tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum tariqa qadiriya boudchichiya.ch
sidihamza.sidijamal.sidimounir-ch
 
 FAQFAQ   RechercherRechercher   MembresMembres   GroupesGroupes   S’enregistrerS’enregistrer 
 ProfilProfil   Se connecter pour vérifier ses messages privésSe connecter pour vérifier ses messages privés   ConnexionConnexion 

من نفحات أوراد ومصنّفات الشّيخ عبد الغني النابلسي قدّس اللّه سرّه - الطريقة الرفاعية

 
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> منتدي الدروس الروحانية >>> ۩۞۩-ساحة الدعوات والاوراد -۩۞۩» Sous forum
Sujet précédent :: Sujet suivant  
Auteur Message
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Ven 12 Oct - 02:24 (2012)    Sujet du message: من نفحات أوراد ومصنّفات الشّيخ عبد الغني النابلسي قدّس اللّه سرّه - الطريقة الرفاعية Répondre en citant

من نفحات أوراد الشّيخ عبد الغني النابلسي قدّس اللّه سرّه

نسخة قديمة نادرة

http://www.sendspace.com/file/mcywli






الْحَمْدُ للَّهِ نَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضَلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ

وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدَهُ وَرَسُوْلَهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيْراً وَنَذِيْراً بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ


مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَه فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ إِلاَّ نَفْسَهُ وَلاَ يَضُرُّ اللهَ شَيْئاً


اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ


اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
وَسلِّم تَسْليماً كَثيرَاً


قرأتُ لكم هذه الترجمة العطرة عن أحد كبار رجالات الحضرة


من كتاب سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر للمرادي



الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره



رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ورفع درجاته في أعالي جناته، ونفعنا وإياكم

وجميع المحبيّن به وبعلومه وأنواره وبركاته وأسراره وإمداده في الدارين

 اللهم آمين وبسرّ الفاتحة الشريفة وإلى روحه وأرواح جميع أهل الله في

غامض علم الله ، وإلى حضرة مولانا رسول الله 
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
وَسلِّم تَسْليماً كَثيرَاً 
 الفاتحة

 


"قال المصنّف  : الشيخ عبد الغني بن إسمعيل بن عبد الغني بن إسمعيل بن أحمد بن إبراهيم المعروف كأسلافه بالنابلسي الحنفي الدمشقي النقشبندي القادري استاذ الأساتذة وجهبذ الجهابذة الولي العارف ينبوع العوارف والمعارف الامام الوحيد الهام الفريد العالم العلامة الحجة الفهامة البحر الكبير الحبر الشهير شيخ الاسلام صدر الأئمة الأعلام صاحب المصنفات التي اشتهرت شرقاً وغرباً وتداولها الناس عجماً وعرباً ذو الأخلاق الرضية والأوصاف السنية قطب الأقطاب الذي لم تنجب بمثله الأحقاب العارف بربه والفائز بقربه وحبه ذو الكرامات الظاهرة والمكاشفات الباهرة

هيهات لا يأتي الزمان بمثله = إن الزمان بمثله لبخيل

وعلى كل حال فهو الذي لا تستقصي فضائله بعبارة ولا تحصر صفاته وفواضله باشارة والمطول في مدح جنابه مختصر جداً والمكثر في نعت صفاته مقل ولو بلغ نهاية وحدا ولد بدمشق رضي الله عنه في خامس ذي الحجة سنة خمسين وألف وكان والده سافر إلى الروم وهو حمل فبشر والدته به المجذوب الصالح الشيخ محمود المدفون بتربة الشيخ يوسف القميني بسفح قاسيون وأعطاها درهماً فضة وقال لها سميه عبد الغني فإنه منصور وتوفي الشيخ محمود المذكور قبل ولادة الشيخ بأيام ثم وضعته في التاريخ المذكور وشغله والده بقراءة القرآن ثم بطلب العلم وتوفي والده في سنة اثنين وستين وألف فنشأ يتيماً موفقاً .... " اهـ
سُبحانَكَ الَّلهُمَّ وبحمدكَ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ
"قال المصنّف  : ..واشتغل بقراءة العلم فقرأ الفقه وأصوله على الشيخ أحمد القلعي الحنفي والنحو والمعاني والتبيان والصرف على الشيخ محمود الكردي نزيل دمشق والحديث ومصطلحه على الشيخ عبد الباقي الحنبلي وأخذ التفسير بالمدرسة السليمية وفي شرح الدر بالجامع الأموي ودخل في عموم اجازته وحضر دروس النجم الغزي ودخل في عموم اجازته وقرأ أيضاً وأخذ على الشيخ محمد بن أحمد الأسطواني والشيخ إبراهيم بن منصور القتال والشيخ عبد القادر بن مصطفى الصفوري الشافعي والسيد محمد بن كمال الدين الحسيني الحسني بن حمزة نقيب
الأشراف بدمشق والشيخ محمد العيثاوي والشيخ حسين بن اسكندر الرومي نزيل المدرسة الكلاسة بدمشق وشارح التنوير وغيره والشيخ كمال الدين العرضي الحلبي الأصل الدمشقي والشيخ محمد بن بركات الكوافي الحمصي ثم الدمشقي وغيرهم وأجاز له من مصر الشيخ علي الشيراملسي وأخذ طريق القادرية عن الشيخ السيد عبد الرزاق الحموي الكيلاني
وأخذ طريق النقشبندية عن الشيخ سعيد البلخي وابتدأ في قراءة الدروس وإلقائها والتصنيف لما بلغ عشرين عاماً وأدمن المطالعة في كتب الشيخ محي الدين ابن العربي قدس الله سره وكتب السادة الصوفية كابن سبعين والعفيف التلمساني فعادت عليه بركة أنفاسهم فأتاه الفتح اللدني فنظم بديعية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم فاستبعد بعض المنكرين أن تكون من نظمه فاقترح عليه أن يشرحها فشرحها في مدة شهر شرحاً لطيفاً في مجلد ثم نظم بديعية اخرى والتزم فيها تسمية النوع وشرع في إلقاء الدروس بالجامع الأموي فاقراً بكرة لنهر في عدة فنون وبعد العصر في الجامع الصغير ثم الأربعين النووية ثم الاذكار النووية وغيرها وبايع في آخر عمره سنة وفاته جميع العباد بالملأ العام بين الأنام

"قال المصنّف  : .. وصدر له في أول إمرة أحوال غريبة وأطوار عجيبة واستقام في داره الكائنة بقرب الجامع الأموي في سوق العنبرانيين مدة سبع سنوات لم يخرج منها وأسدل شعره ولم يقلم أظفاره وبقي في حالة عجيبة وصارت تعتريه السودا في أوقاته وصارت الحساد تتكلم فيه بكلام لا يليق به من أنه يترك الصلوات الخمس وإنه يهجو الناس بشعره وهو رضي الله عنه برئ من ذلك وقامت عليه أهالي دمشق وصدر منهم في حقه الأفعال الغير المرضية حتى إنه هجاهم وتكلم بما فعلوه معه ولم يزل حتى أظهره الله للوجود وأشرقت به الأيام ورفل في حلل الاقبال والسعود وبادرت الناس للتملي باجتلاء بركاته والترجي لصالح دعواته ووردت عليه أفواج الواردين وصار كهف الحاضرين والوافدين واستجير من سائر الأقطار والبلاد وعمت نفحاته وعلومه الأنام والعباد
وارتحل أولاً إلى دار الخلافة في سنة خمس وسبعين وألف فاستقام بها قليلاً وفي سنة مائة بعد الألف ذهب إلى زيارة البقاع وجبل لبنان ثم في سنة احدى ومائة بعد الألف ذهب إلى زيارة القدس والخليل ثم في سنة خمس ومائة ذهب إلى مصر ومن ثمة إلى الحجاز وهي رحلته الكبرى ولكل من هذه الزيارات رحله سيجئ ذكرها وفي سنة اثنتي عشرة ومائة وألف ذهب إلى طرابلس الشام نحو أربعين يوماً وصنف فيها رحلة صغيرة ولم تشتهر وانتقل من دمشق من دار أسلافه إلى صالحيتها في ابتداء سنة تسع عشرة ومائة وألف إلى دارهم المعروفة بهم الآن إلى أن مات بها وكان يدرس البيضاوي في صالحية دمشق بالسليمية جوار الشيخ الأكبر قدس سرهما وابتدأ بالدرس من سنة خمس عشرة ومائة وألف وتآليفه ومصنفاته كثيرة وكلها حسنة متداولة مفيدة ونظمه لا يحصى لكثرته

سُبحانَكَ الَّلهُمَّ وبحمدكَ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ
قال المصنّف  : .. ومن تصانيفه التحرير الحاوي بشرح تفسير البيضاوي وصل فيه من أول سورة البقرة إلى قوله تعالى من كان عدو الله في ثلاث مجلدات وشرع في الرابع ومنها بواطن القرآن ومواطن العرفان كله منظوم على قافية التاء المثناة وصل فيه إلى سورة براءة فبلغ نحو الخمسة آلاف بيت ومنها كثر الحق المبين في أحاديث سيد المرسلين والحديقة النديه شرح الطريقة المحمدية للبركلي الرومي وذخائر المورايث في الدلالة على مواضع الأحاديث وجواهر النصوص في حل كلمات الفصوص للشيخ محيي الدين ابن العربي قدس سره وكشف السر الغامض شرح ديوان ابن الفارض وزهر الحديقة في ترجمة رجال الطريقة وخمرة الحان ورنة الألحان شرح رسالة الشيخ أرسلان وتحريك إلا قلبه في فتح باب التوحيد ولمعان البرق النجدي شرح تجليات محمود أفندي الرومي المدفون باسكدار
والمعارف الغيبية شرح العينية الجيلية واطلاق القيود شرح مرآة الوجود والظل الممدود في معنى وحدة الوجود ورائحة الجنة شرح اضاءة الدجنة وفتح المعين المبدي شرح منظومة سعدي أفندي ودفع الاختلاف من كلام القاضي والكشاف وإيضاح المقصود من معنى وحدة الوجود وكتاب الوجود الحق والخطاب الصدق ونهاية السول في حلية الرسول صلى الله عليه وسلم ومفتاح المعية شرح الرسالة النقشبندية وبقية الله خير بعد الفناء في السير والمجالس الشامية في مواعظ أهل البلاد الرومية وتوفيق الرتبة في تحقيق الخطبة وطلوع الصباح على خطبة المصباح والجواب التام عن حقيقة الكلام وتحقيق الانتصار في اتفاق الأشعري والماتريدي على الاختيار وكتاب الجواب عن الأسئلة المائة والاحدى والستين وبرهان الثبوت في تربة هاروت وماروت ولمعان الأنوار في المقطوع لهم بالجنة والمقطوع لهم بالنار وتحقيق الذوق والرشف في معنى المخالفة

سُبحانَكَ الَّلهُمَّ وبحمدكَ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ
قال المصنّف  : .. وتحقيق الذوق والرشف في معنى المخالفة بين أهل الكشف وروض الأنام في بيان الاجازة في المنام وصفوة الأصفياء في بيان الفضيلة بين الأنبياء والكوكب الساري في حقيقة الجزء الاختياري وأنوار السلوك في أسرار الملوك ورفع الريب عن حضرة الغيب وتحريك سلسلة الوداد في مسئلة خلق أفعال العباد وزبد الفائدة في الجواب عن الأبيات الواردة والنظر المشرفي في معنى قول الشيخ عمر ابن الفارض عرفت أم لم تعرف والسر المختبي في ضريح ابن العربي رضي الله عنه والمقام الأسمي في امتزاج الاسما وقطرة السماء ونظرة العلماء والفتوحات المدنية في الحضرات المحمدية والفتح المكي واللمح الملكي والجواب المعتمد عن سؤالات أهل صفد ولمعة النور المضية شرح الأبيات السبعة الزائدة من الخمرية الفارضية والحامل في الملك والمحمول في الفلك في أخلاق النبوة والرسالة والخلافة في الملك والنفحات المنتشرة في الجواب عن الأسئلة العشرة عن أقسام البدعة والقول الأبين في شرح عقيدة أبي مدين وهو المسمى بابن عراق
وكشف النور عن أصحاب القبور وفيه كرامات الأولياء بعد الموت وبذل الاحسان في تحقيق معنى الانسان والقول العاصم في قراءة حفص عن عاصم نظماً على قافية القاف وشرح هذا النظم صرف العنان إلى قراءة حفص بن سليمان والجواب المنثور والمنظوم عن سؤال المفهوم وكتاب علم الملاحة في علم الفلاحة وتعطير الأنام في تعبير المنام والقول السديد في جواز خلف الوعيد والرد على الرجل العنيد ورد التعنيف على المعنف واثبات جهل هذا المصنف وهدية الفقير وتحية الوزير والقلائد الفرائد في موائد الفوائد في فقه الحنفية على ترتيب أبواب الفقه وكتاب ريع الافادات في ربع العبادات وكتاب المطالب الوفيه شرح الفرائد السنيه منظومة الشيخ أحمد الصفدي وديوان الألهيات الذي سماه ديوان الحقائق وميدان

سُبحانَكَ الَّلهُمَّ وبحمدكَ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ
قال المصنّف  : .. وميدان الرقائق ويدوان المدائح النبوية المسمى بنفحة القبول في مدحة الرسول وهو مرتب على الحروف وديوان المدائح المطلقة والمراسلات والألغاز وغير ذلك وديوان الغزليات المسمى خمرة بابل وغناء البلابل وغيث القبول همي في معنى جعلا له شركاء فيما آتاهما ورفع الكساء عن عبارة البيضاوي في سورة النساء وجمع الأشكال ومنع الأشكال عن عبارة تفسير البغوي والجواب عن عبارة في الأربعين النووية في قوله رويناه ورفع الستور عن متعلق الجار والمجرور في عبارة خسرو والشمس على جناح طائر في مقام الواقف السائر والعقد النظيم في القدر العظيم في شرح بيت من بردة المديح وعذر الأئمة في نصح الأمة وجمع الأسرار في منع الأشرار عن الظن في الصوفية الأخيار وجواب سؤال ورد من طرف بطرك النصارى في التوحيد قال المصحح البطرك على وزن قمطر وبرمك وبطريق وزان زنديق بمعنى انتهى
وفتح الكبير بفتح راء التكبير ورسالة في سؤال عن حديث نبوي وتحقيق النظر في تحقيق النظر في وقف معلوم وجواب سؤال في شرط واقف من المدينة المنورة وكشف الستر عن فريضة الوتر ونخبة المسئلة شرح التحفة المرسلة في التوحيد وبسط الذراعين بالوصيد في بيان الحقيقة والمجاز في التوحيد ورفع الاشتباه عن علمية اسم الله وحق اليقين وهداية المتقين ورسالة في تعبير رؤيا سئل عنها وارشاد المتملي في تبليغ غير المصلي وكفاية المستفيد في علم التجويد ورسالة في حل نكاح المتعتقة على الشريعة وصدح الحمامة في شروط الامامة وتحفة الناسك في بيان المناسك وبغية المكتفي في جواز الخف الحنفي والرد الوفي على جواب الحصكفي في رسالة الخف الحنفي وحلية الذهب الابريز في رحلة بعلبك والبقاع العزيز ورنة النسيم وغنة الرخيم وفتح الانفلاق في مسئلة على الطلاق والخضرة

سُبحانَكَ الَّلهُمَّ وبحمدكَ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ
قال المصنّف  : .. والخضرة الأنسية في الرحلة القدسية ورد المتين على منتقص العارف محيي الدين والحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز ووسائل التحقيق في رسائل التدقيق في مكاتبات علمية وإيضاح الدلالات في سماع الآلات وتخيير العباد في سكن البلاد ورفع لضروره عن حج الصيروره ورسالة في الحث على الجهاد واشتباك الأسنه في الجواب عن الفرض والسنه والابتهاج في مناسك الحاج وأجوبة الأنسيه عن الأسئلة القدسيه وتطييب النفوس في حكم المقادم والرؤس والغيث المنبجس في حكم المصبوغ بالنجس واشراق المعالم في أحكام المظالم ورسالة في احترام الخبز واتحاف من بادر إلى حكم النوشادر والكشف والتبيان عما يتعلق بالنسيان والنعم السوابغ في احرام المدني من رابغ وسرعة الانتباه لمسئلة الاشتباه في فقه الحنفية ورسالة في جواب سؤال من بيت المقدس وتحفة الراكع الساجد في جواز الاعتكاف في فناء المساجد
وجواب سؤال ورد من مكة المشرفة عن الاقتداء من جوف الكعبة وخلاصة التحقيق في حكم التقليد والتلفيق وابانة النص في مسئلة القص أي قص اللحية والأجوبة البته عن الأسئلة السته ورفع العناد عن حكم التفويض والاسناد في نظم الوقف وتشحيذ لأذهان في تطهير الأدهان وتحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية وتفوه الصور شرح عقود الدرر فيما يفتي به على قول زفر والكشف عن الأغلاط التسعة من بيت الساعة من القاموس ورسالة في حكم التسعير من الحكام وتقريب الكلام على الافهام في معنى وحدة الوجود والنسيم الربيعي في التجاذب البديعي وتنبيه من يلهو عن صحة الذكر بالاسم هو والكواكب المشرقة في حكم استعمال لمنطقة من الفضة ونتيجة العلوم ونصيحة علماء الرسوم في شرح مقالات السرهندي المعلوم ورسالة في معنى البيتين رأت

سُبحانَكَ الَّلهُمَّ وبحمدكَ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ
قال المصنّف  : .. رأت قمر السماء فاذكرتني إلى آخره وتكميل النعوت في لزوم البيوت وسؤال ورد في بيت المقدس ومعه جواب منه والجواب الشريف للحضرة الشريفة إن مذهب أبي يوسف ومحمد هو مذهب أبي حنيفة وتنبيه الافهام على عدة الحكام شرح منظومة القاضي محب الدين الحموي وأنوار الشموس في خطب الدروس ومجموع خطب التفسير وصل فيه إلى ستمائة خطبة واثنين وثلاثين والأجوبة المنظومة عن الأسئلة المعلومة من جهة بيت المقدس والتحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية والعبير في التعبير نظماً من بحر الرجز وتحصيل الأجر في حكم أذان الفجر وقلائد المرجان في عقائد الايمان والأنوار الألهية شرح المقدمة السنوسية وغاية الوجازة في تكرار الصلاة على الجنازة وشرح أوراد الشيخ عبد القادر الكيلاني وكفاية العلام في أركان الاسلام منظومة مائة وخمسون بيتاً ورشحات الاقدام شرح كفاية الغلام والفتح الرباني والفيض الرحماني
وبذل الصلاة في بيان الصلاة على مذهب الحنفية ونور الأفئدة شرح المرشدة واسباغ المنه في أنهار الجنة ونهاية المراد شرح هدية ابن العماد في فقه الحنفية وإزالة الخفا عن حلية المصطفى صلى الله عليه وسلم ونزهة الواجد في الصلاة على الجنائز في المساجد وصرف الأعنه إلى عقائد أهل السنه وسلوى النديم وتذكرة العديم والنوافج الفائحة بروائح الرؤيا الصالحة والجوهر الكلي شرح عمدة المصلي وهي المقدمة الكيدانية وحلية العارمي في صفات الباري والكوكب الوقاد في حسن الاعتقاد وكوكب الصبح في إزالة ليلة القبح والعقود اللؤلؤية في طريق المولوية والصراط السموي شرح ديباجات المثنوي وبداية المريد ونهاية السعيد ونسمات الأسحار في مدح النبي المختار وهي البديعية وشرحها نفحات الأزهار على نسمات الأسحار والقول المعتبر

سُبحانَكَ الَّلهُمَّ وبحمدكَ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ
قال المصنّف  : .. والقول المعتبر في بيان النظر ورسالة في العقائد وحلاوة الآلا في التعبير إجمالاً والمقاصد الممحصة في بيان كي الحمصة ورسالة اخرى في كل الحمصة وزيادة البسطة في بيان العلم نقطة واللؤلؤ المكنون في حكم الأخبار عما سيكون ورد الجاهل إلى الصواب في جواز إضافة التأثير إلى الأسباب والقول المختار في الرد على الجاهل المحتار ودفع الايهام جواب سؤال والكوكب المتلألئ شرح قصيدة الغزالي ورد المفتري عن الطعن في الششتري والتنبيه من النوم في حكم مواجيد القوم واتحاف الساري في زيارة الشيخ مدرك الفزاري وديوان الخطب المسمى بيوانع الرطب في بدائع الخطب والحوض المورود في زيارة الشيخ يوسف والشيخ محمود ومخرج الملتقى ومنهج المرتقى ومنظومة في ملوك بني عثمان وثواب المدرك لزيارة الست زينب أو الشيخ مدرك وعيون الأمثال العديمة المثال وغاية المطلوب في محبة المحبوب ومناغاة القديم ومناجاة الحكيم
والطلعة البدرية شرح القصيدة المضرية والكتابة العلية على الرسالة الجنبلاطية وركوب التقييد بالاذعان في وجوب التقليد في الايمان ورد الحجج الداحضة على عصبة الغي الرافضة وشرح نظم قبضة النور المسمى نفخة الصور ونفحة الزهور ومفتاح الفتوح في مشكاة الجسم وزجاجة النفس ومصباح الروح وصفوة الضمير في نصرة الوزير وشرح نظم السنوسية المسمى باللطائف الأنسية على نظم العقيدة السنوسية وتحقيق معنى المعبود في صورة كل معبود ورسالة في قوله عليه السلام من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً وأنس الحافر في معنى من قال أنا مؤمن فهو كافر وتحرير عين الاثبات في تقرير عين الاثبات وتشريف التغريب في تنزيه القرآن عن التعريب والجواب العلي عن حال الولي وفتح العين عن الفرق بين التسميتين يعني تسمية المسلمين وتسمية النصارى

سُبحانَكَ الَّلهُمَّ وبحمدكَ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ
قال المصنّف  : .. والروض المعطار بروائق الأشعار والصلح بين الاخوان في حكم اباحة الدخان وله رضي الله عنه غير ذلك من التصانيف والتحريرات والكتابات والنظم وكان عالماً مالكاً أزمة البراعة واليراعة فقيهاً متبحراً يدري الفقه ويقرره والتفسير ويحرره غواصاً على المسائل خبيراً بكيفية الاستدلال والدلائل ذا طبع منقاد وبديهة مطواعه كما قيل

مصون اللسان عن اللغو والشتم لا يخوض فيما لا يعنيه ولا يحقد على أحد يحب الصالحين والفقراء وطلبة العلم ويكرمهم ويجلهم ويبذل جاهه بالشفاعات الحسنة لولاة الأمور فتقبل ولا ترد معرضاً عن النظر إلى الشهوات لا لذة له الا في نشر العلم وكتابته رحيب الصدر كثير السخاء وله كرمات لا تحصى وكان لا يحب أن تظهر عليه ولا أن تحكي عنه هذا مع اقبال الناس عليه ومحبتهم له واعتقادهم فيه
ورأى في أواخر عمره من العز والجاه ورفعة القدر ما لا يوصف ومتعه الله بقوته وعقله فكان يصلي النافلة من قيام ويصلي التراويح في داره اماماً بالناس إلى أزمات ويقرأ الخط الدقيق ويكتب في تصانيفه كشرح البيضاوي وغيره بعد أن جاوز التسعين وكنت عزمت على أن أشنف الأسماع بشيء من شعره ونثره ثم رأيت إن الله سبحانه وتعالى قد نشرهما في البلاد فشعره ينشد في المحافل ويحفظه الناس وسار مسير الشمس في كل بلدة وتطرزت به المجاميع من الآداب فاقتصرت من بحر ترجمته على هذه القطرة ومن كنز مآثره ومناقبه على هذه الشذرة وقد أخذ عنه الوالد وأجازه حين ختم عليه الجد الفتوحات المكية ودعا له وشملته بركاته وأما احصاء فضائله فلا تطاق بترجمه وتصير منها بطون الأوراق مفعمه وبالجملة فهو الأستاذ

سُبحانَكَ الَّلهُمَّ وبحمدكَ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ أنتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ
"....ِاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيَّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلاَةٍ تُنْجِينَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ الْمِحَنِ وَالإِحَنِ وَالأَهْوَالِ وَالْبَلِيَّاتِ وَتُسَلِّمُنَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ الْفِتَنِ وَالأَسْقَامِ وَالآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ وَتُطَهِّرُنَا بِهَا مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ وَالآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ وَتُطَهِّرُنَا بِهَا مِنْ جَمِيعَ الْخَطِيئَاتِ وَتَقْضِي لَنَا بِهَا جَمِيعَ مَا نَطْلُبُهُ مِنَ الْحَاجَاتِ وَتَرْفَعُنَا بِهَا عِنْدَكَ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَتُبَلِّغُنَا بِهَا أَقْصَى الْغَايَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ يَا رَبِّ يَا الله يَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ.... " اهـ . [ من صلوات العارف الرباني الإمام الغوث الصمداني عبد القادر الجيلاني - رضي الله تعالى عنه، في كتاب " أفضل الصلوات على سيد السادات" للعارف الرباني القاضي يوسف النبهاني - رضي الله تعالى عنه





العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي وكتابه تعطير الأنام في تعبير المنام ـــ  
   
 
محمود الأرناؤوط  
 
    
 
