا عند خوف العجز عن القيام بالفرض.

قال ابن الجلاء: الفقر: أن لا يكون لك، فإذا كان لك لا يكون لك "؛ على معنى قوله تعالى {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}.

قال أبو محمد رويم بن محمد: الفقر: عدم كل موجود وترك كل مفقود ".

وقال الكناني: إذا صح الافتقار إلى الله، صح الغنى بالله؛ لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بالآخر ".

قال النوري: نعت الفقير: السكون عند العدم، والبذل والإيثار عند الوجود ".

وقال بعض الكبراء: الفقير: هو المحروم من الإرفاق، والمحروم من السؤال؛ لقوله : {لو أقسم على الله لأبره}، فدل أنه لا يقسم ". ↑↑

قال الدراج: فتشت كنف أستاذي أريد مكحلة، فوجدت فيه قطعة فضة، فتحيرت، فلما جاء قلت له: إني وجدت في كنفك قطعة؟! قال: قد رأيتها! ردها، ثم قال: خذها واشتر بها شيئا. فقلت له: ما كان أمر هذه القطعة بحق معبودك؟ قال: ما رزقني الله من الدنيا صفراء ولا بيضاء غيرها، فأردت أن أوصى أن تشد في كفني فأردها إلى الله ".

سمعت أبا القاسم البغدادي يقول: سمعت الدوري يقول: كنا ليلة العيد مع أبي الحسن النوري في مسجد الشونيزي، فدخل علينا إنسان، فقال للنوري: أيها الشيخ، غدا العيد، ماذا أنت لابسه؟ فأنشأ يقول:


قالوا غداً العيد ماذا أنت لابسه؟ *** فقلت: خِلْعَة ساقٍ عَبدَه جُرَعا  
فَقر وصبر هما ثوبايَ تحتهما *** قلب يرى ربَّه الأعيادَ والجمعا  
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب بها *** يوم التزاور في الثوب الذي خَلعا  
الدهر لي مأتم إن غِبْتَ يا أملي *** والعيد ما دُمت لي مرأى ومستمعا  
 
سئل بعض الكبراء: ما الذي منع الأغنياء عن العود بفضول ما عندهم على هذه الطائفة؟ فقال: ثلاثة أشياء: أحدها: أن الذي في أيديهم غير طيب، وهؤلاء خالصة الله، وما اصطنع إلى أهل الله فمقبول، ولا يقبل الله تعالى إلا الطيب. والثاني: أنهم مستحقون، فيحرم الآخرون بركة العود عليهم والثواب فيهم. والثالث: أنهم مرادون بالبلاء، فيمنعهم الحق عن العود عليهم ليتم مراده فيهم ". ↑↑

سمعت فارسا يقول: قلت لبعض الفقراء مرة - ورأيت عليه أثر الجوع والضر -: لم لا تسأل الناس فيطعموك؟ قال: أخاف أن أسألهم فيمنعوني، فلا يفلحوا؛ وقد بلغني عن النبي أنه قال: لو صدق السائل ما أفلح من منعه ".





الباب التاسع والثلاثون: قَولهم في التَواضُع

↑↑

سئل الجنيد عن التواضع؟ فقال: هو: خفض الجناح وكسر الجانب ".

قال رويم: التواضع: تذلل القلوب لعلام الغيوب ".

قال سهل: كمال ذكر الله: المشاهدة، وكمال التواضع: الرضا به ".

وقال غيره: التواضع: قبول الحق من الحق للحق ".

وقال آخر: التواضع: الافتخار بالقلة، والاعتناق للذلة، وتحمل أثقال أهل الملة ".





الباب الأربعون: قَولهم في الخَوْف

↑↑

قال أبو عمرو الدمشقي: الخائف: من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من العدو.

قال أحمد السيد حمدويه: الخائف: الذي يخافه المخلوقات.

قال أبو عبد الله بن الجلاء: الخائف الذي تأمنه المخلوقات.

قال ابن خبيق: الخائف: الذي يكون بحكم كل وقت، فوقت تخافه المخلوقات، ووقت تأمنه، الذي تخافه المخلوقات: هو الذي غلب عليه الخوف فصار خوفا كله، فيخافه كل شيء؛ كما قيل: من خاف الله خافه كل شيء. والذي أمنته المخاوف: هو الذي إذا طرقت المخاوف أذكاره لم تؤثر فيه؛ لغيبته عنها بخوف الله تعالى، ومن غاب عن الأشياء غابت الأشياء عنه. ↑↑

 أنشدونا:


يُحْرَقُ بالنار من يحس بها *** فمن هو النار كيف يحترق  
   
قال رويم: الخائف: الذي لا يخاف غير الله، معناه: لا يخافه لنفسه، وإنما يخافه إجلالا له، والخوف للنفس خوف العقوبة.
قال سهل: الخوف: ذكر، والرجاء: أنثى، معناه: منهما يتولد حقائق الإيمان.

وقال: إذا خاف العبد غير الله ورجا الله تعالى، أمّن الله خوفه وهو محجوب.





الباب الحادي والأربعون: قَولهم في التَقْوى

↑↑

قال سهل: التقوى مشاهدة الأحوال على قدم الانفراد، معناه: أن يتقى مما سوى الله سكونا إليه، واستحلاء له.

وفي قوله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم} أي: بجميع استطاعتكم.

قال سهل: ما استطعتم إظهار الفقر والفاقة إليه.

قال محمد بن سنجان: التقوى ترك ما دون الله.

قال سهل في قوله تعالى: {ولكن يناله التقوى منكم} قال: هو التبرّي وهو الإخلاص.، قال غيره: أصل التقوى: مجانية النهي، ومباينة النفس، فعلى قدر ما فاتهم من حظوظ أنفسهم أدركوا اليقين.

أنشدونا للنوري:


إني اتَّقَيْتُك لا مهابة *** مِن مُحَاذَرَة المصير  
إني وكيف وأنت لي *** إلف يفوق مدى السمير  
تُوفِي السرائر سِرَّها *** وتحوط مكنون الضمير  
لكن أجِلُّك أن أجل *** سواك للخَطَر الحقير  
 


الباب الثاني والأربعون: قَولُهم في الإخْلاص

↑↑

قال الجنيد: الإخلاص: ما أريد به الله، من أي عمل كان ".

قال رويم: الإخلاص: ارتفاع رؤيتك من الفعل ".

سمعت فارسا يقول: قَدِم على أبى بكر القحطبي قوم من الفقراء من أهل خراسان، فقال لهم أبو بكر: بم يأمركم شيخكم - يعني: أبا عثمان -؟ فقالوا: يأمرنا بكثرة الطاعة مع التزام رؤية التقصير فيها. فقال: ويحه، ألا يأمركم بالغيبة عنها برؤية مبديها ".

قيل لأبى العباس بن عطاء: ما الخالص من الأعمال؟ قال: ما خلص من الآفات ".

قال أبو يعقوب السوسي: "الخالص من الأعمال: ما لم يعلم به ملك فيكتبه، ولا عدو فيفسده، ولا النفس فتعجب به". معناه: انقطاع العبد إلى الله ، والرجوع إليه من فعله، والله الموفق.



 

الباب الثالث والأربعون: قولهم في الشُّكْر

↑↑

قال الحارث المحاسبي: الشكر: زيادة الله للشاكرين "، معناه: إذا شكر زاده الله توفيقا، فزاد شكرا.

قال أبو سعيد الخزاز: الشكر: الاعتراف للمنعم، والإقرار بالربوبية ".

قال أبو علي الرّوذباري:


لو كلُّ جارحة مِنِّي لها لغةٌ *** تُثني عليك بما أوْلَيْتَ من حَسَن  
لكان ما زاد شكري إذ شكرت به *** إليك أزْيَدَ في الإحسان والمنن  
   
قال بعض الكبراء: الشكر: هو الغَيْبَة عن الشكر برؤية المنعم.
قال يحيى بن معاذ: لست بشاكر ما دمت تشكر، وغاية الشكر: التحير؛ وذلك أن الشكر: نعمة من الله يجب الشكر عليها، وهذا لا يتناهى.

أنشدونا لأبى الحسن النوري: ↑↑




سأشكر لا أنِّي لا أجازيك مُنْعِماً *** بشكري ولكن كي يُقالَ له الشكر  
وأَذْكُرُ أيَّامي لديك وحُسْنَهَا *** وآخر ما يبقى على الشاكر الذكر  
   
كان بعض الكبراء يقول في مناجاته: اللهم إنك تعلم عجزي عن مواضع شكرك، فاشكر نفسك عنّي ".




الباب الرابع والأربعون: قَولهُم في التوكُّل

↑↑

قال سريّ السقطي: التوكل: الانخلاع من الحول والقوة.

وقال ابن مسروق: التوكل: الاستسلام لجريان القضاء في الأحكام.

قال سهل: التوكل: الاسترسال بين يدي الله تعالى.

قال أبو عبد الله القرشي: التوكل: ترك الإيواء إلا إلى الله.

قال أبو أيوب: التوكل: طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والطمأنينة إلى الكفاية.

قال الجنيد: حقيقة التوكل: أن يكون لله تعالى كما لم يكن، فيكون الله له كما لم يزل.

قال أبو سعيد الخراز: قامت الكفايات من السيد لأهل مملكته، فاستغنوا عن مقامات التوكل عليه ليكفيهم؛ فما أقبح التقاضي بأهل الصفاء، جعل التوكل عليه لأجل الكفاية تقاضي القيام بالكفاية، كما قال الشِّبلي: التوكل كدية حسنة.

قال سهل: كل المقامات لها وجه وقفا غير التوكل؛ فإنه وجه بلا قفا، يريد توكل العناية، لا توكل الكفاية: وهو أن لا يطالبه بالأعواض.

وقال بعضهم: التوكل: سر بين العبد وبين الله، معناه كما قال بعض الكبراء: حقيقة التوكل: ترك التوكل، وهو: أن يكون الله لهم حيث كان لهم إذ لم يكونوا موجودين.

قال بعض الكبار لإبراهيم الخواص: إلى ماذا أدى بك التصوف؟ فقال: إلى التوكل. فقال: ويحك، بعد أن تسعى في عمران بطنك؟ معناه: إن توكلك عليه لأجل نفسك احتزاز من مكروه يصيبها. ↑↑





الباب الخامس والأربعون: قُولهم في الرَّضا

↑↑

قال الجنيد: الرضا: ترك الاختيار.

قال الحارث المحاسبي: الرضا: سكون القلب تحت جريان الحكم.

قال ذو النون: الرضا: سرور القلب بمر القضاء.

قال رويم: الرضا: استقبال الأحكام بالفرح.

قال ابن عطاء: الرضا: نظر القلب إلى قديم اختيار الله للعبد؛ فإنه اختار له الأفضل.

قال سفيان عند رابعة: اللهم ارض عني، فقالت له: أما تستحي أن تطلب رضا من لست عنه براض.

قال سهل: إذا اتصل الرضا بالرضوان، اتصلت الطمأنينة، فطوبى لهم وحسن مآب، يريد: قوله  {رضي الله عنهم ورضوا عنه}، فمعناه: الرضا في الدنيا تحت مجارى الأحكام: يورث الرضوان في الآخرة بما جرت به الأقلام؛ قال الله تعالى: {وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين}، فهو قول الفريقين من أهل الجنة والنار من الموحدين من أهلها؛ فإن المشركين لا يؤذن لهم في الحمد، لأنهم محجوبون.

أنشدونا للنوري:


إن الرضا لَمَرارَات تجرّعُها *** عن القنوع إذا ما استُعْذِب الكدر  
عواقب أشهدت بعض الحضور فما *** يرعى التَّكَثُّر إلا ناقَةٌ نزْرُ  
 


الباب السَّادس والأربعون: قَولهم في اليَقِيْن

↑↑

قال الجنيد: اليقين: ارتفاع الشك ".

قال النوري: اليقين: هو المشاهدة ".

قال ابن عطاء: اليقين: ما زالت عنه المعارضة على دوام الوقت ".

قال ذو النون: كل ما رأته العيون نسب إلى العلم، وما علمته القلوب نسب إلى اليقين ".

وقال غيره: اليقين عين القلب ".

قال عبد الله: اليقين: اتصال البين، وانفصال ما بين البين "، معناه: قول حارثة:

"كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا "؛ اتصلت رؤيته بالغيب، وارتفع ما بينه وبين الغيب من الحجب.

قال سهل: اليقين: المكاشفة، كما قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا "، وبالله التوفيق.



الباب السَّابع والأربعون: قولهم في الذِّكْرِ

↑↑

حقيقة الذكر: أن تنسى ما سوى المذكور في الذكر؛ لقوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت}، يعنى: إذا نسيت ما دون الله فقد ذكرت الله. وقال النبي : {سبق المفردون}، قيل: ومن المفردون يا رسول الله؟ فقال: {الذاكرون كثيرا والذاكرات}، والمفرد: الذي ليس معه غيره.

وقال بعض الكبار: "الذكر: طرد الغفلة، فإذا ارتفعت الغفلة فأنت ذاكر وإن سكت ".

وأنشدونا للجنيد:


ذكرتك لا أنِّي نسيتك لمْحَةً *** وأيسر ما في الذكر ذكرُ لساني  
   
سمعت أبا القاسم البغدادي يقول: سألت بعض الكبار فقلت: ما بال نفوس العارفين تتبرم بالأذكار، وتستروح إلى الأفكار، وليس يفضي الفكر إلى مقرّ، ولأذكارها أعواض تسر؟ فقال: استصغرت ثمرات الأذكار، فلم تحملها عن مكابداتها، وبَهَرَها شرف ما وراء الأفكار فغيبها عن ألم مجاهداتها "، معنى قوله " استصغرت ثمرات الأذكار ": لأنها كلها حظوظ النفس، والعارفون قد أعرضوا عن النفوس وحظوظها. وأما " أفكارهم ": فإنها تكون في جلال الله وهيبته ومنته وإحسانه، فهي تفكر فيما لله تعالى عليها إجلالا له، وتعرض عما لها عند الله حرمة له؛ في قوله خبرا عن الله : {من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين}، معناه: من شغله مشاهدة عظمتي عن ذكر لسانه؛ لأن ذكر اللسان كله مسألة. وأخرى: أن مشاهدة العظمة تحيره، فتقطعه عن الذكر له؛ كما قال النبي : {لا أحصي ثناء عليك. ↑↑
أنشدونا للنوري:


أريد دوام الذكر من فرط حبه *** فيا عجبا من غيبة الذكر في الوجد  
وأعجب منه غيبة الواجد تارة *** وغيبة عين الذكر في القرب والبعد  
 
قال الجنيد: من قال الله، عن غير مشاهدة: فهو مفترى "؛ يدل على صحة قوله: قول الله تعالى: {قالوا نشهد إنك لرسول الله}، ثم قال: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}، أكذبهم الله وإن كانت الكلمة صدقا؛ لأنها لم تكن عن مشاهدة.