(1)‏     
إن موضوع تعبير الرؤيا وتفسيرها موضوع قديم قدم الإنسان على الأرض، لأن الرؤيا في المنام تشغل بال صاحبها سلباً كان أمرها أم إيجاباً.‏     
قال الله تعالى في كتابه العزيز ـ على لسان إبراهيم مخاطباً ولده إسماعيل عليهما السلام ـ: ?يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلمّا أسلما وتلّه للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين?(2) ورؤيا الأنبياء وحيٌ(3). وكان للرؤيا في المنام شأن مهم في الإسلام.‏     
وقالت السيدة الزّهراء عليها السلام سيّدة نساء العالمين و رضي الله عنها: [أول ما بدئ به رسول الله ( من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُّبح](4).‏     
وقال رسول الله (: [الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة](5).‏     
وقال رسول الله (: [لم يبق من النبوة إلا المبشِّرات]. قالوا: وما المبشِّرات [يا رسول الله؟] قال: الرؤيا الصالحة](6)..‏     
وقال رسول الله (: [إذا اقترب الزمان، لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ـ ومنهم من قال: لم تكذب رؤيا المؤمن ـ ورؤيا المؤمن، جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب](7).‏     
وقال رسول الله (: [رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزءاً من النبوة، وهي على رِجْل طائر(8)، ما لم يتحدث بها، فإذا تحدَّث بها سقطت](9).‏     
قال: وأحسبه قال: [ولا يُحدِّث إلا لبيباً أو حبيباً](10).‏     
وقال رسول الله (: [الرؤيا الصَّالحة من الله، والرؤيا السَّوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا فكره منها شيئاً فَلْينْفُثْ(11) عن يساره، وليتعوَّذ بالله من الشيطان، لا تضره، ولا يخبر بها أحداً، فإن رأى رؤيا حَسَنَةً فَلْيُبْشِر، ولا يُخْبِرْ إلا من يُحِبُّ](12).‏     
وقد حذَّر رسول الله ( من كَذَبَ في قصّ رؤياه تحذيراً شديداً فقال: [من كَذَبَ في رؤياه أعطي(13) شُعَيْرَةً وكُلِّف أن يَعْقِدَ بين طرفيها، فيعذّب أن يعقد بين طرفيها، ولن يعقد بين طرفيها أبداً](14).‏     
وعن عُروة بن الزُّبير رضي الله عنه في قوله تعالى: ?لهم البشرى في الحياة الدنيا?(15) قال: "هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو تُرى له"(16).‏     
وقال محمد بن سيرين رحمه الله: "وأنا أقول: قال أبو هريرة: وكان يقال: الرؤيا ثلاثة: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأى منكم شيئاً يكرهه، فلا يقصّه على أحدٍ، وليقم فليصلِّ، قال: وكان يكره الغُل(17) في النوم، وكان يعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات الدِّين(18).‏     
(2)‏     
(وأما مؤلِّف كتاب "تعطير الأنام في تعبير المنام" فهو) الشيخ عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد ابن إبراهيم، المعروف كأسلافه بالنابلسي(19) القادري، (وهو) أستاذ الأساتذة، وجِهبذ الجهابذة، الولي العارف، ينبوع العوارف والمعارف، الإمام الوحيد، الهُمَام الفريد، العالم العلامة، الحجّة الفهّامة، البحر الكبير، الحَبر الشهير، شيخ الإسلام، صدر الأئمة الأعلام، صاحب المصنّفات التي اشتهرت شرقاً وغرباً، وتداولها الناس عجماً وعرباً, ذو الأخلاق الرّضية، والأوصاف السّنية، قُطب الأقطاب، الذي لم تنجب مثله الأحقاب، العارف بربّه والفائز بقربه، وحبّه، ذو الكرامات الظاهرة، والمكاشفات الباهرة.‏     
هيهاتَ لا يأتي الزمانُ بمثله * * * إن الزّمانَ بمثله لبخيلُ‏     
وعلى كل حال فهو الذي لا تستقصى فضائله بعبارة، ولا تحصر صفاته وفواضله بإشارة، والمطوِّل في مدح جنابه مختصرٌ جداً، والمكثر في نعت صفاته مُقّلٌّ ولو بلغ نهايةً وحدّاً.‏     
ولد بدمشق ـ رضي الله عنه ـ في خامس ذي الحجة سنة خمسين وألف، وكان والده سافر إلى الروم وهو حِمْل، فبشّر والدته به المجذوب الصالح الشيخ محمود المدفون بتربة الشيخ يوسف القميني بسفح قاسيون، وأعطاها درهماً فضة، وقال لها: "سمّيه عبد الغني فإنه منصور" وتوفي الشيخ محمود المذكور قبل ولادة الشيخ (عبد الغني) بأيام، ثم وضعته (أمُّه) في التاريخ المذكور. وشغّلَه والده بقراءة القرآن ثم بطلب العلم، وتوفي والده في سنة اثنين وستين وألف, فنشأ يتيماً موفقاً، واشتغل بقراءة العلم، فقرأ الفقه وأصوله على الشيخ أحمد القلعي الحنفي، والنحو والمعاني والبيان والصرف على الشيخ محمود الكردي نزيل دمشق، والحديث ومصطلحه على الشيخ عبد الباقي الحنبلي. وأخذ التفسير والنحو أيضاً عن الشيخ محمد المحاسني، وحضر دروس والده في التفسير بالمدرسة السليمية وفي "شرح الدُّر" بالجامع الأموي، ودخل في عموم إجازته، وحضر دروس النّجم الغزِّي، ودخل في عموم إجازته، وقرأ أيضاً وأخذ على الشيخ محمد بن أحمد الأسطواني، والشيخ إبراهيم بن منصور الفَتَّال، والشيخ عبد القادر بن مصطفى الصَّفُّوري الشافعي، والسيد محمد بن كمال الدين الحُسَيني الحسني بن حمزة، نقيب الأشراف بدمشق، والشيخ محمد العيثاوي، والشيخ حسين بن اسكندر الرّومي نزيل مدرسة الكلاّسة بدمشق وشارح "التنوير" وغيره، والشيخ كمال الدين العرضي الحلبي الأصل الدمشقي، والشيخ محمد بن بركات الكوافي الحمصي ثم الدمشقي، وغيرهم.‏     
وأجاز له من مصر الشيخ علي الشبراملِّسي، وأخذ طريق القادرية عن الشيخ السيد عبد الرزاق الحموي الكيلاني، وأخذ طريق النقشبندية عن الشيخ سعيد البلخي، وابتدأ في قراءة الدروس وإلقائها والتصنيف لمّا بلغ عشرين عاماً، وأدمن المطالعة في كتب الشيخ محيي الدين بن العربي قَدَّسَ الله سِرَّهُ وكُتبِ السادة الصوفية، كابن سبعين، والعفيف التّلمساني، فعادت عليه بركة أنفاسهم، فأتاه الفتح اللّدني، فنظم "بديعية" في مدح النبي ( فاستبعد بعض المنكرين أن تكون من نظمه، فاقتَرح عليه أن يشرحها، فشرحها في مدة شهر شرحاً لطيفاً في مجلد، ثم نظم "بديعية" أُخرى والتزم فيها تسمية النوع. وشرع في إلقاء الدروس بالجامع الأموي، فأقرأ بكرة النهار في عدة فنون وبعد العصر في "الجامع الصغير"(20) ثم "الأربعين النووية" ثم "الأذكار النّووية" وغيرها، وبايع في آخر عمره سنة وفاته جميع العباد بالملأ العام بين الأنام، وصدر لـه في أول أمره أحوال غريبة وأطوار عجيبة، واستقام في داره الكائنة بقرب الجامع الأموي في سوق العنبرانيين مدة سبع سنوات لم يخرج منها، وأسدل شعره ولم يقلِّم أظفاره، وبقي في حالة عجيبة، وصارت تعتريه السوداء(21) في أوقاته، وصارت الحسَّاد تتكلم فيه بكلام لا يليق به، من أنه يترك الصلوات الخمس، وأنه يهجو الناس بِشعرهِ، وهو رضي الله (عنه) بريء من ذلك وقامت عليه أهالي دمشق وصدر منهم في حقّه الأفعال غير المرضية؛ حتى إنه هجاهم وتكلم بما فعلوه معه، ولم يزل (على ذلك) حتى أظهره الله للوجود، وأشرقت به الأيام، ورفل في حلل الإقبال والسعود، وبادرت الناس للتملي باجتلاء بركاته والترجي لصالح دعواته، ووردت عليه أفواج الواردين، وصار كهف الحاضرين والوافدين، واستجيز من سائر الأقطار والبلاد، وعمّت نفحاته وعلومه الأنام والعباد، وارتحل أولاً إلى دار الخلافة(22) في سنة خمسٍ وسبعين وألف، فأقام بها قليلاً. وفي سنة مائة بعد الألف ذهب إلى زيارة البِقاع وجبل لبنان. ثم في سنة إحدى ومائة بعد الألف ذهب إلى زيارة القدس والخليل.‏     
ثم في سنة خمس ومائة ذهب إلى مصر، ومن ثمّة إلى الحجاز، وهي رحلته الكبرى، ولكل من هذه الزيارات رحلة سيجيء ذكرها.‏     
وفي سنة اثنتي عشرة ومائة وألف ذهب إلى طرابلس الشام نحو أربعين يوماً، وصنّف فيها رحلة صغيرة ولم تشتهر، وانتقل من دمشق من دار أسلافه إلى صالحيتها في ابتداء سنة تسع عشرة ومائة وألف إلى دراهم المعروفة بهم الآن إلى أن مات بها.‏     
وكان يدرّس "البيضاوي" في صالحية دمشق بالسليمية جوار الشيخ الأكبر قُدِّسَ سرُّهما، وابتدأ بالدرس من سنة خمس عشرة ومائة وألف. وتآليفه ومصنفاته كثيرة، وكلها حسنة متداولة مفيدة ونظمه لا يُحصى لكثرته.‏     
ومن تصانيفه: "التحرير الحاوي بشرح تفسير البيضاوي" وصل فيه من أول سورة البقرة إلى قوله تعالى: ?من كان عدوا لله?(23) في ثلاث مجلدات، وشرع في الرابع، ومنها "بواطن القرآن وموطن العِرفان" كله منظوم على قافية التاء المثناة، وصل فيه إلى سورة براءة، فبلغ نحو الخمسة آلاف بيت، ومنها "كنز الحقّ المبين في أحاديث سيد المرسلين"، "والحديقة النّدية شرح الطّريقة المحمدية" للبركلي الرومي(24)، و"ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث"(25)، و"جواهر النصوص في حلِّ كلمات الفصوص" للشيخ محيي الدين بن العربي قدس سره، و"كشف السرّ الغامض شرح ديوان ابن الفارض"، و"زهر الحديقة في ترجمة رجال الطريقة"، و"خمرة الحان ورنّة الألحان شرح رسالة الشيخ أرسلان"، و"تحريك الإقليد في فتح باب التوحيد"، و"لمعان البرق النجدي شرح تجليات محمود أفندي"، الرومي المدفون بإسكدار"، و"المعارف الغيبية شرح العينية الجيلية"، و"إطلاق القيود شرح مرآة الوجود"، و"الظل الممدود في معنى وحدة الوجود"، و"رائحة الجنة شرح إضاءة الدجنّة"، و"فتح المعين المبدي شرح منظومة سعدي أفندي"، "ودفع الاختلاف من كلام القاضي والكشّاف", و"إيضاح المقصود من معنى وحدة الوجود"، و"كتاب الوجود الحق والخطاب الصدق"، و"نهاية السول في حلية الرسول ("، و"مفتاح المعية شرح الرسالة النقشبندية", و"بقية الله خير بعد الفناء في السير"، و"المجالس الشامية في مواعظ أهل البلاد الرومية"، و"توفيق الرُّتبة في تحقيق الخطبة"، و"طلوع الصباح على خطبة المصباح"، و"الجواب التام عن حقيقة الكلام"، و"تحقيق الانتصار في اتفاق الأشعري والماتريدي على الاختبار"، و"كتاب الجواب على الأسئلة المائة والإحدى والستين"، و"برهان الثبوت في تربة هاروت وماروت"، و"لمعان الأنوار في المقطوع لهم بالجنة والمقطوع لهم بالنار"، و"تحقيق الذوق والرشف في معنى المخالفة بين أهل الكشف"، و"روض الأنام في بيان الإجازة في المنام"، و"صفوة الأصفياء في بيان الفضيلة بين الأنبياء"، و"الكوكب الساري في حقيقة الجزء الاختياري"، و"أنوار السلوك في أسرار الملوك"، و"رفع الرّيب عن حضرة الغيب"، و"تحريك سلسلة الوِداد في مسألة خلق أفعال العباد"، و"زبد الفائدة في الجواب عن الأبيات الواردة، و"النظر المشرفي في معنى قول الشيخ عمر ابن الفارض عرفتَ أم لم تعرف"، و"والسر المختبي في ضريح ابن العربي رضي الله عنه"، و"المقام الأسمى في امتزاج الأسماء وقطرة السماء ونظرة العلماء"، و"الفتوحات المدنية في الحضرات المحمدية", و"الفتح المكِّي واللمح الملكي"، و"الجواب المعتمد عن سؤالات أهل صفد"، و"لمعة النُّور المضية شرح الأبيات السبعة الزائدة من الخمرية الفارضية"، و"الحامل في الملك والمحمول في الفلك في أخلاق النبوة والرسالة والخلافة في الملك"، و"النفحات المنتشرة في الجواب عن الأسئلة العشرة" عن أقسام البدعة. و"القول الأبين في شرح عقيدة أبي مدين" وهو المسمى بابن عراق. و"كشف النور عن أصحاب القبور" وفيه كرامات الأولياء بعد الموت، و"بذل الإحسان في تحقيق معنى الإنسان"، و"القول العاصم في قراءة حفص عن عاصم" نظماً على قافية القاف وشرح هذا النظم. [و] "صرف العَنَان إلى قراءة حفص بن سليمان"، و"الجواب المنثور والمنظوم عن سؤال المفهوم", و"كتاب علم الملاحة في علم الفِلاحَة"، و"تعطير الأنام في تعبير المنام"(26)، و"القول السَّديد في جواز خلف الوعيد والرد على الرجل العنيد"، و"رد التّعنيف على المعنف وإثبات جهل هذا المصنّف"، و"هدية الفقير وتحية الوزير، و"القلائد الفرائد في موائد الفوائد" في فقه الحنفية على ترتيب أبواب الفقه. و"كتاب ريع الإفادات في ربع العبادات"، و"كتاب المطالب الوفيه شرح الفرائد السَّنيّه" (منظومة الشيخ أحمد الصّفدي) و"ديوان الإلهيات" الذي سماه "ديوان الحقائق وميدان الرّقائق"، و"ديوان المدائح النبوية" المسمى بـ "نفحة القبول في مدحة الرسول" (وهو مرتب على الحروف)، و"ديوان المدائح المطلقة والمراسلات والألغاز وغير ذلك"، و"ديوان الغزليات" المسمى "خمرة بابل وغناء البلابل"، و"غيث القبول همى في معنى جعلا له شركاء فيما آتاهما"، و"رفع الكساء عن عبارة البيضاوي في سورة النساء"، و"جمع الأشكال ومنع الإشكال" عن عبارة "تفسير البغوي"، والجواب عن عبارة في "الأربعين النووية" في قوله رويناه. و"رفع الستور عن متعلق الجار والمجرور في عبارة خسرو"، و"الشمس على جناح طائر في مقام الواقف السائر"، و"العقد النظيم في القدر العظيم" في شرح بيت من بردة المديح. و"عذر الأئمة في نصح الأئمة"، و"جمع الأسرار في منع الأشرار عن الظن في الصوفية الأخيار", و"جواب سؤال ورد من طرف بطرك النصارى في التوحيد"، (قال المصحح(27)): البطرك على وزن قمطر وبرمك وبطريق وزان زنديق بمعنى انتهى و"فتح الكبير بفتح راء التكبير"، و"رسالة في سؤالٍ عن حديث نبوي"، و"تحقيق النظر في وقف معلوم", و"جواب سؤال في شرط واقف من المدينة المنورة", و"كشف السِّتر عن فريضة الوتر"، و"ونخبة المسألة شرح التحفة المرسلة" في التوحيد، و"بسط الذراعين بالوصيد في بيان الحقيقة والمجاز في التوحيد"، و"رفع الاشتباه عن علمية اسم الله"، و" حقّ اليقين وهداية المتقين"، و"رسالة في تعبير رؤيا سئل عنها" و"إرشاد المتملي في تبليغ غير المصلِّي" و"كفاية المستفيد في علم التجويد" و"رسالة في حلّ نكاح المعتقة على الشريعة" و"صدح الحمامة في شروط الإمامة" و"تحفة الناس في بيان المناسك" و"بغية المكتفي في جواز الخفّ الحنفي" و"الردّ الوفي على جواب الحصكفي في رسالة الخفّ الحنفي" و"حلية الذهب الإبريز في رحلة بعلبك والبقاع العزيز" و"رنَّة النّسيم وغنة الرَّخيم" و"فتح الانفلاق في مسألة على الطلاق" و"الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية" و"رد المتين على المنتقص العارف محيي الدين" و"الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز"(28) و"وسائل التحقيق في رسائل التدقيق" مكاتبات علمية. و"إيضاح الدلالات في سماع الآلات" و"تخيير العباد في سكن البلاد" و"رفع الضرورة عن حجّ الصيرورة" و"رسالة في الحثّ على الجهاد واشتباك الأسنة في الجواب عن الفرض والسُّنَّة" و"الابتهاج في مناسك الحاج" و"أجوبة الأنسية عن الأسئلة القدسية" و"تطييب النّفوس في حكم المقادم(29) والرؤوس" و"الغيث المنبجس في حكم المصبوغ بالنجس" و"إشراق المعالم في أحكام المظالم" و"ورسالة في احترام الخبز" و"اتحاف من بادر إلى حكم النوشادر" و"الكشف والتبيان عما يتعلق بالنّسيان" و"النّعم السوابغ في إحرام المدني(30) من رابغ" و"سرعة الانتباه لمسألة الاشتباه" في فقه الحنفية, و"رسالة في جواب سؤال من بيت المقدس" و"تحفة الراكع الساجد في جواز الاعتكاف في فناء المساجد" و"جواب سؤال ورد من مكة المشرّفة عن الاقتداء من جوف الكعبة" و"خلاصة التحقيق في حكم التقليد والتلفيق" و"إبانة النصّ في مسألة القصّ" أي قصّ اللحية، و"الأجوبة البتة عن الأسئلة الستة" و"رفع العناد عن حكم التفويض والإسناد" في نظم الوقف، و"تشحيذ الأذهان في تطهير الأذهان" و"تحقيق القضية في الفرق بين الرّشوة والهدية" و"تفوه الصور شرح عقود الدُّرر فيما يفتى به على قول زُفر" و"الكشف عن الأغلاط التسعة من بيت الساعة" من القاموس، و"رسالة في حكم التسعير من الحُكّام" و"تقريب الكلام على الأفهام" في معنى وحدة الوجود، و"النّسيم الرّبيعي في التجاذب البديعي" و"تنبيه من يلهو عن صحة الذكر بالاسم هو" و"الكواكب المشرقة في حكم استعمال المنطقة من الفضة" و"نتيجة العلوم ونصيحة علوم الرسول في شرح مقالات السّرهندي المعلوم" و"رسالة في معنى البيتين: رأت قر السماء فاذكرتني، إلى آخره" و"تكميل النعوت في لزوم البيوت" و"سؤال ورد في بيت المقدس ومعه جواب منه" و"الجواب الشريف للحضرة الشريفة أن مذهب أبي يوسف محمد هو مذهب أبي حنيفة" و"تنبيه الأفهام على عدة الحُكّام شرح منظومة القاضي محب الدين الحموي" و"أنوار الشموس في خطب الدروس" و"مجموع خطب التفسير" وصل فيه إلى ستمائة خطبة واثنين وثلاثين و"الأجوبة المنظومة عن الأسئلة المعلومة" من جهة بيت المقدس، و"التحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية" و"العبير في التعبير" نظماً من بحر الرجز. و"تحصيل الأجر في حكم أذان الفجر" و"قلائد المرجان في عقائد الإيمان" و"الأنوار الإلهية شرح المقدمة السنوسية" و"غاية الوجازة في تكرار الصلاة على الجنازة" و"شرح أوراد الشيخ عبد القادر الكيلاني" و"كفاية العلام في أركان الإسلام" منظومة مائة وخمسون بيتاً، و"رشحات الإقدام شرح كفاية العلام" و"الفتح الرَّبَّاني والفيض الرحماني" و"بذل الصِّلاة في بيان الصلاة" على مذهب الحنفية، و"نور الأفئدة شرح المرشدة" و"إسباغ المنَّة في أنهار الجنّة" و"نهاية المراد شرح هدية ابن العماد" في فقه الحنفية، و"إزالة الخفا عن حلية المصطفى (" و"نزهة الواجد في الصلاة على الجنائز في المساجد" و"صرف الأعنّة إلى عقائد أهل السنّة" و"سلوى النَّديم وتذكرة العديم" و"النّوافج الفائحة وروائح الرؤيا الصالحة" و"الجوهر الكلي شرح عمدة المصلي" وهي المقدمة الكيدانية, "وحلية العارمي في صفات الباري" و"الكوكب الوقّاد في حسن الاعتقاد" و"كوكب الصبح في إزالة ليل القبح" و"العقود اللؤلؤية في طريق المولوية" و"الصراط السوي شرح ديباجات المثنوي" و"بداية المريد ونهاية السعيد" و"نسمات الأسحار في مدح النبي المختار" و"هي البديعية" وشرحها "نفحات الأزهار على نسمات الأسحار" و"القول المعتبر في بيان النظر" ورسالة في العقائد، و"حلاوة الآلأ في التعبير إجمالاً" و"المقاصد الممحصة في بيان كي الحمصة" و"زيادة البسطة في بيان العلم نقطة" و"اللؤلؤ المكنون في حكم الإخبار عما سيكون" و"ردّ الجاهل إلى الصواب في جواز إضافة التأثير إلى الأسباب" و"القول المختار في الردّ على الجاهل المحتار" و"دفع الإيهام" (جواب سؤال) و"الكوكب المتلالي شرح قصيدة الغزالي" و"رد المفتري عن الطعن في الشّشتري" و"التنبيه من النوم في حكم مواجيد القوم" و"إتحاف الساري في زيادة الشيخ مدرك الفَزَاري" و"ديوان الخطب" المسمى بـ "يوانع الرطب في بدائع الخطب" و"الحوض المورود في زيادة الشيخ يوسف والشيخ محمود" و"مخرج الملتقي ومنهج المرتقي" و"منظومة في ملوك بني عثمان" و"ثواب المدرك لزيارة الست زينت أو الشيخ مدرك" و"وعيون الأمثال العديمة المثال" و"غاية المطلوب في محبة المحبوب" و"مناغاة القديم ومناجاة الحكيم" و"الطلعة البدرية شرح القصيدة المضرية" و"الكتابة العلية على الرسالة الجنبلاطية" و"ركوب التقييد بالإذعان في وجوب التقليد في الإيمان" و"ردّ الحجج الداحضة على عُصبة الغي الرافضة" و"شرح نظم قبضة النور" المسمى "نفخة الصور ونفجة الزهور" و"مفتاح الفتوح في مشكاة الجسم وزجاجة النفس ومصباح الروح" و"صفوة الضمير في نصرة الوزير" و"شرح نظم السنوسية المسمى بـ "اللطائف الأنسية على نظم العقيدة السنوسية" و"تحقيق معنى المعبود في صورة كل معبود" و"رسالة في قوله عليه السلام: [من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشراً] و"أنس الحافر في معنى من قال أنا مؤمن فهو كافر" و"تحرير عين الأثبات في تقرير عين الإثبات" و"تشريف التغريب في تنزيه القرآن عن التعريب" و"والجواب العلي عن حال الولي" و"فتح العين عن الفرق بين التسميتين" يعني تسمية المسلمين، وتسمية النصارى، و"الروض المعطار بروائق الأشعار" و"الصلح بين الإخوان في حكم إباحة الدّخان". وله رضي الله عنه غير ذلك من التصانيف والتحريرات والكتابات والنظم، وكان عالماً مالكاً أزمّة البراعة واليراعة، فقيهاً، متبحراً، يدري الفقه ويقرره، والتفسير ويحرّره، غوّاصاً على المسائل، خبيراً بكيفية الاستدلال والدلائل، ذا طبع منقاد وبديهة مطواعة كما قيل:‏     
إذا أَخذ القِرْطَاسَ خِلْتَ يمينه * * * تفتح نوراً أو تنظم جوهرا‏     
مصون اللسانَ عن اللغو والشتم، لا يخوض فيما لا يعنيه، ولا يحقد على أحد، يحب الصالحين والفقراء وطلبة العلم ويكرمهم ويجلّهم، ويبذل جاهه بالشفاعات الحسنة لولاة الأمور فتقبل ولا تردّ معرضاً عن النظر إلى الشهوات، لا لذة له إلا في نشر العلم وكتابته، رحيب الصدر، كثير السخاء.‏     
وله كرامات لا تُحصى، وكان لا يحب أن تظهر عليه، ولا أن تحكى عنه، هذا مع إقبال الناس عليه، ومحبتهم له، واعتقادهم فيه، ورأى في آخر عمره من العزِّ والجاه ورفعة القدر ما لا يُوصف، ومتّعه الله بقوته وعقله، فكان يصلي النافلة من قيام ويصلي التراويح في داره إماماً بالناس إلى أن مات، ويقرأ الخط الدقيق، ويكتب في تصانيفه كـ "شرح البيضاوي" وغيره بعد أن جاوز التسعين، وكنت عزمت على أن أُشنف الأسماع بشيء من شعره ونثره، ثم رأيت أن الله سبحانه وتعالى قد نشرهما في البلاد، فشعره ينشد في المحافل ويحفظه الناس، وسار مسير الشمس في كل بلدة، وتطرزت به المجاميع من الآداب، فاقتصرت من بحر ترجمته على هذه القطرة، ومن كنز مآثره ومناقبه على هذه الشذرة، وقد أخذ عنه الوالد وأجازه حين ختم عليه الجد "الفتوحات المكية" ودعا له وشملته بركاته، وأما إحصاء فضائله فلا تطاق بترجمة، وتصير منها بطون الأوراق مفعمة.‏     
وبالجملة فهو الأستاذ الأعظم، والملاذ الأعصم، والعارف الكامل، والعالم الكبير العالم القطب الربّاني، والغوث الصمداني، من أظهره الله فأشرقت به شموس الإرشاد والعلوم، وأظهر خفيات ما رقّ عن الأفهام، وصيّر المجهول معلوما وقد حازتا زيخى هذا كمال الفخر حيث احتوى على مثل هذه الأيام الذي أنجبه الدهر وجاد به العصر، وهو أعظم من ترجمته علماً وولايةً، وزهداً وشهرةً ودرايةً، مرض ـ رضي الله عنه ـ في السادس عشر من شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف، وانتقل بالوفاة عصر يوم الأحد الرابع والعشرين من الشهر المذكور، وجُهِّز يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر وصُلِّي عليه في داره، ودفن بالقبة التي أنشأها في أواخر سنة ست وعشرين ومائة وألف، وغلقت البلد يوم موته وانتشرت الناس في جبل الصالحية لكون البيت امتلأ وغصّ بالخلق، وبنى حفيده الشيخ مصطفى النابلسي إلى جانب ضريحه، جامعاً حسناً بخطبة، والآن يتبرك به ويزار، سيّما في صبيحة يوم السبت، رضي الله عنه. وقد صنف ابن سبطه صاحبنا العالم كمال الدين محمد الغَزِّي العامري في ترجمته كتاباً مستقلاً سماه "الورد القدسي والوارد الأنسي في ترجمة العارف عبد الغني النابلسي" فمن أراد الزيادة على ما ذكرناه فعليه به فإنه جامع للعجب العجاب من ترجمته قدس الله سرّه.‏     
(3)‏     
وأما كتاب "تعطير الأنام في تعبير المنام" فهو كتاب طريف افتتحه مؤلِّفه بخطبة موجزة تلتها مقدمة مختصرة، ورتّب موضوعات الكتاب، التي نقل معظمها عن المتقدمين، على حروف المعجم، وعزَّز ذلك بالاستشهاد بالآيات الكريمة.‏     
وقد بدأ كلامه في حرف الألف فيما يقال في رؤية الله جلَّ جلاله في المنام، ثم عرَّج في الكلام على رؤية الأنبياء عليهم السلام في المنام، وأعقب ذلك بالكلام على رؤية أصحاب النبي ( وأزواجه، ثم تحدث عن رؤية أمور أخرى كثيرة مما يندرج تحت هذا الحرف من حروف الهجاء.‏     
وبدأ الكلام في حرف الباء بتفسير رؤية ?بسم الله الرحمن الرحيم? في المنام وما يقال فيها، ثم انتقل للكلام على سورة الإخلاص وما يتعلق برؤيتها في المنام، وعرَّج على الكلام عن رؤية بيت المقدس، وغير ذلك من الموضوعات المختلفة المتعلقة بحرف الباء مما له علاقة بشؤون حياة الإنسان وما يتصل بها.‏     
وبدأ الكلام في حرف التاء بتفسير رؤية التوراة في المنام، ثم عرَّج على رؤية الإنسان نفسه تائباً في المنام، وأعقب ذلك في الكلام على رؤية أمر التوكل على الله، ثم رؤية التابعين ثم رؤية التعزية والتوديع والتعليم، وغير ذلك مما له صلة بشؤون الإنسان في حياته من هذا الحرف.‏     
وبدأ الكلام في حرف الثاء بتفسير رؤية كوكب الثُّريا، وأعقب ذلك بتفسير رؤية الثلج وغير ذلك مما له صلة بشؤون الإنسان وحياته.‏     
وبدأ كلامه في حرف الجيم بتفسير رؤية جبريل عليه السلام في المنام، وأعقب ذلك بالكلام على رؤية الجنَّة ورؤية جهنم، ورؤية الجهاد في سبيل الله، وعلى الجزية والجند، وعلى رؤية الجنِّ والجمعة والجنازة والجبَّانة والجبل وبعض الأنهار وعلى رؤية الجليد والجلد والجبهة والجفن وغير ذلك مما له صلة بشؤون الإنسان مما له صلة بهذا الحرف.‏     
وبدأ الكلام في حرف الحاء بتفسير رؤية حملة العرش من الملائكة المكرمين في المنام، ورؤية الحفظة من الملائكة، ورؤية حواء عليها السلام وغيرها من النساء اللواتي كان لهنَّ شأن في قديم الزمان، وتفسير رؤية حبل المرأة، ثم رؤية حمل الإنسان، والحجَّ، والحجر الأسود، وحِجر إسماعيل عليه السلام، وحجر المنجنيق، وحصى الجمرات، وغير ذلك مما له صلة من الأشياء بهذا الحرف.‏     
وبدأ الكلام في حرف الخاء بتفسير رؤية الخضر عليه السلام(31) في المنام، ثم رؤية خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، ورؤية خُمس الغنيمة، ورؤية الخيل، ورؤية الخشخاش، وغير ذلك من الأمور الأخرى.‏     
وبدأ الكلام في حرف الدال بتفسير رؤية داود عليه السلام في المنام، ثم رؤية دانيال عليه السلام، ورؤية الدنيا، ورؤية الدينار، ورؤية الدرهم، ورؤية الدار، ورؤية درج الكُتَّاب، ورؤية الدعوة إلى الطعام، ورؤية دابة الأرض، ورؤية الدَّجال ورؤية دارة الشمس والقمر، ورؤية الدولاب، ورؤية الدرياق، ورؤية دفن الميت، ورؤية الدم، ورؤية الدَّمع، ورؤية الدِّك، ورؤية الدِّهَان، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الذال بتفسير رؤية ذي الكفل عليه السلام في المنام، ثم رؤية ذي القرنين عليه السلام، ورؤية الذئب، ورؤية الذهب، ورؤية الذؤابة، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الراء بتفسير رضوان خازن الجنان عليه السلام، ثم رؤية الرُّقية، ورؤية الراعي، ورؤية الرِّباط في سبيل الله، ورؤية الركوة، ورؤية الرِّكاب، ورؤية رحل الدابة، ورؤية رقعة الشطرنج، ورؤية رخ الشطرنج، ورؤية رأس الجالوت، ورؤية الرَّصاص، ورؤية الرّخام، ورؤية الرَّيحان، ورؤية الرُّطب، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الزَّاي بتفسير رؤية زبور داود عليه السلام، ثم رؤية زكريا عليه السلام، ورؤية زيارة النبي (، ورؤية زيارة بئر زمزم، ورؤية كوكب زُحَلْ ورؤية الزيتون، ورؤية الزيت، ورؤية الزَّنبيل، ورؤية الزقاق، ورؤية الزواج، ورؤية الزرزور، ورؤية الزرافة، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف السين بتفسير رؤية سور القرآن تقرأ على الأموات وتفصيل الكلام عليها سورة سورة، وتفسير رؤية سليمان عليه السلام، ثم رؤية سدرة المنتهى، ورؤية السلطان، ورؤية السَّائل، ورؤية السلسلة، ورؤية سُلّم الصعود، ورؤية السِّواك، ورؤية سجود الصلاة، ورؤية سجود التِّلاوة، ورؤية السعي بين الصفا والمروة، رؤية سبي المشركين في الحرب، ورؤية ساعة الزمان، ورؤية السَّفينة، ورؤية السِّنَّور، ورؤية السكر، ورؤية السرادق، ورؤية السكين، ورؤية السِّراج، ورؤية السجن، ورؤية السطح، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الشين بتفسير رؤية شيث عليه السلام، ثم رؤية شعيب عليه السلام، ورؤية الشمس، ورؤية الشَّعر، ورؤية الشاعر، ورؤية الشاب، ورؤية الشابة، ورؤية الشَّفة، ورؤية الشفاعة، ورؤية شاهد العدل، ورؤية الشيطان، ورؤية الشرطي، ورؤية الشواء، ورؤية الشراب، ورؤية الشطرنج، ورؤية الشوك، ورؤية الشجرة، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الصاد بتفسير رؤية الصحف، ورؤية الصحيفة، ثم رؤية الصحفة، ورؤية الصالحين, ورؤية الصحابة الكرام، ورؤية الصراط، ورؤية الصلاة، ورؤية الصوم، ورؤية الصدقة، ورؤية الصوت، ورؤية صياح الإنسان، ورؤية صعود السماء، ورؤية الصيَّاد، ورؤية الصولجان، ورؤية الصندوق، ورؤية الصومعة، ورؤية الصابون، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الضاد بتفسير رؤية الضوء، ورؤية الضباب، ثم رؤية ضَرَّاب الدراهم والدنانير، ورؤية الضَّبع، ورؤية الضفدع، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الطاء بتفسير رؤية الطواف حول الكعبة المشرَّفة، ثم رؤية الطِعان، ورؤية حصول الطلاق، ورؤية الطعام، ورؤية الطَّير، ورؤية الطاووس، ورؤية الطبيب، ورؤية الطحّان، ورؤية الطّنبور، ورؤية الطّيلسان، ورؤية الطِّيب، ورؤية الطريق، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الظاء بتفسير رؤية ظهور الأمر المكتوم، ثم رؤية ظهر الإنسان، ورؤية الظلمة، ورؤية الظنّ، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف العين بتفسير رؤية عرش الله الأعظم، ثم رؤية ملك الموت عزرائيل، ورؤية عيسى عليه السلام, ورؤية عُزير عليه السلام، ورؤية عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، ورؤية عثمان بن عفان رضي الله عنه، ورؤية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورؤية عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ورؤية عالم من علماء المتقدمين أو المتأخرين، ورؤية كوكب عُطارد، ورؤية العروس، ورؤية العجوز، ورؤية العَلم، ورؤية علو الشأن، ورؤية عظم الحيوان، ورؤية عين الإنسان، ورؤية عين الماء، ورؤية العُجب، ورؤية عقوق الوالدين، ورؤية العقيقة، ورؤية عُمرة الحجّ، ورؤية عرفة، ورؤية عيد الأضحى، ورؤية يوم عاشوراء، ورؤية عريف القوم، ورؤية العطّار، ورؤية عجّان الدقيق، ورؤية العجين، ورؤية العنَّاب, ورؤية العجل، ورؤية العنكبوت، ورؤية العقرب، ورؤية العصفور، ورؤية العمود، ورؤية العشق، ورؤية العمامة، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الغين بتفسير رؤية غفران الذنب، ثم رؤية غضّ البصر، ورؤية الغُسل، ورؤية الغمام، ورؤية الغزو، ورؤية غيبة الأرض، ورؤية الغشاوة، ورؤية غطيط النائم، ورؤية الغائط، ورؤية الغرق، ورؤية الغزال، ورؤية الغُلام، ورؤية الغوَّاص، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الفاء بتفسير رؤية فاطمة بنت رسول الله (، ثم رؤية فعل الخير، ورؤية الفَزع، ورؤية الفجور، ورؤية الفُلك، ورؤية الفصد، ورؤية الأقفال والأماكن المغلقة، ورؤية فرعون لعنه ا لله، ورؤية الفِراسة، ورؤية الفصاحة، ورؤية الفالوذج، ورؤية الفاكهة، ورؤية الفلفل، ورؤية الفحَّام، ورؤية الفأرة، ورؤية الفأس، ورؤية الفسطاط، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف القاف بتفسير رؤية القرآن الكريم، ثم رؤية قارئ القرآن، ورؤية قابيل، ورؤية قبض الروح، ورؤية القبر، ورؤية القنطرة، ورؤية القُبَّة، ورؤية القلعة، ورؤية القرية، ورؤية القارورة، ورؤية القصعة، ورؤية القمقم، ورؤية القُفل، ورؤية القبَّان، ورؤية القفص، ورؤية القمح، ورؤية القبقاب، ورؤية القمر، ورؤية القِلادة، ورؤية القُرط، ورؤية القميص، ورؤية القلنسوة، ورؤية القصَّاب، ورؤية قُصَّاص الأخبار والسِّير، ورؤية قُصَّاص الأثر، ورؤية القاضي، ورؤية قيّم الحمّام، ورؤية قائد الجيش، ورؤية القولنج، ورؤية القِبلة، ورؤية القربان، ورؤية القرطاس، ورؤية قرص الخبرز، ورؤية القيء، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الكاف بتفسير رؤية الكوثر، ثم الكعبة المشرَّفة، ورؤية الكذب, ورؤية الكتاب، ورؤية الكاتب، ورؤية الكتبي، ورؤية الكحّال، ورؤية الكحل، ورؤية الكيَّال، ورؤية الكيل، ورؤية كير الحداد، ورؤية كانون الحديد، ورؤية الكرسي، ورؤية الكسوة، ورؤية كظم الغيظ، ورؤية الكفن، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف اللام بتفسير رؤية لوط عليه السلام، ثم رؤية اللوح المحفوظ، ورؤية اللواء، ورؤية اللجام، ورؤية الليمون، ورؤية اللوز، ورؤية اللقاح، ورؤية اللَّبن، ورؤية لَبِن الطِّين, ورؤية اللِّسان، ورؤية اللطم، ورؤية اللَّعق, ورؤية اللحس، ورؤية الليل, وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الميم بتفسير رؤية نبينا محمد ( في المنام وبعض ما جاء في رؤيته ( من النصوص، ثم رؤية موسى عليه السلام، ورؤية المصحف الشريف، ورؤية ميكائيل عليه السلام، ورؤية مالك خازن النار عليه السلام، ورؤية ملك من الملائكة، ورؤية كوكب المريخ، ورؤية كوكب المشتري، ورؤية منازل الكواكب، ورؤية المطر، ورؤية موج الماء، ورؤية ميزاب الرحمة، ورؤية مقام إبراهيم عليه السلام، ورؤية المشعر الحرام، ورؤية المزدلفة، ورؤية مِنى شرَّفها الله، ورؤية موسم الحج، ورؤية المسجد، ورؤية المحراب، ورؤية المنارة، ورؤية منارة السِّراج، ورؤية المنبر، ورؤية المدرسة، ورؤية مصلى العيد والموات، ورؤية المشهد، ورؤية المكتب، ورؤية المارستان، ورؤية ميدان الفرسان، ورؤية مكّة المكرمة، ورؤية المدينة النبوية الشريفة، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف النون بتفسير رؤية نوح عليه السلام، ثم رؤية نبيٍّ من الأنبياء، ورؤية نبت الحشيش على البطن، ورؤية النواح، ورؤية النوروز، ورؤية نبيذ التمر والزبيب، ورؤية النساء، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الهاء بتفسير رؤية هود عليه السلام، ثم رؤية هارون عليه السلام، ورؤية هابيل بن آدم عليه السلام، ورؤية الهلال، ورؤية الهواء، ورؤية الهودج، ورؤية الهدهد، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الواو بتفسير رؤية الوحي، ثم رؤية وجهة المصلي في الصلاة، ورؤية الوقوف بعرفات، ورؤية الوليمة، ورؤية الوسادة، ورؤية الوطواط، ورؤية الوحش، ورؤية الشجر، وغير ذلك من الأمور.‏     
وبدأ الكلام في حرف الياء بتفسير رؤية يعقوب عليه السلام، ثم رؤية يوسف عليه السلام، ورؤية يونس عليه السلام، ورؤية يحيى عليه السلام، ورؤية الياقوت، ورؤية الياسمين، وغير ذلك من الأمور.‏     
ولابد من الإشارة إلى أن الكتاب ضم باباً خاصاً بأمور النِّكاح وما يتصل به. في ثناياه الكثير من الفحش والألفاظ التعبيرات والأوصاف مما يستهجن صدورها عن عالم من العلماء الكبار، ولكن ذلك لم يكن مستهجناً في زمن المؤلف ومن سبقه من العلماء الأعلام، فقد سبقه إلى الكلام في مثل ما تكلم به علماء وأدباء كبار، كالجاحظ في "رسائله" والراغب الأصفهاني في "محاضرات الأدباء"(32) وابن عبد ربِّه في "العقد الفريد" والمبرّد في "الكامل في الأدب واللغة" وغيرهم من أعيان المؤلفين، غفر الله لنا ولهم ولسائل المسلمين بفضله ومنّه وكرمه.‏     
وقد ختم المؤلِّف الكتاب بخاتمة قال فيها: "والله أعلم بما هو الحقّ والصواب في كل سؤال وجواب" وبيّن أنه جمع كتابه من كتب جليلة في علم التعبير لأئمة من الأفاضل النحارير، من كتاب الأستاذ الكبير نصر بن يعقوب بن إبراهيم الدِّنوري، المعروف بالقادري(33) الذي صنّفه للملك(34) القادر بالله من بني العباس، تغمدهم الله برحمته وأسكنهم فسيح جنَّته.‏     
ومن كتاب الشيخ الإمام محمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم، المعروف بابن الدقَّاق المقرئ رحمه الله، والذي سماه "الحِكم والغايات في تعبير المنامات".‏     
ومن كتاب الشيخ أبي الحسين بن الحسن بن إبراهيم الخليلي الداري رحمه الله تعالى، الذي سماه "المنتخب".‏     
ومن كتاب الشيخ الإمام العالم العلامة جلال الدين عبد الله بن حازم بن سليمان المربي الشافعي رحمه الله تعالى، الذي سماه "الإشارة إلى علم العبارة"(35).‏     
ومن كتاب الشيخ الإمام العُمدة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، الذي سماه "البدر المنير في علم التعبير"(36).‏     
ومن كتاب الشيخ الإمام أبي طاهر برهان الدين إبراهيم بن يحيى بن غانم المقدسي الحنبلي رحمه الله، الذي سماه "المعلم على حروف المعجم"(37).‏     
ومن مختصره المذيّل عليه للشيخ الإمام العلامة محب الدين أبي حامد محمد المقدسي الشافعي رحمه الله، الذي سماه "المحكم في اختصاص المعلم".‏     
وقد استوفيت جميع ما ذكروه في كتبهم من وجوه التأويل، ولم أترك منها إلا الشيء القليل جداً المسمى باسم الغريب غير المعروف، فلهذا صار كتابي جامعاً لجميع ما في الكتب المذكورة مع اختصار اللفظ وسهولة المتناول منه، ولم أزد على ما نقلته من هذه الكتب شيئاً إلا بعض علاوات(38) وقعت لنا، وبعض تأويل نبهت عليه أنه من كلامنا في موضع أو موضعين، وباقي الكلام كله محرر من هذه الكتب المذكورة، فمن راجعها وجد هذه التأويلات كلها مسطورة هناك، حتى جميع ما ذكرناه في المقدمة ما عدا البحث في رؤيا نبينا محمد (، وكذلك جميع ما سنذكره في هذه الخاتمة من تلك الكتب أيضاً. قالوا: وإن تعبير الرؤيا بالغدوات بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس أحس لحضور فهم المعبّرين، وتذكّر الرائي لتلك الرؤيا من غير نسيان. وقول النبي (: [اللهم بارك لأُمّتي في بكورها] والعبارة للمنام(39) قياس، واعتبار، وتشبيه، وظن، لا يُقطع بها ولا يُحلف على غيبها إلا أن يظهر في اليقظة صدقها أو يُرى سرّها بها. والتأويل بالمعنى أو باشتقاق الأسماء. والعابر(40) لا ينبغي له أن يستعين على عبارته بزجر في اليقظة يزجره. ولا يقال عند ذلك بسمعه ولا بحساب من حساب المنجمين يحسبه. ويحتاج العابر(41) إلى اعتبار القرآن وأمثاله ومعانيه، والأحاديث كذلك. واعتبار الأشعار, والأمثال، واشتقاق اللغة، ومعانيها. ويحتاج المعبّر إلى صلاح حاله، وشأنه وطعامه وشرابه, وإخلاصه في أعماله، ليرث بذلك حسن التوسم في الناس عند التعبير لمناماتهم.‏     
والرؤيا الصادقة قسمان:‏     
قسم مفسَّرٌ ظاهر لا يحتاج إلى تعبير، ولا يفتقر إلى تفسير.‏     
وقسم مكنى مضمر تودع فيه الحكمة والأنباء في جواهر مرئياته.‏     
وأصدق الأوقات في الرؤيا وقت انعقاد الأزهار، ووقت ينع الثمار وإدراكها وأضعفها في الشتاء. ورؤيا النهار أقوى من رؤيا الليل. وقد تتغير الرؤيا باختلاف هيئات الناس وصنائعهم وأقدارهم وأديانهم(42)، فتكون لواحد رحمة وعلى آخر عذاب. وينبغي للمعبّر التثبت فيما يرد عليه وترك التعنيف، ولا يأنف أن يقول لما أشكل عليه: لا أعرفه.‏     
وقد كان محمد بن سيرين رحمه الله إمام الناس في هذا الفنِّ(43), وكان ما يمسك عنه أكثر مما يفسِّره، حتى كان إذا سئل عن الرؤيا ربما يعبّر من الأربعين واحدة، وقد تنصرف الرؤيا عن أصلها من الشرِّ بكلام الخير والبرّ، وعن أصلها من الخير بكلام الرَّفث والشرِّ، وإن كانت الرؤيا تدل على فاحشةٍ وقبيحٍ سترت ذلك وورَّيت عنه بأحسن ما تقدر من اللفظ، وأسررته إلى صاحبها. وأصدق الرؤيا ملك أو مملوك. وقد يكون الإنسان صدوقاً في حديثه فتصدِّقُ رؤيَتُهُ رؤيَتَهُ. وقد يكون كذَّاباً ويحب الكذب فَتَكْذِبُ عليه رؤيته، أو يكون كذاباً يكره الكذب من غيره فتصدق رؤيته. ولا يُعَجِّلُ المعبِّر بتفسير الرؤيا حتى يعرف وجهها ومخرجها ومقدارها ويسأل صاحبها عن نفسه وحاله وقومه وصناعته ومعيشته، ولا يدع شيئاً مما يستدل به على علم مسألته إلا فعله، فإن لم يصحّ ذلك له فليجتهد فيها برأيه".‏     
وأمر تعبير الرؤيا شغل الناس من قديم الزّمان وعمل به عدد كبير من أفاضل الخلق، وقد بلغ عدد المعبّرين عند الحسن بن الحسن الخلاّل في "طبقات المعبّرين"(44) سبعة الآلاف وخمس مئة مُعَبِّر، وجعلهم ـ كما يقول حاجي خليفة ـ خمسة عشر قسماً:‏     
الأول: من الأنبياء.‏     
والثاني: من الصحابة.‏     
والثالث: من التابعين.‏     
والرابع: من الفقهاء.‏     
والخامس: من المذكِّرين.‏     
والسادس: من المؤلِّفين(45).‏     
والطبقة الأولى من المعبِّرين ـ كما يقول مؤلِّف هذا الكتاب(46) ـ هم: بعض الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كإبراهيم عليه السلام, ويعقوب عليه السلام، ويوسف عليه السلام، ودانيال عليه السلام، ومحمد (.‏     
والطبقة الثاني من المعبِّرين: هم بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن سلاَّم، وأبي ذرٍّ الغفاري، وأنس بن مالك، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعائشة أم المؤمنين، وأُختها أسماء ذات النِّطاقين.‏     
والطبقة الثالثة من المعبّرين: هم بعض التابعين رحمهم الله تعالى، كسعيد بن المسيّب، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والشَّعبي، والزُّهري، وإبراهيم النّخعي، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومجاهد، وسعيد بن جُبير، وطاوس، وثابت البُناني.‏     
وتعبير المعبِّرين للرؤيا هو اجتهاد، واستنتاج وتكهن وفِراسة وتوقّع في معظم الأحوال، والله تعالى أعلم بحقيقة الرؤيا، لأن الرؤيا في المنام شأن له علاقة بالرُّوح وتجوالها في ملكوت الله تعالى أثناء النوم، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز مخاطباً نبينا محمداً ( بقوله: ?ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً?(47).‏     
***‏     
مصادر ومراجع البحث‏     
(أ)‏     
1 ـ تعطير الأنام في تعبير المنام، تأليف العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي، المكتبة الثقافية، بيروت، دون تاريخ.‏     
(ج)‏     
2 ـ جامع الأصول في أحاديث الرسول، لابن الأثير الجزري (قسم الحديث النبوي) تحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة الحلواني، مطبعة الملاّح، مكتبة دار البيان، دمشق 1389 هـ/ 1969م.‏     
(ح)‏     
3 ـ الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز، تأليف العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي، تحقيق رياض عبد الحميد مراد، دار المعرفة، دمشق 1419 هـ /1998 م.‏     
(س)‏     
4 ـ سلك الدر في أعيان القرن الثاني عشر، تأليف العلامة محمد خليل المرادي، مصورة مكتبة المثنى، بغداد، دون تاريخ.‏     
5 ـ سنن أبي داود، تحقيق عزة عبيد الدعّاس، عادل السيد، دار الحديث، حمص 1393 هـ / 1973م.‏     
(ص)‏     
6 ـ صحيح البخاري(48).‏     
7 ـ صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت دون تاريخ.‏     
(ع)‏     
8 ـ علماء دمشق وأعيانها في القرن الثاني عشر الهجري، تأليف د. محمد مطيع الحافظ، د. نزار أباظة، دار الفكر، دمشق 1421هـ/2000م.‏     
(ف)‏     
9 ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، دون تاريخ.‏     
(ك)‏     
10 ـ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة، دار الكتب العلمية بيروت 1413هـ/ 1993م.‏     
11 ـ كنز العمال من سنن الأقوال والأفعال، للمتقي الهندي، بعناية حسن رزوق، صفوة السقا، مكتبة التراث الإسلامي، حلب 1389هـ/ 1969م.‏     
(م)‏     
12 ـ محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، للراغب الأصفهاني، تحقيق: د. رياض عبد الحميد مراد، دار صادر، بيروت.‏     
13 ـ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، تأليف محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.‏     
14 ـ معجم المؤلفين، تأليف عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، بيروت 1414هـ/1993م.‏     
15 ـ المنجد في اللغة، لمجموعة من الباحثين، دار المشرق، بيروت.‏     
16 ـ المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، للعُليمي، تحقيق محمود الأرناؤوط، رياض عبد الحميد مراد، محيي الدين نجيب، إبراهيم صالح، حسن إسماعيل مَرْوَة، بإشراف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، دار صادر، بيروت 1417هـ/1997م.‏     
17 ـ الموطأ، للإمام مالك، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1406هـ/1985م.‏     
(ن)‏     
18 ـ النهاية في غريب الحديث والاثر، لابن الأثير الجزري، تحقيق طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي، دار الكتب العلمية ببيروت، دون تاريخ.‏     
(هـ)‏     
19 ـ هدية العارفين أسماء المصنِّفين، تأليف إسماعيل باشا البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت 1413هـ/1993م.‏     
(و)‏     
20 ـ الوافي بالوفيات، للصفدي (مخطوط)(49).‏     
(1) باحث من سورية، عضو جمعية البحوث والدراسات في اتحاد كتاب العرب، عضو الجمعية السورية لتاريخ العلوم.‏     
(2) سورة الصافات: الآيات (102 ـ 105).‏     
(3) قاله عُبيد بن عمير. انظر آخر الحديث رقم (138) عند البخاري.‏     
(4) رواه البخاري رقم (6982) في التعبير: باب أول ما بدئ به رسول الله ( من الوحي الرؤيا الصالحة، ومسلم رقم (160) في الإيمان: باب بدء الوحي برسول الله (، من حديث عائشة رضي الله عنها.‏     
(5) رواه البخاري رقم (6983) في التعبير: باب رؤيا الصالحين، ومسلم رقم (2264) في الرؤيا: في فاتحته، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.‏     
(6) رواه البخاري رقم (6990) في التعبير: باب المبشِّرات، ومالك في "الموطأ" (2/957) في الرؤيا: باب ما جاء في الرؤيا، وأبو داود رقم (5017) في الأدب: باب ما جاء في الرؤيا الصالحة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.‏     
(7) رواه البخاري رقم (7017) في التعبير: باب القيد في المنام، ومسلم رقم (2263) في الرُّؤيا: باب أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.‏     
(8) قال ابن الأثير في "جامع الأصول" (2/523): "المراد في الرؤيا أنها على قَدَرٍ جارٍ، وقضاءٍ ماض من خيرٍ أو شرٍّ، وهي لأول عابر يُحسن عبارتها".‏     
وقال الطيبي: شَبَّه الرؤيا بالطائر السريع طيرانه، وقد علق على رجله شيء يسقط بأدنى حركة، فينبغي أن يتوهم للمشبه حالات متعددة مناسبة لهذه الحالات، وهي أن الرؤيا مستقرة على ما يسوقه التقدير إليه من التعبير، فإذا كانت في حكم الواقع، قيض وألهم من يتكلم بتأويلها على ما قدر فيقع سريعاً، وإن لم يكن في حكمه لم يقدر لها من يعبّرها عن حاشية "جامع الأصول" (2/523).‏     
(9) وفي رواية: [وقعت].‏     
(10) رواه الترمذي رقم (2278) و(2279) في الرؤيا: باب ما جاء في تعبير الرؤيا، وأبو داود رقم (5020) في الأدب: باب ما جاء في الرؤيا. وقال والدي وأستاذي العلامة عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله في تعليقه على "جامع الأصول" (2/523): "حديث حسن".‏     
(11) النّفث بالفم: شبيه بالنَّفْخ، وهو أقل من التفل، لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الرِّيق. "النهاية في غريب الحديث" (5/88).‏     
(12) رواه البخاري رقم (6984) في التعبير: باب الرؤيا من الله، ومسلم رقم (2261) في الرؤيا في فاتحة، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، واللفظ له.‏     
(13) يعني يوم القيامة.‏     
(14) ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (15/374) وعزاه لابن جرير الطبري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.‏     
(15) سورة يونس: الآية (64).‏     
(16) رواه مالك في "الموطأ (2/958) في الرؤيا: باب ما جاء في الرؤيا الصالحة، وقال والدي وأستاذي العلامة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في تعليقه على "جامع الأصول" (2/526): "إسناده صحيح".‏     
(17) الغُل: موضعه العنق، وهو صفة أهل النار. قال الله تعالى: ?إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً? (يس: 8) وقال تعالى: ?إذ الأغلال في أعناقهم? (غافر: 71). حاشية "صحيح مسلم" (4/1773).‏     
(18) انظر "صحيح مسلم" آخر الحديث رقم (2236) و"جامع الأصول" (2/516).‏     
(19)أثبت ترجمته كما وردت في كتاب "سلك الدّرر في أعيان القرن الثاني عشر" للعلامة الشيخ محمد خليل المرادي الدمشقي المتوفي سنة 1206 هـ (3/30 ـ 38)، بعد إجراء قلم التحقيق والتصحيح عليها وما كان بين حاصرتين في ثناياها فهو زيادة مني لإتمام معنى الكلام.‏     
وتحسن مراجعة ترجمته ومصادرها في كتاب "علماء دمشق وأعيانها في القرن الثاني العشر الهجري (2/77 ـ 133)، تأليف د. محمد مطيع الحافظ ود. نزار أباظة، طبع دار الفكر بدمشق.‏     
(20) وهو للإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله.‏     
(21) السوداء: فساد الفكر في حزن. انظر "المنجد في اللغة" ص (362).‏     
(22) يعني إستانبول حرسها الله.‏     
(23) سورة البقرة: الآية (98).‏     
(24) انظر "كشف الظنون" 2/1111).‏     
(25) وهو من أحس ما صنف رحمه الله تعالى ويعدُّ من الكتب الرائدة التي فهرست للكتب الستة أمهات كتب الحديث النبوي الشريف.‏     
(26) وهو هذا الكتاب موضوع هذه المقالة.‏     
(27) يعني مصحح كتاب "سلك الدّرر" للمرادي بطبعته المعتمدة.‏     
(28) وقد حققها الأستاذ رياض عبد الحميد مراد، ونشرتها دار المعرفة بدمشق في ثلاثة أجزاء منذ سنوات.‏     
(29) يعني أطراف الخروف الأربعة.‏     
(30) يعني من كان من أهل المدينة المنورة.‏     
(31) عرَّف والدي وأستاذي العلاّمة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله (الخضر عليه السلام) في تعليقه على "المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد" للعُليمي (3/203) فقال: هو بليا بن ملكان، ولقب بالخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فصارت خضراء، والفروة وجه الأرض. واختلفوا في حياته ونبوّته، والصحيح أنه مات، وقد سئل البخاري عن حياة الخضر فأنكر ذلك، واستدل بالحديث: [على رأس كل مئة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد] وقد أخرجه في "الصحيح" عن ابن عمر رضي الله عنهما، وهو عمدة من تمسك بأنه مات، وأنكر أن يكون باقياً, ولو كان حياً لزمه المجيء إلى رسول الله ( والإيمان به واتباعه، وقد قال رسول الله (: [لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي] والدليل على نبوّته في رأي بعضهم قوله تعالى حكاية عنه: ?وما فعلته عن أمري? أي: ما فعل من ثقب السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، إلا بأمر الله تعالى ووحي منه. انظر "فتح الباري" (6/431 ـ 436) و"الإصابة" (2/435)، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير عند قوله تعالى: ?وما فعلته عن أمري? "الكهف: 82" و"زار المسير في علم التفسير" لابن الجوزي (5/178 ـ 182) بتحقيقي بالاشتراك مع زميلي الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط، طبع المكتب الإسلامي" والصحيح أن الخضر ليس نبياً.‏     
(32) وقد حققه الدكتور رياض عبد الحميد مراد، ونشرته دار صادر ببيروت في العام الماضي.‏     
(33) ترجمته في "الوافي بالوفيات" (27/38) (مخطوط) و"هدية العارفين" (2/490) و"الأعلام" (8/29) و"معجم المؤلفين" (4/25) واسم كتابه "التعبير القادري" كما في "كشف الظنون" (1/417).‏     
(34) الصواب أن يقال "للخليفة".‏     
(35) ذكر حاجي خليفة هذا الكتاب في "كشف الظنون" (1/97) ونسبه لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عمر السالمي المتوفي سنة (800) هـ.‏     
(36) ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون" (1/231) وذكر أن مؤلفه مات سنة 697 هـ.‏     
(37) انظر "هدية العارفين" (1/13).‏     
(38) يعني (زيادات).‏     
(39) يعني (وتعبير المنام).‏     
(40) يعني (المعبّر).‏     
(41) يعني (المعبّر).‏     
(42) يعني (وتدينهم).‏     
(43) يعني (فنّ تعبير الرؤيا).‏     
(44) انظر "كشف الظنون" (2/1106) و"هدية العارفين" (1/275).‏     
(45) انظر بشأن هذا الفنِّ ومؤلَّفاته "كشف الظنون" (1/416 ـ 417).‏     
(46) موضوع هذه المقالة.‏     
(47) سورة الإسراء: الآية (85).‏     
(48) حيثما ورد اسم "صحيح البخاري" في حواشي البحث، فالمقصود: "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" الآتي ذكره برقم (9) لأنه المعتمد لدى المشتغلين في تخريج الحديث النبوي في هذا العصر.‏     
(49) رجعت إلى مصورة المخطوط المحفوظ منه في خزانة مجمع اللغة العربية بدمشق لأن الترجمة التي راجعتها في هذا البحث لم تطبع بعد في الجزء الخاص بها بالمعهد الألماني ببيروت الذي يقوم بطبع الكتاب المذكور.    
     