وقال غيره: القلب للمشاهدة، واللسان للعبارة عن المشاهدة، فمن عبر عن غير مشاهدة: فهو شاهد زور.

أنشدونا لبعض الكبار:


أنت المُوَلَّهُ لي لا الذكر وَلَّهَنِي *** حاشَا لقلبي أن يعلق به ذكري  
الذكر واسطة يحجبك عن نظري *** إذا توَشَّحه من خاطري فِكْرَي  
 
معناه: الذكر صفة الذاكر، فإن غبت في ذكرى كانت غيبتي في، وإنما يحجب العبد عن مشاهدة مولاه أوصافه.

قال سرى السقطي: صحبت زنجيا في البرية، فرأيته كلما ذكر الله تغير لونه وابيض! فقلت: يا هذا، أرى عجبا: إنك كلما ذكرت الله حالت لبستك، وتغيرت صفتك؟! فقال: يا أخي، أما أنك لو ذكرت الله حق ذكره، لحالت لبستك، وتغيرت صفتك، ثم أنشأ يقول: ↑↑


ذَكَرنا وما كنّا لننسى فنذكر *** ولكن نسيم القرب يبدو فَيَبْهر  
فأفنى به عنِّي وأبقى به له *** إذ الحقّ عنه مُخْبِر ومُعبّر  
أرى الذكر أصنافا من الذكر حشوها *** وداد وشَوقٌ يبعثان على الذِّكرِ  
فذِكرٌ ألِيفُ النفس ممتزج بها *** يَحِلُّ محل الروح في طَرْفِها يسري  
وذِكرٌ يعزي النفس عنها لأنّه *** لها مُتْلِف من حيث تدري ولا تدري  
وذِكرٌ علا منّي المَفَارق والذُّرَى *** يجِلُّ عن الإدراك بالوَهمِ والفِكر  
يراه لِحاظُ العَينِ بالقلب رؤية *** فيجفُو عليه أن يشاهد بالذِكر  
 
صنّفَ الذكر أصنافا: فالأول: ذكر القلب، وهو أن يكون المذكور غير منسي فيذكر.

والثاني: ذكر أوصاف المذكور.

والثالث: شهود المذكور، فيفني عن الذِكر؛ لأن " أوصاف المذكور " تفنيك عن أوصافك، فتفنى عن الذكر. ↑↑





الباب الثامن والأربعون: قولهم في الأُنْسِ

↑↑

سئل الجنيد عن الأنس: ما هو؟ فقال: الأنس: ارتفاع الحشمة مع وجود الهيبة "، معنى " ارتفاع الحشمة ": أن يكون الرجاء أغلب عليه من الخوف

وسئل ذو النون عن الأنس؟ فقال: هو انبساط المحب إلى الحبوب "، معناه: ما قال الخليل {أرني كيف تحي الموتى}، وما قال الكليم : {أرني أنظر إليك}. وقوله: {لن تراني}: شبه العذر، أي: لا تطيق.

وسئل إبراهيم المارستاني عن الأنس؟ فقال: هو فرح القلب بالمحبوب ".

وسئل الشبلي عن الأنس فقال: هو وحشتك منه ".

وقال ذو النون: أدنى مقام الأنس: أن يلقى في النار فلا يغيبه ذلك عمن أنس به ".

وقال بعضهم: الأنس: هو أن يستأنس بالأذكار، فيغيب به عن رؤية الأغيار ".

أنشدونا لرويم:


شغلت قلبي بما لديك فما *** ينفك طول الحياة من فكري  
أنستني منك بالوداد وقد *** أوحشتني من جميع ذا البشر  
ذكرك لي مؤنس يعارضني *** يوعدني عنك منك بالظفر  
وحيث ما كنت يا مدى هممي *** فأنت مني بموضع النظر  
 


الباب التاسع والأربعون: قولهم في القُرْبِ

↑↑



سئل سرى السقطي عن القرب؟ فقال: هو الطاعة ".

وقال غيره: القرب: أن يتدلل عليه، ويتذلل له؛ لقوله : {واسجد واقترب}.

سئل رويم عن القرب؟ فقال: إزالة كل معترض ".

وسئل غيره عن القرب؟ فقال: هو: أن نشاهد أفعاله بك "، معناه: أن ترى صنائعه ومننه عليك، وتغيب فيها عن رؤية أفعالك ومجاهداتك.

وأخرى: أن لا تراك فاعلا؛ لقوله للنبي : {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}، وقوله: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم}.

وأنشدونا للنوري: ↑↑


أراني جمعي في فنائي تقربا *** وهيهات إلا منك عنك التقرب  
فما عنك لي صبر ولا فيك حيلة *** ولا منك لي بد ولا عنك مهرب  
تقرب قوم بالرجا فوصلتهم *** فما لي بعيدا منك والكل يعطب  
   
معناه: أراني حالي: أن جمعي بك وفنائي عما سواك تقرب إليك، والجمع والفناء صفتان، ولا يكون القرب منك بصفتي، بل بك يكون القرب إليك منك.
ثم قال: تقرب إليك أقوام بأفعالهم وطاعاتهم فوصلتهم تفضلا منك، وليست لي أفعال أتقرب بها إليك، وأنا أهلك شوقا إلى القرب منك، ولا سبيل لي إليه من حيث أنا. ↑↑

أنشدونا للنوري أيضا:


يا من أشاهده عنِّي فأحسبه *** مني قريباً وقد عزت مطالبه  
إذا سمت نفسي سلوة عنه ردني *** إليه شهود ليس تفنى عجائبه  
 
معنى " السلوة ": الإياس، يقول: كلما أيست من حيث أنا، ردني عن الإياس ما منه من الفضل الذي بدا به.

وقال الشبلي: قد تحيرت فيك، خذ بيدي يا دليلا لمن تحير فيك ". ↑↑



الباب الخمْسُون: قولهم في الاتِّصَالِ

↑↑

معنى " الاتصال ": أن ينفصل بسره عما سوى الله، فلا يَرَى بسره - بمعنى التعظيم - غيرَه، ولا يسمع إلا منه.

قال النوري: الاتصال: مكاشفات القلوب، ومشاهدات الأسرار، مكاشفات القلوب: كقول حارثة " كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً "، ومشاهدات الأسرار: كقوله : {أعبد الله كأنك تراه}، وكقول ابن عمر: كنا نتراءى الله في ذلك المكان". ↑↑

وقال بعضهم: الاتصال: وصول السِّرِّ إلى مقام الذهول "، معناه: أن يشغله تعظيم الله، عن تعظيم سواه.

وقال بعض الكبار: الاتصال: أن لا يشهد العبد غير خالقه، ولا يتصل بسره خاطر لغير صانعه ".

قال سهل: حُرِّكوا بالبلاء فتحركوا، ولو سكنوا اتصلوا ". ↑↑



الباب الحادي والخمْسُون: قولهم في المحبَّة

↑↑

قال الجنيد: المحبة: ميل القلوب "، معناه: أن يميل قلبه إلى الله، وإلى ما لله من غير تكلف.

وقال غيره: المحبة: هي الموافقة "، معناه: الطاعة له فيما أمر، والانتهاء عما زجر، والرضا بما حكم وقدر.

قال محمد بن علي الكتاني: المحبة: الإيثار للمحبوب ".

قال غيره: المحبة: إيثار ما تحب لمن تحب ".

قال أبو عبد الله النباجي: المحبة: لذة في المخلوق، واستهلاك في الخالق "، معنى " الاستهلاك ": أن لا يبقي لك حظ، ولا يكون لمحبتك علة، ولا تكون قائما بعلة.

قال سهيل: من أحب الله فهو العيش، ومن أحب فلا عيش له "، معنى " هو العيش ": أنه يطيب عيشه؛ لأن المحب يتلذذ بكل ما يرد عليه من المحبوب: من مكروه أو محبوب. ومعنى " لا عيش له ": لأنه يطلب الوصول إليه، ويخاف الانقطاع دونه، فيذهب عيشه. ↑↑

وقال بعض الكبار: المحبة لذة، والحق لا يتلذذ به؛ لأن مواضع الحقيقة: دهش واستيفاء وحيرة، فمحبة العبد لله: تعظيم يحل الأسرار فلا يستجيز تعظيم سواه، ومحبة الله للعبد: هو أن يبليه به فلا يصلح لغيره، وهو معنى قوله تعالى {واصطنعتك لنفسي} "، ومعنى " لا يصلح لغيره ": أن لا يكون فيه فضل لمراقبة الأغيار ومراعاة الأحوال.

قال بعضهم: المحبة على وجهين: محبة الإقرار، وهو للخاص والعام. ومحبة الوجد من طريق الإصابة، فلا يكون فيه رؤية النفس والخلق، ولا رؤية الأسباب والأحوال، بل يكون مستغرقا في رؤية ما لله وما منه ".

وأنشدونا لبعضهم: ↑↑


أحِبّك حبين: حبّ الهوى *** وحباً لأنك أهلٌ لذاكا  
فأمّا الذي هو حب الهوى: *** فشغلي بذكرك عمن سواكا  
وأما الذي أنت أهل له *** فلست أرى الكون حتى أراكا  
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي *** ولكن لك الحمد في ذا وذاكا  
 
قال ابن عبد الصمد: هي: التي تعمى وتصم، تعمي عما سوى المحبوب، فلا يشهد سواه مطلوبا؛ قال النبي : {حبك الشيء يعمي ويصم} "، وأنشَد:



أصمني الحب إلا عن تسامره *** فمن رأى حب حب يورث الصمما

وَكَفَّ طرفي إلا عن رعايته *** والحب يعمى وفيه القتل إن كتما



وأنشد أيضا: فرط المحبة حال لا يقاومها *** رأى الأصيل إذا محذوره قهرا

يلذ إن عدلت منه قوارعه *** وإن تزيدَ في تعديله بهَرَا



فصل ↑↑

إن للقوم عبارات تفردوا بها، واصطلاحات فيما بينهم لا يكاد يستعملها غيرهم، نخبر ببعض ما يحضر، ونكشف معانيها بقول وجيز؛ وإنما نقصد في ذلك: إلى معنى العبارة دون ما تتضمنه العبارة؛ فإن مضمونها لا يدخل تحت الإشارة فضلا عن الكشف. وأما كنه أحوالهم: فإن العبارة عنها مقصورة، وهي لأربابها مشهورة.



الباب الثاني والخمْسُون: قولهم في التجريد والتَّفريد

↑↑

فمعنى " التجريد ": أن يتجرد بظاهره عن الأعراض، وبباطنه عن الأعواض.

وهو: ألا يأخذ من عرض الدنيا شيئا، ولا يطلب على ما ترك منها عوضا: من عاجل ولا آجل، بل يفعل ذلك لوجوب حق الله تعالى، لا لعلة غيره، ولا لسبب سواه، ويتجرد بسره عن ملاحظة المقامات التي يخلها، والأحوال التي ينازلها (بمعنى: السكون إليها والاعتناق لها).

و"التفريد": أن يتفرد عن الأشكال، وينفرد في الأحوال، ويتوحد في الأفعال.

وهو: أن تكون أفعاله لله وحده، فلا يكون فيها رؤية نفس، ولا مراعاة خلق، ولا مطالعة عوض، ويتفرد في الأحوال عن الأحوال: فلا يرى لنفسه حالا، بل يغيب برؤية محولها عنها، ويتفرد عن الأشكال: فلا يأنس بها، ولا يستوحش منها. ↑↑

وقيل: التجريد: أن لا يَملِك، والتفريد: أن لا يُمْلَك ".

أنشدونا لعمرو بن عثمان المكي:


تَفَرَّدَ بالله الفَرِيْدِ فَرِيْد *** فَظَلَّ وحيدا، والمشوق وحيد  
وذاك لأن المفردين رأيتُهم *** على طبقات والدُّنُوُّ بعيد  
فمن مُفْرَدٍ يسمو بهمة قَلبِه *** عن الملك جمعا فهو عنه يحيد  
وأدمن سيرا في السمو توحدا *** وكلّ وحيدٍ بالبلاءِ فريد  
وآخرَ يسمو في العلو تفردا *** عن النفس وجدا فهي منه تبيد  
وآخر مفكوك من الأسر بالفنا *** فأصبح خِلْواً واجتباه ودود  
 
ف"الذي أدمن سيرا في السمو": متوحد بالبلاء؛ لأنه لا سبيل له إلى ما يطلب، ولا يساكن شيئا دونه. و"الذي تفرد عن النفس وجدا ": فلا يحس بالبلاء. و"الذي فك من أسر النفس بالفناء عنها": هو المجتبي المقرب المتفرد بالحقيقة. ↑↑



الباب الثالث والخمْسُون: قولهم في الوَجْد

↑↑

ومعنى "الوجد": هو ما صادف القلب من فزع، أو غم، أو رؤية معنى من أحوال الآخرة، أو كشف حالة بين العبد والله .

قالوا: وهو سمع القلوب وبصرها؛ قال الله تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}، وقال: {أو ألقى السمع وهو شهيد}، فمن ضعف وجده تواجد.

والتواجد: ظهور ما يجد في باطنه على ظاهره، ومن قوى تمكن فسكن؛ قال الله تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله}.

قال النوري: الوجد لهيب ينشأ في الأسرار، ويسنح عن الشوق، فتضطرب الجوارح: طربا أو حزنا عند ذلك الوارد.

وقالوا: الوجد مقرون بالزوال، والمعرفة ثابتة بالله تعالى لا تزول.

أنشدونا للجنيد: ↑↑


الوجد يطرب من في الوجد راحته *** والوجد عند حضور الحق مفقود  
قد كان يطربني وَجدِي فاشغلني *** عن رؤية الوجد ما في الوجد موجود  
 


وأنشدونا لبعض الكبار:


أبدى الحجاب فذل في سلطانه *** عز الرسوم وكل معنى يحضر  
هيهات يدرك بالوجود وإنما *** لهب التواجد رمز عجز يقهر  
لا الوجد يدرك غير رسم داثر *** والوجد يدثر حين يبدو المنظر  
قد كنت أطرب للوجود مروعا *** طور يغيبني وطورا أحضر  
أفنى الوجود بشاهد مشهوده *** أفنى الوجود وكل معنى يذكر  
 
وقال بعضهم: "الوجد بشارات الحق بالترقي إلى مقامات مشاهداته".

وأنشدونا لبعضهم: ↑↑


من جاد بالوجد أحرى أن يجود بما *** يفنى الوجود من الأفضال والمنن  
أيقنت حين بدا بالوجد يبعثني *** إن الجواد به يوفي على الحسن  
 
وللشبلي:


الوَجد عندي جحود *** ما لم يكن عن شهود  
وشاهد الحق عندي *** يفني شُهود الوجود  
 


الباب الرابع والخمْسُون: قولهم في الغَلَبَة

↑↑

الغَلَبَة: حال تبدو للعبد لا يمكنه معها ملاحظة السبب، ولا مراعاة الأدب، ويكون مأخوذا عن تمييز ما يستقبله، فربما خرج إلى بعض ما يُنْكِر عليه من لم يعرف حاله، ويرجع على نفسه صاحبه إذا سكنت غلبات ما يجده.

ويكون الذي غلب عليه: خوف، أو هيبة، أو إجلال، أو حياء، أو بعض هذه الأحوال؛ كما جاء في الحديث عن أبي لبابة بن عبد المنذر حين استشارة بنو قريظة لما استنزلهم النبي على حكم سعد بن معاذ فأشار بيده إلى حلقة - أنه ذبح -، ثم ندم على ذلك، وعلم أنه قد خان الله ورسوله، فانطلق على وجهه حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال: "لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت "؛ فهذا لما غلب عليه الخوف من الله ، حال بينه وبين أن يأتي رسول الله ؛ وكان هو الواجب عليه لقول الله : {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول} الآية، وليس في الشريعة ارتباط بالسواري والعمد! وقال النبي لما أن استبطأه: {أما لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه}، فلما علم الله صدقه، وأن ذلك صدر عنه لغلبة الخوف عليه غفر له، فأنزل الله توبته، فأطلقه النبي . ↑↑

فأبو لبابة : لما أن غلب عليه الخوف، لم يمكنه ملاحظة السبب (وهو: استغفار الرسول لقوله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} الآية)، ولم يمكنه مراعاة الأدب (والأدب: أن يعتذر إلى من أذنب إليه وهو الرسول ).

وكما غلب على عمر حمية الدين: حين اعترض على رسول الله لما أراد أن يصالح المشركين عام الحديبية، فوثب عمر حتى أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أليس هذا برسول الله "؟ قال: بلى! قال: ألسنا بالمسلمين "؟ قال: بلى! قال: أليسوا بالمشركين "؟ قال: بلى! قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا "؟ فقال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه؛ فإني أشهد أنه رسول الله. فقال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله "، ثم غلب عليه ما يجد حتى أتى رسول الله ، فقال له مثل ما قال لأبي بكر، وأجابه النبي كما أجابه أبو بكر، حتى قال: أنا أعبد الله، ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني ". فكان عمر يقول فما زلت أصوم وأتصدق وأعتق وأصلي من الذي صنعت يومئذ؛ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً. ↑↑

وكاعتراضه على النبي أيضاً: حين صلى على عبد الله ابن أبي، قال عمر: فتحولت حتى قمت في صدره، وقلت: يا رسول الله، أتصلي على هذا، وقد قال يوم كذا كذا، يعدد أياما له؟! حتى قال له: {أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت}، وصلى عليه، فقال عمر: فعجب لي! وجرأتي على رسول الله!

ومنه: حديث أبي طيبة: حين حجم النبي فشرب دمه؛ وذلك محظور في الشريعة، ولكن فعله في حال الغلبة، فعذره النبي وقال: {لقد احتَظَرْتَ بحظائرَ من النار}.

فهذه كلها، وأمثالها كثيرة، تدل على أن "حالة الغلبة": حالة صحيحة، ويجوز فيها ما لا يجوز في حال السكون، ويكون الساكن فيها بما هو أرفع منه في الحال: أمكن وأتم حالة؛ كما كان أبو بكر الصديق . ↑↑



الباب الخامس والخمْسُون: قولهم في السُّكر والصَّحْوَة

↑↑

وهو: أن يغيب عن تمييز الأشياء ولا يغيب عن الأشياء.

وهو أن لا يميز بين مرافقة وملاذه، وبين أضدادها في مرافقة الحق؛ فإن غلبات وجود الحقِّ تُسْقِطه عن التمييز بين ما يؤلمه ويلذه، كما روي في بعض الروايات في حديث حارثة، أنه قال: "استوى عندي حجرها ومدرها، وذهبها وفضتها"، وكما قال عبد الله بن مسعود: "ما أبالي على أي الحالين وقعت: على غنى، أو فقر؛ إن كان فقرا فإن فيه الصبر، وإن كان غنى فإن فيه الشكر"، ذهب عنه التمييز بين الأرفق وضده، وغلب عليه رؤية ما للحق من الصبر والشكر.

وأنشد بعضهم:


قد استولى على قلبي هواك *** وما لي في فؤادي من سواك  
فلو قطعتني في الحب إربا *** لمَا حَنّ الفؤاد إلى سواك  
 
والصحو الذي هو عقيب السكر: هو أن يميز، فيعرف المؤلم من الملذ، فيختار المؤلم في موافقة الحق ولا يشهد الألم، بل يجد لذة في المؤلم. ↑↑

كما جاء عن بعض الكبار أنه قال: لو قطعني البلاء إرَباً إرَباً، ما ازددت لك إلا حُبّاً حُبّاً .

وعن أبي الدرداء أنه قال: أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وأحب المرض تكفيرا لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعا لربي.

وعن بعض الصحابة أنه قال: يا حبذا المكروهان: الموت، والفقر.

وهذه الحالة أتم؛ لأن صاحب السكر: يقع على المكروه من حيث لا يدري، ويغيب عن وجود التكره. وهذا: يختار الآلام على الملاذ، ثم يجد اللذة فيما يؤلمه بغلبة شهود فاعله.

والصاحي الذي نعته قبل نعت السكر: ربما يختار الآلام على الملاذ لرؤية ثواب، أو مطالعة عوض، وهو متألم في الآلام ومتلذذ في الملاذ، فهو نعت الصحو والسكر.

وأنشدونا لبعض الكبار: ↑↑


كَفَاكَ بأنَّ الصَّحوَ أوْجَدَ أنَّتي *** فكيف بحالِ السّكر والسّكر أجْدَر  
فحالاك لي حالان صحوٌ وسكرةٌ *** فلا زلت في حالي أصحو وأسكَرُ  
 
معناه: أن حالة التمييز إذا أسقَطَ عني ما لي وأوجد ما لك، فكيف يكون حالةُ السكر: وهو سقوط التميز عني، ويكون الله هو الذي يصرفني في وظائفي، ويراعيني في أحوالي؟! وهاتان حالتان تجريان علي، وهما لله تعالى لا لي، فلا زلت في هاتين الحالتين أبدا. ↑↑





الباب السَّادس والخمْسُون: قولهم في الغَيْبَةِ والشُّهُوْد

↑↑

فمعنى الغَيْبَة: أن يغيب عن حظوظ نفسه فلا يراها، وهي - أعنى الحظوظ - قائمة معه، موجودة فيه، غير أنه غائب عنها بشهود ما للحق؛ كما قال أبو سليمان الداراني - وبلغه أنه قيل للأوزاعي: رأينا جاريتك الزرقاء في السوق فقال: أو زرقاء هي؟ - فقال سليمان: "انفتحت عيون قلوبهم، وانطبقت عيون رؤوسهم"، أخبر أن غيبته عن زرقتها كانت مع بقاء لذة الحور فيه؛ بقوله أو زرقاء هي؟

والشُّهُودُ: أن يرى حظوظ نفسه.

ومعنى ذلك: أن يأخذ ما يأخذ بحال العبودية وخضوع البشرية، لا للذة والشهوة.

وغيبة أخرى وراء هذه: وهي أن يغيب عن الفناء والفاني، بشهود البقاء والباقي لا غير؛ كما أخبر حارثة عن نفسه، ويكون الشهود: شهود عيان، ويكون غيبته عما غاب: غيبة شهود الضر والنفع، لا غيبة استتار واحتجاب.

وأنشدونا للنوري: ↑↑


شهدت ولم أشهد لحاظا لحظته *** وحسب لحاظ شاهد غير مشهد  
وغبت مغيبا غاب للغيب غيبه *** فلاح ظهور غَيْبِه غير مفقد  
 
وعبر عن الشهود بعض مشائخنا فقال: الشهود: أن تشهد ما تشهد مستصغرا له، معدوم الصفة؛ لما غلب عليك من شاهد الحق، كما جاء:


ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكلُّ نعيم لا محالة زائل  
وكما قال موسى : {إن هي ألا فتنتك}؛ رأى السَّامري معدوم الصفة في شهود الحق.
وأنشدونا للنوري: ↑↑


تسترت عن دهري بستر همومه *** محيرة في قدر من جل عن قدري  
فلا الدهر يدرى أنني عنه غائب *** ولا أنا أدري بالخطوب إذا تجرى  
إذا كان كُلّي قائماً بوفائه *** فلست أبالي ما حييت يد الدهر  
 


الباب السَّابع والخمْسُون: قولهم في الجمع والتَّفْرِقَة

↑↑

أول الجمع: جمع الهمة: وهو أن تكون الهموم كلها هما واحدا؛ وفي الحديث: {من جعل الهموم هما واحدا: هّمَّ المعاد، كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي أوديتها هلك.

وهذه حال المجاهدة والرياضة.

والجمع الذي يعنيه أهله: هو أن يصير ذلك حالا له، وهو: أن لا تتفرق همومه فيجمعها تكلف العبد، بل تجتمع الهموم فتصير بشهود الجامع لها هما واحدا، ويحصل الجمع إذ كان بالله وحده دون غيره.

والتفرقة التي هي عقيب الجمع: هو أن يفرق بين العبد وبين همومه في حظوظه، وبين طلب مرافقه وملاذه، فيكون مفرقا بينه وبين نفسه، فلا تكون حركاته لها. ↑↑

وقد يكون المجموع ناظرا إلى حظوظه في بعض الأحوال، غير أنه ممنوع منها؛ قد حيل بينه وبينها، لا يتأتى له منها شيء، وهو غير كاره لذلك، بل مريد له؛ لعلمه بأنه فعل الحق به، واختصاصه له، وجذبه إياه مما دونه.

سئل بعض الكبار عن الجمع ما هو؟ فقال: "جمع الأسرار بما ليس منه بد، وقهرها فيه؛ إذ لا شبه له ولا ضد".

وقال غيره: "جمعهم به حين وصلهم بالقصور عنه، وفرقهم عنه حين طلبوه بما منهم، فسنح التشتيت لارتياده بالأسباب، وحصل الجمع حين شاهدوه في كل باب". ↑↑

فالتفرقة التي عبر عنها: هي التي قبل الجمع، معناه: أن التقرب إليه بالأعمال تفرقه، وإذا شاهدوه مقربا لهم فهو الجمع.

أنشدونا لبعض الكبار:


الجَمْعُ أفقدهم من حيث هُم قِدَماً *** والفَرْقُ أوجَدَهُم حِيناً بلا أثَرِ  
فاتت نفُوسهُمُ والفَوتُ فَقْدُهم *** في شاهد جُمِعوا فيه عن البشر  
وجَمْعُهُم عن نعوت الرَّسْمِ محوهم *** عَمَّا يُؤَثِّره التَّلْوين بالغيَرِ  
والحَيْن حالَ تلاشت في قديْمِهمُ *** عن شاهد الجَمع إضمار بلا صور  
حتى توافى لهم في الفرق ما عطفت *** عليْهِمُ منه حين الوقت في الحضر  
فالجمعُ غَيْبَتُهُم والفَرق حَضْرَتُهم *** والَوجدُ والفَقْدُ في هذَين بالنّظَرِ  
 
معنى قوله "الجمع أفقدهم من حيث هم": أي: علمهم بوجودهم للحق في علمه بهم، أفقدهم من الحين الذي صاروا موجودين له. فجعل الجمع حالة العدم حيث لم يكن إلا علم الحق بهم، والفرق حالة ما أخرجهم من العدم إلى الوجود.

قوله "فاتت نفوسهم": أي: رأوها حين الوجود كما كانوا إذ هم فقود: لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ولا يتغير علم الله فيهم.

وجمعهم: هو أن يمحوهم عن نعوت الرسم (وهي: أفعالهم وأوصافهم) في أنها لا تؤثر أثر تلوين وتغيير، بل تكون على ما علم الله وقدر وحكم. فتلاشت حالهم حين وجودهم في قديم العلم؛ إذ كانوا معدمين لا موجودين مصورين، وإذا أوجدهم أجرى عليهم ما سبق لهم منه.

فالجمع: أن يغيبوا عن حضورهم وشهودهم إياهم متصرفين. ↑↑

والفرق: أن يشهدوا أحوالهم وأفعالهم.

والوجد والفقد: حالتان متغايرتان لهم لا للحق تعالى.

قال أبو سعيد الخراز: "معنى الجمع: أنه أوجدهم نفسَه في أنفسهم، بل أعدمهم وجودهم لأنفسهم عند وجودهم له"، معناه: قوله: {كنت له سمعا وبصرا ويدا، فبي يسمع، وبي يبصر} الخبر؛ وذلك أنهم كانوا يتصرفون بأنفسهم لا لأنفسهم، فصاروا متصرفين للحق بالحق. ↑↑



الباب الثامن والخمْسُون: قولهم في التَّجَلّي والاسْتِتَار

↑↑

قال سهل: "التجلي على ثلاثة أحوال: تجلي ذات (وهي المكاشفة)، وتجلي صفات الذات (وهي موضع النور)، وتجلّي حكم الذات (وهي الآخرة وما فيها)".

معنى قوله "تجلي ذات وهي المكاشفة": كشوف القلب في الدنيا؛ كقول عبد الله بن عمر: كنا نتراءى الله في ذلك المكان "، يعني في الطواف، وقال النبي : {اعبد الله كأنك تراه}. وكشوف العيان في الآخرة.

ومعنى قوله "تجلي صفات الذات وهي موضع النور": هو أن تتجلى له قدرته عليه فلا يخاف غيره، وكفايته له فلا يرجو سواه، وكذلك جميع الصفات؛ كما قال حارثة: "كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا"، كأنه تجلى له كلامه في أخباره، فصار الخبر له كالمعاينة.

و"تجلي حكم الذات": يكون في الآخرة: فريق في الجنة، وفريق في السعير.

قال بعض الكبار: "علامة تجلى الحق للأسرار: هو أن لا يشهد السر ما يتسلط عليه التعبير، أو يحويه الفهم، فمن عبر أو فهم فهو خاطر استدلال، لا ناظر إجلال". ↑↑

معناه: أن يشهد ما لا يمكنه العبارة عنه، أي التعبير عنه؛ لأنه لا يشهد إلا تعظيما وهيبة، فيمنعه ذلك عن تحصيل ما شاهد من الحال.