تحقيق كتاب "الوجود الحق والخطاب الصدق"تأليف الشيخ عبد الغني          
postcontent restore a écrit:
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين.تحقيق كتاب
"الوجود الحق والخطاب الصدق"
تأليف الشيخ عبد الغني النابلسي المتوفى عام 1143هـ - 1731م
إصدار المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق
تحقيق الدكتور "بكري علاء الدين"

• ص33 وصل (9) نفي "الوجود الحادث" الذي تقوم به الأشياء

أثبت الشيخ الأكبر لفظ "الوجود الحادث" في الفتوحات المكية ج4 ص107، 141 حيث يقول: "فالصور المعبر عنها بالعالم هي أحكام أعيان الممكنات في وجود الحق، وهو الوجود الحادث"، ويقول في ج4 ص226: "اعلم أن الوجود قد انقسم في ذاته إلى ما له أول وهو الحادث، وإلى ما لا أول له وهو القديم"، ويقول في ج3 ص506: "إن كل شيء سوى الله حادث ولم يكن ثم كان"، فهذا يخالف ما جاء في ص33 (فليس هناك "وجود حادث" أصلاً)، ويخالف ما جاء عن الشيخ عبد الغني في ص248 من قوله: وإنما أطلقنا لفظ "الوجود" على تلك الحقيقة لقصد التفهيم والتعليم، وفي ص223: (وإنما نسميه "الوجود" للإيضاح والتفهيم والتقريب والتعليم).

• ص208 يقول الشيخ عبد الغني عن إطلاق لفظة "الوجود" على الله تعالى ما نصه: (فأطلقنا عليه لفظ "الوجود" لأنه أقرب إلى الاستحضار وأكشف للمعنى الذي أردناه، وأوضح له من غيره) اهـ،

عبارة أطلقنا عليه لفظ الوجود يعني أنه لفظ اصطلاحي كما ذكره عن إطلاق لفظ "الوجود الحادث"، ولكن إطلاق لفظ "الوجود" هو لحقيقة معنى الوجود ومعقوليته التي تخالف العدم والإمكان في معقولية كل منهما، ولا يوجد إلا هذه المراتب الثلاث التي لا رابع لها.

• وفي ص 223، 224 مراتب الوجود عند الشيخ عبد الغني ثلاث: وجود عيني ووجود ذهني ووجود لفظي.

أما مراتب الوجود عند الشيخ الأكبر فهي أربع وهي هذه الثلاث التي ذكرها الشيخ عبد الغني والرابعة الوجود الرقمي. راجع مراتب الوجود في الفتوحات المكية: ج1ص45، 54 وج4ص315 وكتاب إنشاء الدوائر والجداول ص9, 7, 20, وكتاب التنزلات الموصليه الباب الثالث ص42.

• ص54 يقول الشيخ النابلسي: وهذا الوجود الثاني الذي سميناه "حادثاً" باعتبار اتصاف الحوادث به عند العقل بـ "غلبة الوهم" هو نور محمد صلى الله عليه وسلم الذي خلق الله تعالى منه كل شيء، كما ورد في الحديث.

هذا الحديث لم يرد ذكره في كتب الشيخ الأكبر المعتمدة والصحيحة النسبة إليه.

• طريقة استخدام الدكتور بكري علاء الدين علامة التعجب في غير موضعها مثل ما جاء في:
ص69 "فإثبات وجه جامع بين الواجب والممكن محال!"
وفي ص113 في الحديث الشريف: "نعوذ بالله منك لست ربنا!"
وقوله في ص164: يا ابن آدم استطعمتك لم تطعمني! . . . يا ابن آدم استسقيتك لم تسقني! . . . أما إنك لو أسقيته لوجدت ذلك عندي!"
وقوله في صفحة 165: "والجمع بينه وبين ما روي عنه أنه قال: (إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله) ومن ادعى علمه سوى الله تعالى، فهو كاذب!"
وقوله في صفحة 169: "وقال أيضاً رضي الله عنه: (أينما توجه الفكر لا يأتي إلا بمغايرات الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال. فلا يأتي في الحقيقة إلا بضلال، أي عن الحقيقة التي هي الخير المحض. فهو لا يأتي بخير محض قط، فافهم!"
وقوله في صفحة 190: فقال صلى الله عليه وسلم "أخطأ هؤلاء وهؤلاء!"
وفي صفحة 243: كما قال تعالى الذي أنطق كل شيء!
وفي صفحة 273: عند ذكر الحديث النبوي "فقلنا: يا رسول الله إنا أتيناك نستحملك، فحلفت أن لا تحملنا، ثم حملتنا! فقال: إني والله ما أنا حملتكم! إني والله ما أنا حملتكم! إني والله ما أنا حملتكم! فإن الله حملكم! . . . الحديث"، خمس مرات تعجب.

فما معنى وضع المحقق هذه العلامة في المواضع التي ذكرناها؟
هذه طريقة عثمان يحيى الخبيثة التي استحدثها في كتبه، ولم تكن قط في المطبوعات العربية مثل وضعها عند كتابة جلّ جلاله! أو سبحانه وتعالى! وهو قوله تعالى! صلى الله عليه وسلم! كما ورد في طبعة "الفتوحات المكية" التي أصدرها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الإجتماعية.
قد يكون هذا الخبث مفهوماً من المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، ولكن كيف يصدر هذا عن مطبوعات المجلس الأعلى لرعاية الفنون والأداب والعلوم الإجتماعية، فإنها فضيحة ألحقها المجلس بنفسه.

• ص80 ينقل الشيخ النابلسي عن الشيخ الأكبر رضي الله عنه قوله:
عقد الخلائق في الإله عقائداً وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه

فالشطر الثاني من البيت محرف وصحته في الباب الخامس والثلاثين وثلاثمائة من الفتوحات المكية ج3ص132: وأنا شهدت جميع ما اعتقدوه
فهذا التحريف يخل بالمعنى الذي أراده الشيخ ابن العربي وأصبح دليلاً لكل من يتهم الشيخ الأكبر بقوله ودعوته لوحدة الأديان، فأين تحقيق الدكتور المحقق؟ ولم يضع هامشاً بالصواب الصحيح الذي ذكرناه، في حين أنه عندما يأتي الشيخ النابلسي بالنص الصحيح يثبت على الهامش نصاً مزوراً كما سيأتي لاحقاً:

• ص81 أورد الدكتور بكري علاء الدين النص الصحيح:
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالدين ديني وإيماني
ثم يشير في الهامش:
"فالحب . . . بدلاً من الدين في طبعة بيروت 1966"
لم يشر الدكتور بكري المحقق إلى أن كلمة "فالحب" تزوير لما هو صحيح "فالدين"، وهذا التزوير المستحدث يستدل به الداعون إلى أن الشيخ الأكبر يقول بوحدة الأديان، فكان يجب على الدكتور المحقق أن يوضح الصحيح من المزور، وأما سكوته مع إيراد الهامش المزور الذي لا لزوم له في الكتاب يقصد به المحقق التشكيك في النص الصحيح في الرواية الأصلية، (راجع ترجمان الأشواق النسخة الأصلية)، فهل هذا هو التحقيق؟.

• وفي ص81 ينقل الشيخ النابلسي عن أوراد الشيخ الأكبر رضي الله عنه ولا يثبت علمياً صحة نسبة هذه الأوراد للشيخ الأكبر.

• ص99 يقول الشيخ النابلسي: وورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان"، قوله: "وهو الآن على ما عليه كان" مدرج في الحديث وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

• وفي ص99 أيضاً يقول الشيخ النابلسي: وقال الصديق الأكبر رضي الله عنه: "ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله فيه".

والصحيح: "قبله"، كما ورد في الفتوحات المكية في إحدى وعشرين مرة - راجع كتابنا "شرح كلمات الصوفية" ص135.

• وفي ص113 قول الشيخ النابلسي: "وفيه كمال التنفير عن عبادة الصور الباطنة أيضاً، والحكم بكفر عابدها . . ."

يخالف ما جاء من كلام الشيخ الأكبر في شرح حديث الإحسان وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه"، ذكره الشيخ الأكبر ثلاثين مرة بالفتوحات المكية - راجع كتابنا "الحديث في شرح الحديث" من كلام الشيخ الأكبر.
- وراجع حديث تجلي الحق في الصور يوم القيامة للشيخ الأكبر ذكره الشيخ رضي الله عنه إحدى عشرة مرة بالفتوحات المكية، وراجع أيضاً المرجع السابق.

• وفي ص119 يقول الشيخ النابلسي: "وحكي عن الشيخ محيي الدين رضي الله عنه أنه قال: عملت على الإطلاع على السبب الذي من أجله دخل الغلط على الفلاسفة، فرأيت أن الغلط إنما دخل عليهم من التأويل، فإنهم لا يأخذون إلا عن إدريس عليه الصلاة والسلام، وهو معصوم بلا شك في علمه بالله تعالى، وبأحكامه. فدخل عليهم الغلط من قبل أنفسهم، لا من قبل إدريس عليه الصلاة والسلام . . ."

لا يوجد هذا الكلام في كتب الشيخ محيي الدين رضي الله عنه والثابت عنه في الفتوحات المكية ج2ص523: "الفيلسوف معناه محب الحكمة غير أن أهل الفكر خطؤهم في الإلهيات أكثر من إصابتهم . . . فما ذمت الفلسفة لمجرد هذا الاسم، وإنما ذموا لما أخطؤوا فيه من العلم الإلهي مما يعارض ما جاءت به الرسل عليهم السلام بحكمهم في نظرهم بما أعطاهم الفكر الفاسد في أصل النبوة والرسالة، ولماذا تستند، فتشوش عليهم الأمر، فلو طلبوا الحكمة حين أحبوها من الله لا من طريق الفكر، أصابوا في كل شيء".

وقد ذكر إدريس عليه السلام في الفتوحات المكية أربعاً وعشرين مرة، وفي كتب الشيخ الأكبر الأخرى إحدى عشرة مرة وليس فيها ما ذكره الشيخ النابلسي.

• وفي ص140: يذكر الشيخ النابلسي أن للشيخ الأكبر كتاباً اسمه "المعشرات" وينقل عنه شعراً،

لا يوجد كتاب بهذا الاسم في الكتب الثابت نسبتها إلى الشيخ الأكبر وهي أربعة وسبعون كتاباً، ولم يذكر هذا الكتاب لا في الفهرس ولا في إجازة الملك المظفر، مع كون الوثيقتين منحولتان لا يصح نسبتهما إلى الشيخ الأكبر.

• وفي ص144 - 145: أورد الشيخ عبد الغني العبارة: "ليس بينه وبين الأشياء نسب إلا العناية، كما قيل"،

هذا القول لأبي العباس ابن العريف الصنهاجي، كما جاء في الفتوحات المكية ج1ص93، 175 – ج2ص290.

• وفي ص150: قول الشيخ عبد الغني: "الخلق هو التقدير وليس الإيجاد"، ويقدم شاهداً من قوله: إنما الوارد في الشرع أن الله تعالى خالق كل شيء أي مقدر للأشياء بمقادير معلومة له سبحانه كما قال تعالى: وخلق كل شيء فقدره تقديراً، فالخلق هو التقدير لا الإيجاد.

أقول: "خـَلـَقَ" تأتي في القرآن لثلاثة معان: الإيجاد والتقدير والتصوير، وتنسب إلى الحق في بعض الآيات بالمعاني الثلاثة مثل قوله تعالى: خالق كل شيء، وقد ينسب "الخلق" إلى الحق في بعض الآيات بمعنى واحد أو معنيين من الثلاثة، و"الخلق" ينسب إلى العبد بمعنيين فقط وهما التقدير والتصوير، أو بمعنى واحد منهما، ولا ينسب "الخلق" إلى العبد بمعنى الإيجاد، قال عيسى عليه السلام: إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير أي أصور لكم من الطين، وقال تعالى: تبارك الله أحسن الخالقين أي أحسن المقدرين أو أحسن المصورين.

وقد أورد الشيخ عبد الغني في ص175 الحديث النبوي: "أول ما خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل"، فهل خلق هنا بمعنى قدّر أم أوجد؟ وهل يقال: "أقبل" للمقدَر أم للموجود؟

• ص159 يقول الشيخ عبد الغني:
"وقال الشيخ الأكبر رضي الله عنه في الفتوحات المكية في الباب الثاني والتسعين ومائتين: لله الصور ولا صورة له" اهـ

هنا خطأ في النص يخل بالمعنى الذي أورده الشيخ الأكبر كما جاء في هذا الباب، (ج2ص661) والنص الصحيح: "فله (أي لله) جميع الصور، وماله صورة تقيده . . ."

• ص172 يقول الشيخ عبد الغني عن التقليد في الأحكام للمقلد أي العامي: "ولم يشتهر الآن سوى مذاهب الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، فعليه أن يقلد واحداً منهم في العمل".

مذهب الشيخ الأكبر يخالف ما ذهب إليه الشيخ عبد الغني، إذ أن مذهب الشيخ الأكبر أن "المقلد مطلق فيما يجيء به المجتهدون ويختار ما شاء فله الإتساع في الشرع"، "فإن كنت مقلداً فإياك أن تلتزم مذهباً بعينه"، – راجع الفتوحات ج4ص142،491

• ص176 يقول الشيخ عبد الغني عن العقل الأول: "فألهمه سبحانه دعوى الوجود" اهـ

أقول: إذا كان الله سبحانه هو الملهم دعوى الوجود وسبب الالتباس على العقل الأول، فما بال من دونه؟ وهل علم العارف ذلك إلا بالعقل أم بشهود خاص كان مفقوداً عند العقل الأول؟!

• ص177 قول الشيخ عبد الغني: "فمتى وقف العقل المكلف صاحبه عند حال أو عمل، حسن شرعاً أو قبح، فقد افتتن وامتحن وانغرّ وانقطع عن الله تعالى" اهـ

أقول: هل الوقوف عند ما حسن شرعاً أو قبح - وهو حكم الله في الأشياء - انقطاع عن الله سبحانه أم حضور؟ وهو مذهب الشيخ الأكبر.

• وفي ص178 – 179 قول الشيخ عبد الغني عن سقوط التكليف عن المجذوبين: "وسقطت عنه التكاليف الشرعية والحدود"، وقوله: "سقط التكليف عن هؤلاء"،

يخالف مذهب الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية ج1ص486:"من غلب عليه الحال أو الجنون أو النسيان أو النوم أو الذي لم يبلغ حد الحلم فقد زال عنه التكليف إما بالكلية وإما بالتعليق عند جميع الفقهاء، وعندنا ليس كذلك . . . لأنه لا يخلو عن حكم مشروع لصاحب تلك الحال، فما ثم إلا مكلف، فما ارتفع التكليف، فإن هؤلاء الذين تقول فيهم الفقهاء قد ارتفع عنهم خطاب الشرع، لم يرتفع، فإن الشرع قد أباح له التصرف فيما يقتضيه طبعه كالحيوان، ولا حرج عليه في ذلك، فكيف يقال: زال عنه حكم الشرع؟".

• ص188 قول الشيخ عبد الغني: "واللوح المحفوظ نفس القلم الأعلى، والقلم الأعلى هو العقل الأول" اهـ

هذا يخالف ما جاء في الفتوحات المكية ج1ص121 – 139 حيث يقول الشيخ الأكبر: "القلم الأعلى وهو العقل الأول هو أول مخلوق إبداعي، واللوح المحفوظ أول مخلوق انبعاثي" اهـ، فليس القلم الأعلى هو نفس اللوح المحفوظ.

• ص202 يذهب الشيخ عبد الغني في بحثه أن الإنسان يترقى من الصفة الجمادية حتى يصل إلى عالم الإنسانية،

وهذا يخالف مذهب سهل بن عبد الله التستري والشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي حيث يقول: "إنه لا أعلى في الإنسان من الصفة الجمادية، وإن الحجارة عبيد محققون ما خرجوا عن أصولهم في نشأتهم" (ف.ج1ص710).

• ص204 يقول الشيخ عبد الغني: "والعقل إنما خلق في الأصل لإدراك الأوليات التي لا يحتاج فيها إلى المقدمات" اهـ

هذا يخالف ما ذهب إليه الشيخ الأكبر إذ يقول في الفتوحات المكية ج1ص741: والعقل ليس بينه وبين الغيرة مناسبة في الحقيقة ولهذا خلقه الله في الإنسان لدفع سلطان الشهوة والهوى الموجبين لحكم الغيرة فيه.
ويقول في ج2ص319: واعلموا أن الله تعالى لما خلق القوة المسماة عقلاً وجعلها في النفس الناطقة، ليقابل بها الشهوة الطبيعية إذا حكمت على النفس أن تصرفها في غير المصرف الذي عين لها الشارع.
ويقول في ج3ص489: ليس للإنس والجن إرادة إلهية كما للملائكة، بل إرادة طبيعية تسمى شهوة، وفطرهما على العقل لا لاكتساب علم، ولكن جعله الله آلة للإنس والجن ليردعوا به الشهوة في هذه الدار خاصة لا في الدار الآخرة.
ويقول في ج4ص382: ولولا ما حصر الشرع في الدنيا تصرف الشهوة، ما كان للعقل جلوة، فما عرف حقيقة العقل غير سهل فعين ما له من الأهل.

• ص211 قول الشيخ عبد الغني: ولله در القائل وهو من الأوائل:
يا رب جوهـر عـلم لو أبـوح به لقيـل لي: أنت ممن يعبد الوثنـا
ولاســتباح رجال مؤمنون دمـي يـرون أقبـــح ما يأتـونه حســناً
هذه الأبيات لعلي بن زين العابدين، راجع ف.ج1ص32، 200، كتاب التنزلات الموصلية – الباب الأول.

• ص230 يقول الشيخ عبد الغني: "وذكر الشيخ الأكبر رضي الله عنه في فصوص الحكم في فص هود . . ." اهـ

يعتبر الشيخ عبد الغني أن "فصوص الحكم" كتاب صحيح نسبته إلى الشيخ الأكبر، ولذلك قام بشرحه وتأويل ما جاء به، ولم يحقق الشيخ عبد الغني صحة نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ الأكبر، ولا مدى مخالفة ما جاء فيه لما هو ثابت عن الشيخ الأكبر، وأنه لا يصح نسبة كتاب فصوص الحكم إلى الشيخ الأكبر فإنه لم يرد ذكره في الأربعة والسبعين كتاباً الثابت نسبتها إلى الشيخ الأكبر، وقد ورد ذكر "فصوص الحكم" في كل من الفهرس المنسوب إلى الصدر القونوي، وفي الإجازة إلى الملك المظفر، وكلا الوثيقتين مزورتان منحولتان لا يصح نسبتهما إلى الشيخ الأكبر – راجع كتابنا "شرح فصوص الحكم".

• ص234 جاء في الهامش عن نسخة الشيخ الطنطاوي قوله:
ذكر الشيخ الأكبر رضي الله عنه في بعض كتبه من الهواتف الإلهية كلاماً في سبحات وجه الحق منه قوله . . . إلخ. فارجع إليها. اهـ

حديث السبحات أورده الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية - ج1ص81، 257،
- ج2ص110، 159، 184، 460، 466، 632،
- ج3ص210، 212، 276، 289،
- ج4ص75، 91، 417
ولا يوجد هذا المعنى الذي ذكره الشيخ الطنطاوي رحمه الله ونسبه إلى الشيخ الأكبر في كتاب الفتوحات المكية، فيبقى أين ورد هذا المعنى في كتب الشيخ الأخرى الثابتة؟

• ص247 يقول الشيخ عبد الغني: كما قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه: "احذر هذا الطريق فإن أكثر الخوارج إنما خرجوا منه، وما هو إلا طريق الهُلك أوالمُلك، من حقق علمه وعمله وحاله، نال عز الأبد، ومن فارق التحقيق فيه هلك وما نفد" اهـ

في أي كتاب هذا النص وهو لا يوجد لا في كتاب الفتوحات المكية (ذكر الشيخ الأكبر الخوارج في ج1ص307، ج3ص175)، ولا في فصوص الحكم.

• جاء في ص248: "قال الشيخ الأكبر رضي الله عنه في كتابه مواقع النجوم بعد ذكره العلم وشرف العلم: وإنما أكثرنا هذا في العلم لأن في زماننا قوماً لا يحصى عددهم غلب عليهم الجهل بمقام العلم، ولعبت بهم الأهواء حتى قالوا إن العلم حجاب ولقد صدقوا في ذلك لو اعتقدوه . . . إلخ" اهـ

لا يوجد هذا النص في كتاب مواقع النجوم الذي بأيدينا وإنما جاء ذكر "العلم حجاب" نسبة إلى أحد العارفين لم يسمى في كتاب الفتوحات المكية ج4ص38، 119، وفي كتاب "التراجم" في ترجمة التقديس وترجمة الصرف وهو كتاب غير ثابت للشيخ الأكبر.

• ص259 يقول الشيخ عبد الغني: ذكر الشيخ الأكبر رضي الله عنه في كتابه "شجون المسجون وفنون المفتون" . . . إلخ

لم يذكر الشيخ كتاباً بهذا الاسم في كتبه الثابتة ولم يرد ذكر هذا الكتاب حتى لا في الفهرس ولا في الإجازة، وأقدم نسخة مخطوطة تحمل تاريخ 865هـ.

• ص273 يقول الشيخ عبد الغني تعليقاً على حديث أبي موسى الأشعري عن رهط الأشعريين: "ولكن لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في وقت حملهم في شهود المقام الصفاتي، واستغراق (الحضرة الأسمائية) . . . وهو حال الفناء في الصفات الإلهية والأسماء الربانية . . . " إلخ،

لا يعرف ذلك إلا بالتعريف والتوقيف، والكلام في أحوال الأنبياء على غير الأنبياء ممنوع – راجع الفتوحات المكية ج2ص51.

• ص280 يقول الشيخ عبد الغني: "وذكر أيضاً في ترجمة أبي العباس بن العريف الصنهاجي شيخ الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي رضي الله عنهما . . . إلخ" اهـ

لم يذكر الشيخ الأكبر أي اجتماع له بابن العريف، ولكن يذكره ويذكر من كلامه في كتبه، إذ أن ابن العريف الصنهاجي توفي عام 536هـ، والشيخ الأكبر ولد عام 560هـ.

• ص289 يذكر الشيخ عبد الغني ديوان الشيخ الأكبر رضي الله عنه، ولم يذكر الشيخ الأكبر في كتبه الثابتة ديواناً له غير "ترجمان الأشواق"، ويوجد في الديوان كثير من الشعر الوارد في الفتوحات المكية وكتب أخرى.

فإذا كانت النسخ التي حققها الدكتور بكري علاء الدين مطابقة للنسخة التي كتبها الشيخ عبد الغني النابلسي بخط يده - ولا نعلم أين هي - فيكون الشيخ عبد الغني قد وقع في الأخطاء التي أوردناها، وإلا تكون هذه الأخطاء مدسوسة على الشيخ عبد الغني في النسخ التي حققها الدكتور بكري علاء الدين.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
والحمد لله رب العالمين








 









الطريقة الرفاعية


تأليف السيد محمد أبي الهدى الصيادي الرفاعي
رضي الله عنه
المحتويات:
مقدمة الناشر
نسبه
الكتاب
الرجوع الى فهرس المحتويات?
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الناشر
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا محمد المبعوث بالحق هاديا وأمين وعلى آله وصحبه الطيبين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد :- نحمده تعالى على عونه لمواصلة إصدار هذه السلسة القيمة ، وإبراز وعدنا لإخواننا المؤمنين بمتابعة إخراجها ونشرها، وقد تم والحمد لله إخراج ثلاثة كتب تعتبر من أنفس الكتب وأنفعها في موضوعها وإصدار هذه السلسلة لم يكن لكسب وجمع مال بل الهدف منها إحياء التراث الصوفي عامة وكتب الطريقة الرفاعية خاصة، وما هذا التراث القيم إلا جزء من تراثنا العربي الإسلامي العظيم، ومن ثم المساهمة في بث الوعي الديني الصحيح النابع من الكتاب والسُنة ، إن سطور هذه الكتب تعطى طلاب الحقيقة الصورة الصادقة والخطوط المستقيمة لهذا النهج الإسلامي في الحياة الإنسانية .


(1/1)   
 

 إن التصوف الإسلامي بمفهومة السليم الصادق، والذي إعتقده الحسن البصري والجنيد البغدادي والإمام الغزالي والشيخ عبد القادر الجيلانى والسيد الرفاعي والسيد البدوي والسيد الدسوقي وغيرهم من كبار شيوخ التصوف رضوان الله عليهم، إنه كتاب وسنة، دعاء ودعوة، زهد وكسب سيف وقلم ، علم وعقل ، هداية وإرشاد ، جهاد بنفس وتضحية بنفيس ، خلوة في الليل وغزوة في النهار ، حلقة ذكر وإبداع فكر ، لا فلسفة عمياء وطقوس هوجاء، واصطلاحات سيمياء بهذه المفاهيم الإسلامية الرفيعة عقدوا لواء دعوتهم ونشروها في صفوف مجتمعاتهم في مختلف الأزمنة والأمكنة، واستطاعوا بهاجذب قلوب الخاصة والعامة إليهم.
(1/2)   
 

 إن التصوف منذ نشأته إلى يومنا هذا ما حاد عن جادة الإسلام أبداً. إلا أن شأنه شأن المذاهب الإسلامية الأخرى ، دُسَّ ووضع على بعض رجاله في كتبهم وأقوالهم ما ينافي جوهره وعرضه وأصوله وفروعه ، وما دُسَّ ووضع من عبارات وأقوال مخالفة للشرع الإسلامي في كتب قسم من أعلام شيوخه لا تعتبر الحجة القاطعة على مخالفة التصوف للشرع القويم، إذا الدس والوضع والكذب وقع في عهد الإسلام الأول وعلى لسان الرسول (ص) وأصحابه الكرام وآل بيته الأطهار والتابعين رضوان الله عليهم ، من كل هؤلاء لم ينج منه، وجاء هذا كله من أتباع الملل والنحل غير الإسلامية ، كاليهود والمجوس والنصارى وغيرهم وذلك لإيقاع الفرقة بين المسلمين وتشويه معتقداتهم وإظهار الإسلام بأن يجمع المتناقضات في أحكامه . بالإضافة إلى وضع ودس هؤلاء، أخذت الفرق الضالة التي انشقت عن الإسلام والمسلمين تضع الأحاديث النبوية الشريفة والتفاسير القرآنية بحسب معتقداتهم وأهوائهم لتعزيز أرائهم وترجيح حججهم الباطلة ، وإظهار علماء الإسلام وصلحائهم بمظهر المخالف لما جاء به القرآن الكريم والرسول . وكل هذا لم ينطل على علماء الإسلام، فألفوا الكتب المعتبرة والرسائل(الأعظم وتنقيح تفسير القرآن الكريم(الجليلة لتبيان دسهم ووضعهم على لسان الرسول الطاهر من الإسرائيليات الكاذبة . ونزهوا الصحابة وأل البيت الكرام من الأقوال والأفعال المنكرة، ونشأ عند المسلمين علم سُميَ (علم الجرح والتعديل) أو ( علم الرجال) ، بواسطته نقحوا السنة النبوية من شوائب الموضوعات والمتناقضات، ولو لم يكن للمسلمين إلا هذا العلم لكفاهم فخراً على أمم الأرض .ومن هذا نرى أن أكثر ما سطر في كتب الصوفية من عبارات وأقوال
(1/3)   
 

 مخالفة للكتاب الكريم والسنة المطهرة ما جاء إلى نتيجة الوضع والإفتراء عليهم، لتشويه سمعتهم وطن معتقداتهم ، وإذا ما علمنا إن أكثرهم امتازوا بالعلم الفياض والمعرفة الكاملة، بشتى العلوم العقلية والنقلية . وإن لم تكن تلك العبارات جاءت نتيجة الوضع والدس فإنها كانت بسبب خطأ ناسخ وناقل أو هفوة لسان وسبحان المنزه عن الخطأ والنسيان .إن ما يصدر من أقوال وأفعال مخالفة للكتاب والسنة عن بعض الجهلة المدعين التصوف والمنسوبين إليه ظلماً وعدوناً لا يعتبر الحجة القاطعة والبينة الشرعية على أن التصوف جميعه مخالف للشريعة الإسلامية، إذا لا يؤخذ بعمل وقول من جهل أصول معتقده، وأن هؤلاء بعيدون كل البُعد عن التصوف وأهله .
ظهر في الوقت الحاضر كثير من الكتاب المنصفين الذين لا يشك بتقواهم وعلمهم وخلوص نيتهم جزاهم الله حق الجزاء، تولى هؤلاء دراسة التصوف ورجاله بروح الإخلاص وقلم الناقد الباحث الذي يريد إظهار الحقيقية وجني ثمارها . قاموا بتأليف الكتب النفيسة ونشروا المقالات البارعة لشرح التصوف وفوائده في تربية النفس البشرية على الآداب الرفيعة والروحية الصافية ، وبينوا أن التصوف ثمرة من ثمرات الإسلام . وأن رجاله وشيوخه ما هم إلا دعاة إصلاح وفكر ودعوة يسيرون بهدى الكتاب والسنة ولهم فضل عميم في بناء المجتمع الإسلامي الفاضل وذادوا عن الإسلام وأحكامه في كل كتابٍ ألفوه ولفظ نطقوه ، وهم أحد العناصر المهمة في نشر الإسلام ودعوته في ربوع العالم . إن كتب هؤلاء الكتاب الأفاضل أحق أن تقتنى من قبل كل مسلم يود أن يدرس تأريخ التصوف وأصوله ورجاله (1).

(1/4)   
 

 إن كتابنا (الطريقة الرفاعية) تأليف السيد محمد أبى الهدى الصيادي رحمه الله، كتاب جليل وسفر نافع لما حوى بين دفتيه من جمان أصول الطريقة الرفاعية وشذور فروعها ، استقاها واستنبطها من كتابات وأقوال السيد الرفاعي (رض) المسطرة في كتبه وكتب تلاميذه وأحفاده ، وهي أصول نابعة من أصول الدين الأربع (القرآن والسنة والقياس والإجماع).أن مؤلف الكتاب الذي عرفنا للقارئ الكريم بعد هذه المقدمة أشهر من نار على علم بتقواه وعلمه وكرمه، ويعد من كبار أعلام الإسلام ، ورئيس نقباء السادة الرفاعية في وقته وأحد مجددي هذه الطريقة وناشر أعلامها في ربوع العالم الإسلامي .
ولخلو هذا الكتاب من ترجمه حياة هذا السيد النبيل ، قمت بوضع ترجمه مقتضبة تغني القارئ الكريم لمعرفة منزلته السامية ومآثره الرفيعة . وفي الختام : نسأله تعالى أن يقيل عثراتنا وأن يأخذ بأيدنا وأيدي المسلمين بما فيه صلاح ديننا ودنيانا وأن يعفو عنا وعن أخواننا الذين سبقونا في الإيمان أنه سميع مجيب .
(السيد محمود السامرائي الرفاعي)
(1) رجال الفكر والدعوة في الإسلام للعلامة الحجة والمجاهد الكبير أبى الحسن الندوي.
(2) بين التصوف والحياة للأستاذ عبد الباري الندوى.
(3) مؤلفات المرحوم الشيخ يوسف إسماعيل النبهاني.
(4) مؤلفات الدكتور عبد الحليم محمود في موضوع التصوف.
(5) مؤلفات الأستاذ طه عبد الباقي سرور.
(6) مؤلفات الدكتور زكى مبارك.
الرجوع الى فهرس المحتويات?
نسبه

(1/5)   
 

 السيد محمد أبو الهدى بن السيد أبى البركات حسن وادي بن السيد علي بن السيد خزام بن السيد علي بن السيد حسين برهان الدين البصري بن السيد عبد العلام بن السيد عبدالله شهاب الدين بن السيد محمود الصوفي بن السيد محمد برهان بن السيد حسن أبى محمد الغواص دفين دمشق بن السيد الحاج محمد شاه بن السيد محمد خزام بن السيد نور الدين بن السيد عبد الواحد بن السيد محمود الأسمر ابن السيد حسين العراقي بن السيد إبراهيم العربي بن السيد محمود بن السيد عبد الرحمن بن السيد شمس الدين بن السيد عبدالله قاسم نجم الدين بن السيد محمد خزام السليم بن السيد شمس الدين عبد الكريم بن السيد صالح عبد الرازق بن السيد شمس الدين محمد بن السيد صدر الدين علي بن الشيخ القطب السيد عز الدين أحمد الصياد الرفاعي بن السيد سبط الرفاعي ممهد الدولة عبدالرحيم بن سيف الدين عثمان بن السيد حسن بن السيد محمد عسلة بن السيد الحازم على بن السيد أحمد ابن السيد بن السيد رفاعة الحسن بن السيد المهدي بن السيد أبى القاسم محمد بن السيد الحسن بن السيد الحسين بن السيد أحمد بن السيد موسى الثاني بن السيد إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين بن الإمام الحسين السبط شهيد كربلاء بن الإمام علي بن أبى طالب أمير المؤمنين .ذكر هذا السيد أبو الهدى في كتابه هذا صفحة (88) في ذكر نسبه من جهة أمه كذلك .
ولادته
ولد رحمه الله سنة ( 1266 هـ – 1849 م ) لثلاثة أيام خلت من رمضان المبارك بخان شيخون من أعمال معرة النعمان بسورية ، وسماه والده محمد .(وكنّاه أبا الهدى ، ونفخ في فيه امتثالاً لسنة رسول الله
نشأته وحياته

(1/6)   
 

 تربى بحجر الدلال ، ورضع ثدي التقوى والكمال ، وسُقيَ بماء المكرمات حتى بلغ ستة أعوام ، قرأ القرآن وحفظة بثلاثة أشهر ، وفي السنة السابعة أتقن التجويد والقرآن بأصولهما على شيخ قراء تلك الديار محمود بن الحاج طه ، وقرأ الغاية والتقريب في الفقة الشافعي على الشيخ المذكور ، ولازم غيره من المشايخ الأعلام فقرأ علم العربية والفقه على مذهب الإمام أبى حنيفة النعمان رحمه الله، وأكثر من قراءة علوم الأدب واللغة والحديث والتفسير وأصولهما ، وتبحر في علوم البلاغة والتأريخ والنسب والتصوف ، ومال إلى دراسة التصوف برغبة وفرحة، فحل بدقيق تصرفه غوامض معانيه وأوضح مضمرات خوافيه ، وبلغ ما حفظ من منظومات في شتى العلوم وأصناف الأدب ما يزيد عن مائة ألف بيت .رحل إلى حلب الشهباء واجتمع بالعلماء والفضلاء ، واشتهر اسمه وعلا نجمه بين علماء حلب ، وتشرّف بنهل العلوم على يد كبار علمائها وحصل على إجازات بعضهم في تدريس العلوم العقلية والنقلية ورجع إلى مسقط رأسه فرحاً مستبشراً بما حصل عليه في حلب الشهباء .
أجازه والده بطريقة أسلافهم الأفاضل ، وبعد برهة أخذ إجازة الطريقة الرفاعية من ابن عمه المرحوم السيد علي بن السيد خيرالله الصيادي الرفاعي، وفي
سنه ( 1281 هـ – 1864 م ) توجه إلى دار الخلافة في اسطنبول ، وأحيلت لعهدته نقابة أشراف جسر الشغور وعاد إلى شيخون وراية النقابة ترفرف بين يديه ، وبعده أخذ يتنقل بين جسر الشغور وحلب ، وكثرت في تلك الأطراف مريديه وأتباعه، وأنشأ له زاوية في كفر دبين من أعمال جسر الشغور .