وأنشدونا لبعضهم:


إذا ما بدت لي تَعاظَمتُها *** فأصدر في حال من لم يرد  
أجِدْهُ إذا غبت عني به *** وأشْهَدُ وجدي له قد فقد  
فلا الوصل يشهدني غيره *** ولا أنا أشْهَدُهُ مُنْفَرِد  
جُمِعْتُ وفُرِّقْتُ به عني *** فَفَرْدُ التواصل مثنى العدد  
 
معناه: إذا بدت الحقيقة غلب عليّ التعظيم، فأغيب في شاهد التعظيم عن شهود التحصيل، فأكون كمن لم يبد له، وإنما يكون وجودي له إذا غبت عني، وإذا غبت فقد وجودي، فحالة الوصل الذي هو فنائي عني لا يشهدني غيره، وحالة الانفراد وقيامي بصفتي يغيبني عن شهوده، فكأن جمعي به فرقني عني، فيكون حالة الوصل: هو أن يكون الله مصرفي، فلا أكون أنا في أفعالي، فهو: الله تعالى لا أنا؛كما قال الله تعالى لنبيه: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}، وهذا لسان الحال. ↑↑

ولسان العلم: أن الله مصرفي وأنا به متصرف، فيكون المعبود والعبد.

وقال بعضهم: التجلي: رفع حجبة البشرية، لا أن تتلون ذات الحق عن ذلك وعلا. والاستتار: أن تكون البشرية حائلة بينك وبين شهود الغيب "، ومعنى " رفع حجبة البشرية ": أن يكون الله تعالى يقيمك تحت موارد ما يبدو لك من الغيب؛ لأن البشرية لا تقاوم أحوال الغيب.

والاستتار الذي يعقب التجلي: هو أن تستتر الأشياء عنك فلا تشاهدها، كقول عبد الله بن عمر - للذي سلم عليه وهو في الطواف فلم يرد عليه فشكاه - فقال: إنا كنا نتراءى الله في ذلك المكان "؛ أخبر عن تجلى الحق له بقوله " كنا نتراءى الله "، وأخبر عن الاستتار بغيبته عن التسليم عليه.

وأنشدنا لبعض الكبار: ↑↑


سَرائرُ الحق لا تبدو لِمُحْتَجِبٍ *** أخفاه عنك فلا تعرض لِمُخْفيه  
لا تعن نفسك فيما لست تدركه *** حاشا الحقيقة أن تبدو فتؤويه  
 


الباب التَّاسع والخمْسُون: قولهم في الفَنَاء والبَقَاء

↑↑

فالفناء: هو أن يفنى عنه الحظوظ، فلا يكون له في شيء من ذلك حظ، ويسقط عنه التمييز؛ فناءً عن الأشياء كلها شغلا بما فني به، كما قال عامر بن عبد الله: ما أبالي امرأة رأيت أم حائطا "، والحق يتولى تصريفه، فيصرفه في وظائفه وموافقاته، فيكون محفوظا فيما لله عليه، مأخوذا عما له وعن جميع المخالفات، فلا يكون له إليها سبيل (وهو: العصمة)، وذلك معنى قوله : {كنت له سمعا وبصرا الخبر}

والبقاء الذي يعقبه: هو أن يفنى عما له ويبقى بما لله.

قال بعض الكبار: البقاء مقام النبيين، ألبسوا السكينة، لا يمنعهم ما حل بهم عن فرضه، ولا عن فضله؛ {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} ".

والباقي: هو أن تصير الأشياء كلها له شيئا واحدا، فتكون كل حركاته في موافقات الحق دون مخالفاته، فيكون: فانيا عن المخالفات، باقيا في الموافقات.

وليس معنى " أن تصير الأشياء كلها له شيئا واحدا ": أن تصير المخالفات له موافقات، فيكون ما نهى عنه كما أمر به! ولكن على معنى: أن لا يجري عليه إلا ما أمر به، وما يرضاه الله تعالى دون ما يكرهه، ويفعل ما يفعل لله لا لحظ له فيه في عاجل أو آجل، وهذا معنى قولهم: يكون فانيا عن أوصافه باقيا بأوصاف الحق "؛ لأن الله تعالى إنما يفعل الأشياء لغيره لا له، لأنه لا يَجُرُّ به نفعا ولا يدفع به ضرا - تعالى الله عن ذلك -، وإنما يفعل الأشياء لينفع الأغيار أو يضرهم. ↑↑

فالباقي بالحق: الفاني عن نفسه: يفعل الأشياء لا لِجَرِّ منفعة إلى نفسه، ولا لدفع مضرة عنها، بل على معنى: أنه لا يقصد في فعله جَرّ المنفعة ودفع المضرة؛ قد سقطت عنه حظوظ نفسه ومطالبة منافعها (بمعنى: القصد والنية)، ولا بمعنى أنه لا يجد حظاً فيما يعمل مما لله عليه، يفعله لله، لا لِطَمَع ثواب، ولا لخوف عقاب، وهما - أعني: الخوف والطمع - باقيان معه، قائمان فيه، غير أنه يرغب في ثواب الله لموافقة الله تعالى؛ لأنه رغَّب فيه، وأمر أن يسأل ذلك منه، ولا يفعله للذة نفسه، ويخاف عقابه إجلالا له، وموافقة له؛ لأنه خَوَّفَ عباده، ويفعل سائر الحركات لحظ الغير لا لحظ نفسه، كما قيل: المؤمن يأكل بشهوة عياله ".

أنشدونا لبعضهم: ↑↑


أفنَاهُ عن حظه فيما ألمَّ به *** فظَلَّ يُبْقِيْهِ في رَسْمٍ ليبديه  
ليأخذ الرسم عن رسم يكاشفه *** والسِّرُّ يطفح عن حق يراعيه  
 
فجملة الفناء والبقاء: أن يفنى عن حظوظه، ويبقى بحظوظ غيره.

فمن الفناء: فناء عن شهود المخالفات والحركات بها قصدا وعزما، وبقاء في شهود الموافقات والحركات بها قصدا وفعلا، وفناء عن تعظيم ما سوى الله، وبقاء في تعظيم الله تعالى.

ومن فناء تعظيم ما سوى الله: حديث أبي حازم حيث قال: ما الدنيا؟! أمَّا ما مضى: فأحلام، وأما ما بقي: فأمان وغرور. وما الشيطان حتى يهاب منه؟! لقد أطِيْع فما نفع، وعُصِي فما ضر "، فكان كأنه لا دنيا عنده ولا شيطان.

ومن فناء الحظوظ: حديث عبد الله بن مسعود حيث قال: ما علمت أن في أصحاب رسول الله من يريد الدنيا حتى قال الله: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} الآية "! فكان فانياً عن إرادة الدنيا.

ومن ذلك حديث حارثة: قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا "؛ فني عن العاجلة بالآجلة، وعن الأغيار بالجبار. ↑↑

وحديث عبد الله بن عمر - سلّم عليه إنسانٌ وهو في الطواف فلم يرد عليه، وشكاه إلى بعض أصحابه -، فقال عبد الله: إنا كنا نتراءى الله في ذلك المكان ".

ومنها: حديث عامر بن عبد القيس قال: لأن تختلف فيَّ الأسنة، أحب إلي من أن أجد ما تذكرون "، يعني في الصلاة، حتى قال الحسن: ما اصطنع الله ذلك عندنا ".

وفناء: هو الغيبة عن الأشياء رأسا، كما كان فناء موسى حين تجلى ربه للجبل {فخر موسى صعقا}، فلم يخبر في الثاني من حاله عن حاله، ولا أخبر عنه مغيبه به عنها.

وقال أبو سعيد الخزاز: علامة الفاني: ذهاب حظه من الدنيا والآخرة إلا من الله تعالى، ثم يبدو باد من قدرة الله تعالى فيريه ذهاب حظه من الله تعالى إجلالا لله، ثم يبدو له باد من الله تعالى فيريه ذهاب حظه من رؤية ذهاب حظه ويبقى رؤية ما كان من الله لله، ويتفرد الواحد الصمد في أحديته فلا يكون لغير الله مع الله فناء ولا بقاء ". ↑↑

معنى " ذهاب حظه من الدنيا ": مطالبة الأعراض، و" من الآخرة ": مطالبة الأعواض، فيبقى حظه " من الله " وهو: رضاه عنه، وقربه منه، ثم يرد عليه حالة من إجلال الله تعالى (أن يقرب مثله، أو يرضى عن مثله)؛ استحقارا لنفسه وإجلالا لربه، ثم ترد عليه حالة فيستوفيه حق الله تعالى، فيغيبه عن رؤية صفته (التي هي رؤية ذهاب حظه)، فلا يبقى فيه إلا ما من الله إليه، ويفنى عنه ما منه إلى الله، فيكون كما كان - إذ كان في علم الله تعالى قبل أن يوجده -، وسبق له منه ما سبق من غير فعل كان منه.

وعبارة أخرى عن الفناء: أن الفَناء: هو الغيبة عن صفات البشرية بالحمل المولَّه من نعوت الإلهية (وهو: أن يفنى عنه أوصاف البشرية التي هي الجهل والظلم؛ لقوله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}، ومن أوصافه: الكنود، والكفور، وكل صفة ذميمة تفنى عنه)، بمعنى: أن يغلب علمه جهله، وعدله ظلمه، وشكره كفرانه، وأمثالها.

قال أبو القاسم فارس: الفناء: حال من لا يشهد صفته، بل يشهدها مغمورة بمغيبها ". ↑↑

وقال: فناء البشرية ليس على معنى عدمها، بل على معنى: أن تغمد بلذة تُوفِي على رؤية الألم، واللذة الجارية على العبد في الحال كصواحبات يوسف : {قطعن أيديهن}؛ لفناء أوصافهم، ولِمَا ورد على أسرارهن من لذة النظر إلى يوسف مما غيبهم عن ألم ما دخل عليهن من قطع أيديهن ".

ولبعض أهل العصر:


غابت صفات القاطعات أكفها *** في شاهِدٍ هو في البرية أبدع  
ففنين عن أوصافهن فلم يكن *** مِنْ نَعْتِهِنَّ تلَذَُذٌ وتَوَجُّعُ  
وقِيام امرأة العزيز بيُوسف *** يد نفسه ما كان يوسف يقطع  
وأنشدونا في الفناء: ↑↑

ذكرنا وما كنا لننسى فنذكر *** ولكن نسيم القرب يبدو فيبهر  
فأفنى به عنى وأبقى به له *** إذا الحَقُّ عنه مخبر ومعبر  
 
ومنهم من جعل هذه الأحوال كلها حالا واحدة، وإن اختلفت عباراتها: فجعل الفناء بقاء، والجمع تفرقة، وكذلك الغيبة والشهود والسكر والصحو؛ وذلك: أن الفاني عما له باق بما للحق، والباقي بما للحق فانٍ عما له، والمفارق مجموع؛ لأنّه لا يشهد إلا الحقّ، والمجموع مفارق؛ لأنّه لا يشهد إياه ولا الخلق، وهو باق لدوامه مع الحق، وهو جامعه به، وهو فان عما سواه مفارق لهم، وهو غائب سكران؛ لزوال التمييز عنه. ↑↑

ومعنى " زوال التمييز عنه ": هو ما قلناه بين الآلام والملاذ، وبمعنى: أن الأشياء تتوحد له فلا يشهد مخالفة؛ إذ لا يصرفه الحق إلا في موافقاته، وإنما تميز: بين الشيء وغيره، فإذا صارت الأشياء شيئا واحدا سقط التمييز.

وعبر جماعة عن الفناء بأن قالوا: يؤخذ العبد من كل رسم كان له، وعن كل مرسوم، فيبقى في وقته بلا بقاء يعلمه، ولا فناء يشعر به، ولا وقت يقف عليه، بل يكون خالقه عالما ببقائه وفنائه ووقته، وهو حافظ له عن كل مذموم ".

واختلفوا في الفاني: هل يُرَدّ إلى بقاء الأوصاف أم لا؟

قال بعضهم: يرد الفاني إلى بقاء الأوصاف، وحالة الفناء لا تكون على الدوام؛ لأن دوامها يوجب تعطيل الجوارح عن أداء المفروضات، وعن حركتها في أمور معاشها ومعادها ".

ولأبي العباس بن عطاء في ذلك كتاب سماه " كتاب عودة الصفات وبدئها ". ↑↑

وأما الكبار منهم والمحققون: فلم يروا رد الفاني إلى بقاء الأوصاف، منهم: الجنيد، والخراز، والنوري، وغيرهم.

فالفناء: فضل من الله ، وموهبة للعبد، وإكرام منه له، واختصاص له به. وليس هو من الأفعال المكتسبة، وإنما هو شيء يفعله الله بمن اختصه لنفسه واصطنعه له، فلو رده إلى صفته: كان في ذلك سلب ما أعطى، واسترجاع ما وهب! وهذا غير لائق بالله . أو: يكون من جهة البداء، والبداء صفة من استفاد العلم، وهذا من الله منفي. أو: يكون ذلك غرورا وخداعا، والله تعالى لا يوصف بالغرور، ولا يخادع المؤمنين، وإنما يخادع المنافقين والكافرين.

وليس مقام الفناء يدرك بالاكتساب، فيجوز أن يكتسب ضده؛ فإن عورض بالإيمان والرجوع عنه (وهو أفضل المراتب، وبه يدرك جميع المقامات)؟ ↑↑

أجيب عنه: أن الإيمان الذي يجوز الرجوع عنه: هو الذي اكتسبه العبد من إقرار لسانه والعمل بأركانه ولم يخامر الإيمان حقيقة سره لا من قبل الشهود، ولا من صحة العقود، لكنه أقر بشيء وهو لا يدري حقيقة ما أقر به، كما جاء في الحديث: {إن الملك يأتي العبد إذا وضع في لحده فيقول: ما قولك في هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته}؛ فهذا شاك غير متقين.

أو يكون أقر بلسانه وانطوى على تكذيبه، كالمناطق الذي أقرّ بلسانه وكذبه بقلبه واضمر خلافه، ولكنه أقر بلسانه ولم يكذبه بقلبه ولا اضمر خلافه، ولكن لم يقع له صحة ما أقر به اكتسابا ولا مشاهدة، لم يكتسب تحقيقه من جهة العلم فتقوم له الدلائل على صحته، ولا شاهد بقلبه حالا أزال عنه الشكوك، وقد سبق له من الله الشقاء، فاعترضت له شبهة من خاطر أو ناظر ففتنته، فانتقل عنه إلى ضده. فأما من سبق له من الله الحسنى: فإن الشبهات لا تقع له، والعوارض تزول عنه، إما اكتسابا من علم الكتاب والسنة ودلائل العقل، فيزيل خواطر السوء عنه وترد شبهات الناظر له؛ إذ لا يجوز أن يكون لما خالف الحق دلائل الحق، فهذا لا تعترضه الشكوك. ↑↑

أو يكون ممن قد وقع له صحة الإيمان، ويرد الله تعالى عنه خواطر السوء باعتصامه بالجملة، ويرد عنه الله الناظر المشكك له لطفا به فلا يقابله، فيسلم له صحة إيمانه وإن لم يكن عنده من البيان ما يحتاج مناظرة ناظره، ولا ما يزيل خاطره.

أو يكون ممن وقع له صحة ما أقر به شهودا أو كشوفا، كما أخبر حارثة عن نفسه من شهوده ما أقر به، حتى حل ما غاب عنه من ذلك محل ما حضر وأكثر؛ لأنه أخبر أنه عزف عن الشاهد فصار الغيب له شهودا، والشاهد غائبا، كما قال الداراني: انفتحت عيون قلوبهم فانطبعت عيون رؤوسهم.

فمن وقع له صحة ما أقر به من هذه الجهة لم يرجع عن الآخرة إلى الدنيا، ولا ترك الأولى للأدنى، وهذا كله أسباب العصمة من الله له، وتصديق ما وعد بقوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}؛ فقد صح أن المؤمن الحقيقي لا ينتقل عن الإيمان؛ لأنه موهبة له من الله وعطاء وفضل واختصاص، وحاشا الحق أن يرجع فيما وهب، أو يسترد ما أعطى. ↑↑

وصورة الإيمان الحقيقي والرسمي في الظاهر صورة واحدة، وحقائقها مختلفة: فأما الفناء وغيره من مقامات الاختصاص: فإن صورها مختلفة وحقائقها واحدة؛ لأنها ليست من جهة الاكتساب، لكن من جهة الفضل.

وقول من قال " إن الفاني يرد إلى أوصافه " مُحال؛ لأن القائل إذ أقَرّ بأن الله تعالى اختص عبداً واصطنعه لنفسه، ثم قال إنَّه يرده! فكأنه قال: يختص ما لا يختص، ويصطنع ما لا يصطنع، وهذا محال.

وجوازه من جهة التربية والحفظ عن الفتنة لا يصح أيضا؛ لأن الله تعالى لا يحفظ على العبد ما آتاه من جهة السلب، ولا بأن يرده إلى الأوضع عن الأرفع؛ ولو جاز هذا جاز أن لا يحفظ مواضع الفتن من الأنبياء: بأن يردهم من رتبة النبوة إلى رتبة الولاية، أو ما دونها! وهذا غير جائز. ولطائف الله تعالى في عصمة أنبيائه وحفظ أوليائه من الفتنة أكثر من أن تقع تحت الإحصاء والعد، وقدرته أتم من أن تحصر على فعل دون غيره. ↑↑

فإن عورض بالذي آتاه آياته {فانسلخ منها}؟ لم يعترض؛ لأن الذي انسلخ لم يكن قط شاهد حالا، ولا وجد مقاما، ولا كان مختصا قط، ولا مصطنعا، بل كان مستدرجا مخدوعا ممكورا به، وإنما أجرى على ظاهره من أعلام المختصين، وهو في الحقيقة من المردودين، وإنما حَلَّى ظاهره بالوظائف الحسنة والأوراد الزكية، وهو في القلب محجوب السر: لم يجد قط طعم الخصوص، ولا ذاق لذة الإيمان، ولا عرف الله قط من جهة الشهود؛ كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: {فكان من الغاوين}، وكما أخبر عن إبليس بقوله: {وكان من الكافرين}.

قال الجنيد: إن إبليس لم ينل مشاهدته في طاعته، وآدم لم يفقد مشاهدته في معصيته ".

وقال أبو سليمان: والله ما رجع من رجع إلا من الطريق، ولو وصلوا إليه ما رجعوا عنه ". ↑↑

والفاني يكون محفوظا في وظائف الحق، كما قال الجنيد - وقيل له: إن أبا الحسين النوري قائم في مسجد الشونيزي منذ أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وهو يقول: الله، الله، ويصلي الصلوات لأوقاتها؟ فقال بعض من حضره: إنه صاح، فقال الجنيد -: لا، ولكن أرباب المواجيد محفوظون بين يدي الله في مواجيدهم "، فإن رد الفاني إلى الأوصاف لم يرد إلى أوصاف نفسه، ولكن يقام مقام البقاء بأوصاف الحق.

وليس الفاني بالصعق ولا المعتوه ولا الزائل عنه أوصاف البشرية فيصير ملكا أو روحانيا، ولكنه ممن فني عن شهود حظوظه كما أخبرنا قبل. ↑↑

والفاني أحد عينين: إما عين لم ينصب إماما ولا قدوة، فيجوز أن يكون فناؤه غيبة عن أوصافه، فيرى بعين العتاهة وزوال العقل؛ لزوال تمييزه في مرافق نفسه وطلب حظوظه، وهو على ذلك محفوظ في وظائف الحق عليه. وقد كان في الأمة منهم كثير: منهم: هلال الحبشي: عبد كان للمغيرة بن شعبة في حياة النبي ، نبه عنه النبي .

وأويس القرني: في أيام عمر بن الخطاب، نبه عليه عمر وعلي وخلق كثير.

إلى أن كان عليان المجنون، وسعدون، وغيرهما.

أو يكون إماما يقتدي به ويربط به غيره ممن يسوسه، فأقيم مقام السياسة والتأديب، فهذا ينقل إلى حالة البقاء، فيكون تصرفه بأوصاف الحق لا بأوصاف نفسه، والمتصرف بأوصاف الحق: هو ما ذكرناه قبل؛ وسئل الجنيد عن الفراسة؟ فقال: هي مصادفة الإصابة "، فقيل له: هي للمتفرس في وقت المصادفة أو على الأوقات؟ قال: لا بل على الأوقات؛ لأنها موهبة، فهي معه كائنة دائمة "، فأخبر أن المواهب تكون دائمة.

ومن يتتبع كتب القوم وفهم إشاراتهم، علم أن قولهم: ما حكيناه عنهم؛ فإن هذه المسألة وأمثالها ليست بمنصوصات لهم ولا مفردات، بل يعرف ذلك من قولهم بفهم رموزهم ودرك إشاراتهم، والله أعلم. ↑↑







الباب السّتُّون: قولهم في حَقائق المَعرِفَة

↑↑

قال بعض الشيوخ: المعرفة معرفتان: معرفة حق، ومعرفة حقيقة، فمعرفة الحق: إثْبَات وحدانية الله تعالى على ما أبرز من الصِّفَات، والحقيقة: على أن لا سبيل إليها؛ لامتناع الصمدية، وتحقق الربوبية عن الإحاطة، قال الله تعالى: {ولا يحيطون به علما}؛ لأن الصمد: هو الذي لا تُدْرَكُ حقائق نعوته وصفاته ".

وقال بعض الكبراء: المعرفة: إحضار السر بصنوف الفكر في مراعاة مواجيد الأذكار على حسب توالي أعلام الكشوف "، ومعناه: أن يشاهد السِّرُّ من (عَظَمَةِ الله، وتعظيم حقه، وإجلال قدرة) ما تعجز عنه العبارة.

سئل الجنيد عن المعرفة؟ فقال: هي تردد السر بين تعظيم الحق من الإحاطة، وإجلاله عن الدرك ".

وقد سئل عن المعرفة؟ فقال: أن تعلم أن ما تصور في قلبك فالحق بخلافه، فيا لها حيرة! لا له حظ من أحد، ولا لأحد منه حظ، وإنما وجود يتردد في العدم، لا تتهيأ العبارة عنه؛ لأن المخلوق مسبوق، والمسبوق غير محيط بالسابق ".

معنى هو " وجود يتردد في العدم ": يعني صاحب الحال يقول: هو موجود عيانا وشخصا، وكأنه معدوم صفة ونعتا.

وعن الجنيد أيضا قال: المعرفة: هي شهود الخاطر بعواقب المصير، وأن لا يتصرف العارف بسرف ولا تقصير "، ومعناه: أن لا يشهد حاله، وأن يشهد سابق علم الحق فيه، وأن مصيره إلى ما سبق له منه، ويكون مصرَّفاً في الخدمة والتقصير. ↑↑

وقال بعضهم: المعرفة إذا وردت على السر ضاق السر عن حملها، كالشمس يمنع شعاعها عن إدراك نهايتها وجوهرها ".

قال ابن الفرغاني: من عرف الرسم تجبَّر، ومن عرف الوسم تحيَّر، ومن عرف السبق تعطل، ومن عرف الحق تمكن، ومن عرف المُتَوَلِّي تذلل ".

معناه: من شاهد نفسه قائما بوظائف الحق أعجب، ومن شاهد ما سبق له من الله تحير؛ لأنه لا يدري ما علم الحق فيه، وبماذا جرى القلم به؟ ومن عرف أن ما سبق له من القسمة لا يتقدم ولا يتأخر تعطل عن الطلب، ومن عرف الله بالقدرة عليه والكفاية له تمكن فلا يضطرب عند المخوفات ولا عند الحاجات، ومن عرف أن الله متولي أموره تذَلل له في أحكامه وأقضيته.

وقال بعض الكبار: إذا عرَّفَه الحَقُّ إياه أوقف المعرفة حيث لا يشهد محبة، ولا خوفا ولا رجاء، ولا فقرا ولا غنى؛ لأنها دون الغايات، والحق وراء النهايات "، معناه: أنه لا يشهد هذه الأحوال؛ لأنها أوصافه، وأوصافه أقصر من أن تبلغ ما يستحقه الحق من ذلك. ↑↑

أنشدونا لبعض الكبار:


راعيتني بالحِفَاظ حتّى *** حُمِيْتُ عن مَرْتَعٍ وَبِيِّ  
فأنت عند الخصام عذري *** وفي ظَمَأي فأنت رِيِّي  
إذا امتطى العارف المعلى *** سٍرّاً إلى مَنْظَرٍ عَلِيِّ  
وغاص في أبحُرٍ غزار *** تفيض بالخاطر الْوَحِيِّ  
فَضَّ ختام الغُيُوب عما *** يُحْيي فؤاد الشَّجِي الولِيِّ  
من حار في دهشة التلاقي *** أبصَرْته مَيِّتَاً كَحَيِّ  
 
يعني: من حيَّرَته دهشة ما يبدو له من الله (من شاهد تعظيم الله وإجلاله) أبصرته حيا كميت يفنى عن رؤية ما منه ولا يجد له متقدما ولا متأخرا. ↑↑





الباب الحادي والسّتُّون: قَوْلهم في التَّوْحِيْد

↑↑

أركان التوحيد سبعة: إفراد القدم عن الحدث، وتنزيه القديم عن إدراك المُحْدَثِ له، وترك التساوي بين النعوت، وإزالة العلة عن الربوبية، وإجلال الحق عن أن تجري قدرة الحدث عليه فتلوّنه، وتنزيهه عن التمييز والتأمل، وتبرئته عن القياس.

قال محمد بن موسى الواسطي: جملة التوحيد: أن كل ما يتسع به اللسان، أو يشير إليه البيان (من تعظيم أو تجريد أو تفريد): فهو معلول، والحقيقة وراء ذلك "، معناه: أن كل ذلك من أوصافك، وصفاتك محدثة معلولة مثلك، وحقيقة الحق هو وصفه له.

وقال بعض الكبراء: التوحيد: إفرادك متوحدا، وهو: أن لا يشهدك الحق إياك ".

قال فارس: لا يصح التوحيد ما بقيت عليك علقة من التجريد، والموحد بالقول لا يشهد السر منفردا به، والموحد بالحال غائب بحاله عن الأقوال، ورؤية الحق حال لا يشهده إلا كل ما له، ولا سبيل إلى توحيده بلا قال ولا حال ".

وقال بعضهم: التوحيد: هو الخروج عن جميعك بشرط استيفاء ما عليك، وأن لا يعود عليك ما يقطعك عنه "، معناه: تبذل مجهود في أداء حق الله، ثم تتبرأ من رؤية أداء حقه، ويستوفيك التوحيد عن أوصافك فلا يعود عليك منها شيء؛ فإنه قاطع لك عنه. ↑↑

قال الشبلي: لا يتحقق العبد بالتوحيد حتى يستوحش من سره وحْشَةً لظهور الحق عليه ".

وقال بعضهم: المُوَحِّد: من حَال الله بينه وبين الدارين جميعاً؛ لأن الحقَّ يحمى حريمه؛ قال : {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}، فلا نردكم إلى معنى سوانا في الدنيا والآخرة.

وعلامة الموحد: أن لا يجرى عليه ذكر إخطار ما لا حقيقة له عند الحق، فالشواهد عن سره مصروفة، والأعواض عن قلبه مطرودة، فلا شاهد يشهده، ولا عوض يعبده، ولا سر يطالعه، ولا بر يلاحظه؛ هو في حقه عن حقه محجوب، وفي حظه عن حظه مسلوب، فلا نصيب له في نصيب، وهو مأسور في أوفر النصيب، والحق أوفر نصيب؛ من فاته الحق فليس له شيء وإن ملك الكون، ومن وجد الحق فله كل شيء وإن لم يملك ذرة ".

معناه: هو قائم بحقه، محجوب عن رؤية قيامه بحقه، وهو مسلوب عن حظوظه، وهو يرى نفسه قائمة بحظوظها، ونصيبه من الحق: وجود الحق، وهو فيه مأسور، وليس له متقدم ولا متأخر.

وأنشدونا لبعضهم: ↑↑


مواجيد حق أوجد الحق كلها *** وإن عجزت عنها فُهوم الأكابر  
 


الباب الثاني والسّتُّون: قولهم في صِفَة العَارف

↑↑

سئل الحسن بن علي بن يزدانيار: متى يكون العارف بمشهد الحق؟ قال: إذا بدا الشاهد، وفني الشواهد، وذهب الحواس، واضمحل الإخلاص ".

معنى " بدا الشاهد ": يعني شاهد الحق، وهو أفعاله بك مما سبق منه إليك (من بره لك، وإكرامه إياك بمعرفته وتوحيده والإيمان به)، تفنى رؤية ذلك منك رؤية أفعالك وبرك وطاعتك، فترى كثيرَ ما منك مستغرقاً في قليل ما منه، وإن كان ما منه ليس بقليل، وما منك ليس بكثير.

وفناء الشواهد: بسقوط رؤية الخلق عنك، بمعنى: الضر والنفع، والذم والمدح.

وذهاب الحواس: هو معنى قوله {فبي ينطق، وبي يبصر} الحديث.

ومعنى اضمحل الإخلاص: أن لا يراك مخلصا، وما خلص من أفعالك إن خلص ولن يخلص أبدا إذا رأيت صفتك؛ فإن أوصافك معلولة مثلك.

 سئل ذو النون عن نهاية العارف؟ فقال: إذا كان كما كان حيث كان قبل أن يكون "، معناه: أن يشاهد الله وأفعاله، دون شاهده وأفعاله.

قال بعضهم: أعرف الخلق بالله أشدهم تحيرا فيه ". ↑↑

قيل لذي النون: ما أول درجة يرقاها العارف؟ فقال: التحير، ثم الافتقار، ثم الاتصال، ثم التحير ".

الحيرة الأولى: في أفعاله به، ونعمه عنده، فلا يرى شكره يوازي نعمه - وهو يعلم: أنه مطالب بشكرها، وإن شكر كان شكره نعمة يجب عليه شكرها -، ولا يرى أفعاله أهلا أن يقابله بها؛ استحقارا لها، ويراها واجبة عليه لا يجوز له التخلف عنها.