(1/7)   
 

 وفي سنه (1282 هـ – 1865 م ) شرف بغداد بقصد زيارة أجداده الأمجاد آل الرفاعي رضي الله عنهم، ووصل بغداد فاستأجر بها داراً في محلة الميدان، وأقام بها مدة من الزمن وأخذ البيعة عن قطب زمانه السيد محمد بهاءالدين الرواس الرفاعي ، وتعرف على السادة والمشايخ الرفاعية وغيرهم من مشايخ الطرق ، وجالس العلماء الأفاضل واستقى منهم العلم ، وبعد ذلك رجع إلى حلب ونشر فيها أعلام الطريقة الرفاعية ، وقام بتأليف الكتب المعتبرة والرسائل الغراء التي أوضح بها أسرار الشريعة المطهرة والطريقة الرفاعية المعتبرة ، وبقي مقيماً في حلب حتى ارتحل منها إلى اسطنبول عاصمة الخلافة الإسلامية سنه ( 1294هـ- 1877 م ) وأقام بها ، بعد أن بلغ مسامع السلطان عبدالحميد رحمه الله صلاحه وتقواه وعلمه . فأخذ بمجالسة الخليفة ويبدى له النصح والإرشاد ويحثه للعمل على الإهتمام بمصالح رعيته من المسلمين وغيرهم . أدرك الخليفة حسن سريرة الشيخ أبى الهدى وفضله ، قلده مشيخة المشايخ في دار الخلافة ، وألحقه رتبة قضاء العسكر التي هي منتهى المراتب العلمية ، وقلده وسام الحكومة التركية ، الذي يعتبر أعلى وسام في الدولة آنذاك . وبقي في هذا المقام والمنزلة الرفيعة والإحترام المبجل عند الخليفة إلى أن وافاه أجله وارتحل إلى دار الآخرة رحمة الله .كان رحمه الله لا يبخل بجاهه عند الخليفة والحكومة ، لا يرد من قصده وورده ويقضى حوائج من كانت له حاجة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، وكانت داره كخلية النحل تعج بالزائرين وأرباب الحوائج لدى الحكومة والولاة .
يصرف المال بسخاء لإكرام ضيوفه وزواره ، ويمنح الهدايا المالية للذين يستحقونها من المسلمين ، وبهذا نال شرف التقدير والإحترام عند المسلمين جميعاً قاصيهم ودانيهم ، رحمه الله وأرضاه وأسكنه فسيح جناته إنه سميع مجيب .
أخذه الطريقة

(1/8)   
 

 بعد أن بلغ حد الفطام ، وأصبح أهلا للبيعة ، أجازه والده بطريقة أسلافه ، وكانت طريقة والده الطريقة الرفاعية المباركة ، وبعد هذا البيعة الشريفة ، سلك على يد ابن عمه السيد علي ابن السيد خيرالله الصيادي الرفاعي بحلب ، وذلك بإشارة من والده ، وعند مجيئه إلى بغداد أخذ الطريقة على يد قطب زمانه السيد بهاء الدين محمد مهدى الرواس الصيادي الرفاعي (رضي الله عنه).تدرّجه في المراتب
نال السيد أبو الهدى مدة حياته عدة رتب وأوسمة من الخليفة ، وذلك تقديراً له على ما قام به من أعمال دينية ودنيوية صالحة ، ورتبه التي نالها هي :-
1- تولى النظر على مدينة خان شيخون .
2- تولى نقابة الأشراف بجسر الشغور ، ثم النيابة الشرعية بها.
3- بعد أن سافر إلى اسطنبول لأجل مصالح وقف المقام الصيادي ، وجهت له نقابة أشراف حلب وله من العمر (23) سنه .
4- تولى قضاء العسكرية في الجيش العثماني ، وأحسن له بالوسامات الجليلة ونال أعلى وسام في الدولة وهو وسام الإمتياز.
أعماله
قام السيد أبو الهدى رحمه الله مدة حياته الكريمة بأعمال جليلة نافعة ومآثر حميدة طيبة، ستبقى شافعة له عند ربه يوم اللقاء ، وأعماله كان منصبة على تعمير الأضرحة الطاهرة لآل البيت الكرام ، والمساجد الطاهرة والتكايا الشريفة والمكتبات العامرة ، وكل هذه الأماكن تعتبر مصدراً مهماً للتربية الصالحة ، ومعيناً لا ينضب للتوجيه الديني والإشعاع الفكري الوضاء ، أن مصاريف القسم الأكبر من هذه الأعمال ، كانت من ماله الخاص حسبة لله بدافع الإخلاص والصدقة ، راجياً بها نشر هذا الدين القيم وعلومه الشريفة ، ولمكانته المرموقة وجاهه العريض لدى الخليفة ، ساعد على لفت نظر الخليفة العثماني عبدالحميد رحمه الله ، وكان يحثه على القيام بمثل هذه الأعمال وصرف المبالغ اللازمة لها ، وذلك لفائدة المسلمين ونشر الوعي الديني بينهم .
ونوجز أعمال السيد الكريم بما يأتي :-

(1/9)   
 

 1- عمّر زاوية (تكية) في خان شيخون بسوريا ، ليقوم بها الوعظ والإرشاد ، والأذكار والصلوات في سائر الأيام .2- عمّر جامعاً و زاوية وحجرات في كفر دبين من أعمال جسر الشغور بسوريا .
3- عمّر زاوية في معرة النعمان ووقفها على السيد محمد آل المحلول الحراكى الحسينى .
4- عمّر زاوية في أريحا من أعمال حلب .
5- عمّر زاوية آل الصياد في طرابلس الشام .
6- عمّر زاوية في سبتين التابعة لطرابلس .
7- عمّر زاوية حيش عند مقام جده السيد علي خزام .
8- عمّر زاوية السيد رجب في كفر منجا قرب معرة النعمان .
9- عمّر زاوية في فدان .
10- عمّر زاوية في حلب وجعلها باسم الشيخ محمد افندي الزيتاوي .
11- عمّر زاوية الشيخ حسيب افندي في اسطنبول ، ووضع فيها مكتبة عامرة بالكتب بشتى العلوم والفنون .
12- جدّد تعمير زاويتهم في حلب .
13- عمّر في الشهرامينى باسطنبول تكية تشتمل على جامع وحجرات جعلها باسم السيد محمد افندى السكوتى.
14- أنشأ في محلة اقسراي باسطنبول تكية وجعلها باسم أبى الخير افندي .
15- عمّر في بغداد مقام السيد الروّاس ، وألحق به مسجداً ومدرسة دينية .
16- قام بتعمير جامع السيد سلطان علي الرفاعي ، وألحق به مدرسة دينية .
17- قام بالسعاية عند السلطان عبد الحميد لتعمير مرقد السيد أحمد الرفاعي (رضي الله عنه) فاستجاب له السلطان وعمّر المرقد أحسن تعمير ، وكانت مصاريف العمل من ماله الخاص .
18- أفرز من داره باسطنبول مسجد وحجرات للزوار والضيوف لإقرائهم .
19- جدّد في متكين عمارة مقام السيد أحمد عزالدين الصياد .
20- أنشأ زاوية في كركوك وجعل مشيختها للسيد نجيب من آل السيد حمزة بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام .
21- عمّر زاوية شيخه وابن عمه الأستاذ السيد علي افندى خيرالله .
بالإضافة إلى هذه الأعمال فإنه قام بالسعي لدى السطان ببناء كثير من المدارسة الدينية في شتى بقاع المملكة ، واستطاع الحصول على العفو العام من

(1/10)   
 

 الخدمة العسكرية لكثير من السادة الأشراف في الأقطار الإسلامية ، ومن ضمنهم السادة الرفاعية ، وبهذا كفاية من ذكر فضائل ومناقب هذا السيد النبيل والكريم البار.وفاته
أصيب السيد أبو الهدى في آخر أيامه بمرضٍ ألمَّ به ، وتركه طريح الفراش لمدة من الزمن وقضى مرضه هذا بالصبر والرضى والحمد والشكر لربه الرحيم الرؤوف بعباده ، وكان مدة مرضه لا ينفك عن ترتيل القرآن الكريم ولا يفوته فرض ولا نافلة وأخذ ينشد آخر مرضه هذين البيتين :
لا تكن للهموم ضيِّق الصدرِ إنما يغلب الليالي الصبورُ
وارضَ عن ربك الكريم منيباً إنه عنده العسيرُ يسيرُ
لم يؤثر عليه مرضه بل زاد وجهه تبلُّجاً ونوراً ، وقلبه فرحاً وسروراً. وعندما جاءه الوعد الحق ، فاضت روحه الشريفة الطاهرة إلى خالقها راضية مطمئنة ، بعد تلفظ الشهادتين بالجهر والإسرار وهذا أعز ما يتمناه المسلم في حياته .
كانت وفاة السيد أبوالهدى لست ليالي خلون من ربيع الأول سنة 1327هـ المصادف 1909م وحملت جنازته على الرؤوس بحفل مهيب حضرة أكابر العلماء والسادات ، ودفن رحمه الله في زاويته بأعلى بشكطاش في اسطنبول بالحجرة الملاصقة لمحل الصلاة والأذكار ، والتي جعلها في حياته مكتبة ملأها بما أوقفه على تلك التكية من الكتب الثمينة .
بعد أن انتشر خبر وفاته في ربوع العالم الإسلامي حزن عليه كل مَن كان جالسه وسمع به ، وأقيمت مجالس الفواتح في العراق وسورية ومصر والأردن
وغيرها من البلاد الإسلامية ، وكتب يرثيه العلماء والكتاب ، ونظم لرثائه الشعراء القصائد العصماء ، وممن رثاه الشيخ عبد الحميد الرافعي ومطلع القصيدة :-
ألا كل نفسٍ للمنونِ مصيرُها ولو شيّدت بين النجومِ قصورها
وكذلك رثاه الشيخ إبراهيم الراوي بعدة قصائد غرّاء منها :
فَقَدَ الدينُ عضبَهُ المسلولا فتدرّعْ يا قلبُ صبراً جميلا
وأُخرى مطلعها :
تعالوا بنا نذري الدموع الجواريا وننشد في هذا المُصاب المراثيا

(1/11)   
 

 أرّخ الشيخ إبراهيم الراوي وفاته بهذه الأبيات :لي سيداً قد سعدا وللمعالي صعدا
أبو الهدى ومن يكن من بعده أبا الهدى
لما أتانا نعيه وفي الحشا قد عربدا
بكى الهنى فقدانه وبمراثيه حدا
أرخته أبو الهدى نحو جنان قد غدا
سنه 1327هـ
• وأرّخه الفاضل السيد محمد رشيد افندي بقوله :-
إن الهدى ذا أبوه أم مولاهُ تمزقت لعظيم الخطب أحشاهُ
والدينُ من أسفٍ يبكى عليه أساً والعلمُ يندبه والجودُ ينعاهُ
لا زال أسرته بالصبر عصمتهم أرخته وجنان الخلد مثواه
سنه 1327هـ
ألّف الشيخ إبراهيم الراوي كتاباً يشرح حياته سماه ( بلّ الصدى في ترجمة السيد أبى الهدى) .
أعقب السيد أبو الهدى ذكوراً وإناثا فمن الذكور أبقى الله له السيد حسن خالد وأحمد سراج الدين .
مؤلفاته
ألّف وصنف السيد أبوالهدى رحمه الله ، الكتب المعتبرة والمصنفات القيمة الموثوقة ، طرق بها شتى العلوم والفنون ، دينية ودنيوية ، فتراه ألف في التفسير والحديث والفقه والعقائد والتصوف واللغة والأدب والتأريخ والفلسفة ، وغير ذلك من العلوم ، نال بهذا قصب السبق على أقرانه من علماء عصره الأجلاّء ، وأصبحت كتبه من الكتب المهمة والمصادر الموثوقة الصحيحة في موضوع اختصاصها ، وبكثرة مؤلفاته خال إن الجوزي والسيوطى وغيرهما من كبار المؤلفين والمصنفين ، وسوف يجد القارئ الكريم هذا بثبت مؤلفاته ومصنفاته التالي وجل هذه الكتب طبعت في زمانه والقسم الباقي منها طبع بعد وفاته أو ما زالت مخطوطة تنتظر من يجود بطبعها وكتبه هي :-
1- أسرار الأسماء الحسنى
2- آداب المسلمين المأخوذة عن سيد المرسلين
3- الأجوبة المسكته
4- أشرف السير في خلاصة سيد البشر
5- أخبار المصافحة 6- أسرار الوجود الإنسانى
7- آيات العرفان في مولد سيد ولد عدنان 8- أسرار الأرواح
9- أسرار القرآن 10- أسانيد القوم
11- أسرار سياسة الشريعة
12- أنساب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
13- أحاديث أكابر واسط وأسانيد الواسطيين

(1/12)   
 

 14- أحكام الأسماء الخمسة15- آية الله العظمى في نشأ المصطفي صلى الله عليه وسلم
16- أسرار الملاحم 17- آداب القوم
18- الإرشاد العام في علو دين الإسلام 19- أسرار فاتحة الكتاب
20- الأخلاق المحمدية 21- أحكام الغرسة
22- أشرف القواعد في الأصول والرقائق الرواسية
23- أزهار الحديقة 24- الأبحاث الرائقة
25- أخلاق المسلمين 26- أحكام التقليد
27- أسرار سورة الإخلاص 28- أحكام السياحة
29- أحكام المدينة
30- أسرار حزب الجوهرة للإمام أحمد عزالدين الصياد رضي الله عنه
31- أسرار القيافة
32- بغية أولي الأفهام في الفرق بين الحال والمقام
33- بهجة الزمان في مآثر خليفة سيد ولد عدنان
(34- بركة الصلاة على النبي
35- بارقة العرفان في ذكر آل سيد ولد عدنان
36- بلوغ المرام في أخبار آل السيد خزام
37- بهجة الحضرتين في آل الإمام أبى العلمين
38- برهان الرحمن
39- بطون الآل الكرام ومشاهير أولياء ديار الشام
40- التحفة الهدائية في السنن النبوية
41- تنوير الأبصار في طبقات السادة الرفاعية الأخيار
42- تطبيق حكم الطريقة العلية على أحكام الشريعة النبوية
43- تأريخ الخلفاء وراثى النبي المصطفى
44- التأريخ الأوحد للغوث الرفاعي الأمجد
45- تعطير المشام في أخبار مولانا السيد علي بن خزام
46- تعطير المحاضر في أخبار الأقطاب الأربعة الأكابر
47- تراجم أعيان أتباع الإمام الرفاعي
48- تسلية البال في منافذ الخيال 49- تراجم الأئمة
50- تحقيق مسألة الجهلة
51- تعظيم إمام المسلمين لنصرة الدين
52- التحفة الجامعة في أحزاب سيدنا الإمام الرفاعي
53- الثبت الجامع 54- الثبت الخاص
55- الجوهر الشفاف في طبقات السادة الأشراف
56- جواهر العرفان
57- حضرة الإطلاق في مكارم الأخلاق
58- حديقة الفتح في ذكر الشطّاحين والشطح
59- الحقيقة المحمدية في شأن سيد البرية
60- الحق المبين في إبهات الحاسدين
61- حديقة المعاني في حقيقة الرحم الإنساني 62- حديقة الأنس

(1/13)   
 

 63- الحقيقة الباهرة في أسرار الشريعة الطاهرة 64- الحكم المهدوية65- حال دمشق 66- حكمة التصوّف
67- حكمة اختلاف المذاهب 68- حفظ آداب الدين
69- حكم الفلسفة
70- حكم الصالحين وغنيمة الصادقين في طريقة الصالحين
71- حفظ آداب الدين 72- حكم التساوي الشرعي
73- حال ساداتنا الخلفاء الأربعة 74- حكم التوحيد
75- حكم الحب الصادق 76- حال البادية
77- حل مشكلات الأخبار
78- خلاصة البيان في حكم نوع الإنسان
79- خواص ذكر الله 80- خلوه متكين
81-خزانة الأمداد في مناقب السجّاد مولانا السيد عزالدين أحمد الصياد (رضي الله عنه)
82- ديوان فائدة الهمم من مائدة الكرم
83- ديوان الدر المنتظم ومختصر براهين الحكم
84- ديوان الفيض المحمدي والمدد الأحمدي
85- ديوان الجامع لأشتات درر المعاني 86- ديوان الروض البسيم
87- ديوان التبيان الجامع بين الحكمة والبيان 88- ديوان براهين الحكم
89- ديوان قرة العين في مدائح أبى العلمين
90- ديوان روضه العرفان
91- ديوان مرآة الشهود في مدح سلطان الوجود
92- ديوان بلبل الأفراح 93- ديوان بلاغة قريش
94- ديوان غاية المطلوب
95- ديوان تشطير البردة للإمام البوصيري
96- الديانة المحمدية 97-الدر النضيد في التوحيد
98- ذخيرة المعاد في ذكر السادة بنى الصياد
99- ذكر الحبيب 100- رغبة الصادقين في طريقة الصالحين
101- روح الحكمة فيما يجب من الأخلاق على هذه الأمة
102- الروض البسام في أشهر البطون القرشية في الشام
103- الرواتب الأسبوعية
104- رياض الأسماع في أحكام الذكر والسماع
105- راحة الأرواح 106- راتب الطريقة
107- رونق حلب
108- رد السيف الرباني على وجوه الحزب الشيطاني
109- الرحلة البغدادية 110- رسالة في التواتر
111- رسالة في جواب من قال لم تكن الأحاديث كلها متواترة
112- الرقائق الرواسية 113- السيرة الأحمدية
114- سلسلة الإسعاد في تأريخ بنى الصياد
115-سياحة القلم في الحكم والمواعظ في حقيقة المسلم المتأدب

(1/14)   
 

 116- السهم الصائب لكبد من آذى أبو طالب117- سلسلة النجاح
118- سلاسل رجال الخرقة 119- سر كلمة التوحيد
120- السيرة الرفاعية
121- الشرف الباذخ في ترجيح المشايخ
122- شفاء صدور المؤمنين في هدم قواعد المبتدعين
123- شفاء الصدور في الفرق بين مرتبتي الخفا والحضور
124- شفاء القلوب بكلام النبي المحبوب 125- شوارد الأدب
126- الشمس اللمّاعة في مفاخر آل رفاعة
127- الصراط المستقيم في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم
128- صوت الهزار وزيق العذار 129- الصباح المنير
130- صوت العندليب
131- ضوء الشمس بنى الإسلام على خمس(في قوله
132- طريق الصواب في الصلاة على النبي الأواب
133- طريق السلام
134- الطريقة الرفاعية 135- عقائد السادة الحنفية
136- العقد النضيد في آداب المريد
137- العناية الربانية في ملخص الطريقة الرفاعية
138- عقود الجواهر في النسب الصيادي الطاهر
139- عقود الألماس في المشرب الأحمدي الذي كان عليه الرواس
140- علم حال في المذهب الحنفي
141- علم حال في المذهب الشافعي
142- عجائب الزمان 143- غاية المدارك في إدارة الممالك
144- غنيمة الصادقين في طريقة الصالحين
145- غنيمة الطالبين في سلوك المشايخ العارفين
146- الغرة الإلهية في الإنتصار للسادة الرفاعية
147- الفيض المحمدي والمدد الأحمدي
148-فصول الحكم في التراجم
149- فرقان المعاني 150- فرقان القلوب
151- الفرقان الدامغ بالحق أباطيل البهتان
152- الفجر المنير فيما ورد على لسان الغوث الرفاعي الكبير
153- فرحة الأحباب في أخبار الأربعة الأقطاب
154- الفرائد في العقائد
155- الفتح الرباني في مناقب الشيخ حسن القطنانى
156-فصاحة العرب 157- فضائل العلماء ووجود تقديم العلماء
158- فضيلة الحكماء 159- فلسفة التأريخ الأحمدي
160- فضيلة الصداقة وعاقبة الخائنين 161- فصول الحكماء
162- القواعد المرعية في أصول الطريقة الرفاعية
163- قلائد الزبرجد على حكم الغوث أحمد

(1/15)   
 

 164- قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر165- القلادة العسجدية 166- قلادة النحر في شرح حزب البحر
167- قواعد النظر الموافقة للخبر 168- قواعد النسابة
لولده الغوث(169- الكنز المطلسم في مد يد النبي الأعظم
170- الكوكب الزاهر في مناقب الغوث عبد القادر
171- كشف نقاب الأشكال عن زعمة الجهال في كلمة الخلخال
172- الكوكب الدري في شرح بيتى القطب السيد محمد برهان آل خزام الصيادي الرفاعي البصري
173- الكليات الهدائية 174- الكليات الأحمدية
175- كشف الغطاء عن أسرار أهل الصفاء
176- لمعة النصر في لزوم الصبر 177- لهجة العرب في الأدب
(178- لوعة يعقوب 179- لزوم محبة المصطفي
180- لطائف الأدباء
(181- المجد المخلد في أسرار اسم محمد
182- المصباح المنير في وِرد شيخ الأولياء السيد أحمد الرفاعي الكبير
183- المدد النبوي في بيان حكم العهد العلوي
184- منظومة النسب النبوي الشريف
185- المدينة الإسلامية في الحكم الشرعية
186- المشجر الأنور في آل النبي الأطهر
187- مطالع البدور في جوامع كلم الغوث الرفاعي الغيور
188- محجة السالكين 189- المقام الأمنع في المشايخ الأحمدية الأربع
190- مفاخر البيت العثماني العالي ووجوب طاعة السلطان
191- معنى الشرع 192- معرفة الشعوب
193- معنى حب الوطن من الإيمان 194- معنى المحبة
195- المشجر الأكبر 196- النصيحة القدسية
197- النور الجلي في أخبار والد سيدنا الإمام الرفاعي السيد سلطان علي
198- نفحات الأمداد على نونية سيدنا الصياد
199- نفحة الرحمن في تفسير القرآن
200- نور الإنصاف في كشف ظلمة الخلاف
201- النفحات المحمدية في الأحاديث الأربعين الأحمدية
202- النخبة في أحكام النسبة 203- نور الإسلام
204- نسب النبي 205- نفثة مصدور في النسب
206- نوابغ الحكم
207- الواعظ المعرّب في حقيقة المسلم المتأدب
208- وسيلة العارفين في أخبار سيدنا القطب الجامع بهاء الدين

(1/16)   
 

 209- وسيلة المتوسلين بحضرة سيد المرسلين210- الوسيلة في ترجمة والده
211- واجبات السلوك
212- هداية الساعي في سلوك طريقة الغوث الرفاعي
الناشر
السيد محمود السيد فاضل الحاج عويد
السامرائي الرفاعي
الرجوع الى فهرس المحتويات?
في الاستغاثة
· بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أفاض على قلوب من اختارهم من عباده فيوض العرفان وأقامهم في النوع الآدمي أئمة يهدون بأمره إلى حقائق الإيمان والإسلام والإحسان . واختارهم أبواباً لمعرفته فهم أقمار كل آن وزمان . والصلاة والسلام على المرشد الأعظم . معلم الخير الأكرم ، روح الأرواح . وكنز النجاح . باب الله الذي يصل به المنقطع . ووسيلة الوسائل الذي يستشفع به المنحط والمرتفع . سيد المخلوقين. الصادق الوعد الأمين (سيدنا وسندنا ونبينا ورسولنا ومولانا محمد صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وأصحابه المكرمين والتابعين وتابعيهم أجمعين)
( أما بعد ) فيقول العبد الضعيف اللائذ بأعتاب الجناب النبوي الشريف أحقر الورى ( محمد أبوالهدى ابن السيد أبي البركات حسن وادي آل خزام الصيادي الرفاعي ) أغاثه الله بمدده الأتم في جميع الدواعي ووالديه والمسلمين أجمعين إنه البر المعين .
قد سألني بعض الأجلاّء من الإخوان أصلح الله لي ولهم الشأن أن أكتب كتاباً مختصراً جامعاً للفوائد الكلية مشتملاً على جميع المقاصد المرعية التي تذكر مشرب السادة الرفاعية وأحكام طريقتهم العلية المرضية
فأجبت السائل خدمة للإخوان ونصيحة لأهل الإيمان وقد قال صلى الله عليه وسلم ( الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة ) الحديث.

(1/17)   
 

 وقد كتبت هذا الكتاب المستطاب المشتمل من أحكام الطريقة العلية الرفاعية على أشرف الأصول وأحسن الآداب وسميته ( الطريقة الرفاعية ) فإن شوهد من بعض من ينتمي لهذه الطريقة التي هي أقوم طرق أهل الحقيقة على الحقيقة ، ما يباين ما نص في هذا الكتاب من حال أو قال ، فيكون ذلك المنتمي دخيلاً في الطريقة وما هو من أهلها وإن الله لمع المتقين .بسم الله الرحمن الرحيم
قد علم علماء الحقيقة من فرسان ميادين الطريقة ، أن أصول الطريقة العلية الرفاعية مبنية على أساسين عظيمين ، لا تنفك عنهما بحال من الأحوال . وهما الكتاب العزيز والسُنّة السنّية المحمدية ، وقد قام بناء تلك الأصول على دعائم المعقول كلها حكم عقلية وحقائق نقلية ، لا تتجاوز الوسع العقلي ، ولا تتعدى النص النقلي ، وإن وجد في بعض أعمالها المباحة عمل ، فذلك من ترويح القلوب ، الذي نص عليه النبي المحبوب صلى الله عليه وسلم . وبه يقضي العقل الصالح ، كيلا يسأم الرجل في عمله فينقلب صالح عمله سيئا . وعن البراء بن عازب( ) رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول( جد الملائكة واجتهدوا في طاعة الله بالعقل ، وجد المؤمنون من بني آدم واجتهدوا في طاعة الله بقدر عقولهم ، فأعلمهم بطاعة الله أوفرهم عقلا) وعن الأمير الكرار سيدنا علي كرم الله وجهه ورضي عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) (إذا تقرب الناس إلى خالقهم بأنواع البر، فتقرب أنت إلى الله عز وجل بأنواع العقل تسبقهم بالدرجات والزلفى عند الناس في الدنيا

(1/18)   
 

 وعند الله تعالى في الآخرة ) وعن جابر بن عبد الله الأنصاري( ) رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا قوام له ) وقال صلى الله عليه وسلم ( لا تحدثوا أمتي إلا بما تحتمل عقولهم ) وعن ابن عباس( ) رضي الله عنه أنه قال ( أسس الدين على العقل ، وفرضت الفرائض على العقل ، وحرمت المحارم على العقل ، وما عُبد الله إلا بالعقل ) . وقال شيخنا الإمام الرفاعي الأكبر رضي الله عنه ( العقل مشتمل على أصلين ، التقرب إلى الله بالطاعة ، والتودد إلى خلق الله بالبر، والخلق الحسن ) وقال أيضا رضي الله عنه ( الدنيا والآخرة بين كلمتين : عقل ودين ).وقد أخذ شيخنا وسيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه بطريقه العالي أثر النبي صلى الله عليه وسلم ، وحذا حذوه الكريم القدم على القدم ، وقد امتن الله عليه بما لم ينله أحد من أقرانه الأجلاّء ، وإخوانه كبار الأولياء ، فأكرمه بحسن الخلق ، وقهر النفس ، والتمكين الكامل ، فلم تزلقه الدعوى ولم يزلزل متين قدمه الشطح ، ولم يخامر لسانه المبارك الإغلاق ، ولو بكلمة تأتي بالإلتباس الذي يفهم منه القول بوحدة الوجود المطلقة ، أو
(1/19)   
 

 الحلول والعياذ بالله ، أو إسناد القطع والوصل والتأثير بالقول والفعل للمخلوق ، هذا مع إعظام شأن القرآن ، وصيانة شرف التوحيد والإجلال الأتم لجناب النبي صلى الله عليه وسلم . والوله بمحبته ومحبة إخوانه الأنبياء صف كتيبته ، والإعلاء بكل طور وحال لشامخ مرتبته ومحبة آله الكرام وأصحابه الأعلام ، وتعظيم التابعين وتابعي التابعين ، والأولياء الصالحين المتقدمين منهم والمتأخرين ، والحث على نفع المسلمين وإرادة الخير لجميع الآدميين ، والبر بكل المخلوقين والمحافظة في جميع عقبات الطريق حالة السير فيه على السنة النبوية والتباعد عن المنهيات عملا بقوله تعالى
) ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) وقد استجمع طريقه المبارك أسرار الحكم النظرية ، والحقائق المعنوية والبراهين الباهرة ، والآثار الطاهرة الظاهرة ، وقد أوضح الطريقة المحمدية ، والمحجة النبوية ونصر السنة ، وقمع البدعة . ولم يكن فظاً ولا غليظاً ولا بطالاً ولا قوالاً بل كان قؤلاً فعولاً ينصر أوامر الله وينتصر بكله لله ، ولشريعة رسول الله عليه أفضل صلوات الله . وقد كان رضي الله عنه معمور الأوقات . مرضي الشأن في الحركات والسكنات . أحواله مرعية وأقواله شرعية ومقاماته عليّة وأطواره سنية وكراماته جلية ونجاباته فاطمية وأخلاقه
محمدية وطينته علوية وعلومه بديعة ومنزلته رفيعة وبراهينة لا تستقصى وأتباعه لا تحصى . وله اليد البيضاء التي سارت بذكرها الركبان واشتهرت اشتهار الشمس في عالم الإمكان . فهو الحايز على أجل مراتب القرب حين أنشد :
في حالة البعد روحي كنت أرسلها تقبل الأرض عني وهي نائبتي
وهذه دولة الأشباح قد حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
فلما أنشد هذين البيتين المعمورين وشيد هذين الركنين الرفيعين.

(1/20)   
 

 تجاه الحجرة الطاهرة المحمدية : مد له جده صلى الله عليه وسلم يده الشريفة من قبره فقبلها والناس ينظرون . ورد عليه جده السلام والناس يسمعون كان ذلك سنة خمس وخمسين وخمسمائة والقصة متواترة لم يرتب فيها مؤمن نوّر الله قلبه وبصيرته وطهّر من دنس الزيغ سريرته .وقال( ) السيوطي والصفوي ( ) والعز الفاروثي ( ) والسيد محمد( ) الوتري وجمع من أئمة الدين المعتبرين : يخشى على منكر هذه القضية السعيدة سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى . وقد قال الإمام عبد القادر( ) الطبري طاب ثراه وعمته رحمه الله بعد ذكر هذه القصة ما نصه .
هذه رتبة رقاها الرفاعي لم ينلها من الرجال سواه
هو في الأولياء قطب رحاهم قدس الله سره وحباه
وقال شيخ الإسلام السيد سراج الدين الرفاعي ثم المخزومي( ) رضي الله عنه :
لقد مدح الغوث الرفاعي أمة وماذا عسى من بعد أن قبل اليدا
ومن شرف الإرث الصريح لذاته متى ذكروه يذكرون محمدا
وقد انتمى لهذا الإمام الجليل أمم من أكابر الأمة الذين تُجلى بهم المهمة ويستغاث بهم في الملمّة . وبالجملة فهو النائب النبوي والوارث المحمدي وشيخ الأدوار والأجيال في العقد والحل . بل وإمام الكل في الكل . فالطريقة العلية الرفاعية تنسب إليه . ويعول بها بعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم عليه وهو المؤسس لبنيانها والمشيد لأركانها والآخذ إرثاً عن سلفه الطاهر العالي بعنانها والمؤيد بإذن الله لبرهانها وكلامه فيها دستور العمل ومنهاجه المبارك منتهى الأمل . وسننص عليه ونوضح إن شاء الله في طريقي الشريعة والحقيقة أسلوبه . وحسبنا الله ونعم الوكيل .
( الطريقة الرفاعية ) إحكام جانب التوحيد والتحقيق بمعانيه كإفراد القدم عن الحدوث وذلك بتنزيه الله سبحانه في ذاته وصفاته عن سمات

(1/21)   
 

 الحدوث. وقد سئل الإمام الأكبر مولانا السيد أحمد الرفاعي الحسيني رضي الله عنه عن التوحيد فقال ( وجدان تعظيم في القلب يمنع عن التعطيل والتشبيه . ومن هذا المقام تقديس صفاته سبحانه عن الترتيب . فإن ذلك يقتضي التعاقب . وفي ذلك مزلقة القول ببداية للصفات وما طرأ عليه البداية لا بد وأن تطرأ عليه النهاية . وكل ذلك من سمات الحدوث والله سبحانه منزه عن كل ذلك في ذاته وصفاته بل هو القديم الأزلي الأبدي السرمدي . قامت به صفاته فلا هي عينه ولا هي غيره وكل بارز عن سلطان صفة من صفاته فهو حادث والترتيب يجري عليه . والصفة المقدسة في مرتبة القدم ومنصة التقديس والحمد لله رب العالمين ).( الطريقة الرفاعية ) تعظيم كتاب الله تعالى بالأخذ بأحكامه الكريمة وامتثال أوامره العظيمة . عملاً بقول المفسر الأعظم صلى الله عليه وسلم لا أخذاً بالرأي ولا اتباعاً يفهمه من الكتاب الكريم العقل فمثل ذلك مزلقة تدفع إلى النار وبئس القرار .
وإن القرآن لفي منصة قُدسٍ ومرتبة عزٍّ لا يمسه من حيث معناه الأتم إلا المطهرون الذين طهرت سرائرهم واستنارت بنور العلم المحمدي بصائرهم . وله بطون وحد ومطلع . فإذا رام الأخذ بها المتأول بزعمه المغرور بفهمه وخالف الحكم المقصود ولم يقتف أثر المفسر الأعظم صلى الله عليه وسلم
هنالك يكون ضل وزل والعياذ بالله تعالى . ومن اتبع المصطفى عليه الصلاة والسلام فقد فاز فوزاً عظيما وفي ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) ( ) بلاغ لقوم يؤمنون .

(1/22)   
 

 وقال سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه ( يا مبارك اقتد بالقرآن المجيد واعمل به تسعد . وإياك والأخذ برأيك في كتاب الله تعالى ، بل انتفع بعلم نبيك وتفسيره وعمله ففي الخبر الطاهر ( صلّوا كما رأيتموني أصلي ) ولا تتكل على رأيك وعلمك وتفسيرك فتنزلق (. وقد قال الإمام جعفر الصادق رضوان الله تعالى عليه في تفسير قوله تعالى ( وفوق كل ذي علمٍ عليم ) ( ) العليم الذي هو فوق كل ذي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن الله سماه عليما . لأنه أفرغ في قلبه الكريم سر العلم وأيده به ، فيجب على كل ذي علم : أن يقف مقام العلم تحت أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو معلم الخير وعالم حضرات القدس وشيخ منبر الدلالة على الله ، وكما سماه الله تعالى عليما ، فقد سماه روؤفا رحيما ، فاقتد به واهتد بهديه ، واستنر بالسير إلى الله منه وخذ زاد القدوم على الله عنه وأنت حينئذ من المفلحين . انتهى كلامه العالي رضي الله عنه .( الطريقة الرفاعية ) الإيمان بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إقراراً باللسان وتصديقاً بالجنان وعملاً بالأركان وإتصافاً بالإحسان وهو أعني الإحسان ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ومن تم له هذا المقام فقد اتصف بالعبدية الحقة التي تلحق صاحبها بأهل السلامة إن شاء الله .
( الطريقة الرفاعية ) دوام حضور القلب واستعمال اللسان بذكر الله سبحانه وتعالى بغير عدد مع ترادف الأنفاس ، فإن العدد قيد وقد قال تعالى ( اذكروني أذكركم ) وقال صلى الله عليه وسلم ( اذكروا الله حتى يقولوا مجنون ) . وفي كلام سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه ( اجعل لقلبك بذكرك ربك حضرة . لا يتلجلج فيها غير ذكره فإنه غيور (.

(1/23)   
 

 وليكن دائماً لسانك رطباً بذكر الله وإذا ذكرت الله فأذب له أنانيتك وغرضك وعوائق نفسك وتجرد له تجرد أهل الحق الذين يذكرون إسمه ولا تهف خواطرهم إلى غيره وهنالك تليق للمجالسة . ففي الحديث القدسي ( أنا جليس من ذكرني ) وهذا الذكر الكامل الذي يلزم الذاكر المخلص بصدق القلب واللسان وصحة التمسك بسنة الحبيب العظيم عليه الصلاة والسلام ، فهو الذي علمنا الذكر ودلنا على اذكار المذكور تقدس اسمه ، تعالى شأنه ).وقد قال سيدنا الإمام السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وعنا به ( من تحقق بذكر الله تحقق بمتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تلازم هذين الحكمين كتلازم الشهادتين .
( قلت ) وفي كثرة الذكر دليل واضح على محبة العبد لله فقد روى أبو نعيم( ) وغيره عن السيدة عائشة الصديقة رضي الله عنها وعن أبيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من أحب شيئا أكثر ذكره ” وفي الحديث الشريف” بشرى للذاكرين بأن الله تعالى يحبهم ” أيضا بدليل قوله تعالى ” فاذكروني أذكركم ” ( ) وفي الحديث القدسي ” من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ” .
( الطريقة الرفاعية ) المحبة كل المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم والوله به ، وكثرة الصلاة والسلام عليه ، مع الأدب الخالص وحضور القلب عند ذكره والخشوع لجليل شأنه صلى الله عليه وسلم . والتمسك بسنته والغيرة له ولشريعته وصدق الموالاة لذريته الطاهرة وعترته والإجلال لمن شرفهم الله بصحبته والإعزاز لكل متبع له متمسك بآثاره ناصر لأنصاره ، والمحبة للأنصار ولخدام شريعته وللعرب لأجله ولجيرانه

(1/24)   
 

 وخدامه وشدة المبالغة بإحياء سنته ورد البدع التي تطرأ في أمته والوقوف عند أوامره الكريمة المقدسة والحب لمن أحبه والبغض لمن أبغضه والإعظام لآثاره الشريفة والنظر للديار الحجازية بعين الحرمة والتعظيم إجلالاً له عليه الصلاة والسلام . وكثرة قراءة القرآن الذي أنزل عليه مع التدبر حباً به عليه الصلاة والسلام . الأعم وذكر آله وأصحابه بخير بنية التعظيم له ، شرّف الله عزيز مكانته وجليل مقامه . والسعي بصالح أمته وعلمائهم والإكرام لأهل النجدة والسابقة منهم وكف الأذى عنهم والإنتصار لمظلوميهم وضعفائهم . والنصيحة بصدق الجنان واللسان لأمراء المؤمنين الذين ولاّهم الله أمر المسلمين بنية جمع كلمة الأمة وصيانتها من التفرقة التي تؤدي والعياذ بالله إلى الفشل والخذل وعلى الخصوص التحقق بالنصيحة للإمام القائم في منصة الخلافة المحمدية في كل وقت بجمع القلوب عليه والسعي بما ينفعه ويدفع عنه المضرة التي تؤذيه في نفسه وملكه وماله وحاله كل ذلك : حباً برسول الله صلى الله عليه وسلم لتقوم حفلة دينه المحمدي بالقوة والشوكة .ومن أجل مراتب المحبة له عليه الصلاة والسلام : التخلق بأخلاقه الشريفة والتحلي بأحواله والعمل بأعماله قدر الإمكان . فإن الإحاطة بذلك ما هي من شأن الصديقين فضلا عمن دونهم . وقد سئلت السيد عائشة
( رضي الله عنها ) عن خلقه عليه الصلاة والسلام فقالت : ” خلقه القرآن ” .
وقد قال شيخنا وسيدنا الإمام السيد أحمد الرفاعي ( رضي الله عنه ) ” قرب العبد من الله وقدره عند الله بقدر محبته لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقدره عنده”.
وقال أيضا ” كثرة الصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تجيز الرجل بكمال السرعة على الصراط بإذن الله . وفيها الموافقة لله تعالى ولملائكته قال تعالى ” إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما” ( )

(1/25)   
 

 ولتعلم أية المحب أن من عمل المصطفى (صلى الله عليه وسلم ) ما هو خاص بذاته الكريمة الطيبة الطاهرة فهو من معاملته مع ربه وهذا لا يطيق العمل به أحد .ومن عمله عليه الصلاة والسلام ما هو تشريعي فهو لتعليم الأمة ليعامل كل من الأمة ربه بمثله . وهذا هو المأمور به كل منا وهو ما بين مفروض ومسنون ، فالمفروض لا بد منه والمسنون يعمل منه ما يستطاع وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه ” إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل بعشر ما أمر به نجا ” .
( الطريقة الرفاعية ) الأخذ بعقيدة السلف والأدب مع الخلف .
والمعنى المقصود من الأخذ بعقيدة السلف نص عليه سيدنا الإمام السيد أحمد الرفاعي ( رضي الله عنه ) في البرهان المؤيد ولفظه .
” أي سادة نزهوا الله عن سمات المحدثين وصفات المخلوقين وطهروا عقائدهم من تفسير معنى الإستواء في حقه تعالى بالاستقراء ، كاستواء الأجسام على الأجسام المستلزم للحلول . تعالى الله عن ذلك . وإياكم والقول بالفوقية والسفلية والمكان واليد والعين بالجارحة والنزول بالإتيان والإنتقال ، فإن كل ما جاء بالكتاب والسنة مما يدل ظاهره على ما ذكر فقد جاء في الكتاب والسنة مثله مما يؤيد المقصود فما بقى إلا ما قاله صلحاء السلف وهو الإيمان بظاهر كل ذلك ورد علم المراد إلى الله ورسوله مع تنزيه الباري تعالى عن الكيف وسمات الحدوث وعلى ذلك درج الأئمة . وكل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى ورسوله ، ولكم حمل المتشابه على ما يوافق أصل المحكم لأنه أصل الكتاب والمتشابه لا يعارض المحكم ” انتهى كلامه العالي بحروفه “.
فهذه الكلمات الشريفة الأحمدية أفصحت عن اعتقاد السلف في الذات والصفات وفيما جاء بالسنة والكتاب من المتشابهات ، وقولنا أن الطريقة الرفاعية الأدب مع الخلف . أعني من العلماء العاملين ، وأكابر

(1/26)   
 

 الدين الذين عدلوا إلى التأويل الحسن الذي يوافق أصل المحكم ولهم محامل صحيحة مأخوذة أيضاً من لغة العرب واصطلاحاتهم ومطلق عباراتهم ، غير أن الأوثق والأسلم ما كان عليه السلف كما ذكر ذلك سيدنا الإمام الرفاعي ( رضي الله عنه ) وهذا الذي كان عليه والحمد لله رب العالمين .( الطريقة الرفاعية ) محبة آل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وذراريه الطاهرين محبة إجلال وإعظام وإسعاف وصدق مودة عملاً بقوله تعالى ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) ( ) هذا مع عدم الغلو الذي يدفع بالمحب إلى المزالق كبغض أحد الصحابة الكرام (رضي الله عنهم) أجمعين ، أو كالإشتغال بما شجر بينهم مع الوقوف عند حكم قوله تعالى ” تلك أمة قد خلت” ( ) الآية وإن الحب للآل الكرام يقضي بالإحسان إليهم والعطف عليهم والإجلال لهم والنظر إلى كبارهم وصغارهم بنظر الحرمة والرعاية والصيانة والوقاية حباً لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحرمة له . أرواحنا لجنابه العالي الفداء وفي الحديث ” أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن الشهب أمان لأهل السماء ” وقد كان الصديق الأكبر (رضي الله عنه ) يحب قرابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر من قرابته ويحسن إليهم أكثر من إحسانه إلى قرابته تودداً وتعظيماً لجناب المصطفى عليه الصلاة والسلام ، ولا بدع
فالمخذول من ابتُلي بالإنحراف عن مودة الآل ووجد لنفسه عذراً بالمحال واستعان على ذلك بالقيل والقال . وقد قلت من قصيدة :
نجوم الهدى آل النبي فكلهم بسمك العُلى الأسمى بدور كوامل
يطاولهم في ذروة الفخر حاسدٌ فيقصر عنهم عزمه المتطاول
اولئك قوم شرف الله قدرهم وما لهم بين البرايا مماثل
لئن حسدتهم أمةٌ ضل رأيها فكم حسد النحرير للفضل جاهل

(1/27)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) إعظام مقادير أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وحفظ حرماتهم والثناء الحسن عليهم والكف عما شجر بينهم وهذا طريق الإمام الأكبر الرفاعي (رضي الله عنه ) . كيف لا وفي الخبر ” أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديم اهتديتم ” وفي الكتاب العزيز ” ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار” ( ) ومن هذا النص تعلم منزلتهم ومكانتهم ولزوم الكف عن أذيتهم والاهتمام بحفظ حرمتهم والتحقق بمحبتهم رضي الله عنهم أجمعين.(الطريقة الرفاعية ) توقير جميع الأولياء والصالحين ، وأن يعرف الرجل لشيخه حق التقدم على الكل من رجال الوقت ، ولإمام طريقته
علو المنزلة على جميع أئمة الطرق. هذا وأن ينظر إلى الكل بعين الحرمة والرعاية ويراهم لإمامه إخوانا ، غير أن المقدم عليهم إمامه وأن قواعد طريق إمامه أصح قواعد طرق القوم وأنه أقربهم من الحضرة المقدسة الإلهية وأحبهم لدى الحضرة المعظمة المحمدية وكلهم مقربون محبوبون وعلى هدى من ربهم رضي الله عنهم ونفعنا بهم .
وهذه هي القاعدة العامة السليمة التي جمع الله بها قلوب الأمة ودفع بها كلمة الخلاف وهي سارية في المذاهب المتبعة الأربعة . فكل مقتد بإمام يرى صحة المذهب والقول والكمال في المقام لإمامه وأنه الفاضل ، وسواه من الأئمة إخوانه المجتهدين الكرام يراه مفضولاً بالنسبة لإمامه ويرى مذهبه صواباً يحتمل الخطأ ومذهب غيره خطأ يحتمل الصواب ، وكلهم فضلهم جزيل وقدرهم جليل وبهذه القاعدة المقررة اطمأنت القلوب وارتاحت الخواطر وتم الوفاق وزال الشقاق والحمد لله رب العالمين .

(1/28)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) رد القول بالوحدة المطلقة والحلول ، بل وردّ الشطحات والدعاوى العريضة التي لا يقول بها الشرع ولا يرتضيها العقل قال صلى الله عليه وسلم ( إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم ) إن أردت أن لا يكذب الله ورسوله فكلم الناس على قدر عقولهم وقال ابن مسعود رضي الله عنه ( لا تحدثوا الناس بما لا يفهمون فيُفتنون )وحيث أن القول بالوحدة المطلقة والحلول يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله تعالى ، والشطحات والدعاوى العريضة تؤدي إلى الفتنة وتزلق بقدم الرجل إلى النار فاجتنابها واجب وتركها ضربة لازب . وكل ذلك من طريق شيخنا الإمام السيد الرفاعي الحسيني رضي الله عنه وعنا به وبهذا أمر اتباعه وأشياعه وحث على ذلك أصحابه وأحزابه . وقد أوضح كل ذلك في كتابه البرهان المؤيد . وفي الكثير من مجالسه الشريفة ومقولاته المنيفة وتناقلها عنه أتباعه وأتباعهم بطناً بعد بطن وجيلاً بعد جيل . وسنأتي بذكر شيء من كلامه العالي في هذا الباب تذكرة لأولى الألباب .
قال رضي الله عنه كما في البرهان المؤيد( ) ما نصه( صموا أسماعكم عن علم الوحدة وعلم الفلسفة وما شاكلهما ، فإن هذه العلوم مزالق الأقدام إلى النار حمانا الله وإياكم الظاهر الظاهر اللهم إيماناً كإيمان العجائز . قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ).
وقال رضي الله عنه في محل آخر من البرهان المؤيد ما نصه : حالة أهل الحب تأخذ القلب فيطيش العقل فيتكلم اللسان . كلام من جن أو خمر أو غلا دمه أو أغشي عليه فدعوا الرجل وربه وهذا يكفيه منكم وتمسكوا بالحبل المتين الذي من تمسك به لن يضل أبداً. هذه الكلمات ومثلها من
الشطحات التي تتجاوز حد التحدث بالنعمة مثل صاحبها كمثل رجل نام في بيت الخلا فرأى في منامه أنه جلس على سرير سلطنة فلما استيقظ خجل وعرت مكانته الله الله بالوقوف عند الحدود عضوا على سنة السيد العظيم بالنواجذ .
مالي وألفاظ زيد ووهم عمرو وبكر

(1/29)   
 

 وجه الشريعة أهدى من سر ذاك وسريانتهى كلامه الشريف .
وليعلم أن مشرب السادة الرفاعية لما كان رد القول بالوحدة المطلقة والحلول ، بل ورد الشطحات الزائدة والدعاوى العريضة ، فمشربهم أيضاً تبرئة من نسب إليهم مثل هذه الأقوال من الكبار ويجزمون بأنها مدسوسة عليهم ومنسوبة زوراً إليهم ، والأولياء الكمل والصالحون من أهل الحق مبرؤون من مثل هذه الكلمات والقول بها . وقد نص العارف الشعراني رحمه الله تعالى ونفعنا به على أن يهودياً دس أشياء كثيرة في كتب الشيخ العارف محيي الدين بن عربي قدس سره . وكذلك نص الحافظ الذهبي والحافظ ابن حجر العسقلاني والحافظ بن رجب الحنبلي أن الشنطوفي مؤلف بهجة الأسرار في مناقب الغوث الجليل ، ذي الباع الطويل القطب الكبير الرباني أبي محمد السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني
رضي الله عنه ، قد كتب في البهجة المذكورة ما لا يصح إسناده لحضرة الغوث المشار إليه رضوان الله عليه وراج عليه حكايات وكلمات كثيرة مكذوبة . وقد نقل عن جمع من الأكابر الكثير من الأقوال العجيبة.
وحتى أن أهل الجرأة والعياذ بالله وضعوا الأحاديث الكثيرة المكذوبة وأسندوها لحضرة المصطفى الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
فعلى هذا تجل الأكابر عن كل ما يسند إليهم ويحمل ظلماً وعدواناً عليهم . وهم أهل الحق وأرباب الغيرة على الحق بالصدق ، وربما لا يروق مثل قولنا هذا لعين الجاهل أو خسيس الهمة المتجاهل الذي يريد غش العوام الذي يرى الكثير منهم لجهلهم كالأنعام ليسلب منهم دريهماً يبتلعها وبغيه يصل إليها مضمخة بالدجل والحيلة وبئس تلك الوسيلة من وسيلة ولذا يريد إسناد الشطحات والدعاوى الكاذبات ، للقوم الأكابر أهل الباطن العامر والظاهر الطاهر ، كل ذلك لغرض غايته العرض وحقيقته مرض.

(1/30)   
 

 وقد نرى في زماننا الرجل الذي لا تعرف له قبيلة ، بل ولم تشهر له قط بالأحوال العالية فصيلة ، يكتسى بمرط من ديباج ويطيل الشعر ويلبس التاج ويدعي القطبية والغوثية ، ويرفع نفسه من حضيض أوساخه الدنية إلى مقام النيابة المقدسة المحمدية ، ولم يخف من سوء الخاتمة ، بل ولم يخشقهارية السلطنة المصفطوية الدائمة ، ويتدرج فيدعي النسب النبوي الطاهر ويندمج بواهمة زوره وبهتانه في الآل اولي المفاخر، وربما يطعن بنسب قوم من بطون الآل أحبهم الرسول ، وعظمت مراتبهم في ذؤابات آل المرتضى والبتول ، ويعطي للمدعيين بخياله الشرف الوضاح ويبيح لهم المجد المحمدي الذي لم يكن بمباح ويقرب بيد بهتانه من البيت المحمدي من لم يكن منه ، ويبعد بصادمة شيطانه أفلاذه الطاهرة عنه .
وربما كان سبب القطع عنده هو عند الشرع والعقل من أجل الدلائل على صحة الاتصال وسبب الوصل من أعظم البراهين على الانفصال ، مثل رؤية الفقر قاطعا للرجل عن النسب والغني ملحقا له بذلك الحسب . والحال أن سيد الأنام عليه الصلاة والسلام قال (الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد ) وقال عليه الصلاة والسلام ( اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا اللهم اجعل رزق آل محمد قوت يومهم) إلى غير ذلك من الأدعية النبوية المستجابة وقد قلت في هذا المعنى بيتين وهما :
قيل بعد العلي ونيل الأماني نلت عيش الكفاف لا بالرخاء
قلت هذا دعاء خير البرايا وأبو الآل مستجاب الدعاء
ودعوى النسب الطاهر بلا حكم شرعي هو انتماء لغير موالي المدعي ومثله ملعون بنص ما جاء في الخبر ( من انتسب لغير مواليه فهو ملعون )
وفي رواية أخرى ( ملعون من انتمى لغير مواليه ) .

(1/31)   
 

 ومعلوم بالبداهة عند أرباب الفهوم والنباهة ، أن النسب الطاهر لا مزية له في الدنيا سوى البركة ومزيته العظمى في الآخرة أخذاً من قوله تعالى ( )} وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الآية . فإذا لم يكن ذلك الإلحاق صحيحاً عند الله فمن أين تحصل منه الفائدة فليتدبر.والدعاوى العريضة من حيث هي سواء دعوى النسب أو دعوى الولاية والمقامات المعنوية العالية . وإن انتجت في أمر الدنيا شيئاً تطمع به نفوس أهل الغواية فهي سم قاتل وويل حاصل وبلاء عاجل وآجل ومع كل ذلك يستعذب قول القائل :
كل من يدعي بما ليس فيه كذبته شواهد الامتحان
ومثل ذلك بل أهم منه بفراسخ التجري على الطعن بالآل الكرام ذرية المصطفى عليه الصلاة والسلام والتهجم عليهم وإسناد المعائب إليهم وخدش أنسابهم ولمز أحسابهم ، والإيذاء لأهل الحق من عصابة القوم المبرئين من اللوم ، فكل ذلك إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربة لله جل وعلا . وقد ذل وخسر من آذى رسول الله ، وصغر وأهين من حارب
الله ولا حول ولا قوة إلا بالله .
والعاقل يفهم من حكم الطريقة الرفاعية التي هي عين الشريعة الطاهرة المحمدية فضيلة التباعد عن الدعوى ، ويعلم حق العلم أن الدعوى فيها وإن صغرت بعين المدعي أكبر البلوى.
وقد أورد شيخنا وملاذنا القطب الغوث الجامع العلامة الأوحد السيد بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي الحسيني الشهير بالرواس رضي الله عنه في رسالة له إسمها( ) ” واردات الغيب ” قصيدة تجمع أحكام هذه المعاني المنصوصة وها أنا أذكرها برمتها تبركاً بكلامه العالي قال رضي الله عنه :
هذا طريق الشرع يا مغرورُ خل الهوى فالكل حقٌ نورُ
لا تنبسط للشطح واعرف حكمه وافطن فزعم الشاطحين غرورُ
واهجر دعاوى الإتحاد ومثلها دعوى الحلولِ فنصلها مكسورُ
قدّس بسرّك ذاتِ ربك إنه فردٌ شديدُ الإنتقام صبورُ

(1/32)   
 

 أيُغرك الإمهال منه ألا انتبه فإليه عاقبةُ الأمورِ تصيرُوصفاته قدِّسْ حقائقها ففي تقديسها كل امرئٍ مأمورُ
فصفاته لا عينه أو غيره قامت به ومع الورودِ صدورُ
لا تقبل الترتيبَ بل ضمنيةٌ تنشق عنها في الكيان ستورُ
فالشق يحدث والصفات قديمةٌ مضمونها في علمه موقورُ
وبنسبة الأحداث يحدث كلما يبدو وللمعنى الخفي ظهورُ
والعلم ترسم فيه كلَّ حقيقةٍ وإذا انجلت فنسيجها منظورُ
رسْمُ المعاني في قديمِ العلمِ مطـ ويٌ وحادث نسجها منشورُ
ومن الغيوب لكل شيءٍ بارزٍ معنى عليه من الجلال ستورُ
ولقد توفى كل نفس أبرزت أجلاً ولَوْحُ كتابها مسطورُ
فعن الكرام الكاتبين خطوطُها تبدو وكل لحادثٍ مقهورُ
فالقائلون بوحدةٍ إطلاقها نزغات زيغٍ كلهم ممكورُ
راموا القصور بوهمهم فرمى بهم من قرب شاهقةِ القصورِ قصورُ
فلبعضهم حد السيوف وبعضهم لكماله في حاله معذورُ
وكلامه في الشطح نقصٌ ظاهرٌ وبه عن النهجِ القويمِ فتورُ
قولٌ يُقالُ وليس يُكتب بل ولا يُرضي وزاعمه الغنيُ فقيرُ
وكذاك دعوى الفعل باستبداد مَنْ يُعزى إليه فردُّها مشهورُ
إن كان عن خلق الإله فإنها حقٌ وإلا فهي حقٌ زورُ
فبحكم نص الشرع لم يسند إلى الـ مخلوقِ في أفعالهِ التأثيرُ
الله جلَّ هو المؤثرُ والذي للغيرِ يُسنَدُ قاله المخمورُ
وأتى أُناسٌ أسقطوا التقليدَ في هذي المذاهبِ والجهولُ صبورُ
أهل المذاهبِ نقّحوا أحكامَها حِكماً تضيء وقولُهم منصورُ
خدموا النبي بشرعِهِ وسعَوا بعز مِ الصادقين فسعيهم مشكورُ
ولقد أحاطوا بالنصوص ونهجها قالوهُ لا سبَقٌ ولا تقصيرُ
قد قلدوا المعصومَ لكن وافقوا قولَ الأئمةِ والإمامُ بصيرُ
حاز العُلى بالإجتهاد فكل ما أبداه من عملٍ هو المبرورِ
فالزم طريقتهم وخل من انتحى بزعومه إن الإلهَ غيورُ
وابهجْ بميراثِ النبي ولا تزغْ فالله للبرِّ التقي نصيرُ

(1/33)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) موافقة إمام من الأئمة الأربعة الكرام أصحاب المذاهب المتبعة في الإسلام . والأخذ بما كان عليه من دون تلفيق ولا تخليط جزماً بأن الإمام الأعظم أبا حنيفة أو الإمام الأجل الشافعي أو الإمام المكرم مالكاً أو الإمام المبجل أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أعلم من ذلك المقتدى به إقتداء تعلم وتتلمذ لا اتباعاً في ذات الحكم والتقليد فيه إنما هو اتباع وتقليد للمعصوم صلى الله عليه وسلم ، ومثلوا ذلك بقوم رأوا الهلال وآخرون لم يروه فدلوهم عليه بإشارات وعلامات فرأوه فالدلالة ممن علم موقع الهلال ، وأما الرؤية بعد فهي بباصرة الرأيين دون شبهة .وكذلك الإمام المُقتدى به دل الناس على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه وعمله فلما عرفوا الحكم قلدوا المعصوم لا غير . هذا قول شيخنا الإمام العلامة السيد بهاء الدين محمد مهدي الصيادي الرفاعي رضي الله عنه .
وقد قال بعد هذا الكلام النفيس ومن حمل المسلمين على غير هذا فقد جازف فإن أجهل الجاهلين من العامة ، يعلم أن المُطاع أمرَ النبي صلى الله عليه وسلم الآمر بأمر الله لا الملقن والمعلم من الناس كائنا من كان .
( قلت ) ولهذا فلا يؤتمن على أوامر النبي إلا الكمل كالأئمة المجتهدين وورثة علومهم الذين وقفوا مع الإجماع وابتعدوا عن الزلل والإبتداع .
ورضي الله تعالى عن شيخنا الإمام السيد بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي رضي الله عنه فإنه قال كما في ” البوارق” ( ) وفي فصل الخطاب ما نصه .
ولا يلتفت إلى قول من أسقط التقليد في الأحكام اكتفاء بالكتاب والسنة . فإن ذلك الرجل جهل أنه قلد بتلقي السنة والكتاب وأراد بعد كل هذا أن ينزع طوق التقليد الشريف من عنقه طيشاً على أنه لو أنكر عليه المنكر الحديث الذي يرويه ويستدل به لاحتاج إلى إسناد الحديث ومتى أسنده فقد قلد راويه ، أعني بأخذ الحديث على أنه لم يكن يعلم
ذلك الحديث قبل أخذه عمن أسنده إليه .

(1/34)   
 

 والتقليد الذي كثر في القال والقيل ينتهي عند علماء الكلام إلى وجهين . الوجه الأول قولهم بعدم صحة التقليد في العقائد الدينية . فإن كان المقلد قادراً على النظر والإستدلال وقلّد فهو مؤمن عاص ، وإن لم يكن قادراً على النظر والإستدلال فلا يكون عاصياً ، ومنهم من حرّم النظر ومنهم من أوجبه وقال تركه معصية وأطال الجماعة في طرق هذا الوجه . والوجه الثاني تكفير المقلد عند قوم وجعله عاصياً عند آخرين والقول بإيمانه عند طائفة البتة .وملخص الصواب أن التكفير مردود لشموله العوام الذين هم غالب الأمة والقول بالمعصية فيه ما فيه . لأن من تلقى علم العقائد من شيخ لا يلزم من تلقيه عنه أن يكون مقلد له حتى يجري الخلاف في صحة إيمانه أو جعله عاصياً وإنما هو بمنزلة من سأل رجلاً عن الهلال فدله عليه بتعريفات وإشارات واراءة منزله ثم اهتُدي إليه فأمعن النظر وتحققه فصار يخبر برؤيته عن يقين .
وعلى هذا طبقات الأمة بلا شبهة فإنهم يؤمنون بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم إيمانا بتّاً محضاً لا تمسه شوائب الشبهات إيقاناً وإذعاناً بعصمته وأخذاً عنه صلى الله عليه وسلم وانقياداً لأوامر الله تعالى
وإيمانا به سبحانه ، وإلا فلا يقلدون غير المعصوم اعتماداً على قوله ولا يعملون بالهوى بل يتبعون النص القرآني والحكم الرباني الذي أنزله على عبده المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى . انتهي كلام شيخنا قدس الله تعالى روحه المباركة ونفعنا به وفيه الكفاية وإليه الغاية .

(1/35)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) عدم القول بتصرف الأرواح وسريان الهمم استبداداً لا للأحياء ولا للأموات ولا يثبتون إغاثة ولا إعانة لمخلوق بالاستبداد منه بل يقولون أن الرحيم الكريم جلت قدرته وتعالت عظمته يفيض القدرة والإغاثة والإعانة إلى أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والى أرواح الأولياء والصالحين . وهم يفيضون الإغاثة والإعانة بإفاضة الله سبحانه للمستمدين والنادبين والله المعين . قال شيخ مشايخ الإسلام الإمام الهمام سيدنا السيد أحمد الرفاعي الحسيني رضي الله عنه وعنا به في البرهان المؤيد ما نصه .( شر الهوى رؤية الأغيار والاشتغال عن الخالق بالمخلوق . ما الذي يراه العاقل من الاشتغال بغيره القول بتأثير غيره في كل أثر ما قليل أو كثير كلي أو جزئي شرك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله ابن عباس رضي الله عنهما : يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن
بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعونك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ).

(1/36)   
 

 وقال الإمام الرفاعي رضي الله عنه في محل آخر من البرهان ما لفظه أي سادة إذا استعنتم بعباد الله وأوليائه فلا تشهدوا المعونة والإغاثة منهم فإن ذلك شرك ، ولكن اطلبوا الحوائج بمحبته لهم ( رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع في الأبواب لو أقسم على الله لأبره ) صرفهم الله في الأكوان ، وقلب لهم الأعيان . وجعلهم يقولون بإذنه للشئ كن فيكون . عيسى عليه السلام خلق طيراً من الطين بإذن الله ، أحيى الموتى بإذن الله . نبينا وحبيبنا سيد سادات الأنبياء محمد عليه أفضل الصلاة والسلام حن الجذع إليه وسلمت الجمادات عليه وجمع الله به ما تفرق في الأنبياء والمرسلين من المعجزات ، وجرت أسرار معجزاته في أولياء أمته فهي للأولياء كرامات تمر. وله عليه الصلاة والسلام معجزة تستمر، أي ولدي أي أخي إذا قلت اللهم إني أسألك برحمتك فكأنك قلت أسألك بولاية عبدك الشيخ منصور وغيره من الأولياء لأن الولاية اختصاص يختص برحمته من يشاء.فإذاً إياك وإعطاء قدرة الراحم إلى المرحوم ، فإن الفعل والقوة والحول
له سبحانه والوسيلة رحمته التي اختص بها عبده الولي فتقرب برحمته ومحبته وعنايته التي اختص بها خواص عباده إليه عند حاجتك ووحده في كل فعل فهو غيور . انتهى كلامه الشريف.
ومنه تفهم أن مشرب السادة الرفاعية عدم إهمال الآثار ولكنهم يردون قدرة الآثار إلى واهبها المؤثر الحقيقي، وبهذا يستكملون الأدب مع الأنبياء والأولياء والصديقين والصالحين ، ويعرفون حتى استيداع الأسرار الكلية والجزئية في الذرات الكيانية أدباً مع المودع المقبض الحق الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وركب الإنسان في أي صورة ما شاء وبإعطائه الأشياء خلقها أقام فيها سرّاً هداها إليه يفهم ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم ( اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له ).

(1/37)   
 

 والعبد بين فعل يُجرى عليه اضطراري وفعل يجري منه اختياري. فما اختاره بإرادته الجزئية يسأل عنه وما لم يختره من الأفعال الاضطرارية كالنوم والإغشاء وما يحدث فيهما من قول وعمل وأشباه ذلك فإنه لا يسأل عنه ومثله الحب وعكسه والخطرات .وفي نص قوله عليه الصلاة والسلام ( اللهم إن هذا ما أملك بلاغ ) ففي هذا إقامة الحجة الباهرة على الأمرين الاختيار والاضطرار ، وقد
قام في الجسم سلطان للنفس وفيها قال تعالى ( ) ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) وقام تجاهه سلطان للروح وهي تجذب القالب على المطالب الشريفة قال تعالى ( ) ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) ولما كانت منشقة من الأمر لا تكون مخالفة له البتة .
والحاكم بين النفس والروح والعقل فإن شملته الهداية وحفته عصمة الحفظ برحمته تعالى من الزلل بمضمون قوله تعالى ( ) ( إلا ما رحم ربي ) قاد صاحبه إلى الخير والبر وإن ترك والعياذ بالله ترك سخط ، ووكل الرجل إلى نفسه زل بحكم عقله فانطبق مع النفس وصار لها آلة للسوء والقبح .
ومن هذه الجمل يعرف اللبيب أن العبد مختار في ما يمكن له فعله ويصح له إجراؤه ، وقد يرى كل منا قدرة في نفسه على القيام والقعود والكلام والضحك ورفع اليد ووضعها واستعمال النفس في غاياتها ومنعها ، ويعلم العاقل أيضاً أن العبد مجبور في ما لا يمكن له فعله ولا تبلغه قوته فهو في كل فعل اختياري مثاب أو معاقب أو معاتب ، وفي كل فعل اضطراري غير مسؤول وبهذا قامت الأدلة النقلية والعقلية.

(1/38)   
 

 ولهذا بعث الرسل والأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام وقام عنهم نوابهم الأماجد الصديقون والعارفون والعلماء العاملون. وقد صح في الحديث الشريف ( إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ) وقال عليه الصلاة والسلام ( بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وقال تعالى( ) ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) فهل البعثة كانت إلا لتكميل مكارم الأخلاق التي يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم إتمامها ويمكن للأمة العمل بها ؟ وهل ذلك إلا الاختيار ، وهل المجدد إلا القائم بالنيابة عن النبي في الأمة بما جاء به ؟ فهل يكلف للتجديد إلا بعد تحقق الإمكان وهو إضافة العمل للعامل إلا القول باختياره ؟ ولكن هو اختيار محدود بالإرادة الجزئية مقصورة القدرة بالإرادة الكلية ، يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) فقوله اعملوا بما هو في بحبوحة اختياركم وفوق ذلك الاختيار ما يسرتم له . ويوضح سر ذلك قوله سبحانه وتعالى( ) ( إياك نعبد ) أي بإرادتنا الجزئية ( ) ” وإياك نستعين” أي على العمل بإرادتك الكلية وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قال ( ) “واعلموا أن اللهيحول بين المرء وقلبه ) فالقلب لكونه مهبط شروق العقل يبرز منه التدبير وينصرف بكله إلى فعل شيء ، فيعارضه فيه سلطان الألوهية فيحول بين المرء والقلب فلا ينقاد المرء لما برز من خزانة القلب يشارقة العقل من التدبير وتنحط عزيمته عن العمل ومعارضة سلطان الألوهية للتدبيرات العقلية.
(1/39)   
 

 والعزائم القلبية لا تكون إلا عن حكمة منصوصة في مبرمة مخصوصة فحينئذ يبرز من ركن العلم بارز الإرادة فيتنزل إلى حظيرة الأمر من معنى قوله تعالى ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً ) ( ) فيقضي المبرم والحكم لله وفي مقام الإبرام فلا كلام فإن هناك كلمة الإجبار قائمة وفي المقام الثاني فقوله تعالى ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ( ) فقد أطلق لفظ المجاهدة بلا قيد وفوضه لإرادة العبد فليتدبر.قال شيخنا الإمام السيد بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي رضي الله عنه وعنا به ( العالم العارف لا يرى نفسه مجبوراً ولا مستبداً ، لا شهود الجبر يقعده عن المقاصد ولا شهود الإستبداد يقيمه
إلى التجري على المفاسد ) فمن تدبر ما طواه شيخنا رضي الله عنه في هذه الجملة من رقيق الحقائق وقف عندها فأمن بإذن الله من المزالق .
( الطريقة الرفاعية ) الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى ، غير أن السادة الرفاعية أرباب المعارف الوفيرة والهمم العلية ، قدس الله أسرارهم وأرواحهم ، بينوا في هذا المقام طريقاً تقطر الحكمة منه ولا يعدل المتشرع العاقل عنه. قال شيخنا الإمام السيد بهاء الدين مهدي آل خزام الرفاعي الشهير بالرواس رضي الله عنه وعنا به : القدرُ سرٌ من أسرار القديم لا يصل إلى كنهه عقل الحادث ولذلك زلق بعض المتفلسفة فأنكروا القدر وقال شاعرهم :
وعاجزُ الرأي مِضياعٌ لفرصته حتى إذا فات أمرٌ عاتب القدَرا

(1/40)   
 

 والحال أن الحكمة الحقة والمعرفة الصحيحة تقضي طبعاً بالإيمان بالقدر كل الإيمان ، والإيمان لا يتضمن ضياع الفرصة كما فهم قائلهم بل الإيمان بالقدر يلزم بإغتنام الفرصة كل الإغتنام ، لعل سر القدر يسعف وتأتي الفرصة بالمطلوب مع اعتقاد الفعل في الكل للقدير القاهر الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وكم من فرصة أنتجت أعظم غصة والحكيم المحمدي العاقل العالم العارف يقف بين القدر والعقل لا يهمل القدر فيضل ولا يهمل العقل فيزل يأخذ بالتدبير ويستكشف به سر التقدير فإنانبلج له نور ذلك السر مشرقاً معيناً ، أعمَلَ التدبيرَ كل الإعمال واستعمله في رقائق الأعمال وان ظهر له ذلك السر من سجف القدر معارضا لما هو يتطلبه فيكون مع القدر فإن معارضة الأقدار من جواذب الأكدار وأقول :
وإذا الأمور تقاربت لأوانها حُلّتْ عُرى الأقدارِ بالأقدارِ
ومن هذا تفهم أيها الولد الصالح والوارث الفالح إن شاء الله ، أن أسرار القدر لمّا كانت فوق مدارك العقل فلا يبسط الحكيم المحمدي يديه ويمد رجليه ويزعم التسليم بإهمال التدبير وإذا دبّر وطوّل وقصّر لا يزعم القدرة في النتيجة بل يسعي ويرد الفعل للفعال المطلق الذي له الخلق والأمر وهو بعد السعي والتدبير على كل شيء قدير واليه المصير .
وقد قرأ الأمير الكرار كرم الله وجهه ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ( ) و )لا ( الألوهية وقرأها أيضاً كما قرأها الجمهور بلفظ إلا وقال بالحكمين وأوضح السرين والأمرين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . انتهى كلام شيخنا رضي الله عنه .
( قلت ) وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي أراد أن يفلت ناقته ويتوكل ما نصه ” إعقلها وتوكل” .

(1/41)   
 

 وقد قال شيخنا الأكبر الامام السيد أحمد الرفاعي الحسيني رضي الله عنه وعنا به في النظام الخاص( ) ” لا تقل قدره أوقفني عن السير إليه ، هذا من بطالتك من كسل عزمك وفتور عزيمتك ، اجعل القضاء والقدر صفاً وابعث معهما قلبك ويقينك واعتقادك ، واجعل العقل والتدبير صفاً وابعث معهما رأيك وحزمك وأملك بربك واعتمادك ، وأقم بين الصفين حرب العمل وكن أنت في صف العقل والتدبير المؤيد بحسن الظن بالله وبصدق الإعتماد عليه سبحانه فإذا انكشف غبار تلك الحرب عن غلبة لك في أمرك فقد أثمر غصن أملك بربك وحسن ظنك به وصدق اعتمادك عليه ففزت بمطلوبك وإن انكشف الغبار عن المغلوبية لك في شأنك ، فقد انكشف لك غطاء القدر وانت حيئنذ معذور وسعيك مشكور ، وعملك عند الله تعالى وخاصة عباده مبرور ” انتهى كلامه العالي رضوان الله عليه وهو لباب الشرع ومفاد النصوص وسر الحكمة الباهرة التي لا محيد للمؤمن عنها ولا بد للعاقل منها والسلام .( الطريقة الرفاعية ) التفكر في مصنوعات الله تعالى وآلائه سبحانه والكف عن التفكر في الذات والخوض في الصفات فذلك مزلقة
والعياذ بالله . وقد أُمرنا بنص الكتاب أن نتفكر في خلق السموات والأرض والجبال والإبل وأنفسنا وغير ذلك ليتجلى للفكر سر عظمة الصانع وقد تكلم الإمام الأكبر والغوث الأعظم الأشهر مقبل يد جده النبي الأزهر الأطهر أعني سيدنا وإمامنا السيد أحمد الكبير الحسيني الرفاعي رضي الله عنه وعنا به في مجالسه الشريفة على أسرار المصنوعات ليلزم السالك والواصل والمفضول والفاضل بالتفكر في آلاء الله وقد أتى بالعجب العجاب في هذا الباب ومن ذلك قوله دام منهمراً فضله .

(1/42)   
 

 معاشر الإخوان أول ما يلزم لرياضة عقولكم أن تفكروا بآلائه تعالت قدرته كيف لف هذه الأرض وبسطها فأحسنها تصويراً وأدار عليها شراع السماء فقدّرها تقديراً ، وكوّر ضمنها كوكب الشمس فأشبعها تكويراً ، ونشر في مطوي العالم الأعلى هذه الكواكب طبقة محلقة وغير محلقة ، بعض تلك الكواكب من دنياكم أكبر وبعضها من بعضها أزيد عظما وأنوار ذوائبها ملتفة الأشعة منعقدة على حبال الاصطدام الثابت وأدوارها ملفوفة على مقاعد أبراجها فبعضها معلق وبعضها ثابت وراء حجاب كل واحد منها حجب قائمة برفارف الغيوب قصرت عن الوصول لغايتها الأبصار فأنكرتها العقول ودون كل جسم منها أجسام استصغرها الطرف وهي أعظم من الدنيا بالعرض والطول .قامت بالأعمد على فلك الريح الساكن ووقفت مع انجذاباتها الطبيعية فكانت لنفسها كالأماكن خيام مبنية على كواكب ضوئية تسبح في أفلاكها يسير لا يقطع الطريق سقوطاً وتقوم في مدارجها فلا ترفع شراع الطي هبوطاً ولها عوالم لها ملازمة وبها قائمة لو اطلعتم عليها لوليتم منهم فراراً ولمُلئتم منهم رعبا .
قلت وقد أطال الإمام الرفاعي رضي الله عنه في هذه المقالة وأوضح وأفصح وأتى بما يداوي العليل ويشفى الغليل وقد كشف غوامض أسرار وحقائق آثار لم يكشف شراعها غيره من أولياء الأمة المستغاث بهم في المهمة ، وهذا مما يدل كل لبيب على علو منزلته ورفيع مرتبته وسعة علمه وعرفانه وتقدمه في هذه المقامات الشامخة على أكفائه وأقرانه . وقد أخرج ابن جرير وابن منذر عن ابن مسعود وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين قالوا ” إن الله تعالى خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار والجبال والبرد مالا يعلم ثم زين سماء الدنيا بكواكب فجعلها زينة وحفظها من الشياطين ” ( ) وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ( جبال السماء أكثر من جبال الأرض ) وأخرج الجلال السيوطي في كتاب الهيئة على طريق السنة عن ابن أبي حاتم عن

(1/43)   
 

 جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن سموات الله على أرضه هكذا وقال بأصبعه مثل القبة ) وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى ” والسماء وما بناها ” ( ) قال بناء السماء على الأرض كهيئة القبة وأخرج أبو الشيخ عن إياس ( قال السماء مقبية على الأرض مثل القبة ( وقال الإمام الدارمي في تفسير قوله تعالى “رفع السموات ” ( ) روى حماد بن سلمة عن إياس ( قال السماء مقبية على الأرض مثل القبة ) انتهى ما نقله الدارمي .وقال الإمام السمرقندي في تفسير قوله تعالى ( والسماء وما بناها ) أي سقفاً قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي (كل سماء مطبقة على الأخرى مثل القبة وسماء الدنيا ملتزقة على الأرض أطرافها ) .
وقلت وهذا دليل على التصاق العالمين ببعضهما . وهذا قول سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه وعنا به فإنه صرح بالتصاق العالمين ويكون العالم العلوي كالقبة غير أن تعريفه العالي يفيد أن القبة السماوية كروية والأرض بيضوية الشكل أخذا من قوله تعالى ” والأرض بعد ذلك دحاها ” ( ) واسم البيضة دحية فليتدبر .
وقد قال رضي الله عنه تدور الأرض وحركتها بحركة العالم الأعلى ، واستدل لذلك بآيات كريمة صريحة المفاد وكل ذلك دليل على عظم قدرة الصانع ، فإذا تم التفكر للسالك وقف مع الأدب الشامل خاشعاً لله ممتثلاً كل ما أُمر به بواسطة رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلّم وخاف مقامه سبحانه وصار حينئذٍ مظهراً لقوله تعالى ” وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى” ( ) وقد قال شيخنا غوث الأمة خلف الأئمة سلطان الأولياء السيد أحمد الرفاعي الحسيني رضي الله عنه .

(1/44)   
 

 ( أي سادة الفكر أول أعمال النبي صلى الله عليه وسلم كان قبل فرضية المفروضات عبادته التفكر في آلاء الله ومصنوعاته حتى كلف ما كلف عليه صلوات الله وسلامه فعليكم بالتفكر في آلاء الله وأخذ العبرة من الفكرة فإن الفكرة إذا خلت من العبرة بقيت وسواساً وخيالا وإذا انتجت العبرة بقيت واعظاً وحكمة ، احكموا الأعمال لله بالتفكر على أصل صحيح واحكموا الأخلاق بعد الأعمال على طريق مليح وزينوا كل ذلك بالنية ) انتهى كلامه العالي .ومنه يُفهم السر بالمقصود من التفكر ، وقال شيخنا القطب الغوث
الجامع السيد محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي رضي الله عنه. لا يفيدك النظر بلا عبرة ولا العبرة بلا علم ولا العلم بلا عقل ولا العقل بلا توفيق. والتوفيق رفيق الأدب والأدب صاحب الإذعان نتيجة التواضع والتواضع أخو المروءة والمروءة من الإيمان .
وفي بعض مكتوباته الشريفة رضي الله عنه ما نصه : لا تفهم من معنى التوفيق ملاءمة الدنيا وكثرة طقطقة النعال حولك فإن ملاءمة أمر الدنيا يشترك فيه البر والفاجر والمؤمن والكافر والصادق والكاذب، والممكور والمقبول ، وكم طيرت طقطقة النعال خلف الرجال من رأي وكم أذهبت من دين وإنما التوفيق ملاءمتك ومن اتبعك . وقال بقولك للحق والصدق في الأقوال والأفعال مع الزهد والوقوف عند الحد وذر الدموع لله على الخد . وإن لم يكن الأمر إلا دريهمات تكسب وأغراض تنهب ولقيمات تؤكل ومآرب تتحصل ، فما ذلك إلا استدراج وقطيعة وصدمة من صدمات الأقدار ، وخط صريح مكتوب على جبهة رب تلك الخلال بأنه من المندفعين إلى النار ، فليقم بذله قبل زلوق نعله ، وليبك على حاله وليجتهد بإصلاح أقواله وأفعاله ، معرضاً عن ماله ومناله وعمه وخاله ، وهنالك يُرجى له بالصلاح النجاح وهذا طريق حي على الفلاح والله ولي المتقين .

(1/45)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) ذكر الله سبحانه وتعالى مع الإخوان بالجهر التام وحسن الانتظام والأدب الكامل حالة القعود والقيام وقبض البصيرة والبصر عن النظر إلى الآثار وقوفاً مع جلالة المذكور العظيم الرحمن الرحيم . والذكر منفرداً خفية بحيث لا يطلع على سر العبد السالك الذاكر غير ربه أحد ، وهذا هو تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه المتأدبين بآدابه .وعلى هذا فقد أحكم الطريقة الرفاعية شيخها إمام الأولياء وسلطانهم وقائد أزمة العارفين وبرهانهم مولانا السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وعنا به وقد زل جماعة من المتفقهة الذين يزعمون العلم وهم على طائفة من الجهل فخاضوا بالقوم أهل الذكر فحرموا بواهمة زورهم أذكارهم وخدشوا بغيهم مقدارهم حسداً من عند أنفسهم وروَوا الأحاديث الموضوعة والأخبار المكذوبة يريدون بذلك شفاء غيظهم وتبردة نار حقدهم وتسكين ثورة جهلهم والحق وراء كل بهتانهم وبعد غاية بعد دجلهم وخدائع شيطانهم وسنذكر ما فيه بلاغ إن شاء الله إرشاداً للمحبين وتذكرة للمؤمنين وإيقاظاً للغافلين وردعاً للمجترئين من الكاذبين ، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ولا يصلح عمل المفسدين وهو الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين .
قال في التنبيه ( ) ” اعلم أن ذكر الله تعالى أفضل العبادات ” لأن الله تعالى جعل لسائر العبادات مقداراً وأوقاتاً أي كالصلوات الخمس وعدد الركعات وكالزكاة والصوم وقال تعالى ” واذكروا الله ذكراً كثيراً ” ( ) يعني اذكروا الله في جميع الأحوال وقال تعالى ” ولذكر الله أكبر ” ( ) وفيه خمس خصال محمودة : أولها أن فيه رضاء الله . والثاني أن فيه حرزاً من الشيطان . والثالث أن فيه رقة القلب ، والرابع أنه يزيد الحرص على الطاعة . والخامس أنه يمنع من المعاصي .