وقيل: قام الشبلي يوما يصلي، فبقي طويلا ثم صلى، فلما انفتل عن صلاته قال: "يا ويلاه! إن صليت جحدت، وإن لم أصل كفرت"، أي: جحدت عظم النعمة، وكمال الفضل؛ حيث قابلت ذلك بفعلي شكرا له مع حقارته. ثم أنشد:


الحَمْدُ لله على أنّني *** كضفدع يسكن في اليَمِّ  
إن هي فاهت ملأت فمها *** أو سكتت ماتت من الغم  
 
والحيرة الأخيرة: أن يتحير في متاهات التوحيد، فيضل فهمه، ويخنس عقله في عظم قدرة الله تعالى وهيبته وجلاله؛ وقد قيل: دون التوحيد متاهات تضل فيها الأفكار ". ↑↑

سأل أبو السوداء بعض الكبار فقال: هل للعارف وقت؟ قال: لا "، فقال لم؟ قال: لأنّ الوقت فرجة تنفس عن الكربة، والمعرفة أمواج تغط، وترفع وتحط، فالعارف: وقته أسود مظلم "، ثم قال:


شرط العارف: محو الكل منك إذا *** بدَ المُريْدُ بلَحْظٍ غير مُطَّلِعِ  
 
قال فارس: العارف: من كان علمه حالة، وكانت حركاته غلبة عليه ".

سئل الجنيد عن العارف؟ فقال: "لون الماء لون الإناء"، يعني: أنه يكون في كل حال بما هو أولى، فيختلف أحواله؛ ولذلك قيل: هو ابن وقته ".

سئل ذو النون عن العارف؟ فقال: "كان هاهنا فذهب"، يعني: أنك لا تراه في وقتين بحالة واحدة؛ لأن مصرفه غيره.

وأنشدونا لابن عطاء:


ولو نَطَقَت فِيَّ ألسن الدهر خبَّرَت *** بأنّي في ثوب الصَّبابَة أرْفُل  
وما إن لها علم بقدري وموضعي *** وما ذاك موهوم؛ لأني أنَقَّلُ  
 
وقال سهل بن عبد الله: أول مقام في المعرفة: أن يعطى العبد يقينا في سره تسكن به جوارحه، وتوكلا في جوارحه يسلم به في دنياه، وحياة في قلبه يفوز بها في عقباه ". ↑↑

قلنا: العارف: هو الذي بذل مجهوده فيما لله، وتحقق معرفته بما من الله، وصح رجوعه من الأشياء إلى الله؛ قال الله تعالى: {ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق}؛ يجوز أن يكون ما عرفوا من الله من بره وإحسانه (بقصده إليهم، وإقباله عليهم، واختصاصه إياهم من بين ذويهم)، كما قال أبي بن كعب حين قال له النبي : {إن الله أمرني أن أقرأ عليك}، فقال: يا رسول الله، أوَذُكِرْتُ هناك؟ قال: {نعم}، فبكى أبي؛ لم ير حالا يقابله بها، ولا شكراً يوازي نعمه، ولا ذكرا كما يستحقه، فانقطع فبكى.

وقال النبي لحارثة: {عرفت فالزم}، نسبه إلى المعرفة، وألزَمَه إياها، ولم يدله على عمل.

سئل ذو النون عن العارف؟ فقال: هو رجل معهم، باين عنهم ".

قال سهل: أهل المعرفة بالله: كأصحاب الأعراف، يعرفون كلا بسيماهم؛ أقامهم مقاما أشرف بهم على الدارين، وعرفهم الملكين ".

أنشدونا لبعضهم: ↑↑


يا لهف نفسي على قوم مَضَوا فَقَضَوا *** لم أقض منهم وإن طاولتهم وَطري  
هُمُ المَخَافِيتُ في كِبْرِ الملوك إذا *** أبْصَرتَهُم قلت: إضْمارٌ بلا صُوَر  
 




الباب الثالث والسّتّون: حالهم في المُرِيد والمُرَاد

↑↑

المُرِيْد: مُرَادٌ في الحقيقة، والمُرَادُ: مُرِيْد؛ لأن المريد لله تعالى: لا يريد إلا بإرادة من الله تقدمت له؛ قال الله تعالى: {يحبهم ويحبونه}، وقال: {رضي الله عنهم ورضوا عنه}، وقال: {ثم تاب عليهم ليتوبوا}، فكانت إرادته لهم سبب إرادتهم له؛ إذ علة كل شيء صنعه، ولا علة لصنعه، ومن أراده الحق فمحال أن لا يريده العبد، فجعل: المريد مرادا، والمراد مريدا، غير أن المريد: هو الذي سبق اجتهاده كشوفه، والمراد: هو الذي سبق كشوفه اجتهاده.

فالمريد: هو الذي قال الله تعالى عنه: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، وهو الذي يريده الله تعالى فيقبل بقلبه، ويحدث فيه لطفا يثير منه فيه: الاجتهاد فيه، والإقبال عليه، والإرادة له، ثم يكاشفه الأحوال؛ كما قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا، فأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي "، ثم قال: وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا "، فأخبر: أن كشوف أحوال الغيب له كان عقيب عزوفه عن الدنيا.

والمراد: هو الذي يجذبه الحق جذبه القدرة، ويكاشفه بالأحوال، فيثير قوة الشهود منه اجتهادا فيه، وإقبالا عليه، وتحملا لأثقاله؛ كسحرة فرعون: لما كوشفوا بالحال في الوقت، سهل عليهم تحمل ما توعدهم به فرعون فقالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ". وكما فعل بعمر بن الخطاب : أقبل يريد قتل رسول الله، فأسره الحق في سبيله. وكقصة إبراهيم بن ادهم: خرج يطلب الصيد متلهيا، فنودي: ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت " مرتين، ونودي في الثالثة: من قَرَبُوس سرجه، فقال: والله لا عصيت الله بعد يومي هذا ما عصمني ربي"؛ هذه جذبة القدرة: كوشفوا بالأحوال، فأُسْقِطُوا عن النفوس والأموال.

أنشدني الفقيه أبو عبد الله البرقي لنفسه: ↑↑


مريد صفا منه سر الفؤاد *** فهام به السِّرُّ في كل واد  
ففي أي واد سعى لم يجد *** له ملجأ غير مولى العباد  
صفا بالوفاء وفى بالصفا *** ونور الصفاء سراج الفؤاد  
أراد وما كان حتى أريد *** فطوبى له من مريد مراد  
 


الباب الرابع والسّتون: قوْلهم في المُجاهَدات والمُعَاملات

↑↑

قال بعض الكبراء: التعبد: إتيان ما وظف الله على شرط الواجب، وشرط الواجب: الإتيان به على غير مطالبة عوض، وإن شهدته فضلا، بل يستوفيك عن رؤية الفضل والعوض: ما لله عليك في العمل في قوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم}؛ قال ليعبدوه بالرق لا بالطمع ".

قيل لأبي بكر الواسطي: بأي شاهد ينبغي أن يكون العبد في حركات ما يسعى؟ قال: بشاهد الفناء عن حركاته التي هي كائنة بغيره ".

قال أبو عبد الله النياجي: استحلاء الطاعة ثمرة الوحشة عن الحق ؛ إذ لا يواصل الحق بها ولا يفاصل، ولا يعتمد عليها اعتماد معول، ولا يتركها ترك معاند، بل يقيم وظائف الحق رقا وعبودية، ويكون الاعتماد على ما في الأزل".

يريد " باستحلاء الطاعة ": رؤيتها من نفسك، دون مشاهدة فضل الله عليك في التوفيق في قول الله تعالى: {ولذكر الله أكبر}، قال: أكبر من أن تبلغه أفهامكم، وتحويه عقولكم، ويجري على ألسنتكم. وحقيقة الذكر: هو نسيان ما سواه فيه؛ لقوله : {واذكر ربك إذا نسيت}، وفي قوله تعالى: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية}، أي: الخالية عن ذكر الله؛ لتعلموا أنكم بفضله نلتم، لا بأعمالكم. ↑↑

قال أبو بكر القحطبي: نفوس الموحدين: نفوس سئمت من جميع ما ظهر من نعوتها وصفاتها، واستقبحت كل باد بدا منها، وانقطعت عن الشواهد والعوائد والفوائد، وعجزت عن إظهار الدعوى بين يديه؛ لما سمعت قوله : {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ".

الشواهد: الخلق، والعوائد: الأعواض، والفوائد: الأعراض.

قال أبو بكر الواسطي: معنى التكبير في الصلاة: كأنك تقول: جللت عن أن تواصل بها، أو تفاصل بتركها؛ إذ الفصل والوصل ليس بحركات، بل هو بما سبق في الأزل ".

قال الجنيد: "لا يكونن همُّك في صلاتك إقامتها دون الفرح والسرور بالاتصال بمن لا وسيلة إليه إلا به".

قال ابن عطاء: "لا يكونن همك في صلاتك إقامتها دون الهيبة والإجلال لمن رآك فيها".

وقال غيره: "معنى الصلاة: التجريد عن العلائق، والتّفريد بالحقائق، والعلائق: ما سوى الله، والحقائق: ما لله، ومن الله ".

وقال آخر: "الصلاة: وصل ". ↑↑

قال: سمعت فارسا يقول: معنى الصوم: الغيبة عن رؤية الخلق برؤية الحق ؛ لقوله تعالى في قصة مريم: {إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} "، قال: لغيبتي عنهم برؤية الحق فلا أستجيز في صومي أن يشغلني عنه شاغل، أو يقطعني عنه قاطع؛ ويدل على قول النبي : {الصوم جنة}، أي: حجاب عما دون الله.

في قوله تعالى: {الصوم لي وأنا أجزى به}، قال بعض الكبار: أي: أنا الجزاء به "، وقال أبو الحسن بن أبي ذر: أي: معرفتي هي الجزاء له به "، قال: وحسبه ذلك جزاء؛ فما يبلغها شيء ولا يدانيها ".

سمعت أبا الحسن الحسني الهمداني يقول: معنى قوله: (الصوم لي): كي ينقطع الأطماع عنه: طمع العدو أن يفسده؛ لأنّ ما لله فلا يطمع فيه العدو، وطمع النفس أن تعجب به؛ فإنها إنما تعجب بما لها، وطمع الخصوم في الآخرة؛ فإنهم يأخذون ما للعبد دون ما لله "، هذا معنى ما فهمت من قوله.

قال بعضهم: جهد البلاء: النظر إلى النفوس، والاعتماد على الأفعال؛ فإن وكل إليها فهو درك الشقاء، وفي درك الشقاء شماتة الأعداء ".

أنشدونا للنوري:


أقول أكاد اليوم أن أبلغ المدى *** فَيَبْعُدُ عنّي ما أقولُ أكادُ  
فما لي جهاد غير أني مقصر *** وعجزي عن طول الجهاد جِهادُ  
وإن رجائي عودة منك بالرضا *** وإلا فحظّي في المعادِ: بِعَادُ  
أنشدونا لغيره:

هبني أراعيك بالأذكار ملتمسا *** ما يبتغيه ذوو التلوين بالغَيْر  
فكيف لي بشهود منك يحملني *** عن فتنة الوقت بل عن حجبة الأثر  
يقول: إن طالعت في أفعالي ومجاهداتي ثوابك عليها (وهو الذي يطلبه أرباب المجاهدات وأصحاب المعاملات) فيكف أطالع شهود ما يحملني عن خوف العاقبة (من تغيير الأحوال والأوقات)، وعن النظر إلى حركاتي ومجاهداتي (وهي التي تحجبني عنك) ؟ ↑↑


الباب الخامِس والسّتّون: حالهم في الكلام على الناس

↑↑

قيل للنوري: متى يستحق الإنسان الكلام على الناس؟ قال: إذا فهم عن الله صلح أن يفهم عباد الله، وإذا لم يفهم عن الله كان بلاؤه عاما في بلاده وعلى عباده ".

قال السري السقطي: إني أذكر مجيء الناس إليَّ فأقول: اللهم هب لهم من العلم ما يشغلهم عني؛ فإني لا أحب مجيئهم إليَّ ".

قال سهل بن عبد الله: أنا منذ ثلاثين سنة أكلم الله، والناس يتوهمون أني أكلمهم".

قال الجنيد للشبلي: نحن حبَّرنا هذا العلم تحبيرا، ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ "؟! فقال: أنا أقول، وأنا أسمع، فهل في الدارين غيري ". ↑↑

وقال بعض الكبار للجنيد وهو يتكلم على الناس: يا أبا القاسم، إن الله لا يرضى عن العالم بالعلم حتى يجده في العلم، فإن كنت في العلم فالزم مكانك وإلا فانزل؟ فقام الجنيد ولم يتكلم على الناس شهرين، ثم خرج فقال: لولا أنه بلغني عن النبي أنه قال {في آخر الزمان يكون زعيم القوم أرذلهم}، ما خرجت إليكم ".

وقال الجنيد: ما تكلمت على الناس حتى أشار إليّ وعليَّ ثلاثون من البدلاء: إنك تصلح أن تدعو إلى الله ".

وقيل لبعض الكبار: لم لا تتكلم؟! فقال: هذا علم قد أدبر وتولى، والمُقْبِل على المدبر أدبر من المدبر ".

قال أبو منصور البنجخيني لأبي القاسم الحكيم: "بأي نيَّة أتكلم على الناس؟ فقال: لا أعلم للمعصية نية غير الترك".

واستأذن أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الرازي أبا حفص الحداد - وكان تلميذه - في الكلام على الناس؟ فقال له أبو حفص: وما يدعوك إليه "؟ فقال أبو عثمان: الشفقة عليهم، والنصيحة لهم "؟ فقال: وما بلغ من شفقتك عليهم "؟ فقال: لو علمت أن الله يعذبني بدل جميع من آمن به ويدخلنهم الجنة، وجدت من قلبي الرضا به "، فأذن له، وشهد أبو حفص مجلسه، فلما قضى أبو عثمان كلامه قام سائل فسبق أبو عثمان فأعطاه ثوبا كان عليه، فقال أبو حفص: يا كذاب، إياك أن تتكلم على الناس وفيك هذا الشيء "، فقال أبو عثمان: وما ذاك يا أستاذ "؟ قال: أما كان فيك من النصيحة لهم والشفقة عليهم أن تؤثرهم على نفسك بثواب السبق ثم تتلوهم ". ↑↑

سمعت فارسا يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول: كنا عند الجنيد إذ مر به النوري فسلم، فقال له الجنيد: وعليك السلام يا أمير القلوب، تكلم "؟ فقال النوري: يا أبا القاسم، غششتهم فأجلسوك على المنابر، ونصحتهم فرموني في المزابل "؟! فقال الجنيد: ما رأيت قلبي أحزن منه في ذلك الوقت ". ثم خرج علينا في الجمعة الأخرى فقال: إذا رأيتم الصوفي يتكلم على الناس، فاعلموا أنه فارغ ".