(1/46)   
 

 وقال في تفسير الكاشاني قال الفضيل بن عياض ” الذاكر ناعم وغانم وسالم ناعم بالذكر وغانم بالأجر وسالم من الوزر ” وقال الإمام السيوطي رحمه الله ونفع به في رسالته نتيجة الفكر في الجهر بالذكر الرسالة التي أفتى فيها بجواز الجهر بالذكر والتحلق له ما نصه : ذكر الأحاديث الدالة على استحباب الجهر بالذكر تصريحاً أو التزاماً . الحديث الأول أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسهذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه “. والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر ( قلت ) وذكر الجلال السيوطي للإستدلال خمسا وعشرين حديثاً كلها تفيد حسن الجهر بالذكر إما تصريحاً أو التزاماً وتدل على استحبابه منها ما ذكره عن الإمامين مسلم والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ” ما يجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده فقال إنما أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة ” ومنها ما رواه عن البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون أنكم مراؤن ” ( قلت ) والحديث مرسل وأراد بإيراده والذي قبله بيان أن ذلك لا يُقال إلا عند الجهر لا في السر ، ومن الأحاديث المذكورة الشريفة المباركة ما أخرجه البيهقي عن زيد بن أسلم قال : قال ابن الأذرع انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ، فمر برجل في المسجد يرفع صوته بالذكر قلت يا رسول الله عسى أن يكون هذا مرائياً قال : لا ولكنه أوّاه ” وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل لو أن هذا خفض من صوته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” دعه فإنه أوّاه ” وأخرج المروزي في كتاب العيدين عن عبيد بن عمير قال : ” كان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته فيكبر أهل
(1/47)   
 

 المسجد فيكبر أهل السوق حتى ترتج مني تكبيراً ” ثم قال السيوطي ومعارضه مجموع هذه الأحاديث بحديث ” خير الذكر الخفي” فهو نظير معارضة أحاديث الجهر بالقرآن فإن قلت قد قال تعالى ” واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول”( ) ( قلت ) الجواب عن هذه الآية من ثلاثة أوجه ( الأول ) أنها مكية كآية الإسراء” ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ” ( ) وقد نزلت حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومن أنزله فأمر بالترك سداً للذريعة أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره ( الثاني ) أن جماعة من المفسرين منهم عبدالرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك وابن جرير حملوا الآية على الذاكر حال قراءة القرآن وأنه أمر له بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنده الأصوات ( والثالث ) ما ذكره السادة الصوفية أن الأمر في الآية خاص بالنبي الكامل المكمل وأما غيره ممن هو محل الوساوس والخواطر الردية فمأمور بالجهر لأنه أشد تأثيراً في دفعها ( قلت ) وأحسن ما يقال في هذه الأحاديث والآيات المتعارضة ما أمر به القطب الأعظم شيخنا الإمام السيد أحمدالرفاعي رضي الله عنه لأتباعه وخدام طريقته ، وهو الإجهار مع الجمع بالذكر والإسرار به حين يكون الرجل منفرداً ، وقد كان الناس في عهد الفاروق الأعظم سيدنا عمر رضي الله عنه يذكرون الله عند غروب الشمس ويرفعون أصواتهم بالذكر ، فإذا خفيت أرسل إليهم عمر رضي الله عنه أن ثوروا الذكر وفي رواية نوروا الذكر أي ارفعوا أصواتكم .
(1/48)   
 

 وقد قال الإمام النووي طاب ثراه ” إن الذاكرين إذا كانوا مجتمعين على الذكر فالأولى في حقهم رفع الصوت بالذكر والقوة وأما إذا كان الذاكر وحده فإن كان من الخواص فالإخفاء في حقه أولى وإن كان من العوام فالجهر في حقه أفضل ” وقال الإمام السيوطي ” الجهر أفضل من غيره لأن العمل فيه أكثر ، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين ، ولأنه يوقظ قلب السامع ويجمع همة الفكر ويصرف سمع السامعين إليه ، ويطرد النوم ويزيد في النشاط ” قال شيخنا الإمام السيد محمد مهدي رضي الله عنه ” وأما من قال بأن رفع الصوت بالذكر بدعة فقد أخطأ ولم يصب ففي الصحيح من حديث ابن مسعود وغيره أن رفع الصوت كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينصرف الناس من المكتوبة ” وهذا ظاهر في مشروعية الجهر بالذكر في المسجد الأعظم المعد لإقامة الصلاة وقد سئل شيخ الإسلام الإمام الهمام الشيخ سراج الدين عمر البلقيني
(1/49)   
 

 قدس الله روحه عن جماعة صوفية يجتمعون في مجلس الذكر والتذكير ثم إن بعضهم يقوم ذاكراً هائماً لوارد يحصل له ، فهل يلام على ذلك مختاراً كان أو غير مختار أو ينكر عليه أم يذم أم لا أفيدوا الجواب ؟ أثبتم الجنة فأجاب الشيخ قائلا ” لا إنكار عليه في ذلك وليس لمانع أن يمنعه ويلزم المتعدي بذلك التعزير والله أعلم ” وأفتى بمثل ذلك العلامة صاحب السيرة الشامية والإمام برهان الدين الحلبي الأحمدي صاحب السيرة الحلبية والشيخ الجليل حسين بن علي الطوري الحنفي والشيخ الفاضل العالم العامل عثمان الفتوحي الحنبلي والشيخ الكبير ولي الله النبتيتي الحنفي والعلامة الفهامة الشيخ إبراهيم بن أبي شريف الشافعي وسبقهم جمع من الأكابر وناهيك منهم بسلطان العلماء العز بن عبد السلام قدس الله سره وروحه فإنه أفتى بذلك وحضر بنفسه مجالس الذكر ورقص فيها متواجداً وقال بذلك أئمة الأمة وللإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني طاب ثراه فتوى طويلة جمعت نصوصاً جليلة أفادت اللازم بهذا الباب ، وأتت من الجواب بفصل الخطاب ، ونصت على جواز الذكر بالجهر واستحبابه قياماً وقعوداً . وعلى كل حال كان ذلك مؤيداً بالآيات وتفسيرها والأحاديث وتقريرها ونصوص السلف وإجماع الخلف ، ولا يقول بالمخالفة إلا المكابر أو الذي لم يُحسب في صف الأكابر
(1/50)   
 

 أهل الباطن والظاهر . وقد أفتى بتعزير المنكر على القوم أذكارهم وتحلقهم وتواجدهم أمة من أكابر الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وكلهم أقوالهم راجحة وأدلتهم واضحة ، ولشيخنا السيد بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي رضي الله عنه بهذا المقصد الشريف في كتابه ” طي السجل ” ( ) ما يثلج قلوب المحبين ويشفي صدور قومٍ مؤمنين وقد أفردت هذا البحث بكتاب لي سميته ( رياضة الأسماع في أحكام الذكر والسماع ) وهو في الأيدي مطبوع متداول فليطالع والعون بالله وخلاصة ما يقصد من البحث أن الذكر بالجهر مع الجماعة أفضل من الإسرار ، وعلى الإنفراد الإخفاء أفضل من الإجهار عند الجمهور وكذا كان تعليم المصطفى صلى الله عليه وسلم لأصحابه وآله ، وعلى هذا درجوا رضوان الله عليهم أجمعين ورحم الله القائل :ما في التواجد إن حققت من حرجٍ ولا التمايل أن أخلصت من باسِ
قد قمت تسعى على رِجلٍ وحق لمن دعاه مولاه أن يسعى على الراسِ
وقد أخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي رزين العقيلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ألا أدلك على ملاك الأمر الذي تصيب به خير الدنيا والآخرة قال بلى قال عليك بمجالس الذكر وإذا خلوت فحرك
لسانك بذكر الله) ( قلت ) وهذه هي الطريقة العلية الرفاعية التي سنها شيخ الرجال أبو العلمين رضي الله عنه وعنا به والحمد لله رب العالمين .

(1/51)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) عدم التلبس بثوب شهرة ولبس كل ما أباحه الشرع من دون تقيد بزي مخصوص عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يحب كل مبتذل لا يبالي ما لبس ) ولم يقيد صاحب الطريقة سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه أتباعه بزي سوى بالعمامة السوداء وهي خرقته الشريفة تحققاً بسنة جده صلى الله عليه وسلم ، ولم يثبت خرقة لولي كثبوت العلامة السوداء للإمام الرفاعي أعني ثبوتها في السنة فقد جاء في الأخبار الراجحة والأحاديث الصحيحة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتم بالعمامة السوداء وكان كثيراً ما يعتم بها ) وعمم بها سيدنا علياً بن أبي طالب كرم الله وجهه وغيره من الصحابة الكرام . وقال صلى الله عليه وسلم ( هكذا فاعتموا ) ودخل مكة يوم الفتح وقد اعتم عليه الصلاة والسلام ( بعمامة سوداء ) ونزل عليه جبريل عليه السلام ( وعليه عمامة سوداء ) والأحاديث الصحاح بهذا طافحة لا يمكن جحودها موثوقة الأسانيد باتفاق المحدثين وهذه خرقة مولانا السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وقد كان يعتم عطّر الله مرقده ونوّر ضريحه بالبياض وهو سنة أيضاً ، ولم ينفك سيدنا الإمام الرفاعي في أعماله وأحواله وأقواله عن السنة السنية والمناهجالمباركة المحمدية مقدار شعرة .
شيخي الرفاعي أعلى الله مظهره مؤيدٌ بالهدى من حضرة اللهِ
أعزّهُ اللهُ بالهادي وسُنّتهِ فقام ينصر دينَ اللهِ باللهِ
وناب عن جدّهِ في كل مكْرُمةٍ فكلِّ أعماله للهِ باللهِ

(1/52)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) المبايعة في طريق الحق عملاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخذاً بما كان عليه صلوات الله وتسليماته عليه . قال الله تعالى ” إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما ” ( ) وفي حديث سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه ( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ، ونقول الحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم ) وقد أمر الله الأمة بالقيام بواجب العهد فقال سبحانه وتعالى ” وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ” ( ) وقال جلت قدرته ” إن العهد كان مسئولا “( ) وفي معراج السالكين يروي عن جدنا الخامس إمام الواصلين السيد حسين
(1/53)   
 

 برهان الدين آل خزام الصيادي الرفاعي رضي الله عنه سئل عن سر البيعة قال ما نصه : البيعة حد من حدود الحق يقف عنده أهل الصدق الذين صدقوا ما بايعوا الله عليه وعاهدوا الله فخافوا سؤاله وعظموا جلاله ، فتغلب على قلوبهم سلطان الهيبة وأخذهم عن علة نفوسهم إلى حضرته العلية ، فانطمست قوابس أوهامهم بأشعة أنوار عظمته فإذا سول لهم الشيطان خروجاً أو دخولاً وقفوا ذاكرين الله قائلين ( إن العهد كان مسئولا ) اولئك الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، وانحجبت بصائرهم عن غيره فأبصروه بها وعن الأغيار تعاموا وعلى طريق رضاه قعدوا وإلى داعيه قاموا ، وما البيعة إلا بيع النفس وقطع علائقها والأعنة ” إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ” ( ) فإن انطبع المبايع على الصدق ودخل حضرة قوم تجردوا من علائق رطبهم ويابسهم فقد لوحظ من النبي صلى الله عليه وسلم بمعونة ” النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ” ( ) وعلى ذلك يقوم منار الأمر ويتم نظام الخير وتصح الوصلة إلى الله ويأخذ القلب عن الله ويصير مظهر صفة من صفات الله ، يصل بالله ويقطع بالله ويتكلم عن الله ويستهدي بالله ويسيرإلى الله ويُعان من الله . أجل ، قال الله لحبيب الله ” إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ” ( ) وإن بيعة الإمام المبين والصادق الأمين عليه الصلاة والسلام نافذة سارية باقية هي هي ، تتلقاها الأنفاس السليمة وتعقد عليها الأكف الكريمة ، لا تبديل لكلمات الله وأهل الله نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا سبقت إرادة الله . فنوّر بصدق البيعة مضمونك وانتشق نسمة قوله تعالى ” لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ” ( ) انتهى كلامه المبارك وفيه بلاغ .
(1/54)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) الإهتمام بالتخلق بخُلُق النبي صلى الله عليه وسلم على أن أحسن الحُسْن الخُلُق الحسن وفي الخبر عن النبي الصادق الأبر عليه الصلاة والسلام ( بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وهنا سر لطيف فإنه يُفهم من كلام الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم أن شيئاً من مكارم الأخلاق كان موجوداً في الأمم قبل البعثة ، ولكن كلها لم يكن كاملاً كمالاً يُرضي الله سبحانه وتعالى ، وبيان ذلك أن الكرم قد كان موجوداً في العرب قبل البعثة ، غير أنه كان مشوباً تارة بالرياء وحب السمعة والشهرة وتارة بطلب العزة للنفس والتفوق وتارة بعمل الأب والجدوتارة بالمن والأذى ، فأتى المصطفى صلى الله عليه وسلم فزين الكرم بالإخلاص وجعله خالصاً لوجهه تعالى لا يريد به فاعله جزاء ولا شكوراً وقد كان قبل هذه النية ناقصاً فكمل بها كمالاً يرضي الله تعالى ، وقد كان في الأمم أيضاً وعلى الخصوص في العرب النجدة والنخوة والشجاعة وصيانة النزيل وحماية الدخيل ، وذلك إما للعصبية والجنسية وإما للسمعة والتعالي ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فمحا غبار النجدة والنخوة والشجاعة التي هي للعصبية والجنسية ، وأمر أن تكون لوجه الله ولإعلاء كلمة الله وقال أرواحنا لجنابه العالي الفداء ( ليس منا من قاتل على العصبية لعن الله من قاتل على العصبية ) وقد زكى الأعمال كلها بالإخلاص واستودع هذا السر في القلوب فاستنارت بنور هدايته الكريمة وحسنت الأخلاق وحصل التوادد والتحابب الخالص بين الأمة ، وكملت الرأفة والرحمة وأشرق نور البر وطهرت النيات ، وقام في المسلمين حب النفع للناس كلهم على اختلاف طبقاتهم وتباين أجناسهم ومذاهبهم ومشاربهم ، يؤيد ذلك خبر ” خير الناس من ينفع الناس ” ( ) وأيضا ” الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله ” ( ) فترى المسلمين يريدون
(1/55)   
 

 النفع الديني والدنيوي لكل مخلوق ولا يعْدُون ولا على الذرات والنباتات عملاً بالخُلُق الحسن المحمدي ، وهذا هو المشرب الشريف والخُلُق الطاهر المنيف الذي تحقق به شيخنا غوث الأمة المستغاث به في المهمة علم الله المنشور وسيف المدد الإلهي المشهور إمام القوم الجليل المساعي مولانا السيد أحمد الكبير الحسيني الرفاعي رضي الله عنه وعنا به .روى الكازروني البكري رضي الله عنه ( ) أن الإمام السيد أحمد رضي الله عنه ونفعنا بعلومه ” كان ماشياً ومعه جحفل عظيم من خواص أتباعه في واسط فرآه يهودي من أغنياء اليهود وعلمائهم في الطريق فقال لجماعته الآن سأمتحن السيد أحمد فإن أخذته النخوة النفسية تركته وإلا فسأكون مسلماً من أتباعه ، فلما وصل السيد رضي الله عنه قال له الرجل يا سيدي أنت أفضل أم هذا الكلب فقال له يا أخا اليهود إن عبرت الصراط سالماً أنا أفضل منه وإلا فلا ، فبكى اليهودي وأسلم في الحال وحسن إسلامه وحاله وصار من أتباع السيد وأسلم معه أهله وعياله والكثير من جماعته ، كان ذلك ببركة حسن خلق السيد رضي الله عنه وعنا به ” .
وقد تواتر حسن خلقه رضي الله عنه وافعمت به بطون الدفاتر
وغصت به صحف طبقات الأئمة الأكابر وماذا عسى ان يُقال بشأنه وقد رأي الكثير من أهل الله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يثني عليه وينسب محامد الأخلاق إليه .
وقد رأى الفقيه الولي الكبير الشيخ علي بن نعيم الحنبلي البغدادي قدس الله روحه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن السيد أحمد رضي الله عنه فقال له عليه الصلاة والسلام ” الله راضٍ عنه وأنا راضٍ عنه والشريعة راضية عنه ” وقد قال رضي الله عنه التصوف كله خلق ، فمن زاد عليك بالخلق زاد عليك بالتصوف .

(1/56)   
 

 قال شيخنا الإمام السيد بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي الشهير بالرواس رضي الله عنه ( بويعت والحمد لله بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم على التمسك بطريقة شيخنا ووسيلتنا إلى الله تعالى السيد أحمد الكبير الرفاعي الحسيني ( رضي الله عنه ) والتخلق بأخلاقه ، فإن طريقته طريقة المصطفى وأخلاقه أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم ) انتهى .( قلت ) وكفى بهذا شرفاً وفخراً وقد قال أعني الإمام الرفاعي (رضي الله عنه ) ” إني جعلت كل موحد لله تعالى من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في حِل مني ، تقرباً لرسول الله عليه أكمل صلوات الله ، فإن الأعمال تعرض عليه يسُرّ بها إذا أرضته وإن العفو عن المسيء من أمته يرضيه ولا
شيء عندي أعز من رضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ” .
قال شيخنا ( رضي الله عنه ) وهذا فقه المحبين رضي الله عنهم انتهى .
وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق فقال ” خالقوا الناس بخلق حسن ” وسئل إمامنا شيخ مشايخ الإسلام السيد أحمد الرفاعي الحسيني ( رضي الله عنه ) وعنا به عن حسن الخلق فقال
” هو تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله والتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ” .
( قلت ) وفي هذه الجملة الوجيزة كل مكارم الأخلاق والله ولي الأمر .

(1/57)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) حماية القلب من الغفلة لأن الغفلة سواد القلب ويحصل هذا بالتذكير والله تعالى قال ” إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ” ( ) الآية وقال تعالى ” وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ” ( ) وتذكير القلب يكون بملاحظة الموت وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم للفاروق الأعظم (رضي الله عنه) ” كفى بالموت واعظاً يا عمر ” وإذا تنبه القلب بهذا الوعظ قام بإعظام كل يوم ووقت وعمل وقول . أعظمة الشرع الشريف وأمر به انقياد الأمر لله جلت قدرته وإيماناً بما جاء به الرسول الأصدق والنبي المحقق (صلى الله عليه وسلم) ، حينئذ ترى القلب المتنبه المنور بنورالموعظة الإلهية يرد كل وقت وعمل وقول رده الشرع الشريف وقطعه اعتصاباً لأمر الله وتعززاً به واتباعاً محضاً لجناب الحبيب الأعظم (صلى الله عليه وسلم).
قال شيخنا وإمامنا السيد أحمد الكبير الرفاعي الحسيني ( رضي الله عنه) وعنا به ” أي سادة احفظوا قلوبكم وأوقاتكم فإن أعز شيء على الموفق وقته وقلبه وكل نفس من أنفاس الفقير أعز من الكبريت الأحمر ، فإياكم وضياع الوقت فإن الوقت سيف يقطع من قطعه ” انتهى كلامه العالي وفيه بلاغ وحسبنا الله ونعم الوكيل .

(1/58)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) حفظ قدر النعمة لكل منعم قلت أو جلت ، وهنا تفصيل حسن فليتدبر المنعم الحقيقي المفيض لجميع النعم كليها وجزئيها خفيها وجليها ، إنما هو الله سبحانه وتعالى ، فرؤية نعمته بالشكر له جلت عظمته تلزم بالطاعة لله والخشية لجلاله وعظمة قدرته والخوف منه ثم يعبد الله سبحانه ، فالمنعم المفيض بفيض الله تعالى وفضله ، نور الإيمان والبركة والعلم والهدى والعدل ومكارم الأخلاق وحسن الحال وشرائف الأعمال وصدق المقال وتزكية النفوس وطمأنينة القلوب ، إنما هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فرؤية نعمته بالشكر تقضي بصدق المحبة له عليه من الله أفضل الصلاة والسلام ، وتلزم كل الإلزام بصحيح المتابعة له في الأقوال والأفعال والأحوال ، وتحث على عدم نسيان مظهره النورانيوعلى عدم الغفلة عن حاضرة جنابه الكريم وعلى محبة آله الطاهرين وأصحابه المرضيين وتابعيهم وتابعي تابعيهم ، وورّاثه من أهل القلوب العامرة والعلوم الظاهرة والمؤمنين أجمعين ، وتلزم أيضاً بإرادة الخير للمخلوقين كلهم تحققاً بأخلاقه النبوية الشريفة العالية صلى الله عليه وسلم .
وتأمر بمحبة الوالدين وبصلة الرحم وبالمودة لمن أوجب الله مودتهم ، وبحب الأساتذة والمشايخ أهل الحق ، الذين طهر الله مناهجهم وإكرمهم بعرفان محمد قاموا به على نور من ربهم ، وتوجب أن يشكر لهم نعمهم المادية والمعنوية على طبقاتهم واختلاف مراتب نعمهم ومراتبهم وفي الخبر ” من لم يشكر الناس لم يشكر الله ” ( ) وأنشد بعضهم :
من بات يكفر إحسان الأنام فلا تبصره إلا ذميم الطور خنّاسا
إنْ قلَّ أو كَثُرَ الإحسان محترمٌ لم يشكر الله من لم يشكر الناسا
وفي الأثر عن المصطفى الأبر صلى الله عليه وسلم ” كفران النعمة كفر “( )
قال شيخنا الإمام السيد بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي الشهير بالرواس رضي الله عنه قال ” أهل الله على رؤوس الأشهاد

(1/59)   
 

 من ابتُلى بوصف كفران النعمة وإهمال قدر المعروف كثر أو قل ، فهو من أهل القطيعة ، وقالوا من لم يحفظ للعبد حقه لم يحفظ للمعبود حقه فإن الترقي إلى مرتبة حفظ حقوق المعبود سلمها حقوق العبيد ” انتهى كلامه المبارك وهو في غاية الحسن أورده في كتاب” فصل الخطاب ” ( ) فانتفع بها أيها المحب والله ولي الهداية ومنه العناية .( الطريقة الرفاعية ) قراءة القرآن وطلب العلم لوجه الرحمن قال شيخنا شيخ مشايخ الإسلام مولانا السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وعنا به ” من انقطع عن مجالسنا لأجل قراءة القرآن العظيم أو لطلب العلم ، فهو مجاز فإن القرآن مأدبة الحق والعلم سُلّم القرب ونور الحقيقة “.
قال شيخنا الإمام السيد بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي (رضي الله عنه) ” هذه الحملة الأحمدية فيها غاية الحث على قراءة القرآن وطلب العلم على أن مجالسه الشريفة لا تخلو من قراءة القرآن وبحث بعلم الشريعة أو علم الحقيقة الذي هو من لباب علم الشريعة ، وفي هذه الجملة من التعظيم لجانب الكتاب العزيز والعلم الشرعي ، ما فيه بلاغ لأن فقدان العلم والعلماء من أشراط الساعة قال : صلى الله عليه وسلم ” إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء
حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤساء جُهّالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا ” .

(1/60)   
 

 وكذلك فالقرآن بحر الله المطمطم ، الذي لا تنقضي عجائبه به يشفي الله صدور قوم مؤمنين ويغيث العارفين ويزيد صلاح الصالحين ويهب الرأي الصالح للمتدبرين أسراره ، المتفكرين بما في نصوصه المقدسة من الحكم والأحكام ، ويفتح الله به قلوب المحققين وأفهام أهل اليقين ، فسادات أهل العرفان أهل القرآن ومن أهل القرآن هم الذين إذا قرأوه أتمروا بأوامره وانتهوا عما نهى عنه وطابوا به واستغرقوا الألباب بمواعظه واستسلموا لأحكامه وتدبروا معانيه وأخذوا بتفسيره بالنصوص الصحيحة عن المفسر الأعظم صلى الله عليه وسلم ، تلقياً عن علماء الدين أئمة الهدى في المسلمين ، لا يفسرون كلمة بالرأي ولا يحرفون كلمة عن موضعها ولا يذهبون بزعومهم إلى غير ما أتي به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يجادلون في المتشابه أو يؤدون كما يريدون ابتغاء الفتنة ، بل يمرون الأخبار الفرقانية فيما يؤل للذات ممرها ويردون علم المراد منها إلى الله تعالى مع الجزم بتنزيهه عن سمات الحدوث وفي قراءة القرآن وطلب العلم لا يريدون إلا وجه الله ينفعون المسلمين ، بل وجميع المخلوقين بعلمهم ويجتذبون القلوب إلى الله بعلمهم وأولئك هم المفلحون .ثم قال ( رضي الله عنه ) ” وإن كان الأحمدي أمّياً فعليه أن يتعلم شيئاً من القرآن بعد فاتحة الكتاب ، ليصلح به وقته ويستديم تالياً له ليجعل نور القرآن فقد كان شيخنا وسيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه وعنا به يكثر من قراءة فاتحة الكتاب ويصلي بعد تلاوتها كل مرة على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول هو الذي دلّنا على هذا الخير العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام ” انتهى .
( قلت ) فالموفق من أمتن الله عليه بقراءة القرآن وحفظه وتدبره والإنتفاع بحكمه وأحكامه وآدابه ، كما نص على ذلك شيخنا رضي الله عنه وإذا فتح الله عليه وطلب العلم لله ، فقد استكمل الخير والبركة والتوفيق بيد الله وإليه المصير .

(1/61)   
 

 ( الطريقة الرفاعية ) الإجتماع على ذكر الله تعالى والتحلّق للذكر وافتتاحه بشيء من الصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعلى إخوانه النبيين والمرسلين وآل كلِّ صحب كلٍّ أجمعين ، والقيام للذكر والحادي يُسمعهم مدح المصطفى عليه الصلاة والسلام والأنبياء العظام والآل والأصحاب الكرام والأولياء والصالحين ، وينشد لهم المواعظ والحكم ثم يختمون الذكر بشيء من القرآن والصلاة والسلام على النبي وإخوانه وآله وأصحابه ويدعون لأنفسهم ولإخوانهم المسلمين ولولي أمر الأمةالمحمدية وللعساكر الإسلامية ويقرؤن الفاتحة مراراً لمشايخهم ولأئمة القوم ويدعون ويذكرون الله ويصلون على النبي وينصرفون .
وقد ابتُلي القوم بأولي جمود ممن زعم العلم ولا علم له ، فهم ببادي الرأي من عند أنفسهم قد أنكروا على القوم كلهم الرفاعية وغيرهم من طوائف الصوفية ، وحطُّوا عليهم وحرّموا سماعهم والتحلُّق للذكر منهم وكفَّروهم لذلك وخبطوا خبط عشواء في فاحمةٍ ظُلْماء ، فآذوا أهل الله بحقدهم الذميم وفكرهم السقيم ، وأتوا بالوقاحة العظيمة فكذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فوضعوا لتحريم إجتماع الصوفية ولتحريم أذكارهم وسماعاتهم شيئاً من الأحاديث الموضوعة ونقلوا الفتاوى الكاذبة وأتوا بالنقول الفاسدة والأدلة الكاسدة الخائبة ، وسمُّوا مجالس الذكر رقصاً ، وخاضوا ما شاءوا أن يخوضوا والحق وراء بطلانهم وفوق زبد بهتانهم يعلو ولا يُعلى عليه ، وقد انتصر لهم الجم الغفير من أهل العلم الوفير والكمال الشهير ، فأيّدوا شأنَهم وخذلوا من شأنِهم وتبركوا بهم ونالوا الفيض منهم وأخذوا عنهم وهم قومٌ لا يُحصى عددهم .
وقد أفتى الشيخ العارف عبد الغني النابلسي طاب ثراه بتكفير من يعيب مجالس الصوفية ، لأن مجالسهم تشتمل على الجهر بذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعلى قراءة القرآن ومدح من أحبهم الله تعالى

(1/62)   
 

 وأكرمهم من الأنبياء والأولياء والصالحين ، فذلك العائب جعل الطاعة معصية والخير شراً والمستحب حراماً .وأفتى بذلك أيضاً العلاّمة العماد الحلبي ، ومن المتأخرين خلائق منهم الولي العلامة الشيخ محمد آل ناصر المغربي الحسني والعلامة الزاهد الفاضل الواصل السيد محمد اليماني الحسيني آل الأهدل وقالوا جميعاً من يقول بمنع السادة الصوفية عن أذكارهم وإجهارهم بالصلاة والسلام على رسول الأنام صلى الله عليه وسلم ، ويحط على سماعهم الذي هو عبارة عن الأبيات المشتملة على مدح النبي وآله وأصحابه والأولياء الصالحين ، وفيها شيء من الحكم والمواعظ والإشارات التي تذكِّر بالله وبمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون ذلك المانع داخلاً تحت قوله تعالى : ” منّاعٍ للخير معتدٍ أثيم ” ( ) ويندرج تحت قوله سبحانه ” ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذاب عظيم ” ( ) وحينئذ يحْرُم التعرض لمن يذكر الله ويصلي على رسوله بالمنع ، ويستحق المتعرض التعزير اللائق بحاله الزاجر له ولأمثاله عن ارتكاب قبيح أحواله ، ويثاب ولي الأمر
وعُمّاله على منعه وتعزيره وهذا أيضاً نص فتوى العلاّمة الكبير الشيخ إسماعيل السنجيدي الشافعي عطر الله مرقده .
وقال العلامة السنجيدي في فتوى أخرى حين سئل عن جماعة من الصوفية يجتمعون في مسجد أو زاوية ويذكرون ويصيحون فهل يُمنعون من ذلك أم يجوز لهم ذلك الإجتماع والذكر والصياح فكتب .

(1/63)   
 

 الحمدلله ، نعم يجوز والحالة هذه ويُثابون عليه وكذا الأمر به لقوله عليه الصلاة والسلام ” ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى يذكرون الله إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ” فظهر مما ذُكر أن المنكر على من ذكر جاهل فيتعلم لقوله تعالى ” فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون “( ) أو معاند حاسد وهو مخطيء غاية الخطأ في تعرضه لمن ذكر ، فعلى ولاة الأمور ضاعف الله لهم الأجور منعه من التعرض لمن ذكر ويثابون على منعه من ذلك الثواب الجزيل لقوله تعالى ” وتعاونوا على البر والتقوى ” ( ) والله أعلم .( قلت ) والتجري على وضع الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله
عليه وسلم حقداً وحسداً ، ليخذل بها أمة من أهل الصلاح والتقوى وأرباب الذكر والفكر فلا شك هو ضرب من الكفر ، فقد عزا بعض المتفيهقة حديثاً وبعض روايات كاذبة إلى تفسير القرطبي والتفسير الكبير بزعم بها تكفير من قال بحلّ السماع والرقص ويزعم أن الذكر الذي اعتاده السادة الصوفية من الرقص .
فانظر لسوء الفهم ولسقم المدرك وتعجب أيها اللبيب التقي ، بما افتراه ذلك الكاذب الشقي وسأنص عليك ما خرّف به لتفهم سوء حال ذلك المفتري ، وقبح طور ذلك الخب الجري والله المعين قال ما نصه قال النبي صلى الله عليه وسلم ” السماع حرام ومن أحل السماع فهو كافر ومن حضر معهم فهو فاسق ومن خالف هذا الحديث فهو ملعون في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان “.
( قلت ) فتدبر أيها اللبيب فرية هذا الوقح على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنك إذا تدبرت ذلك عرفت خبث نيته وسوء طويته وفهمت درجة أمانته على الشريعة المطهرة وبهذا كفاية .
ثم نقل عن الحاوي ما نصه ويكره المشي في الذكر والدوران وقيل يكفر ، روي عن سعيد بن المسيب أنه مشى رجل ودار وسقط في حال الذكر منحنياً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة

(1/64)   
 

 والسلام ” لأصحابه اذبحوه فقصدوا ذلك ثم قال عليه السلام لا تذبحوه ولكن إلصقوه بهذا العمود لا أبرح من مكاني هذا حتى أجدد إيمانه “.( قلت ) وكل هذا من الكذب الصريح على النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله واضعه ومعتقده ، وقد أطال ذلك الجري الكذاب وأورد مثل هذه الأكاذيب ثم قال : ” وإن احتج أهل الذكر بأن رفع الصوت بالذكر جائز كما في الأذان والخطبة يوم الجمعة ، فجوابه إن أدنى درجات الاختلاف إيراث الشبهة ، وما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام على الحلال فيلزم الاجتناب عن رفع الصوت بالذكر وهذا من الإجتناب عن الشبهات ” انتهى كلام المجازف .
وهو لا ينطبق لا على الشرع ولا على العقل أما الشرع فإن الله تعالى قال : ” ويُحق الله الحق بكلماته ” ( ) الآية وقد قيل الحق يعلو ، فجعل ذلك المجازف الحلال مغلوباً للحرام مردود شرعاً ، وأما العقل فإنه يقضي للحق بالأحقية ، ويقول بأحقية الحق قلب المبطل وإن لم يفه بلسانه بذلك ، وهذا سر الله المضمر في الحق ، فإن كان أمر الغلبة الذي ذكره المجازف هو عبارة عن الغلبة بالقهر ، فحينئذ بقي الحق حقاً والباطل باطلاً والغلبة بينهما ثورة بغي لا حكم لها عند أهل الحق والعاقبة للمتقين ، وإن
كان يريد بالغلبة ميل النفوس إليها فتلك شهوة لا غلبة وهي قد مسته واتصف بها فهاهو ينتصر لنفسه وشيطانه على الذكر وأهله وإن الله لمع المتقين .

(1/65)   
 

 وقد سئل العلامة الشيخ عثمان الفتوحي الحنبلي رحمه الله تعالى بما سئل به العلامة السنجيدي الشافعي فأجاب بما نصه : الحمد لله الذي وفق من أراد لطاعته والاجتماع على ذكره ، وصلى الله وسلم على أفضل خلقه صلاة لا غاية لها ولا انتهاء وبعد : فقد سئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن مجالس الذكر وفضلها فرغّب فيها وقال أي شيء أفضل وأحسن من أن يجتمع الناس فيذكرون الله ويعدّون نعمته عليهم ، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من السلف والخلف الصالح يجتمعون على ذكر الله تعالى حلقاً حلقا ، ورآهم النبي صلى الله عليه وسلم وأعجبه حالهم وسر بهم ، وشهد أن الله سبحانه وتعالى يذكرهم في خواص ملائكته في الرفيق الأعلى وأنهم أهل الكرم وأنهم مغفورٌ لهم ، وإن غنيمتهم الجنة وأن الله سبحانه وتعالى يباهي بهم الملائكة ويذكرهم فيمن عنده ، وإن حلقهم سميت برياض الجنة ، وأن الملائكة تحفهم بأجنحتهم ، وأن الرحمة تغشاهم في مجلسهم ، وأن السكينة تنزل عليهم ، وأن سيئاتهم تبدَّل حسنات وأنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، وأن بياض وجوههميوم القيامة يعشي نظر الناظرين ، وأن الأنبياء والشهداء يغبطونهم بمقعدهم وقربهم من الله عز وجل .
(1/66)   
 

 وأما الجهر بالذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فمن أجلّ العبادات وأشرف الطاعات ، لأن كل من يسمعه من جن وإنس ورطب ويابس وغيره ، يشهد له يوم القيامة وتحصل به فوائد كثيرة ، ومنها استعمال القلب واللسان والجوارح بالذكر وتنبيه البعيد منهم فربما يذكر الله من يسمعهم فيكون جهرهم سببا لذكره والناس مختلفون في مقاصدهم في الجهر والإخفاء بالذكر كما روى الإمام أحمد من حديث علي كرّم الله وجهه ” أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان يخافت إذا قرأ وكان عمر رضي الله تعالى عنه يجهر بقراءته وأن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه : ” لم تخافت ؟ قال : ” أُسمع من أناجي ، وقال لعمر رضي الله تعالى عنه : ” لم تجهر ؟ قال : ” إُفزع الشيطان وأوقظ الوسنان ” ورواه أصحاب السنن بأتم من هذا .قال بعض السلف ولكل من المجتمعين على الذكر ثواب ذكر نفسه وثواب سماع ذكر رفقائه ، لاسيما إن نوى بالجهر إرغام الكفار وإظهار التوحيد ورفع اسم الحميد المجيد وأما قوله صلى الله عليه وسلم ” خير الذكر الخفي ” فقال العلامة ابن القيم ” وإنما الذكر فهو الخلاص من القيود
والبقاء مع الشهود ومعنى الخفي أن يكون القلب سالماً مما يعرض له من الواردات الدنيوية والنفسانية والشيطانية فإذا سلم منها كان ذكره الخفي أفضل من الجهر ” انتهى .
وأما الدليل على ذلك فقد نقله المفتي الشافعي أدام الله النفع به من الكتاب والسنة وقد أجمعت الأمة عليه من زمنه صلى الله عليه وسلم وإلى الآن ولم تزل الوعاظ تنقله في سائر مساجد الأمصار ، فالمنكر لذلك منكر للإجماع يستحق التعزير والله أعلم .

(1/67)   
 

 وسئل عن مثل ذلك العلامة الشيخ محمد أبو الفتح المالكي رحمه الله تعالى فأجاب : الحمد لله نعم يجوز لهم ذلك ويثابون عليه الثواب الجزيل بالقصد الجميل ، وكذا الآمر به للأخبار والآثار في طلب ذلك التي لا تخفى على من له أدنى فضيلة ومنكر ذلك على من ذكر مخطيء في إنكاره ويُخشى عليه الدخول في قوله تعالى : ” ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ” ( ) الآية على أن المنكِر لذلك إما جاهل أو معاند مع علمه بامتناع ذلك عليه فيقال :فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ وإن كنت تدري فالمصيبةُ أعظمُ
فعلى ولاة الأمور ضاعف الله لهم الأجور منع المتعرض لمن ذكر
ويثابون على ذلك لقوله تعالى ” وتعاونوا على البر والتقوى ” ( ) والله أعلم .
وكتب تحت هذا الجواب الشيخ العلامة الزاهد حسين بن علي الطوري الحنفي ما نصه ” الحمد لله جوابي مثل ذلك والله أعلم ” .
واستُفتى بذلك العلاّمة الفهّامة المدقق المحقق الزاهد الواصل الشيخ علي النبتيتي الحنفي قدس الله روحه فأجاب بما نصه ” الحمد لله ذكر الله تعالى مطلوب شرعاً ولا يجوز المنع منه والأدلة على ذلك كثيرة كما ذكره مولانا المفتي الشافعي ولا فرق بين أن يكون ذلك في مسجد أو غيره ورفع الصوت بالذكر جائز في المسجد والله تعالى أعلم ”
وقال شيخنا القطب الكبير العلاّمة الجليل السيد بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي الشهير بالرواس رضي الله عنه ” الجهر بالذكر من أجل العبادات وأشرف الطاعات والقُرُبات “
روى إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في سننه من حديث عبد الله ابن الزبير ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلّم من صلاته يقول بصوته الأعلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه ” الحديث

(1/68)   
 

 وروى الإمام أحمد رضي الله عنه في مسنده من طريق عقبة بن عامر رضي الله عنه ” أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلٍ يُقال له ذو النجادين أنه أوّاه وذلك أنه كان رجلاً كثير الذكر لله تعالى وقد كان يرفع صوته بالذكر “.وأما التحلّق للذكر في المساجد فجائز ويثاب فاعله لما روى ابن ماجه وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال ” خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرؤون القرآن ويدعون الله عز وجل والأخرى يتعلمون ويعلّمون فقال النبي صلى الله على وسلم كل على خير هؤلاء يقرؤون القرآن ويدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم وهؤلاء يتعلمون ويعلِّمون وإنما بُعثت معلماً فجلس بهم “
وذكر العلاّمة ابن القيم في كلمه الطيب عن أبي خلاد قال ” من دخل في الإسلام دخل في حصن ومن دخل المسجد يعني وهو مسلم دخل في حصن ومن دخل في حلقة يذكر الله فيها فقد دخل في ثلاثة حصون”
ففي ذلك دليل صريح على استحباب الاجتماع على الذكر والتحلق له في المسجد والجلوس مع أهله في الحلقة ، ويتضمن تحذير من أدبر عنها وأعرض عن الذاكرين من غير عذر ، فمن حرّم الحلال المطلق من عند
نفسه يكفر ، فما بالك بالمفروض والواجب والمستحب والمندوب فتدبر والله وليُّك

(1/69)   
 

 ثم قال شيخنا رضي الله عنه ( ولا بدع ، فقد حث أهل الله على الإخلاص حالة الذكر وأمروا به أتباعهم ، وهذا دأب وارث النبي صلى الله عليه وسلم فإنه دلَّ الأُمّة على الأعمال الدينية وأمر أن تُعمل لوجه الله لا يُراد بها غيره وقد قال تعالى ” ألا لله الدين الخالص ” ( ) فاجهد أيها الذاكر أن تذكر مخلصاً خالصاً ، وإياك وحمل المسلمين على السوء بأن تظن الرياء بأحد منهم فإنك ما شققت على قلبه ولا يطّلع على القلوب إلا علاّم الغيوب ، ولا تغفل فإن المتهجم على أهل الله العائب لمجالس أذكارهم وسماعاتهم ما هو إلا سمج ، أو مجازف يخبط في الأحكام الشرعية جهلاً أو عناداً ويكفّر لحمقه المسلمين . ومَن فعل ذلك وقال به يكفر والعياذ بالله والحجة وفاقية في المذاهب الأربعة المتبعة وحسبنا الله ونعم الوكيل ). انتهى كلام سيدنا الإمام السيد بهاءالدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي رضي الله عنه وهو في غاية الحسن فأعمل به أيها المحب وهو الغاية والله ولي الهداية  الطريقة الرفاعية ) اتخاذ حرفة للمعيشة من طريق حل ، وقد عدذلك الإمام الرفاعي رضي الله تعالى عنه سلوكاً وأوصى أتباعه بذلك وبالغ بالوصية
قال شيخنا الإمام السيد بهاءالدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي رضي الله عنه في ” واردات الغيب ”) من لم يحترف للمعيشة ويكتسبها من طريق حل فليس بأحمدي ، فإن طريق الإمام الرفاعي الأكبر رضوان الله عليه العمل لله بالإخلاص والعمل أعني الحرفة بالحلال .



(1/70)   
 

 وقال عليه الرضوان والتحية لأصحابه اعملوا ولا تصحبوا البطالين وقال للشيخ سكران اليعقوبي الشافعي قدس الله سره ( ) “اعمل ولو ببيع الأبرة والجرة ، واقصد بها الطاعة لأوامر نبيك يبارك لك في عملك وتُثاب وإياك والكسل فقد استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة لأصحابه لا أراكم وهِممكم همم النساء البطّالات ، فإن كسب درهمين بطريق حلال واستهلاكهما بطريق أفضل من زوائد أعمالكم ، واجذب منها بكم إلى الله تعالى وقد يكذب على الله من يحترف بالله ، وإنه لمن الذين يعبدون الله على حرف ، أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم ” .يجعلون التاج والخرقة حرفة ويئنون إظهاراً للتزهد أنّ المرضى ، وإنما أنينهم للدنيا فما هم من الحق والحقيقة والشريعة والطريقة بشيء .
وان أهل الحق يعملون للحق ويقفون مع الحق ، يعملون بأيديهم ويُخلصون بقلوبهم ويقومون قيام الأسود الثائرة فيما يُرضي الله ، وكل أعمالهم لله ، أولئك أهل الله ، رجال الله ، عليهم سلام الله ورحمة الله وبركاته .