وقال ابن عطاء في قوله تعالى {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} قال: على مقدار فهومهم، ومبلغ عقولهم ".

وقال غيره في قوله تعالى {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمن}: أي: لو نطق بالمواجيد على أهل الرسوم؛ يدل عليه قوله: {بلغ ما أنزل إليك من ربك}، ولم يقل: بلغ ما تعرَّفْنَا به إليك". ↑↑

رأى الحسين المغازلي رويم بن محمد وهو يتكلم على الناس في الفقر، فوقف عليه وقال:


وما تصنع بالسَّيْفِ *** إذا لم تكُ قَتَّالا  
ألا ابتعت بما حَلَّيْ *** ت هذا السيف خلخالا  
عبر بعبارته عن حال ليس هو فيها.
قال بعض الكبار: من تكلم عن غير معناه، فقد تحمر في دعواه؛ قال الله تعالى: {كمثل الحمار يحمل أسفارا}. ↑↑



الباب السَّادس والسّتّون: في توَقِّي القَوم ومجاهداتهم

↑↑

ورث حارث المحاسبي من أبيه أكثر من ثلاثين ألف دينار، فلم يأخذ منه شيئاً؛ وقال: إنه كان يرى القدر".

قال أبو عثمان: كنا في دار أبي بكر بن أبي حنيفة مع أبي حفص، فجرى ذكر صديق غائب عنا، فقال أبو حفص: لو كان عندنا كاغد كتبنا أليه؟ فقلت: هاهنا كاغد - وكان أبو بكر قد خرج إلى السوق - فقال أبو حفص: لعل أبا بكر قد مات ولم نعلم، وصار الكاغد للورثة؟ فترك الكتاب ".

وقال أبو عثمان: كنت عند أبي حفص وبين يديه زبيب، فأخذت زبيبة ووضعتها في فمي، فأخذ بحلقي وقال: يا خائن؛ تأكل زبيبتي؟ فقلت: لثقتي بزهادتك في الدنيا، وعلمي بإيثارك أخذت الزبيبة، فقال: يا جاهل، تثق بقلب لا يملكه صاحبه".

سمعت كثيرا من مشائخنا يقولون: كان الشيوخ يهجرون الفقير لثلاث: إذا حج عن غيره بمال، وإذا أتى خراسان، وإذا دخل اليمن. ↑↑

فقالوا: من أتى خراسان، لم يأته إلا للرفق، وليس بها مباح فيطيب مطعمه. وأما اليمن: ففيه طرق إلى الفسق كثيرة.

وكان أبو المغيث لا يستند، ولا ينام على جنبه، وكان يقوم الليل، وإذا غلبته عينه قعد ووضع جبينه على ركبتيه فيعفو غفوة، فقيل له: أرفق بنفسك؟ فقال: والله ما رفق الرفيق بي رفقا فرحت به؛ أما سمعت سيد المرسلين يقول: {أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثَل}.

قالوا: إن أبا عمرو الزجاجي أقام بمكة سنين كثيرة لم يُحْدِث في الحرم، وكان يخرج من الحرم للحدث ثم يعود إليه وهو على طهارة.

قال سمعت فارسا يقول: كان أبو عبد الله - المعروف بشكثل - لا يكلم الناس، وكان يأوي إلى الخرابات في سواد الكوفة، وكان لا يأكل إلا المباح والقمامات، فلقيته يوما، فتعلقت به وقلت: سألتك بالله ألا أخبرتني ما الذي منعك عن الكلام؟ فقال: "يا هذا، الكون: توَهّم في الحقيقة، ولا تصح العبارة عما لا حقيقة له، والحق: تقصر عنه الأقوال دونه، فما وجه الكلام؟! وتركني ومر". ↑↑

قال وسمعته يقول: سمعت الحسين المغازلي يقول: رأيت عبد الله القشاع ليلة قائما على شط دجلة وهو يقول: يا سيدي أنا عطشان، يا سيدي أنا عطشان، حتى أصبح، فلما أصبح قال: يا ويلتي، تبيح لي شيئا وتحول بيني وبينه! وتخطر علي شيئا وتخلي بيني وبينه! فأيش أصنع؟ ورجع ولم يشرب منه.

وسمعته يقول: سمعت بعض الفقراء قال: كنت سنة الهبير مع الناس، فانفلتُّ ثم رجعت، فكنت أطوف بين الجرحى، قال: فرأيت أبا محمد الجريري - وكان قد نيف على المائة - فقلت: يا شيخ، ألا تدعو فيكشف ما ترى؟ قال: قد فعلت، قال: {إني أفعل ما أشاء}. فأعدت عليه، فقال: يا أخي، ليس هذا وقت الدعاء، هذا وقت الرضا والتسليم. فقلت: ألك حاجة؟ فقال: أنا عطشان، فجئته بماء، فأخذه وأراد أن يشرب، فنظر إليَّ فقال: هؤلاء عطاش وأنا أشرب! هذا شَرَه، فرده عليَّ ومات من ساعته. ↑↑

قال: وسمعته يقول: سمعت بعض أصحاب الجريري يقول: مكثت عشرين سنة لا يخطر لي ذكر الطعام حتى يحضر، ومكثت عشرين سنة أصلي الفجر على طهور العشاء الآخرة، ومكثت عشرين سنة لا أعقد مع الله عقدا؛ مخافة أن يكذبني على لساني، ومكثت عشرين سنة لا يسمع لساني إلا من قلبي، ثم حالت الحال، فمكثت عشرين سنة لا يسمع قلبي إلا من لساني".

معنى قوله "لا يسمع لساني إلا من قلبي": أي لا أقول إلا من حقيقة ما أنا عليه، وقوله "لا يسمع قلبي إلا من لساني": أي حفظ عليَّ لساني؛ لما قال: {فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق}.

قال: وسمعت بعض مشائخنا يقول: سمعت محمد بن سعدان يقول: خدمت أبا المغيث عشرين سنة، فما رأيته أسف على شيء فاته، أو طلب شيئا فقده. ↑↑

وقيل: إن أبا السوداء وقف ستين وقفة، وجعفر بن محمد الخلدي وقف خمسين وقفة، وكان بعض المشايخ - وأكثر ظني: أنه أبو حمزة الخراساني - حج عشر حجج عن النبي ، وحج عن العشرة من أصحاب النبي عشر حجج، وحج عن نفسه حجة؛ يتوسل بتلك الحجج إلى الله في قبول حجته.



الباب السَّابع والسّتّون: في لطائف الله للقوم وتنبيهه إياهم بالهاتف

↑↑

قال أبو سعيد الخراز: بينا أنا عشية عرفة، قطعني قرب الله عن سؤال الله، ثم نازعتني نفسي بأن أسأل الله تعالى، فسمعت هاتفا يقول: أبعد وجود الله تسأل الله غير الله ".

قال أبو حمزة الخراساني: حججت سنة من السنين، فكنت أمشي، فوقعت في بئر، فنازعتني نفسي بأن أستغيث، فقلت: لا والله، لا أستغيث، فما استتممت هذا الخاطر حتى مر برأس بالبئر رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعال حتى نطم رأس هذا البئر من الطريق، فأتوا بقصب وبارية، وهممت أن أصيح، ثم قلت: يا من هو أقرب إليَّ منهما، وسكت حتى طموا ومضوا، فإذا أنا بشيء قد دلى برجليه في البئر وهو يقول: تعلق بي، فتعلقت به، فإذا هو سبع، وإذا هاتف يهتف بي ويقول لي: يا أبا حمزة، هذا حسن، نجيناك من التلف في البئر بالسبع ". قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: قال أبو الوليد السقاء: قدَّمَ إليّ أصحابنا يوماً لبنا، فقلت: هذا يضرني، فلما كان يوم من الأيام دعوت الله تعالى فقلت: اللهم اغفر لي؛ فإنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين، فسمعت هاتفا يهتف بي ويقول: ولا ليلة اللبن؟! " ↑↑

قال أبو سعيد الخراز: كنت في البادية، فنالني جوع شديد، فطالبتني نفسي بأن أسأل الله طعاما، فقلت: ليس هذا من فعل المتوكلين، فطالبتني نفسي بأن أسأل الله صبرا، فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يقول:


ويزعمُ أنه مِنّا قريب *** وأنا لا نُضَيِّع من أتانا  
ويسألنا القوى عجزا وضعفا *** كأنّا لا نراه ولا يرانا  
 
ويشهد لصحة حال الهاتف: ما حدثنا محمد بن محمد بن محمود قال: حا نصر بن زكريا، حا عمار بن الحسن، حا سلمة بن الفضل، حا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: لمّا أرادوا غسل النبي اختلفوا فيه: فقالوا: والله ما ندري، أنجرد رسول الله من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه؟ قالت: فلما اختلفوا ألقى الله عليهم السِّنَة حتى ما بقي منهم أحد إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي وعليه ثيابه". ↑↑



الباب الثامن والسّتّون: تنبيهه إياهم بالفرَاسَات

↑↑

قال أبو العباس بن المهتدي: كنت في البادية، فرأيت رجلا يمشي بين يدي حافي القدَم، حاسر الرأس، ليس معه ركوة، فقلت في نفسي: كيف يصلي هذا الرجل ما لهذا طهارة ولا صلاة؟ قال: فالتفت إلى فقال: {يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}، قال: فسقطت مغشيا علي، قال: فلما أفقت استغفرت الله من تلك الرؤية التي نظرت بها إليه، فبينا أنا أمشي في بعض الطريق، فإذا هو بين يدي، فلما رأيته هبته وتوقفت، فالتفت إليَّ ثم قرأ: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات}، قال: ثم غاب فما رأيته بعد ذلك "، أو كما قال. ↑↑

سمعت أبا الحسن الفارسي يقول: قال لي أبو الحسن المزين: دخلت البادية وحدي على التجريد، فلما بلغت العمق قعدت على شفير البركة، فحدثتني نفسي بقطعها البادية على التجريد، ودخلها شيء من العجب، فإذا أنا بالكتاني - أو غيره؛ الشك مني - من وراء البركة، فناداني: يا حجام، إلى كم تحدث نفسك نفسك بالأباطيل؟!

ويروى أنه قال له: يا حجام، احفظ قلبك، ولا تحدث نفسك بالأباطيل ".

وقال ذو النون: رأيت فتى عليه أطمار رثة، فتقذرته نفسي وشهد له قلبي بالولاية، فبقيت بين نفسي وقلبي أتفكر، فاطلع الفتى على سري، فنظر إليَّ فقال: يا ذا النون، لا تبصرني لكي ترى خلقي، وإنما الدر داخل الصدف، ثم ولى وهو يقول: ↑↑




تهت على أهل ذا الزمان فما *** أرفع منهم لواحد رأسا  
ذاك لأني فتى أخو فطن *** أعرف نفسي وأعرف الناسا  
فصرت حراً مملكا مالكا *** مُدَرَّعاً بالقنوع لباسا  
   
ويشهد لصحة الفراسة: ما حدثنا أحمد بن علي قال: حا ثواب بن يزيد الموصلي، حا إبراهيم بن الهيثم البلدي، حا أبو صالح كاتب الليث، حا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعيد، عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله : {اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله}. ↑↑


الباب التاسع والسّتّون: تنبيهه إياهم بالخَواطِر

↑↑

قال أبو بكر بن مجاهد المقريء: قدم أبو عمرو بن العلاء يوما ليصلي بالناس - وما كان يؤم فيقدم اضطرارا -، فلما تقدم قال للناس: استووا "، فغشي عليه فلم يفق إلا بالغد، فقيل له في ذلك؟ فقال: وقت ما قلت لكم استووا، وقع في قلبي خاطر من الله تعالى كأنه يقول لي: {يا عبدي، هل استويت لي قط طرفة عين حتى تقول لخلقي استووا}؟

قال الجنيد: مرضت مَرْضَةً، فسألت الله أن يعافيني، فقال لي في سِرِّي: {لا تدخل بيني وبين نفسك}.

قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: سمعت محمد بن سعدان يقول: سمعت بعض الكبراء يقول: ربما أغفو غفوة، فأنادى: {أتنام عني؟! إن نمت عني لأضرِبَنَّك بالسياط}. ↑↑



الباب السَّبعُون: تنبيهه إياهم في الرّؤيا ولطائفها

↑↑

قال: سمعت أبا بكر محمد بن غالب يقول: سمعت محمد بن خفيف يقول: سمعت أبا بكر محمد بن علي الكتاني يقول: رأيت رسول الله في عادتي - فكانت العادة قد جرت له أنه كان يرى النبي كل ليلة اثنين وخميس، فيسأله مسائل، فيجيبه عنها -، قال: فرأيته قد أقبل علي ومعه أربعة نفر، فقال لي: {يا أبا بكر، أتعرف من هذا}؟ قلت: نعم، هو أبو بكر! ثم قال لي: {أتعرف هذا}؟ قلت: نعم، هو عمر! ثم قال: {أتعرف هذا}؟ قلت نعم، هو عثمان! ثم قال لي: {أتعرف هذا الرابع}، فتوقفت ولم أجب، فأعاد علي ثانيا، فتوقفت، فأعاد علي ثالثا، فتوقفت؛ وكان في قلبي منه غيرة، قال: فجمع كفه وأشار بها إليَّ، ثم بسطها وضرب بها صدري، وقال لي: {يا أبا بكر، قل: هذا علي بن أبي طالب}، فقلت يا رسول الله، هذا علي بن أبي طالب، قال: فآخى  بيني وبين علي ، قال: ثم أخذ علي  بيدي وقال لي: يا أبا بكر، قم حتى تخرج إلى الصفا، فخرجت معه إلى الصفا، وكنت نائما في حجرتي فاستيقظت فإذا أنا على الصفا! ↑↑

قال: سمعت منصور بن عبد الله قال: سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول: دخلت مدينة رسول الله وبي شيء من الفاقة، فتقدمت إلى القبر، وسلمت على النبي وعلى ضجيعيه أبي بكر وعمر ، ثم قلت: يا رسول الله، بي فاقة، وأنا ضيفك الليلة؟ ثم تنحيت ونمت بين القبر والمنبر، فإذا أنا بالنبي جاءني، ودفع إلي رغيفا، فأكلت نصفه، فانتبهت، فإذا في يدي نصف الرغيف!

قال يوسف بن الحسين: كان عندنا شاب من أهل الإرادة، أقبل على الحديث وقصر في قراءة القرآن، فأتي في منامه فقيل له: إن لم تكن بي جافيا، فلم هجرت كتابي؟ أما تدبرت ما فيه من لطيف خطابي؟ ↑↑

يشهد لصحة الرؤيا: ما حدثنا علي بن الحسن بن أحمد السرخسي إمام جامعها، حا أبو الوليد محمد بن إدريس السلمي، حا سويد، حا محمد بن عمرو بن صالح بن مسعود الكلاعي، عن الحسن البصري قال: دخلت مسجد البصرة، فإذا رهط من أصحابنا جلوس فجلست إليهم، فإذا هم يذكرون رجلا يغتابونه، فنهيتهم عن ذكره، وحدثتهم بأحاديث في الغيبة بلغتني عن رسول الله ، وعن عيسى بن مريم ، فأمسك القوم وأخذوا في حديث آخر، ثم عرض ذكر ذلك الرجل فتناولوه وتناولته معهم، فانصرفوا إلى رحالهم وانصرفت إلى رحلي، فنمت، فأتاني آت في منامي أسود في يده طبق من خلاف، وعليه قطعة من لحم خنزير، فقال لي: كل؟ قلت: لا آكل؛ هذا لحم خنزير! قال: كل؟ قلت: لا آكل؛ هذا لحم خنزير! قال: كل؟ قلت: لا آكل؛ هذا لحم خنزير، هذا حرام! قال: لتأكلنه؟ فأبيت عليه، ففك لحي ووضعها في فمي، فجعلت ألوكها وهو قائم بين يدي، فجعلت أخاف أن القيها وأكره أن أسترطها، فاستيقظت على تلك الحال، فوالله لقد لبثت ثلاثين يوما وثلاثين ليلة ما ينفعني طعام أطعمه ولا شراب أشربه، إلا وجدت طعمها في فمي وريحها في منخري!↑↑



الباب الحادي والسَّبعُون: لطائف الحقّ بهم في غيرته عليهم

↑↑

دخل جماعة على رابعة يعودونها من شكوى، فقالوا: ما حالك؟ قالت: والله ما أعرف لعلتي سببا غير أني عُرِضَت عليَّ الجنة، فملت بقلبي إليها، فأحسب أن مولاي غار علي فعاتبني، فله العتبى ".

قال الجنيد: دخلت على سري السقطي، فرأيت عنده خزف كوز مكسور، فقلت: ما هذا؟ قال: جاءتني الصبية البارحة بكوز فيه ماء، فقالت لي: يا أبت، هذا الكوز معلق ههنا فإذا برد فأشربه؛ فإنها ليلة غمة، فغلبتني عيني، فرأيت جارية من أحسن الجواري دخلت علي، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان، وضربت بيدها إلى الكوز فانكسر، وهو الذي ترى. فما زال الخزف مكانه لم يحركه حتى ستره الغبار!! ↑↑

قال المزين: أقمت في بعض المنازل بالبادية سبعة أيام لم أطعم شيئا، فأضافني رجل في منزله، فقدم إليّ تمرا وخبزا، فلم أقدر على أكله، فلما كان الليل اشتهيته، فأخذت نواة أعالج بها فتح فمي، فضربت النواة سني، فقالت صبية من البيت: يا أبي، كم يأكل ضيفنا الليلة؟ فقلت: يا سيدي، جوع سبعة أيام ثم تنغص عليّ! وعزتك لا ذقته.

قال أحمد بن السمين: كنت أمشي في طريق مكة، فإذا أنا برجل يصيح: أغثني يا رجل، الله، الله، قلت: مالك؟ مالك؟ قال: خذ مني هذه الدراهم؛ فإني ما أقدر أن أذكر الله وهي معي، فأخذتها منه، فصاح لبيك اللهم لبيك، وكانت أربعة عشر درهما. ↑↑

قيل لأبي الخير الأقطع: ما كان سبب قطع يدك؟ قال: كنت في جبل لكام أو لبنان، ومعي رفيق لي، فجاء رجل من بعض السلاطين ومعه دنانير يفرقها، فناولني منها دينارا، فمددت إليه ظهر كفي فوضع عليها دينارا، فقلبته يدي في حجر رفيقي وقمت، فلما كان بعد ساعة إذا أنا بأصحاب السلطان يطلبون لصوصا، فأخذوني فقطعوا يدي!

يشهد لهذا المعنى: ما حدثنا به أحمد بن حيان التميمي قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل، حا قتيبة بن سعيد، حا يعقوب بن عبد الرحمن الاسكندراني، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، أن النبي قال: {إن الله تعالى ليحمي عبده من الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مرضاكم}. ↑↑



الباب الثاني والسَّبعُون: لطائفه بهم فيما يحمّلهم

↑↑

سمعت فارسا يقول: سمعت أبا الحسن العلوي تلميذ إبراهيم الخواص يقول: رأيت الخواص بالدينور في جامعها، وهو جالس في وسطه، والثلج يقع عليه، فأدركني الإشفاق عليه، فقلت له: لو تحولت إلى الكِنّ؟ فقال: لا، ثم أنشأ يقول:


لقد وضح الطريق إليك قصدا *** فما أحد أرادك يستدلُّ  
فإن ورد الشّتاء ففيك صيف *** وأن ورد المصيف ففيك ظل  
 
ثم قال لي: هات يدك؟ فناولته يدي، فأدخلتها تحت خرقته، فإذا هو يتصبب عرقا!

قال: سمعت أبا الحسن الفارسي يقول كنت في بعض الوادي، فأصابني عطش شديد حتى تعبت عن المشي من الضعف، وكنت سمعت أن العطشان تقطر عيناه قبل أن يموت، قال: فقعدت وأنا أنتظر تقطر عيني، إذ سمعت حسا، فنظرت، فإذا هي حية بيضاء كأنها الفضة الصافية تبرق، وقد قصدتني مسرعة، فهالتني، فقمت فزعا، ودخلتني قوة من الفزع، فجعلت أمشي على ضعف، وهي خلفي تنفث، فلم أزل أمشي وهي خلفي حتى بلغت ماء، وسكن الحس، فالتفت فلم أرها، وشربت الماء فنجوت! قال: وربما يكون بي غم أو علة، فأراها في النوم، فتكون بشارة لي بفرج غمي وزوال علتي. ↑↑



الباب الثالث والسَّبعُون: لطائفه بهم في الموت وبَعْدَه

↑↑

قال أبو الحسن المعروف بالقزاز: كنا في الفج، فأتانا شاب حسن الوجه عليه طمران، فسلم علينا وقال: هاهنا موضع أموت فيه نظيف؟ قال: فعجبنا، وقلنا له: نعم، فدللناه على عين بالقرب منا، فذهب، فتوضأ، وصلى ما شاء الله، ثم انتظرنا ساعة فلم يجئنا، فأتيناه، فإذا هو ميت!

قال أصحاب سهل بن عبد الله: كان سهل على التخت يغسل، وسبابته من يده اليمنى منتصبة؛ يشير بها!

قال أبو عمرو الاصطخري: رأيت أبا تراب النخشبي في البادية قائما، ميتا لا يمسكه شيء! ↑↑

قال إبراهيم بن شيبان: وافاني بعض المريدين فاعتل عندي أياما، فمات، فلما أن أدخل في قبره، أردت أن أكشف خده وأضعه على التراب تذللا؛ لعل الله يرحمه، فتبسم في وجهي، وقال لي: تذللني بين يدي من يدللني؟ قال: قلت: لا يا حبيبي، أحياة بعد الموت؟! فأجاب: أما علمت أن أحباءه لا يموتون، ولكن ينقلون من دار إلى دار.

وقال إبراهيم بن شيبان أيضا: كان عندي في القرية شاب من أهلها، متنسكا، ملازما للمسجد، وكنت مشغوفا به، فاعتل، فأتيت في بعض الجمعات البلد للصلاة، وكنت إذا جئت البلد أقيم عند إخواني بقية يومي وليلتي، فوقع علي الانزعاج بعد العصر، فأتيت القرية بعد العتمة، فسألت عن الفتى؟ قالوا: نظنه متوجعا، فأتيته، وسلمت عليه، وصافحته، فخرجت روحه مع المصافحة، فتوليت غسله، فغلطت في صب الماء؛ أردت أن أصب على يمينه صببت على يساره، ويده في يدي، فانتزع يده من يدي حتى ذهب ما كان عليه من السدر! فغشي على من كان معي، ثم فتح عينيه فيَّ، ففزعت، وصليت عليه، ودخلت القبر أواريه، وكشفت عن وجهه، ففتح عينيه، وتبسم حتى بدت نواجذه وثناياه، فسوينا عليه، وحثينا عليه التراب. ↑↑

يشهد لصحة ذلك: ما حدثنا أبو الحسن علي بن إسماعيل الفارسي، حا نصر ابن أحمد البغدادي، ح الوليد بن شجاع السكوني، عن خالد، عن نافع الأشعري، عن حفص بن يزيد بن مسعود بن خراش: أن الربيع بن خراش كان حلف أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أم في النار؟ فمكث لا يراه أحد يضحك حتى مات - فيما يرون -، فأغمضوه، وسجوه، وبعثوا إلى قبره ليحفر، وبعثوا إلى كفنه فأتى به، فقال ربعي بن خراش: رحم الله أخي، كان أقومنا في الليل الطويل، وأصومنا في اليوم الحار "، قال: فإنهم لجلوس حوله، إذ طرح الثوب عن وجهه، فاستقبلهم وهو يضحك! فقال له أخوه ربعي: يا أخي، أبعد الموت حياة "؟! قال: نعم؛ إني لقيت ربي، وإنه تلقاني بروح وريحان، ورب غير غضبان، وإنه قد كساني سندسا وحريرا، ألا وإني وجدت الأمر أيسر مما ترون، فلا تغتروا؛ فإن خليلي محمدا  ينتظرني ليصلي علي، الوَحَى الوَحَى، ثم خرجت نفسه في آخر ذلك كأنها حصاة قذفت في ماء، فبلغ ذلك عائشة أم المؤمنين، فقالت: اخو بني عبس رحمه الله، سمعت رسول الله يقول: {يتكلم رجل من أمتي بعد الموت، من خير التابعين}. ↑↑



الباب الرَّابع والسَّبعُون: من لطائف ما جرى عليهم

↑↑

قال أبو بكر القحطبي: كنت في مجلس سمنون، فوقف عليه رجل، فسأله عن المحبة؟ فقال: لا أعرف اليوم من أتكلم عليه يعلم هذه المسألة "؟ فسقط على رأسه طائر، فوقع على ركبته! فقال: إن كان فهذا، ثم جعل يقول - ويشير إلى الطير -: بلغ من أحوال القوم كذا وكذا، فشاهدوا كذا وكذا، وكانوا في حال كذا وكذا "، فلم يزل يتكلم عليه حتى سقط الطير عن ركبته ميتا.

قال أبو بكر بن مجاهد: سمعت أحمد بن سنان العطار يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول: خرجت يوما إلى نيل واسط، فإذا أنا بطير أبيض في وسط الماء، وهو يقول: سبحان الله على غفلة الناس ".

قال جعفر: سمعت الجنيد يقول: لقيت شابا من المريدين في البادية، جالسا عند شجرة، فقلت: يا غلام، ما الذي أجلسك هاهنا؟ فقال: ضال افتقدته. فمضيت وتركته، فلما انصرف، إذا أنا به قد انتقل إلى موضع قريب مني! فقلت له: فما جلوسك الساعة هاهنا؟ قال: وجدت ما كنت أطلبه في هذا الموضع، فلزمته "، فقال الجنيد: فلا أدري أي حاليه أشرف: لزومه لافتقاد حاله، أو لزومه الموضع الذي نال فيه مراده "؟

قال أبو عبد الله محمد بن سعدان: سمعت بعض الكبراء يقول: كنت يوما جالسا بحذاء البيت، فسمعت أنينا من البيت: يا جدر تَنَحِّ عن طريق أوليائي وأحبائي؛ فمن زارك بك طاف حولك، ومن زارك بي طاف عندي ". ↑↑





الباب الخامس والسَّبْعُون: في السَّمَاع

↑↑

السماع: استجمام من تعب الوقت، وتنفس لأرباب الأحوال، واستحضار الأسرار لذوي الأشغال.

وإنما اختير على غيره مما تستروح إليه الطباع: لبعد النفوس عن التشبث به، والسكون إليه؛ فإنه من القضاء يبدو، وإلى القضاء يعود.

وأرباب الكشوف والمشاهدات: استغنوا عنها بالأسباب الحاملة لهم، تنزه أسرارهم في ميادين الكشوف.

سمعت فارسا يقول: كنت عند قوطة الموصلي، وكان لزم سارية في جامع بغداد أربعين سنة، قلنا له: هاهنا قوال طيب، ندعوه لك؟ قال: أنا أجل من أن يستقطعني شخص، أو ينفذ فِيَّ قول؛ أنا ردم كله ".

فالسماع إذا: قرع الأسماع أثار كَوَامِن أسرارها، فمن بين مضطرب؛ لعجز الصفة عن حمل الوارد، ومن بين متمكن؛ بقوة الحال. ↑↑

قال أبو محمد رويم: إن القوم سمعوا الذكر الأول: حين خاطبهم بقوله: {ألست بربكم}؟ فكمن ذلك في أسرارهم كما كمن كون ذلك في عقولهم، فلما سمعوا كوامن أسرارهم فانزعجوا، كما ظهرت كوامن عقولهم عند إخبار الحق لهم عن ذلك فصدقوا ".

سمعت أبا القاسم البغدادي يقول: السماع على ضربين: فطائفة: سمعت الكلام فاستخرجت منه عبرة، وهذا لا يسمع إلا بالتمييز، وحضور القلب.

وطائفة: سمعت النغمة (وهي: قوت الروح)، فإذا ظفر الروح بقوته أشرف على مقامه وأعرض عن تدبير الجسم، فظهر عند ذلك من المستمع الاضطراب والحركة ".

قال أبو عبد الله النباجي: السماع: ما أثار فكرة، واكتسب عبرة. وما سواه فتنة ".

قال الجنيد: الرحمة تنزل على الفقير في ثلاثة مواضع: عند الأكل؛ فإنه لا يأكل إلا عند الحاجة.

وعند الكلام؛ فإنه لا يتكلم إلا للضرورة.

وعند السماع؛ فإنه لا يسمع إلا عند الوجد ".




↑↑  
تم بحمد الله
 








jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
Publicité







MessagePosté le: Ven 5 Oct - 22:15 (2012)    Sujet du message: Publicité

PublicitéSupprimer les publicités ?
Revenir en haut
Montrer les messages depuis:   
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية حية قادرية النسب تيجانية المشربCatégorie >>> مكتبة منتدي الصوفية Toutes les heures sont au format GMT + 1 Heure
Page 1 sur 1

 
Sauter vers:  

Index | creer un forum | Forum gratuit d’entraide | Annuaire des forums gratuits | Signaler une violation | Conditions générales d'utilisation
Powered by phpBB © 2001, 2005 phpBB Group
Traduction par : phpBB-fr.com
Thème réalisé par SGo