(1/71)   
 

 وقال رضي الله عنه كما في ” النظام الخاص ” ما نصه : قف هي دار عبرة أيها الولد ، اعتبر بها وسِرْ بكل ما فيها إلى الله ، وإياك أن يشغلك بارز منها من ربك وإياك والبطالة . ما أقبح الصوفي البطّال ، يدّعي الزُهْدَ وعينُه فى المالِ ويدُهُ ممدودةٌ للسؤال ، ليس من الهمة أن يرى الرجل نفسه آخذاً ، بل الهِمّة أن يرى نفسه مُعطياً . سفل اليد أصعب من قطعها . احترف بما تصل إليه قوّتك ويبلغه إمكانُك . أدنى حِرفة من الأعمال والصنائع فيها لو فقهت أشرف صفة درج عليها أهل الهمم وهي الترفع عن نوال زيد وعمرو ركوناً إلى كرم الله سبحانه وتعالى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الله يُحِبُّ أن يرى عبده تعِباً فى طلب الحلال ” . انسجوا وشي صنعاء وبزّ فارس وخزّ اشبيلية بين سواري أروقتكم بهذه القرية واجمعوا بين صنائع العرب والفرس والروم وتصدقوا من كسبكم على إخوانكم حلالاً طيباً وآسوا وكلوا مما رزقكم الله ” قل من حرم زينة الله التيأخرج لعباده والطيبات من الرزق( ) “. الطيباتُ لله إذا اكتُسِبت من حلال وأُهلكت فى حلال . قال سيد أهل الهمم صلى الله عليه وسلم : ” إن الله يحب المؤمن المحترف “. أكره ما تراه العين ، رجلٌ عليه سيما الزاهدين وهِمّته هِمّة السائلين . مَن طأطأَ للنوال ورضي بالسؤال فهو أخسُّ طبعاً مِن عجزة النساء ، لا أقول هذا لأنفّر القلوبَ مِن السائلين ، أدّوا ما عليكم مِن حقوقِ الرحمةِ بخلقِ اللهِ والتصدّقِ على الفقراءِ لوجه الله ، هذا ما وجب عليكم ولا ينزِغَنَّكُمُ الشيطانُ فتشمئز منهم نفوسكم فتُهينوهم وتروهم بعين الإحتقار ، هذا إنْ يكون ، مِن تسويلِ إبليس ودسائسه . ولكن أقول هذا لأرفع هِمم إخواني طلاب الحق عن البطالة قال صلى الله عليه وسلم : ” إنّ الله يكره العبد البطّال ” .
(1/72)   
 

 رأيت خالي وسيدي الشيخ منصوراً سُحّ على قبره هطّالَ الرحمة وقد ردَّ هدايا بعض الفقراءِ ، فقُلتُ لهُ في ذلك ، فقال : فيها شئٌ مجتمعٌ مِن السؤال ، ولو كان عن خالصِ طريقٍ أبلجٍ لقبِلته . يريد أن ذلك الشئ لو لم يكن مشوّه الوجه بالسؤال وكان مِن حلال طيّب ، كنتُ أقبله عملاً بالسُنّةِ المحمدية ، فإنه عليه الصلاة والسلام ردَّ الصدقة وقَبِلَ الهدية ، هذا طريق القوم ، بلى إن القوم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .قال الإمامُ أحمد بن حنبل ، رحمه الله وعطّر قبرَه ، لولده عبدالله ، بعد أن صَحِبَ العارفَ أبا حمزة البغدادي الصوفي طيّب الله مضجعه : يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم فإنهم زادوا علينا بكثرة العمل والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة ، رحمه الله ما أكثَرَهُ إنصافاً ، وقد وصف القوم بما هم أهله ، وهذه الصفات التي يحبها الله تعالى من عباده . انتهى كلامه العالي ، وكله حثٌ على العمل باليد والزهد بالقلب وفيه من علو الهمة الغاية .
وقد قال رضي الله عنه ” نحن قومٌ لا نسأل ولا نردّ ولا ندّخر” فمِن نصِّه المبارك يُعلم أنه اكتفى بما أفيض إليه من ربه عن السؤال ، وأنه لا يرد الهدية عملاً بسُنّةِ سيد البرية عليه أفضل الصلاة والسلام والتحية ولا يدّخر شيئاً من هذه الحُطام الدنيوية زهداً بها واعتماداً على الله سبحانه وتعالى . وهذا هو الطريق الصواب الذي درج عليه الآل والأصحاب ، فخذ به ترشد ، والله سبحانه وتعالى الموفق .
( الطريقة الرفاعية ) الأخذ بما يعني والترك لما لا يعني من كل قول وعمل ، فإنه من حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، هكذا علّمنا سرّ الوجود صلى الله عليه وسلم ولا غرو فمن حَسُنَ إسلامه أخذ بما يعنيه من قولٍ وعمل . وإن الذي يعني المؤمن ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم . قال شيخنا الإمام بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي

(1/73)   
 

 رضي الله عنه فى (واردات الغيب) قال سيدنا ومولانا الإمام الأكبر السيد أحمد الرفاعي الحسيني (رضي الله عنه) وعنا به ( طريق الحق قائم على ساقين ، الأخذ بما يعني والترك لما لا يعني ، فخذ يا مبارك بكل ما يعنيك من قولٍ وعمل واترك كل ما لا يعنيك من قولٍ وعمل ، وافهم كل ذلك من قوله الله تعالى ” وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا “( ) وكُنْ منهمكاً بما يعنيك ، تشتغل عما لا يعنيك ، ويُعطيك إذاً ربك حتى يُرضيك ) انتهى كلام سيدنا صاحب الطريقة إمام الحقيقة (رضي الله عنه) وعنّا به وفيه بلاغ والحمد لله.( الطريقة الرفاعية ) تطبيق ما ينقل عن القوم على قانون الشريعة المطهرة حتى إذا نأى التطبيق وتعذر التأويل أنكروا نسبة ما يُنقل عنهم إليهم وجزموا بأنه من المدسوس عليهم وبرّؤا ساحة أهل الله من المؤاخذات الشرعية العقلية ، وأولياء الله تعالى لا شك ولا شبهة هم مبرؤن من كل ما يخالف الشرع الشريف ، ولا ينطبق على سيرة الآل والصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين ، وتبرئة ألسنتهم المباركة مما يُنسب إليهم من الدعوى والشطح والكلمات التي تُعرب عن شوائب الحلول والإتحاد وأمثال ذلك من الطامات ، إنما هو من الحب لهم ومن
إجلال مقاماتهم وإعزاز مراتبهم ، لا كما يفهم المأفونون المفتونون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
قد نقل بعضهم عن الحلاج رحمه الله العجائب ولا شك أنهم زادوا عليه الكثير ومع ذلك فإن سيف الشرع أخذه حين الشرع الشريف أخذه ، وقد أفتى إمام الطائفة الجنيد ( رضي الله عنه ) بقتله ، سدّاً للذريعة وحفظاً للشريعة ، وقال له : فتحت فى الإسلام ثغرة لا يسدها إلا رأسك . ونسب بعضهم غرائب الكلمات للعارف الجليل أبي يزيد البسطامي قدّس الله سره وروحه وأكثروا من الوضع على ألسنة الأكابر حتى جعلوا طريق القوم هدفاً للطعن واللوم .

(1/74)   
 

 وقد كثر الدس في كتب الشيخ محي الدين بن عربي قُدِّس سرّه ، وسُوِّي ما دُسَّ عليه مما يخالف قانون الشريعة المطهرة فهو وإن كان فيه إغلاق كما هو مشربه في كلامه ، إلا أنه يقبل التأويل ، وكذلك فقد عزوا للقطب الجليل الفرد الجامع الأصيل خزانة الكمالات والمعاني أبي صالح محي الدين السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني (رضي الله عنه) الكثير من الكلمات التي لم تصدر منه ، ولم تنقل بسند صحيح عنه مثل الكلمات المكذوبة التي سموها الغوثية فهو عطّر الله مرقده بعيد عنها وبريء منها .وأما ما جاء في الكتاب المُسمّى بهجة الأسرار مؤلف الشنطوفي( ) في مناقب الشيخ عبد القادر قدس سره الطاهر من الحكايات والكلمات
والروايات الموضوعات ، ففيها للأكابر كلام منهم من اتهم الشنطوفي ذاته بالكذب والغرض ومن القائلين بذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي طاب ثراه ، وقد ذكر ذلك في طبقات الحنابلة في ترجمة القطب الجيلي نفعنا الله بمدده وعلومه ، ومنهم من قال أنه راج على الشنطوفي حكايات كثيرة مكذوبة ، وكأنهم نسبوه إلى البله وقبول ما يصح ومالا يصح
ومنهم الحافظ الكبير الذهبي برّد الله مضجعه فقد ذكر في تاريخه الكبير وقال مثله العيني وابن كثير وغير واحد
وأما الكلمة التي بنى عليها كتابه البهجة وهي إسناد قول قدمي هذه على رقبة كل ولي لله للشيخ عبد القادر عطّر الله ضريحه ، فقد اختلفت في هذه الكلمة الأقوال فالحافظ ابن رجب الحنبلي والإمام العز الفاروثي الشافعي والذهبي والتقي الواسطي وابن كثير ، والكثير من الأكابر أنكروها وبرّؤا الشيخ قدس الله روحه ونفعنا به ، وقالوا أنها من موضوعات الشنطوفي وأنها لم تُنقل بسندٍ صحيح يُعتمد عليه ، حتى أن ابن رجب الحنبلي قال في طبقات الحنابلة في ترجمة الإمام الجيلاني حين تعرّض لذكر بهجة الشنطوفي لا يطيب لي أن أنقل شيئاً من هذا الكتاب وأطال في هذا الباب

(1/75)   
 

 وأما العارف السهروردي قُدِّس سره فإنه عدها في كتابه عوارفالمعارف من الشطحات التي لا تقدح بمقام قائلها ولا يُقتدى به فيها لأنها كلمة سكر وكلام السُكارى يُحمل والسكران يُعذر وله في هذه الكلمة بحثٌ طويل في العوارف في باب التواضع
وأما مشايخنا السادة الرفاعية أفاض الله علينا من بركات أنفاسهم الطاهرة فإنهم يقتدون بسيد القوم مولانا الأكبر الرفاعي رضي الله عنه وقد نقل عنه سبطه الأجل القطب الغوث الجواد سيدنا السيد عز الدين أحمد الصياد الرفاعي الحسيني رضي الله عنه في كتابه ” الطريق القويم” ( ) ما نصه :
قيل له يعني لسيدنا الإمام الرفاعي قال الشيخ عبد القادر الجيلي قدّس الله روحه ونفع به على كرسيه في بغداد قدمي هذه على رقبة كل ولي لله فقال للقائل ( وهل سمعته حين قال هذه الكلمة قال لا ولكن تواتر النقل بذلك فقال : ” إن صح هذا فتلك كلمةٌ صدرت عن غلبة حالٍ وسكر وجد ، وكلام السكارى يحمل ، والشيخ معذور في تلك الحالة والحق فوق هذا القول كيفما أُوِّل ، فصُن الشيخ من نقل مثل هذه الكلمة عنه فإن أولياء الله مكرَّمون والعظماء منهم أدباء ، قولهم تحت ضوابط الشرع
لا يزيد ولا ينقص ، وهم متبعون لا مبتدعون وإنما الشطح بقية رعونة في النفس لا يحتملها القلب ، فينطبق بها لسان المغلوب وكلمة الشطح كلمة نقصٍ لا تُنقل ولا يؤاخذ قائلها في تلك الحالة التي هي حالة سكر تسقط عن صاحبها فيها الأقلام
ثم قال بعد هذا الكلام سيدنا الإمام الصياد رضي الله عنه ما نصّه : ” ونقل لي الشيخ الكبير أبو يعقوب محمد بن يعقوب بن كراز قدس الله روحه أنه سمع سيدنا السيد أحمد رضي الله عنه مرةً يقول وقد ذكرت هذه الكلمة : أما أحيمد ، يعني نفسه الشريفة ، فإنه لا يرى له مزيّةً على مسلم ويرى عُنُقَه جسراً لأقدام المسلمين كلهم صالحهم وطالحهم ، فإن الخواتيم مجهولة ولا حول ولا قوة إلا بالله” انتهى

(1/76)   
 

  قلت ) قال العارف الشعراني قدس الله سره في كتابه (الأنوار القدسية ) ما نصه : ومن شأنه أي الفقير العارف إذا استفتى على شخص من الفقراء في أمور لا تدرك إلا بالذوق ، أن لا يبادر إلى الإنكار بل يتحيّل في الرد عنه ما أمكن ، هكذا كان شأن شيخ الإسلام زكريا والشيخ عبد الرحيم الأنباسي رضي الله عنهما ، فإن رأى ذلك الأمر يلزم منه فساد ظاهر الشريعة أفتى ولام عليه ، لأن صاحب هذا الكلام ناقص فليس من أهل الإقتداء ونصرة الشرع أولى من الأدب معه ، بخلاف كُمّلالأولياء كأبي يزيد البسطامي وعبد القادر الكيلاني وأضرابهما فيؤول كلامهم ما أمكن . انتهى بحروفه
وبالنظر لهذا الأدب الشريف والمشرب اللطيف أقول هذه الكلمة : إن قلنا هي كلمة سكر ، فقد حصل التأويل بالطبع ، فإن السكران معذور وكلمته لا تُنقل وهو لا يؤاخذ وللقوم هذه الحالة في بدايتهم على الغالب رضي الله عنهم ، وإن قلنا أن مفادها اللغوي يقبل التأويل فنقول قال أعاظم المفسرين في معنى قوله تعالى “وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدقٍ عند ربهم “. ( ) قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وابن زيد : قدم صدقٍ ، أي الأعمال الصالحة من العبادات ، وقال الحسن وقتادة هي شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال زيد بن أسلم وغيره هي المصيبة بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقال أيضاً ابن عباس وغيره هي السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ ، وقال مقاتل سابقة خير عندالله قدّموها وإلى هذا المعنى أشار وضاح اليمن في قوله :
مالَكَ وضاحٌ دائم الغزَلِ الستَ تخشى تقاربَ الأجلِ
صِلْ لذي العرش واتخذ قدماً يُنجيك يومُ العثار والزللِ
وقال قتادة أيضا سلف صدق ، وقال عطاء مقام صدق وقال إيمان
صدق ، وقال الحسن أيضاً : ولدٌ صالحٌ قدّموه ، وقيل تقديم الله في البعث لهذه الأمة وفي إدخالهم الجنة كما قال نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، وقيل بقدم شرف ، ومنه قول العجّاج :

(1/77)   
 

 ذل بنو العوّام من آلِ الحَكمْ وتركوا المُلْكَ لمُلكٍ ذي قدمْوقال الزَجّاج درجة عالية ، وعنه أيضاً منزلة رفيعة ، وقالوا زمن صدق ، وقالوا السَبْقُ في الزمن ، ومن هذا المعنى خبر يُحشر الناس على قدمي أي أنا السابق إلى الله والناس يُبعثون بعدي ، وفي معنى منزلة رفيعة يقول ذو الرمة :
لكم قدمٌ لا ينكر الناس أنها مع الحَسَبِ العادي طمت على البحرِ
وقال الزمخشري : قدم صدق عند ربهم سابقةً وفضلاً ومنزلةً رفيعة . ولما كان السعي بالقدم سُميت المسعاة الجميلة والسابقة قدماً كما سُميت النعمة يداً لأنها تُعطى باليد وباعاً لأن صاحبها يبوعُ بها ، فقيل لفلان قدمٌ في الخير وإضافته إلى صدق دلالة على زيادة فضل وأنه من السوابق العظيمة . وقال ابن عطية : والصدق في هذه الآية بمعنى الصلاح كما نقول رجل صدق . وعن الأوزاعي : قِدَم بكسر القاف تسمية بالمصدر ، انتهى
فإذا نظر العاقل اللبيب والعالم الأريب إلى تفسير هذه الكلمة يعلم أن الشيخ عبد القادر قدس الله سره الطاهر على فرض صدور هذه الكلمة
منه ، لم يقصد مشط الرجل الذي يستلزم بوضعه على رقاب الأولياء من دون استثناء ، إحقارهم كلهم وإذلالهم ، ولا شبهة ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين كذا جاء في الكتاب المبين
بل كان الشيخ يقول أعمالي الصالحة التي هي من لُباب الشرع الشريف هي نافذة على رقبة كل ولي لله وكونه هو من جنس الأولياء فكذلك تلك الأعمال الشرعية نافذة على رقبته المباركة أو أراد بذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أو السعادة السابقة لجنس الأولياء أو الإتباع للمصطفى عليه الصلاة والسلام وأمر الإتباع نافذة على رقبة كل ولي لله . وفي كل هذه التأويلات الشريفة فالشيخ رضي الله عنه داخل في جنس الأولياء لكونه من أكابرهم فليتدبر

(1/78)   
 

 ومن القواعد المرعية أن حفظ حرمة الجنس أهم من حفظ حرمة الفرد ، على أن الفرد منضم في الجنس ولكن الجنس لا ينضم في الفرد، وإذا سقطت حرمة الجنس سقطت بالطبع حرمة الفرد الذي هو من الجنس لا محالة ، وهناك دقائق أخر منها أن الفاضل قد يخضع للمفضول لحكمة تقتضي ، ومثلها طلب الشيخين الكريمين الدعاء من أويس القرني وطلب النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء من عمر وتجلّي الله للجبل وعدم تجلّيه سبحانه وتعالى إذ ذاك لموسى الكليم عليه السلام . وأين فضل النجيّالعظيم موسى الكليم عليه السلام من فضل الجبل
وعلى كل حال عدم نسبة الدعاوي العريضة والكلمات العظيمة التي يشكل تأويلها إلى القوم الأكابر من أهل الله تعالى أولى وأصلح ، وإذا أمكن التأويل بما لا يهضم مقامات العارفين والصالحين فهو الأليق والأنجح وكلهم معظَّمون مكرَّمون محترَمون لهم مرتبة الإجلال تحت راية قوله تعالى ” ألا إن أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ” ( )
 الطريقة الرفاعية ) تعظيم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً وتعظيم الأولياء والصالحين والعلماء العاملين جميعاً وزيارة قبورهم والدعاء في مشاهدهم المباركة والمحاضرة مع أرواحهم الطيبة
قال شيخ مشايخ الإسلام مولانا السيد أحمد الكبير الرفاعي رضي الله عنه : هؤلاء يعني الأنبياء عليهم السلام والأولياء الصالحين والعلماء العاملين من آيات الله في الأرض ومن شعائره في العوالم ، فإجلالهم وإعظام محاضرهم وعلاماتهم لأجل الله وحبهم لوجه الله من الحب لله ، وتعظيم مراقدهم فيما لا يجاوز الحق من تقوى القلوب ، ومحبتهم وإعظامهم والإستمداد من مستودعات أسرار الله المصانة فيهم المفاضة لأرواحهم بحكم النصر المُعطى لهم في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد على أنهم نواب
الرسل وشهداء الله على الأمم وخاصة أمة الشهيد الأعظم صلى الله عليه وسلم

(1/79)   
 

 والله قد تولى أمورهم في الدنيا والآخرة كما جاء بمحكم النص. فذلك هو الإتيان للبيوت من أبوابها ، وفيه طلب نفحات الله تعالى بأسبابها . يعرف ذلك أهل الخصوصية من محققي الأولياء وأعاظم العلماء الأصفياء ولا يُحرم ذلك إلا كل مفتون ولا مراء في الحق وحسبنا الله ونعم الوكيل انتهى ونص الإمام حجة الإسلام الغزالي قدس الله روحه أن من يحترم في حياته يُحترم في مماته يعني من الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين . وما جاء من المنع إنما هو لحكمة وقتية وتلك إفراط اليهود والكثير من الملل السائرة بتعظيم أنبيائهم حتى عبدوهم وسجدوا لقبورهم ، وهذا والحمدلله لم يكن في الإسلام ، وإنما تعظيم مشاهد الأنبياء والصالحين لكونهم ممن أحبهم الله وأحبوه فإعظامهم لأجل الله والتوسل بهم إنما هو التوسل بمحبة الله لهم . وتلك صفة من صفات الله سبحانه ونعم الوسيلة تعالى صفته المقدسة ، وهذا مفاد كلام شيخ الأمة سيدنا السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وعنا به
فإنه قال كما في كتاب ” حكمه الشريفة “( ) ما نصه : النيابة المحمدية
عند أهل القلوب ثابتة تدور بنوبة أهل الوقت على مراتبهم وتصرّف الروح لا يصحُّ لمخلوق ، إنّما الكرمُ الإلهي يشمل أرواح بعض أوليائه بل كلهم فيصلح شأن من يتوسل بهم إلى الله قال تعالى” نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة
هذا الحد ، إياكم وإفراط الأعاجم ، فإن في أعمال بعضهم الإطراء الذي نص عليه الحبيب عليه صلوات الله وسلامه ، وإياك ورؤية الفعل في العبد حياً كان أو ميتاً ، فإن الخَلْقَ كلهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً . نعم ، خُذْ محبة أحباب الله وسيلة إلى الله فإن محبة الله تعالى لعباده سر من أسرار الألوهية يعود صفة للحق ونعم الوسيلة إلى الله سر أُلوهيته وصفة ربوبيته . انتهى كلامه العالي

(1/80)   
 

 أقول ولا تخرج أيها المحب عن القاعدة التي مرت في محلها من أن سلخ الفعل عن المخلوق معناه أنه لا يقدر أن يفعل استبداداً وله اختيار جزئي وعليه مُجبِرٌ كلي ، قال تعالى ” والله يعلم ما تصنعون ” .( ) فإضافة الصنع للعبد من حيث اختياره الجزئي . وقال تعالى : ” وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين منقبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون “. ( ) ففي هذه الآية الكريمة إثبات الإختيار الجزئي والإجبار الكلي . وأفهم ذلك من قوله سبحانه بعد الآية التي تشرفنا بذكرها فيما نصه ” وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم تُرحمون “. ( ) كلّفهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الرسول ، فهذا فعلهم الذي تختاره إرادتهم الجزئية وتكسبه أيديهم
وبعده ، فالرحمةُ فِعْلُهُ سبحانه ، يرجع إلى إرادته الكلية ، ومثل هذه الآية وأصرح في مقامها وأقرب للأفهام من طريق واضح إحكامها ، قوله تعالى وتقدس : ” قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد * قل إن ضللتُ فإنما أضِلُّ على نفسي وإن اهتديت فبِما يوحي إليَّ ربي إنه سميعٌ قريب “. ( ) فمن تدبّر إرشاد الله لنبيه في هذه الآية عرف سر الإطلاق من جهة والقيد من أخرى وعرف أن الأمر بين الأمرين وردَّ ضلال نفسه بالالتجاء المحض إلى هداية ربه فأعطى إرادته الجزئية حقها واستند
بعملها الصالح إلى الإرادة الربانية الكلية واتبع سبيل من أناب ويتوب الله على من تاب

(1/81)   
 

 وهنالك يقول بالطبع بإعظام ساداتنا الأنبياء والأولياء والصلحاء والعلماء والأتقياء وكلٌّ له مقامٌ معلوم ، وشفاعةُ الأنبياءِ والأولياء والصالحين حقٌّ لا يقول بردِّها إلا المُخزي المحروم ، إذ أولئك الشاهدون بالحق قال تعالى : ” ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق ” ( ) فإنهم عند الله مقبولون ، أعني الشاهدين بالحق ، ولهم جاهٌ عنده ومحبة الله الكريم الرحمن الرحيم لهم ، وجعلهم خزائن العِرفان ، وإنهم الذين يدلّون عليه ويقرِّبون إليه واختياره لهم واصطفاؤه لذواتهم فيه حقائق أسرارٍ تفيدنا حق اليقين وعلم اليقين ، إنهم عنده سبحانه من المقبولين المرضيين وحينئذ فإعظامنا لهم ، إنما هو إعظام لصفة المحبة التي تجلّى عليهم بها ، وإعظام مشاهدهم والتبرك بها كذلك لهذه الصفة لا لأنهم يصلون استبداداً ويقطعون ويفرِّقون ويجمعون ، بل نقول ونعتقد حكم قوله تعالى ” يوم لا يُغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون * إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم “. ( ) والولاية اختصاص قال سبحانه ” يختص
برحمته من يشاء “. ( ) فالأولياء مرحومون ، والرحيم هو الله تعالى . وإن إعظامهم يقود المرء إلى اتباع آثارهم والتخلق بأخلاقهم والعمل بما كانوا عليه وذلك من موجبات الرحمة ، لأن اتباعهم إنما هو اتباع للنبي العظيم صلى الله عليه وسلم والله تعالى قال : ” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله “. ( ) وبهذا بلاغ والله وليُّ المتقين
( الطريقة الرفاعية ) آدابٌ واجبةٌ وأعمالٌ راتبةٌ وانحيازٌ إلى السُنّةِ وابتعادٌ عن البدعة ، فالآداب الواجبة أفردها جدنا الخامس ولي الله العلامة السيد حسين برهان الدين آل خزام الصيادي الرفاعي نزيل بني خالد بديار حماة الشام رضي الله عنه برسالة مخصوصة فملخص أقواله مع حفظ ألفاظها

(1/82)   
 

 إعلم وفقنا الله وإياك إلى طاعته ، أن الطريقة العلية الرفاعية عزيزة الوجود وإن كانت سهلة المأخذ فأول ما يجب على السالك فيها أن يعرف الله حق معرفته . وذلك أن يعرف أنه سبحانه بذاته الواجب الوجود الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد وأن يعرف الصفات السلبية والمعنوية وهي الحياة لله والقيام بنفسه والعلموالقدرة والسمع والبصر والقِدَم والبقاء والوحدانية والكلام والمخالفة للحوادث ، ليس كمثله شيء . والسلبية أضداد هذه الصفات وهي مستحيلة في حقه تعالى ويجب على السالك بل على كل مسلم أن يعبد الله ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ، فإنه من الجائز على الله أن يعذب الطائع ويُثيب العاصي لكن جرت عادته تعالى كما أنبأنا كتابه الكريم ورسوله العظيم صلى الله عليه وسلم أن يُثيب الطائع ويعذب العاصي ، وفي ذلك ذكرى لأولي الألباب
فبالمعرفة والعبادة نيل السعادة ، وبالجهل والعصيان والعياذ بالله نيل الشقاوة ، وينحط إلى محل الخزي بقضاء الله وقدره ، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون . قال الله تعالى ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ” ( ) أي ليعرفوني كذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
ولمعرفته سبحانه وتعالى طرق أقر بها الأخذ عن أهل الذكر أي أهل العلم بالله وبشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى :” فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ” ( ) وقال عليه الصلاة والسلام ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) أي بالغ عاقل وقال صلى الله عليه وسلم ( إن

(1/83)   
 

 نوماً على علمٍ خيرٌ من صلاةٍ على جهل ) . وقال صلى الله عليه وسلم ( اطلعتُ ليلة المعراج على النار فرأيت أكثر أهلها الفقراء ، قالوا : يا رسول الله من المال ؟ قال : لا بل من العلم ). قال جُلّةٌ من العلماء : أراد صلى الله عليه وسلم بالعلم علم التوحيد والمعرفة وعلم الحلال والحرام ومعرفة السُنّةِ والبدعة ، لأن البدع إنما تنشأ عن الجهل وعدم العلم ومن ثم قال بعضهم : إنما يتمكن الشيطان من الإنسان على قدر قلة علمه فمن لم يدر العلم فهو ملعبة الشيطان .ولا بد للسالك من أربعة أشياء العلم والعمل والإخلاص والخوف . فإن عَلِمَ ولم يعمل أو عَمِلَ بغير علمه فهو محجوب ، وإن علم وعمل ولكن لم يخلص في العمل لله فهو مغبون ، وإذا لم يخف من الله ويحذر من الآفات إلى أن يجد إلا من يوم اللقاء ، فهو مغرور
قال شيخ مشايخنا إمام القوم سيدنا السيد أحمد الكبير الرفاعي رضي الله تعالى عنه ( أصل طريقتنا هذه ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع والصبر على الأمر والنهي ، ومن لم يزن أحواله وأقواله وأفعاله كل وقت بميزان الكتاب والسنة لا يُقتدى به في طريقتنا ولا يقدر على ذلك إلا بمجانبة البدع ، والأخذ بما أجمع عليه الصدر الأول ، لأن هذه الطريقة مبنية على الصدق والصفاء في سائر الأحوال والأقوال والتمسك بالافتقار إلى الله تعالى والذل والانكسار له والإيثار
وترك التعرّض والإنكار ، وليس من الصدق إظهار الوَجد من غير وجدٍ نازلٍ ودعوى الحال من غير حالٍ حاصل ، لأنه ينبغي أن يكون أول قدمٍ للمريدِ في هذا الطريق ، الصدق ، ليصحَّ له البناء على أساسٍ صحيح ومن ذلك تصحيح الإعتقادِ بين العبدِ وبين الله تعالى ، بشأنٍ صافٍ مُجردٍ عن الظنون والشبهات خالٍ من الضلالِ والبدعِ ، غير مفتقرٍ إلى البراهين والحُجج ، وإن كانت البراهينُ والحُججُ قائمة وقدرتها في حضرة الإيقانِ دائمة ) انتهى كلامُ صاحب الطريقِ رضي الله عنه

(1/84)   
 

 وقال بعضُ خُلفائه الكرام رضي الله عنه وعنهم ( أولُ ما يجب ُ على سالك طريقتنا ، ترك الدعاوى الكاذبة وكتمان المعاني الصادقة والإخلاص ودوام ذكر الله والفكر الصالح والقوت الحلال ومخالفة النفس في هواها والصبر على الأذى والتباعد عن البدع السيئة وعن الكِبر والعجب والرياء والنفاق والسُمعة والمَحمَدة بغير حق والتسلّق للرياسة بغير استحقاقٍ ولا علم صالح وعن الحسد والبغض بغير موجبٍ شرعي ، وعن سوء الظنِّ بالناسِ ، وعن الكذبِ والدعوى التي يُشمُّ منها الزورُ والباطِل . وإذا لم يكن كذلك فهو في طريقتنا دخيلٌ لا يجوزُ له الإنسلاكُ بسِلكِ رجالِ طريقتنا حتى يرجع عمّا هو فيه ممّا ذُكِرْ )وقال شيخُ الأمّةِ مولانا السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه : إذا رأيتم
الرجلَ تظهرُ له الكرامات وتنخرقُ له العادات فيطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغترّوا به حتى تُعرضوا عقيدته وأقواله وأفعاله على الكتابِ والسُنّةِ وسيرة السلف الصالح وانظروا كيف هو عند الأمرِ والنهي وهُنالك تُعرَف منزلته . انتهى
فمن هذا علِمنا أن مَن كان فيه أدنى بدعة سيئة لا تجوزُ لنا مجالسته لئلاّ يعود وبالها على جُلاّسِهِ ولو بعد حين . قال الله تعالى ” فليحذر الذين يُخالفون عن أمرِهِ أن تصيبهم فتنةٌ أو يصيبهم عذابٌ أليم ” ( النور – 63 ) وقال صلى الله عليه وسلّم : ( مَن أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليس منه فهو ردّ ) رواهُ البُخاري. وروى مسلم ( مَن عَمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ ) . وقال صلى الله عليه وسلّم : ” مَن أحدثَ في أُمّتي بِدعة أو آوى مُحدِثاً ، فعليه لعنة اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين ، لا يقبلُ اللهُ تعالى منه صرفاً ولا عدلاً ” أي لا فرضاً ولا نفلاً

(1/85)   
 

 والبِدع الحِسانُ من موجبات الأجرِ ، كما أن البدع السيئة من موجبات الوِزرِ ، كذا جاء في الأحاديثِ الصحيحة منها : “مَن سنَّ سُنّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومَن سنّ سُنّةً سيئةً فعليه وزرها ووزرِ من عمل بها إلى يوم القيامة ” فمن تأدّبَ بهذه الآدابِ الواجبة عُدَّ في رجالِ هذه الطريقة العليّة ، فإن لم يكن عالماً فليكن متعلِّماً أو مُستمعاً ولا يكن الرابعة فيهلك . ولتكن هذه الآداب الشريفة نُصبَ عينه ومعراجه في طريقه يصل بها إن شاء اللهُ إلى حظيرةِ الفتوحِ وتضيء في سماء قلبه شمسُ الروحِ في بُرج الوضوح ، فيُحمدُ مقامُهُ وتُنشَرُ بالبركةِ أعلامُهُ واللهُ المُعين
وأما الأعمال الراتبة في هذه الطريقة السعيدة والمحجّة النيّرة فهي في الحقيقة التأدب بآداب الشرع الشريف . وهذا هو الأدب الصحيح المترتب في كل طريقة . فإن مَن تأدّب بآداب الشرع يُعَدُّ من سُلاّك الطريق ، ويُرجى له الوصول ، ومَن لم يتأدّب بآداب الشرع فقد يضل الطريق ويركب الدرب الوعر والجبال ، ويُمَزَق حاله ولا يصل إلى مقصوده أبداً
وإن ما اختاره مشايخنا السادة الرفاعية رضي الله تعالى عنهم في هذه الطريقة العليّة من آداب الشرع أولاً : صحة الصُحبة للمرشد الكامل ، فهي أهم مراتب السلوك لتنقلب طباعه بمغناطيس الصُحبة من اختيارات نفسه إلى كمال الإستسلام والإنقياد إلى أوامر المُرشد ، فتُستهلك جميع مُراداته في مُرادات الشيخ وتنقلب غفلته يقظة وبخله سخاء وكسله نشاطاً وحرصه زهداً وسوء خُلُقه حُسْن ، ويترقّى ببركة الصحبة مِن
كل حالٍ دنيء إلى كل حال عليّ ، ومن كل خُلُق سيء إلى كل خُلُقٍ سَنيّ ،

(1/86)   
 

 وتنطبع محبة الشيخ في قلبه لوجه الله انطباعاً سليماً خالصاً من العوائق والعلائق والحظوظ النفسانية وتنقطع عنه حجة القواطع ، فإذا ظهرت عليه هذه العلامات ، أمَرَهُ المُرشِد بكثرة الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستغرق كله محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، بحيث إذا تقهقه في ضحكه وهو في البر الأقفر وحده يستحي من صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم . ثم يلحق له بعد الصلاة والسلام على رسول الأنامِ صلى الله عليه وسلم ، الإستغفار بعدد معلوم ، وبعدد الإستغفار ذكر الله تعالى بشرط التجرّد حالة ذكر الله من المخلوقين عظيمهم وحقيرهم ، كبيرهم وصغيرهم . وفي أثناء السير يعالجه طبيب روحه شيخه بالرياضة إذا مسّت الحاجة وظهر للشيخ العارف شئ من موجباتها أو يعالجه بالسياحة أو بالتجرد والخلوة أو بالسهر والتهجّد أو ببذلِ ما في اليد في الله أو بالخدمة الشاقة على النفس ومع ذلك يجعله مؤسَس البنيان ممهَّد الأركان على حب الشيخ وصدق الوله بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وعدم رؤية الأغيار توكّلاً على الله وإيماناً به سبحانه وهذه المزيّة أدبٌ من آداب النبي صلى الله عليه وسلم والشرط الأعظم في الطريق ، وقد أمر صاحب الطريقة رضي الله عنه بالإستفاضة القلبية من قلب
الشيخ ، عِلماً بأن ذلك الفيض يجيء متدليّاً من قلب صاحب الطريقة وإليه من قلب روح العوالم صلى الله عليه وسلم

(1/87)   
 

 وآداب الإستفاضة الجلوس في مجلس الصلاة بعد أداء الفريضة . وواجباتها ومتعلقاتها ، استقبال القبلة والتفرغ مهما أمكن من علاقات الخواطر . وأخذ الشيخ على البال وربط القلب بقلبه ، والوقوف هناك ما دامت الروح مطيّبة والنفسُ مطمئنة والخواطر مندفعة ، فإذا ضاق حال الروح أو شبّت النفس ولعبت الخواطر هنالك يفتح المريد عنه ويستغفر الله ويختم مجلس الإستفاضة بالفاتحة ويباشر بعدها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وبعدها الإستغفار ثم الذكر كما تقرر أولاً ومن رجال هذه الطريقة من شرط الإستفاضة بعد الوِرد قائلاً ، إن حلاوة الإستفاضة إذا بقي منها أثر في القلب يدخل من ذلك الأثر شيء حالة الذكر حظيرة القلب . ومن أدب الإخلاص أن لا يوجد للغير أثر ، وقال من استفاض قبل الوِرد ، أن الإستفاضة باب يتوصل به المريد من شيخه إلى إمامه في طريقته إلى نبيه إلى ربه . فإنه متى وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد وصل إلى الله ، بدليل قوله تعالى ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) ، وبعد فتح الباب يباشر الوِرد متجرِّداً عن الأغيارِ بالكليّة
قال شيخنا الجد الخامس السيد حسين برهان الدين رضي الله عنه : ” والذي أقوله أن الحال يُدرك من طور المريد ، فإن رأينا أن حلاوة الإستفاضة تغلبه ويبقى منها أثر في القلب ، فيلزم أن يجعل الإستفاضة بعد الوِرد ، وإلا فلا بأس يجعلها باباً للوِرد ، وهذا الذي عليه أكابر هذا الشأن من رجال طريقتنا الأعيان “
الخلوة المُحرّمية

(1/88)   
 

 ثم قال : ومن أحكام هذه الطريقة العليّة الخلوة الأسبوعية في كل عام ، وابتداء دخولها في اليوم الثاني من عاشوراء ، يعني اليوم الحادي عشر من محرم ، وقد جعلوها شرطاً على كل من انتسب إلى هذه الطريقة العليّة . طعامها خال من كل ذي روح ، وذِكرُها في اليوم الأول : لا إله إلا الله ، بعدد معلوم ، وفي اليوم الثاني : الله ، وفي الثالث : وهّاب ، وفي الرابع : حيّ ، وفي الخامس : مجيد ، وفي السادس : مُعطي ، وفي السابع : قدّوس ، وشرطوا في الخلوة بعد كل صلاة ، تلاوة هذه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة ، وهي : ” اللهم صلِّ على سيدنا محمد النبي الأمّي الطاهر الزكي وعلى آله وصحبه وسلم ” وذكروا لهذه الخلوة المباركة من الفتوحات المحمدية والعنايات الأحمدية ما لا يُحصى ، وكم شاهدوا لها من برهان عظيم وشأن كريم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واللهُ ذو الفضل العظيم وقد بنى صاحب هذه الطريقة السعيدة سيدنا الإمام الرفاعي سلوك
طريقته على الصحبة والمحبة وعلى الصدق في الأقوالِ والأفعالِ وعلى تزكية الأخلاقِ باتباعِ الشارع الكريم صلى الله عليه وسلم ، وجعَل سُلّم ذلك كثرة الصلاة على النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وربط القلب به والوله بمحبته والانتصار لسنته وشدة المحاضرة معه ، أرواحنا لجنابه العالي الفداء.
وقد فوّض تربية السالك للمسلك الكامل من أتباعه المجازين ، تفويض قيد لا تفويض إطلاق وذلك عبارة عن مداواة السالك بما يليق له حاله ويتحمله عقله ويقوم به وسعه ضمن دائرة الشرعِ الشريف وجعل الخلاوى والرياضات المعتادة عند البعض للقساةِ لإضعاف ثورة نفوسهم ، ولم يقل بأنها طُرُق ومنازل لا بد منها ولا غنى عنها ، فإن ذلك من سقم المدارك

(1/89)   
 

 على أنه لله طرائق عدد أنفاس الخلائق ، بل قال رضي الله عنه ، يلزم مع الأمر للسالك القاسي بالعمل بها دوام ترّقب نفحات الرحمن ، فإن العبدَ لا يعلم النفحة الربانية من أين تجيء وكيف تبرز ويجب على المرشد أن يتحقق بالمعرفة النبوية والسياسة المحمدية ، فيُعطي كل سالك حق وسعه ولا ينظر لفهم السالك ، فربما اشتهى المريض من الأطعمة والأشربة ما يضرّه وهناك فالحكمة ترجع لذوق الطبيب وعقله وعلمه . وهذا غايةما قرّره شيخنا رضي الله عنه ، يرويه عن سيدنا الإمام الرفاعي رضي الله عنه والأمر لله وحسبنا الله
( الطريقة الرفاعية ) المحاضرة مع الأرواح الطاهرة بهمّة القلب ، إيماناً بالله وإجلالاً لسلطان قدرته الذي أفاض في العالَم الكياني ، الإتصال الأتمّْ . يعرف ذلك أهل الخصوصية ويجهله الجاهل المحجوب الذي لم يتحقق بفهم تلك الرقيقة الكونية ، وهنا تفاصيل جليلة لا يُستغنى عنها سنورد منها إن شاء الله ما فيه بلاغ
قال شيخنا الإمام السيد بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي رضي الله عنه وعنّا به “واردات الغيب” عالمُ الكيان نقطةٌ واحدة منقوطة على صحيفة الحدث تتلجلج فيها متحركة ذات أجزاء كثيرة مركبة من صنوف لا تُعَدْ وكل تلك الصنوف مجتمعة في تلك النقطة تضمّها مادة حبرها السيّالة المُشَكّلة لكونيَّتها ، فالصنوف متصلةٌ في الحقيقة بتلك الجامعة من حِبر تلك النقطة ، منفصلةٌ ذرّاتُها بتلجلُجِها تموج في سابحة تلك المادة وكلها إلا من عَلِم يزعم الإنفصال ، كلٌّ على حِدة
ولكل شيء منها صنفٌ خاص ولذلك الصنف خزانة غيبية تجمعه بشاهد (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه) (الحجر 21 ) فتلك الخزائن خزائن
الإصدار والإيراد ألا له الخَلقُ والأمر ، تصدر الأشياء من تلك الخزائن وترد بعد ردها إليها

(1/90)   
 

 فالإصدار ، التنزيل ، وكل شيءٍ يكون تنزيله بقدرٍ معلوم ، والوصلةُ في عالم الكيان حاصلةٌ بين جميعِ الذرَاتِ سيّما الأرواح ، فهي أوثق وأقرب اتصالاً ببعضها من بقية الأشياءِ لِلُطفِها . ولذلك فمحاضرة الأرواح أسرع تأثيراً من غيرها لا مُحالة ولا فرق بين أرواح الأموات وأرواح الأحياء . وما أجهل مَن قال بتكفير القائل بمحاضرة أرواح المشايخ وإسناد الفعلِ لها ، كأنه يزعم أن المحاضر لها يقول بفعلها بالاستبداد منها ، ولا يظن هذا بعاقل . فضلاً عن الجماعة الكُمَّل الذين يعرفون أسرار المحاضرة ويعلمون أن الذي أودع الضياءَ في كوكب الشمس والظُلمةَ في غلغال الليل إنما هو الله الفعّال المطلق ، وهو أيضاً استودع الأرواحَ أسرارَ الفعل والقطع والوصل ، وأنها لمحيطةٌ في مستودعاتها عالمةٌ بها ، قادرةٌ بإذن الله على فعلها . وتصحّ المحاضرة مع كل الأرواح سعيدها وشقيِّها ، نيِّرِها ومُظلِمِها ، مقبولِها ومردودِها ، رفيعِها ووضيعِها ، ولكن تلك المحاضرة تثمر بنتيجة التقابل بنسبة قوة حضور المحاضر وعلوّ همّته وجمع باله ولكل هذا الشأن ، أعني شأن المحاضرة ، حضرتان ، حضرة حقيقة وحضرة خيال . فحضرة الحقيقة لا يثبتها إلا المُجانسة الصحيحة بين
المُحاضِر والمُحاضَر ولو بوجهٍ ما ، وإلا إذا انقطعت المجانسة فيكون ما يحدث لجمع الهِمّة حاصلة من حظيرة خيال ترسم بشكل الحقيقة وما هي بالحقيقة ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل بأسرار الكيان غير مطّلع كل الاطِّلاع على حقائق القرآن .

(1/91)   
 

 وتدبّر كيف نصَّ القرآنُ العظيم على أذان سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاةُ والسلام في الناس بالحج وكيف لبّتهُ الأرواحُ حتى التي في الأصلاب ، وجاؤهُ من كلِ فجٍّ عميق رجالاً وركباناً ، نساءً ورجالاً . قال تعالى : “وأذّن في الناس بالحج يأتوكَ رجالاً وعلى كلِ ضامرٍ يأتين من كلِّ فجٍّ عميق” (الحج –آية27). والفج العميق ؛ الطريق البعيد ، ومع البُعد بلوغ صوت الخليل سيدنا إبراهيم عليه السلام بقوة المدد الإلهي المُفرَغ في رَوعِهِ ، المستودَع بسِرِّهِ ، وهل ذلك الأذان المجمَل الذي نشأ عنه هذا العمل المبارك المُفَصَل إلا محاضرة الأرواح ، وتلك المحاضرة هي التي اخترقت صفوف الأرواح وصنوفها دوراً بعد دور ، وجيلاً بعد جيل ، فهي أهم وأعظم من محاضرة الأرواح التي خامرت الأجسام وقارنتها ثم فارقتها إلى خزائنها وهذه القوة لا تكونُ إلا لعظماءِ الأنبياء وأجِلاّءِ خواص الوُرّاث
فقد روى الحافظ ابن الحاج الواسطي الشافعي قدّس الله سرّه أن الإمام منصوراً الرباني البطائحي الأنصاري ثم الحُسيني رضي الله عنه ، وقف برُواق أم عبيدة واتجه إلى القِبلة ثم إلى الشرق ثم الغرب ثم الشمال وقال “هلمّوا تعالوا إلى هذه البقعة المباركة وتكلّم كلاماً عجيباً ، فبعد أن سكن سأله بعض أصحابه فقال : إن الله تعالى لقّح بروح ابن أختي أحمد مشارق الأرض ومغاربها ، فها أنا أدعوهم إلى هذه البقعة السعيدة”
قلت) وقد كان الذي أشار إليه الباز الأشهب مولانا السيد منصور رضي الله تعالى عنه وعنّا به ، فإن أم عُبيدة صارت مطاف الأُلوف من أهل الكمال وفحول الرجال ، حتى قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى حين زار سيدنا السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه في حياته ما نصّه :

(1/92)   
 

 كُنتُ عنده ، وعنده أكثر من مائة ألف إنسان ، وقد قام بكفاية الجميع ، فقلتُ له : هذا جمعٌ عظيم ، فقال : حُشِرتُ مع هامان إن خطر لي أني شيخ أحد منهم إلا أن يتغمدني اللهُ برحمته فأكون كآحادهم ومن هذه الجُمل المباركة تفهم أن محاضرة الأرواح ممكنة على اختلاف صنوفها إلاّ أنها لا تثبت للمحاضرة حقيقة إلا بالمُجانسة ، ولا يمكن محاضرة الأرواح التي ستبرز قوالبها بعد إلا لنبيٍّ عظيم أو وارثٍ عظيم ، وإلاّ فأرواحٍ خامرت الأجسادَ حاضرة حيّة أو غائبة متوفّاة تمكن
محاضرتها وتثبت لها نتيجة حقّة بنسبة المجانسة بين الأرواح المُستَحضرة في المحاضرة ، وبين المُحاضر والكيان وجودٌ واحد مع تعدُّد الذرّات في النقطة الكيانية ، وحِبر تلك النُقطة مُرَكّب من الضياءِ والهواء
وهذان الجوهران ، أن الجامعان بين الذرّات في النقطة ، فكلّما قدر الرجلُ على استكشاف ِ السِرِّ الكياني وتمكّنَ من صحة ربط القلب من ذرّةٍ أُخرى ، اجتذب منها نتيجةً تُعرَف ولا تُنكَر ، حسبما يمكنه بنسبة قوة محاضرته. والوجود الكياني فيه الرفيع من الأجزاء والوضيع ، والشريف والخسيس . فالوضيع حالة كونه من الوجود لا يتيسّر له قوة المُقاربة التامة مع الرفيع منه لاختلاف المُجانسة ، إذ المُباينة بين الرفعة والضِعة هي الحاجز ، فتدبّر . وإذا أمعنت النظرَ تعلم أن المُحاضر بخسّته لروحٍ شريفة يصعب عليه القُرب منها وأخذ نتيجة مرغوبة عنها
وروابط أرواح المُريدين مع انحطاطهم عن مجانسة أرواح الصالحين تحصل بصدق محبتهم لهم وعُكوفِهم على أبوابِهم وتحقُّقِهِم بمودتهم ، والاعتقادِ بهم . فقِف عند المرتبة ، وترفّع بالعمل الصالح والإتِّباع الحسن ، وخُذْ بركة الأرواحِ الطاهرة ، ولا تسمع لاغية مَن يُحرِّف الكلم عن مواضعه ، واتق الله ولا تُشرِك به شيئاً وكفى باللهِ وليّاً . انتهى كلام شيخنا رضي الله عنه وعنّا به

(1/93)   
 

 وحيثُ أنه ، نفعنا اللهُ بعلومه ، لم يُبقِ في هذا البابفي القَوسِ مَنزَعاً ، فقد اكتفينا بكلامه المبارك ، وهو الحُجة في هذه المَحَجّة ، وحسبنا اللهُ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله
 الطريقة الرفاعية ) أخْذُ وثيقة السند التي تُعرِب عن الاتصال من المجاز بعقدٍ بعد عقدٍ في السلسلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا من الإسناد ، والإسناد من الدين . نعم ، تكلم البعضُ عن انقطاع يد الإمام الحسن البصري رضي الله عنه عن سيدنا أمير المؤمنين علي المُرتضى كرّم الله تعالى وجهه وأتحَفَهُ برضوانه وسلامه . والحالُ أن إجماع القوم من الأكابر أولياء الله رضي الله عنهم على هذا ، وناهيك منهم بالجُنيد رضي الله عنه فهو الذي أجمعت الأمة على وجوب تقليده في مذهب التصوف وقالوا مذهبه مقوّمٌ دائرٌ على محوري الكتاب والسنة فهو مع جلالة قدره أسند لبس الخرقة إلى الإمام الحسن البصري ، وأنه لبسها من الإمام علي كرم الله وجهه
قال العلاّمة الحافظ المتقن شيخ السُنة الإمام جلال الدين السيوطي قدس الله روحه ونفع به ، في كتابه ( إتحاف الفِرقة برفو الخِرقة ) ما نصه: مسألة : أنكر جماعة من الحُفّاظ سماع الحسن البصري رضي الله تعالى عنه من الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وتمسّك بهذا بعض المتأخرين فخُدِش به في طريق لبس الخِرقة ، وأثبته جماعة وهو الراجح عندي لوجوه
وقد رجّحه أيضاً الحافظ ضياء الدين المقدسي في المختارة ، فإنه قال: قال الحسن بن أبي الحسن البصري عن علي وقيل لم يسمع منه وتبعه على هذه العبارة الحافظ ابن حجر في أطراف المختارة

(1/94)   
 

 الوجه الأول: أن العلماء ذكروا في الأصول في وجوه الترجيح أن المثبت مُقَدَّم على النافي ، لأن معه زيادة علم الثاني ، أن الحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عُمَر باتفاق ، وكانت أمه خيِّرة مولاة أم سلمة رضي الله تعالى عنها فكانت أم سلمة تُخْرِجه إلى الصحابة يباركون عليه وأخرجته إلى عمر رضي الله عنه فدعا له: اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس ، وذكر ذلك الحافظ جمال الدين المزي في (التهذيب) وأخرجه العسكري في ( كتاب المواعظ) بسنده وذكر المزي أنه حضر يوم الدار وله أربع عشرة سنةومن المعلوم أنه من حين بلغ سبع سنين أُمِرَ بالصلاة فكان يحضر الجماعة ويصلي خلف عثمان إلى أن قُتل عثمان رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه إذ ذاك بالمدينة ، فإنه لم يخرج منها إلى الكوفة إلا بعد مقتل عثمان ، فكيف يستنكر سماعه منه وهو كل يوم يجتمع به المسجد خمس مرات من حين ميّز إلى أن بلغ أربع عشرة سنة
وزيادة على ذلك أن علياً رضي الله عنه كان يزور أمهات المؤمنين
ومنهن أم سلمة والحسن في بيتها هو وأمه
الوجه الثالث: أنه ورد عن الحسن ما يدل على سماعه منه ، أورده المزي في التهذيب من طريق أبي نعيم قال أبو القاسم عبدالرحمن بن العباس بن عبدالرحمن بن زكريا حدثنا أبو حنيفة محمد بن حنيفة الواسطي حدثنا محمد بن موسى الجرشي حدثنا ثمامة بن عبيدة حدثنا عطية بن محارب عن يونس بن عبيد قال سألت الحسن قلت يا أبا سعيد إنك تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنك لم تدركه ، قال يا بن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ولولا منزلتك مني ما أخبرتك ، إني في زمان كما ترى وكان في عمل الحجاج كل شيء سمعتني أقوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر علياً رضي الله تعالى عنه

(1/95)   
 

  قلت) وذكر الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى عدة أحاديث صحيحة وبعضها حسان عن جمع من الحفاظ منم الترمذي والنسائي والحاكم والضياء المقدسي والزين العراقي وأبو زرعة والطحاوي والدراقطني وأبو نعيم والخطيب البغدادي والحافظ بن حجر العسقلاني والقرطبي واللالكائي وغير واحد كلهم يروي حديثاً أو خبراً عن الحسن البصري عن علي رضوان الله عليه
ثم قال الجلال السيوطي رحمه الله تعالى ، قال الحافظ أبو بكر بن مستدى في مسلسلاته : صافحتُ أبا عبدالله محمد بن عبدالله بن عشوى التفراوي بها ، قال : صافحتُ أبا الحسن علي بن يوسف الحصري بالإسكندرية وصافحت أيضاً أبا القاسم عبدالرحمن بن أبي الفضل المالكي بالإسكندرية ، قال : صافحت شبل بن أحمد بن شبل قدم علينا ، قال: كل منهما صافحت أبا محمد عبدالله بن مقيل بن محمد ، قال صافحت محمد بن الفرح بن الحجاج الشكسلي ، قال: صافحت أبا مروان عبدالملك بن أبي ميسرة قال: صافحت أحمد بن محمد النقزي بها ، قال: صافحت أحمد الأسود ، قال: صافحت ممشاد الدينوري ، قال صافحت علي بن الرزيني الخراساني ، قال صافحت عيسى القصار ، قال: صافحت الحسن البصري ، قال: صافحت علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال صافحت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال صافحتْ كفّي هذه سرادقات عرش ربي عزَّ وجل ، انتهى
ومن هذه البراهين القاطعة يُعلم علماً يقيناً أخذ الإمام الحسن البصري عن سيدنا أمير المؤمنين الإمام الأعظم علي المرتضى كرم الله وجهه ، ومن فضل الله تعالى عليَّ أني صافحتُ شيخي قطب الزمان وغوث الأوان علاّمة الوجود مولانا السيد بهاءالدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي الشهير بالرواس رضي الله عنه وعنّا به وهو قال لي أربع أسانيد

(1/96)   
 

 في المصافحة الأولى : عن ابن عمي السيد إبراهيم الرفاعي المفتي وسنده في المصافحة سنده في الإجازة إلى الإمام الأكبر سلطان الأولياء مولانا السيد أحمد الكبير الرفاعي رضي الله عنه وهو صافح جده يوم مدِّ اليد والقصة أشهر من أن تُذكروالثاني : عن ابن عمي وشيخي السيد عبدالله الراوي الرفاعي وسنده أيضاً إجازته وهو يتصل بالإمام الكبير الرفاعي رضي الله عنه وعَنّا به وهو قد صافح جدَّه عليه الصلاة والسلام
والثالث : عن حُجّة الله الإمام المهدي ابن الإمام العسكري رضوان الله وسلامه عليهما في طيبة الطيِّبة تجاه المرقد الأشرف المصطفوي وقال صافحتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي بخير
قال شيخنا (رضي الله عنه) ثم دعا لي الإمام المهدي رضوان الله عليه بخير .
قال والرابع : عن الخضر عليه السلام صافحته سبعاً وثلاثين مرة آخر مرة منها في مقام الشيخ معروف الكرخي ( رضي الله عنه) ببغداد عصر يوم جُمُعة ، فقال صافحتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتبسّم لي صلى الله عليه وسلم وقال لي: صافحتْ كفّي هذه سُرادقات عرش ربي عزَّ وجل
انتهى كلام شيخنا رضي الله عنه.
وقد صافحته (رضي الله عنه) ودعا لي بخير وآخر مرة صافحته ذكر لي هذا الحديث الشريف وتمّت ليَ البركة والسعادة بعونه تعالى والحمدلله رب العالمين
( الطريقة الرفاعية) إعظام شأن مؤسسها وناشر إعلامها ومحكم نظامها سلطان الأولياء برهان الأصفياء لاثم يد جده سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم ألا وهو الغوث الأكبر والكبريت الأحمر شيخ الدوائر ملحق عواجز الأصاغر بأعاظم الأكابر المغيث بإذن الله والنائب عن جدِّه رسول الله في مُلْك الله ناصر السنة خاذل البدعة ركن الحقيقة عماد الطريقة برهان الشريعة السيد أحمد محيي الدين الكبير الرفاعي (رضي الله عنه) وعنّا به ونفعنا وأُمَّةَ جدِّهِ بعلومه وبركاته وطاهر نفحاته آمين

(1/97)   
 

 وإعظامه لأسباب كثيرة منها أنه بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسب الوضّاح الذي طلع في سماء السيادة طلوع الصباح ، اشتهر في عالم الإمكان ودار خَبَرُ سيادته الفاطمية على كل لسان ، وسيأتي ذكر نسبه الشريف مسلسلا إلى النبي صلى الله عليه وسلمومنها تمسُّكه كل التمسُّك بسُنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتحققه بالتخلق بأخلاقه وقيامه بنصرة شريعته بالأطوار والأحوال والأقوال والأفعال
ومنها شدة شفقته على خلق الله تعالى على اختلاف طبقاتهم وأجناسهم ومذاهبهم ومشاربهم ومنها تواضعه وذله وانكساره لله تعالى وشدة كرمه وجودِهِ وعلو هممه وتواضعه للناس وقهره نفسه وعدم رؤيته نفسه على غيره مزية.
ومنها صبره على الأذى وتحمّله أثقال الناس ووقوفه في ذلك مع الحق وترفعه عن هذه الدنيا الدنيّة وتعاليه عليها وعلى المغلوبين المفتونين بها واتضاعه للفقراء والمساكين وإيثاره ولين قوله للناس بِرِّهِم وفاجِرِهم وحسن خلقه
ومنها حُسْنَ تربيته للناس بالحكمة الكاملة والمعارف الشاملة والأطوار المحمدية والمناهج النبوية وكثرة كراماته وعظيم خوارقه وصدق حاله وجليل كماله وباهر أقواله وشريف خلاله وجميل خصالِه وهذا كله ثابت بالبراهين الطافحة والنصوص الراجحة ومؤيد برائق كلماته ومستمر كراماته ودائم بركاته وقد انبت الله تعالى في بيته الأولياء كما ينبت الربيع البقل كما نص ذلك وتبعه العلماء الأجلاّء والشُرَفاء العظماء والسادات الكُبَرَاء والحُكماء والعُرَفاء والخُلَّص من صدور الأولياء وانتهت إليه نوبة الفضائل في عصره ولم يخلفه دور الأيام ولم تقم نوبة لوليّ كما قامت له في الإسلام، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله
أما نسبه الشريف المتواتر المستفيض فهو السيد أحمد بن السيد السلطان علي المكي الرفاعي الحسيني دفين بغداد بجانبها الشرقي ابن السيد يحيى نقيب البصرة ودفينها ابن السيد ثابت بن السيد الحازم علي أبي الفوارس

(1/98)   
 

 ابن السيد أبي علي أحمد المرتضى بن السيد علي أبي الفضائل بن السيد الحسن الأصغر المعروف برفاعة الهاشمي المكي نزيل المغرب ابن السيد المهدي بن السيد أبي القاسم محمد بن السيد الحسن المُكنى بأبي موسى رئيس بغداد نزيل مكة ابن السيد الحسين عبدالرحمن الرضي المحدث ابن السيد احمد الصالح بن السيد موسى الثاني بن السيد الأمير إبراهيم المرتضى المجاب ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين علي ابن الإمام الشهيد السعيد أمير المؤمنين الحسين صاحب كربلاء ابن الإمام علم الإسلام أسد الله الغالب أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه واتحفه بسلامه وتحياتهوأم سيدنا الإمام الحسين سيدتنا وقُرَّة عيوننا السيدة فاطمة الزهراء النبوبة بنت روح الوجود وسيد أهل الوحي والإلهام والشهود وحبيب الله وإمام أنبياء الله سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم
ونسب حضرة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم في آل سيدنا الخليل إبراهيم عليه السلام ثابت بالنصوص القطعية والإجماع الذي يعلو عن النزاع والحمدلله رب العالمين
ولسيدنا الإمام أحمد الرفاعي الحسيني رضي الله عنه وعنا به نسب من
جهة أمهاته للصحابي الجليل سيدنا أبي أيوب الأنصاري رضي عنه الباري ولسيدنا الحسن السبط ولسيدنا الصديق الأكبر رضي الله عنهم أجمعين يعرف ذلك النسّابون المحققون ورواة الأخبار من ذوي الفضل الوفير والعلم الغزير وحسبنا الله ونعم الوكيل

(1/99)   
 

 وأما شفقته على الخَلْق فإنه تواتر في طبقات القوم وكتبهم بالروايات الموثوقة والنقول الثابتة الصحيحة ، أنه كان يترك رواقه الشريف ويحتطب في بعض الأحيان ويحمل الحطب على ظهره إلى بيوت الفقراء والمساكين الذين لا يقدرون على الخروج ، ويحمل لهم الماء والطعام ويفعل الكثير من أمثال ذلك من البر والمعروف مع المجذومين والزمنى من أهل العاهات والشيوخ المقعدين والضعفاء والأرامل والأيتام من المسلمين والنصارى واليهود والصابئين حتى أسلم على يديه منهم خلق كثير، وكان يقف في طرق العميان فيقودهم إلى الأمكنة التي يريدونها ، وإذا رأى ذا شيبة عاجزاً خدمه بنفسه وقضى له حاجته وقبّل يده وسأله الدعاء وإذا تجرأ عليه متجريء فآذاه صبر عليه وتحمّله ، ولم يجاز مسيئاً بإساءة قط وكان يُحسن إلى من يسيء إليه ويعفو عمّن ظلمه لوجه الله تعالى ويتواضع للخَلْق لا عن حاجة بل هو خضوع عن عِزّ كما قال فيه سيدنا الإمام سراج الدين الرفاعي ثم المخزومي شيخ الإسلام والذي هو فيعصره أستاذ الخواص والعوام بما نصه:
تواضعَ كالهلالِ أقام رسماً
خضوعٌ جاء عن عزٍّ منيعٍ
يلوح الماء من بيض القِبابِ
كذلك طورُ آل أبي تُرابِ
وأما عدم رؤيته لنفسه وعدم تعاليه على غيره فقد تواتر واستفاض ، وقد كان يُضرب به المثل وقد كان كثيرا ما يقول إيش أنا ومن أنا ويأخذ بيده شيئاً من التراب ويقول من كان من هذا وغايته إليه من يكون؟

(1/100)   
 

 وأما كرمه وجوده فقد ثبت بروايات العدول وصحيح النقل أن رواقه الشريف كان يجمع كل يوم عشرين ألفاً ويمدُّ لهم السماط صباحاً ومساء وليلة محيا الأسبوع يجتمع عنده أكثر من مائة ألف إنسان ويقوم بكفاية الجميع ولم يرو لنا التاريخ وقوع مثل ذلك لغيره من أولياء الإسلام وهذا باتفاق الخواص والعوام وبإجماع الطوائف من موافقٍ ومُخالف ، وأما تربيته للناس بالحكمة وآدابه الشريفة في طريقته المحمدية التي جلا بها الغُمّة فمن بعضها ما ذكره سبطه الأعظم ووارث سِرِّه المُطلسم البحر المُطمطم ، القطب الغوث الجواد مولانا السيد عزالدين أحمد الصياد الرفاعي رضي الله تعالى عنه وعنّا به في كتابه ” الطريق القويم” بما نصه:
(1/101)   
 

 أن طريق سيدنا الإمام السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه بين جداري الإفراط والتفريط لا غلو ولا علو ولا هبوط ولا سقوط، هدم صومعة القول بالوحدة والحلول، ورد التبجّح بالشطحات المخالفة للمعقول والمنقول، ونزّه جانب التوحيد عن الشرك والتعطيل والتشبيه ، ووقف في كل شأن حُكميّ أو تهذيبيّ بما يجذب إلى الوسطية، كل أطرافه وحواشيه ، إذا فاض عليه بحر الكرم تحدّث بالنعمة، وما تعدى الحدود، وإذا عَلّم أفاد ما يقضي بالوفاء بالعهود وإذا أرشد أوضح حال النبي صلى الله عليه وسلم ودلَّ عليه وجذب قلوب السالكين إليه ، فغوامضُ كلماتِهِ كظواهرها ودقائق تعبيراته كسهلها، أُعطى الحظُ الأوفرُ من ناطقةِ جده صلى الله عليه وسلم وأوقفَ جموعَ أولي العلوِّ بشدّة تواضعه لله وانكساره لعظمته وذُلِّهِ لمجده وقدسه وحُسن الأدب مع المخلوقين على طبقاتهم إنسهم وجِنِّهم وصنوفهم الناطقة والصامتة ذوات الأرواح وغيرها العلويّة والسُفلية، ولكل منهم لديه ( رضي الله عنه ) مقامٌ معلوم كما أقامه الله وعلى ما ركّبَهُ وفيما أظهرَهُ وحسبما أبرزه واستودع فيه من سر الصنع والهَدْي المفاض بعد الخلق إلى كل شيء ، هذا مع الزهد بالكل وإرجاع الأمر كله إلى الله ، إنا لله وإنا إليه راجعون. انتهى كلام الإمام الصياد رضوان الله تعالى عليه
(1/102)   
 

 وأما كراماته فهي خارجة عن الحصر لكثرتها، شهد له بذلك الكبار والصغار وتواتر هذا في الأجيال والأدوار ، أحيا الله له الميِّت وأقام له المُقعدين وعافى ببركة جاهه أصحاب العاهات وأبرز على يديه البركة العامة وقَلَبَ له الأعيان وصَرّفَهُ في الخَلْق وقد أفاض له النِعَم وأسبغ عليه مزيد الفضل من مَحْضِ الكرم وأعطاه اللسان الناطق بالحكمة العجيبة ، وأتحَفه بالمواهب الغريبة ولم تزل كراماته الشريفة تُحكى بألسنة الإجلال في محافل أهل الفضل والكمال ، وناهيك منها بمدِّ يَدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لجنابه الكريم في محفلٍ عظيم ولقد سارت بها الركبان وتناقلها أفاضل كل زمان ، ولله دُرَّ سيدنا القطب الأعظم السيد محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي الشهير بالروّاس رضي الله عنه وعنّا به فإنه قال:أبو العَلَمَينِ بنَ الفواطمِ سيِّدٌ
تواضعَ أقطابُ البريّةِ كلِّها
على كلِّ ساداتِ الرجالِ له اليدُ
إذا قام في دَسْتِ الولايةِ أحمدُ
ورُويَ في الوثيقة الوسطى عن العلاّمة الكبير محمد العاقولي الشافعي قدس سره بيتين يمدح بهما الإمام أبا العلمين رضي الله عنه وعنّا به وهما:
مولاي يا سلطان أمَّ عُبيدةِ
كلٌّ لهُ قَدَمٌ من الأشياخِ في
يا مَن بهِمَّتِهِ يُحَلُّ ويُعْقَدُ
نهجِ الهُدى وسِواكَ ليس له يدُ
وأما أتباعه فقد زادت عن العد وطمّت عن الحدّ ، تخرج به أعاظم
الأولياء الأنجاب وانتمى إليه أكابر الأقطاب وتبرّك تشرُّفاٌ بخرقته الطاهرة الأجلاّء الأطايب من علماء المذاهب وما ألطف قول أبي المظفّر الواسطي الشافعي قُدِّس سِرُّه فيه رضي الله عنه ونصه:
حارت بناسوتِكَ الأعلى النواسيتُ
وضِمْنَ عِزِّكَ لمّا قُمتَ ُمنكسِراً
تبارك الله لم تنطق وقد رجفت
وردَّدَت ذِكركَ الأحلى المواقيتُ
بازاتُها لك دانت والفواخيتُ
برحب حضرتك البيضُ المصاليتُ

(1/103)   
 

 توفي رضي الله عنه في أم عبيدة بواسط العراق سنة ثمان وسبعين وخمسمائة راضياً مرضياً نائباً نبوياً وقد جدّد الله به أمرَ الدين وأيَّدَ بمنهاجه مذهب أهل الشرع المبين وصان ببركة عزمه وعزيمته في الله عقائد المسلمين وأبرد لأتباعه النيران وأزال لهم فاعلية السموم وألان لهم الحديد وأذلّ لهم السِباعَ والحيّات والأفاعي وأخضع لهم طُغاةَ الجِنِّ وصرفهم في العوالم وأطلعهم على عجائب الأسراروقد تسلسَلَ في بيته المبارك الأكابر من أعاظم الورّاث المحمديين والعلماء العاملين والسادات الوارثين والأفاضل المُرشدين وهذا الفضل لا ينقطع إن شاء الله إلى يوم الدين ببركة جدِّه سيد المرسلين عليه صلوات الله الملك المعين والحمد لله رب العالمين
وهنا سأتشرف وأقول أنا الفقير إلى الله تعالى محمد أبو الهدى بن السيد

(1/104)   
 

 أبي البركات حسن وادي آل خزام الصيادي الرفاعي بن السيد علي بن السيد خزام بن السيد علي آل خزام بن الإمام السيد حسين برهان الدين البصري نزيل بني خالد بن السيد عبدالعلاّم بن السيد عبدالله شهاب الدين ابن السيد محمود الصوفي بن السيد محمد برهان بن السيد حسن أبي محمد الغواص دفين دمشق بن السيد الحاج محمد شاه بن السيد محمد خزام بن السيد نورالدين بن السيد عبدالواحد بن السيد محمود الأسمر بن السيد حسين العراقي بن السيد إبراهيم العربي بن السيد محمود بن السيد عبدالرحمن شمس الدين بن السيد عبدالله قاسم نجم الدين بن السيد محمد خزام السليم بن السيد شمس الدين عبد الكريم بن السيد صالح عبد الرزاق بن السيد شمس الدين محمد بن السيد صدر الدين علي بن الشيخ القطب الغوث الإمام السيد عزالدين أحمد الصيادي الرفاعي سبط الحضرة الرفاعية بن السيد ممهد الدولة عبد الرحيم بن السيد سيف الدين عثمان بن السيد حسن بن السيد محمد عسلة بن السيد الحازم علي أبو الفوارس الرفاعي الإشبيلي الذي تقدَّم ذكره العالي بنسب سيدنا الإمام الرفاعي وتقدَّم ذكر نسبه الطاهر إلى النبي صلى الله عليه وسلموأم سيدنا السيد عزالدين أحمد الصيادي رضي الله عنه سيدتنا السيدة زينب ذات النور أم الأقطاب بنت الإمام الأكبر السيد أحمد الرفاعي
رضي الله عنه، وأبوه القطب السيد ممهد الدولة عبدالرحيم فأمه السيدة ست النسب أخت سيدنا الإمام الرفاعي لأبويه رضي الله عنهم اجمعين. أذْكُرُ هذا تَحَدُّثاً بنعمة الله والحمد لله رب العالمين

(1/105)   
 

  ومن الطريقة الرفاعية) القولُ بإجلال الإمام الرفاعي رضي الله عنه على إخوانه الأولياء رجال الخرقة كلهم مع حفظ حقوقهم ومقاديرهم والاعتراف بكونهم إخوانه وكلهم على هُدى ، دوائر مجدهم وسيعة ، ومقاماتهم عالية رفيعة ، والأولياء لبعضهم أكفاء لا نفرق بين أحدٍ منهم رضي الله تعالى عنهم ولا نردُّ على أحد من أتباع رجال الخرقة إذا اعتقد مثل اعتقادنا بإمام طريقته ولم يُفرّط فيهضم مقادير القوم بل ندعو له بالثبات على محبته لشيخه إمام طريقته وهذه القاعدة المتفق عليها في المذاهب والطرائق وكفى بالله ولياًاستطرادان) لي ولله الحمد والشكر نسبة من جهة الأمومة تنتهي إلى الباز الأشهب والطراز المُذَهَّب بحر المعارف ، فيّاض العوارف القطب الغوث الجامع الرباني أبي محمد مولاي السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه ونفعنا به آمين وهي من طريق جدِّنا الإمام العارف بالله تعالى السيد محمود بن السيد عبد الرحمن شمس الدينفإن أم السيد محمود الشريفة برق بنت السيد الشيخ محمد الحيالي بن
السيد أحمد بن السيد علي بن السيد حسين بن السيد محمد بن السيد الشيخ محمد شرشيق بن السيد محمد بن ولي الله العارف بالله السيد الشيخ عبد العزيز دفين جبل الحيال من أعمال الموصل ابن القطب الغوث الفرد الجامع الإمام الكامل معدن الكرامات والفضائل محيي الدين أبي صالح السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني قدَّس الله سره النوراني وأفاض علينا وعلى المحبين من بركاته وجليل نفحاته آمين
وهو رضي الله عنه ابن موسى أبي صالح جنكي دوست بن عبد الله بن يحيى بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن السيد الجليل موسى الجون بن السيد عبد الله المحض بن السيد الكبير الحسن المثنى بن الإمام علم الإسلام ثاني الأئمة المستغاث بهم في المهمة ذي المجد المُخَلَّد سيدنا الإمام الحسن أبي محمد سبط النبي صلى الله عليه وسلم



(1/106)   
 

 وغير خافٍ أن الإمام الجيلاني قُدِّسَ سِرُّهُ النورانيّ هو من أعاظم الأقطاب الأربعة وهم قد شاعت في القرون الوسطى ولايتهم واستفاضت كراماتهم ومناقبهم وجدَّد الله بهم السُنّة وأفاض بهم على الأُمة مزيد المِنَّة وهم مولانا الإمام السيد أحمد الرفاعي الحسيني ومولانا السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني ومولانا السيد أحمد البدوي الحسيني ومولانا السيد إبراهيم الدسوقي الحسيني رضي الله تعالى عنهمفالثلاثة حسينيون والإمام الجيلي حَسَنيّ وكلهم من البيت العامر المحمديّ ولا يُلتفَت لما تكلم به بعض الحُسّاد من ذوي الأغراض في أنساب البعض منهم فإن الحسد أو المُخالفة في المذهب تجر الجسور للكلام الذي لا يُقال فيعثر عثرات لا تُقال ولا بدع فالمُثبتة مُقدَّمة على النافية ومن حفظ حُجَّةً على من لم يحفظ ومع ذلك فنور النبوة ساطعٌ في مظاهر هؤلاء السادات الأربع رضي الله عنهم ونفعنا بهم ورحم الله القائل:
جعلوا لأبناءِ النبيِّ علامةً
نورُ النبوَّةِ في وسيمِ وجوهِهم
إنَّ العلامةَ شأنُ مَن لم يشهرِ
يغني الشريفَ عن الطرازِ الأخضرِ
*(قلتُ) هذا القائلُ قابلَ الذي قال حين خُصِّصَت العلامةُ الخضراءُ للسادات والأشراف نفعنا الله بهم
تيجانُ خُضْرٍ طُرِّزَت مِن سُندُسٍ
الأشرفُ السلطانُ خصَّهُمُ بها
ببراقعٍ هُدِيَت إلى الأشرافِ
شرفاً ليفرقهم عن الأطرافِ
وأعذبُ من القولين قولُ شيخِنا علاّمة الوجود القطب الغوث السيد بهاءالدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي الشهير بالروّاس رضي الله عنه في هذا المقام ونصه:
علاماتُ ساداتِ الرجالِ جلالةٌ
يزيد جمالاً في منصَّةِ مجدِهِ
لمقدارِهم لا لاشتهارِ ذويهِ
إذا لَبِسَ الجحجاحُ ثوبَ أبيهِ

(1/107)   
 

 عودٌ حسن) قد تبيَّن لذي اللب النيِّر والعلم الكريم أن نسبنا من جهة الأمومة ينتهي لمولانا الإمام الكبير الجيلاني عطَّر الله مرقده النوراني فهو من قباب مجدنا ومن أقمار سعدنا وقد يرى الناظر في بعض كتبنا عبارات ترد ما يُنسَب لجنابه العالي من الشطحات فربما يزلق كما زلق بعض الجهلاء لغرضٍ في قلوبهم وحقدٍ في أنفسهم فيظن بوهمه قبل التحقيق وفهم المقصد ما أشاعه أولئك الطغام الذين هم لجهلهم في صنف العوام كالهوام من أننا والعياذ بالله وحاشا لله نحطَّ من رُتبة الإمام الكبير الجيلاني قنديل الكمالات النوراني رضي الله عنه فلذلك أتينا بهذه الكلمات الوجيزة شفقةً على المتصدر في مَنَصَّة الإنصاف والعلم لكيلا يزلق زلق الجاهلين ويخوض مع الخائضينفنقول مذهبُنا في طريقنا مذهب الشرع الشريف نردُّ ما ردّه الشرع من قولٍ وفعل ونتحقق من نُقُول الأئمة الأكابر من العلماء والأولياء أن مولانا الإمام الجيلاني رضي الله عنه افتُرِيَ عليه وعُزِّيَ ما لم يصدر منه إليه وهو رضي الله عنه من كُمَّلِ أهلِ التمكين المُتَشرِّعين الناصرين لسُنّة جدِّه سيد المرسَلين صلى الله عليه وسلم
وقد شهد له بذلك كُمَّلُ الأكابر أهل الباطن والظاهر وناهيك منهم بإمام الرجال وسلطان الأولياء والعارفين الأبطال أبي العَلَمَين وإمام
الطائفتين مولانا السيد أحمد الكبير الرفاعي رضي الله عنه وعنّا به فإنه قل حين ذكر الإمام الجيلاني رضي الله عنه ، هو رجلُ بحرِ الشريعةِ عن يمينه ، وبحرُ الحقيقةِ عن يساره ومن أيهما شاء غرف

(1/108)   
 

 فهل من كان كذلك وهو والله كذلك يُصَدَّقُ عنه أنه يقول ما لا تقبله العقول ولا تؤيده النقول وهو صاحب العلوم الزاخرة والمعارف الباهرة والأحوال الصالحة والمقامات الراجحة والتعالي في مرتبة الغوثية والتمكُّن في مقام القطبية والشرف الباذخ والقَدَم الراسخ والكمال الشرعيّ النيِّر والطراز المحمديّ المُزهر واللسان العذب والطبع الشريف والطور العالي والكرامات الجليلة التي لا تُعَد والأخلاق الطاهرة المرضية والحقائق العلوية السنية فكل ما يُنسَب لجنابه المبارك من عِلمٍ وعملٍ وحالٍ ومقامٍ صالحٍ شريفٍ عالٍ مباركٍ ، مطابِقٌ للعقلِ والنقل قَلَّ أو جَلّ ، فهو صحيحٌ وهو محل المفاخر وشيخ أهل الباطن والظاهر ولا يجحد ذلك إلا الحاسد المكابروكذلك نقول بإخوانه أولياء الله أجمعين فما يُنقل عنهم من الكمال وشامخ الأقوال والأفعال وجليل الأحوال فكله إن كان مطابقاً للشرع الشريف مرضياً لدى العُقلاء من أهل الحق الذين لا يعتمون عقولهم بالهوى أو يطيشون مكنتها بالغرض ، فهو مقبولٌ مرضيٌ نصدِّقه بكلِّ أجزائنا
وإلا فلإثبات منزلة الولاية الحقَّة لأهلها رضي الله عنهم ، نرُدُّ ما لم يقبله الشرعُ الشريف والعقلُ السليم ونعتقد أنه موضوع ، وضعه عليهم الكذّابون ونسبه إليهم ظُلماً الجاهلون وما الله بغافلٍ عما يعمل الظالمون
وفي هذا المقام ففي ما أوضحناه كفاية والله ولي الأمر على أن الزنادقة وأهل الأغراض وضعوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ألف حديث ، فمنهم من وضع انتصاراً لمذهبه ومنهم من وضع مداهنةً لبعض الأمراء ، ومنهم من وضع ليكتسب بذلك من أوساخ الدنيا والعياذ بالله ، والأمر معروفٌ عند أهل الحديث في القديم والحديث والله مع الحق وهو الناصر للحق وكفى به ولياً ونصيرا

(1/109)   
 

 (خاتمة) نسأل الله تعالى لنا وللمسلمين حُسن الخاتمة ، قال سيدنا الإمام السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وعنّا به ، سكوتك عن ذكر نعم الله استقلالاً لها نوع من الجحود ، وصعودك بذكر النعمة عن رتبتها الحَقّة زلقٌ عن الحدود ، فاشكر إذا ذكرت ولا تزلق إذا شكرت( قلت) واتباعاً لهذا النص الجليل أقول قد امتنَّ الله عليَّ وله الفضل بالإندراج بسلك مولانا وسيدنا الإمام السيد أحمد الرفاعي وانتظمتُ بصفِّ خُدَّامِهِ وعبيد بابه وتشرفتُ بسلوك طريقته التي هي منبر الكمال ومحراب قلوب خُلَّص الرجال ومنهاج أهل المقامات الرفيعة والأحوال ،
فأول يد بايعتُها وأعطيتُها يدي في هذه الطريقة العليَّة والمحجَّة المرضيَّة هي يد سيدي ووالدي وقُرَّة عيني وملاذي وأستاذي العارف الكبير صاحب القلب المنير وليّ الله تعالى وادي المكارم أبي البركات السيد الشيخ حسن آل خزام الصيادي الرفاعي عطَّر اللهُ مرقده ونوَّر ضريحه ونفعني وأولادي وأخي وأقاربي ومن تحويه شفقة قلبي ببركاته وأعاد علينا من شريف نفحاته آمين
والثاني فهو شيخي وابن عَمِّي وبركتي ونظام انشراح روحي العارف الواصل والولي الأصيل الكامل أبو المفاخر السيد علي بن السيد خيرالله الصيادي الرفاعي الحسيني شيخ المشايخ بحلب الشهباء نوَّر الله مرقده وأطلع في سموات المجد فرقده آمين ، فإني بأمر من والدي قدَّس الله روحه تبركتُ وتنوَّرتُ بأخذ الطريقة تأكيداً منه ورويتُ سندَها عنه
والثالث فهو شيخ الوقت والزمان غوث العصر والأوان إمام أهل العلوم والعرفان وأحد أرباب الكمال الروحاني سيد أصحاب المواجيد العالية والمعاني ، كعبة المعارف ، سلطان الأولياء أولي العوارف خاتمة الصدِّيقين ، نشطة أرواح أهل الصدق واليقين ، قُرَّة عيني وتاج رأسي وإمامي وأستاذي وفخري وعياذي ورُكن اعتمادي ومحلّ اعتقادي سيدي السيد بهاء الدين محمد مهدي آل خزام الصيادي الرفاعي الحسيني الحسني

(1/110)   
 

 الشهير بالرواس رضي الله عنه وعنهم أجمعينفهو والحمد لله تعالى صار لي شيخ الفطام وباب الترقي في كل حال ومقام ، أعزني الله بعلومه ونوَّرَني بإرشاداته وفهومه وجعلني خادماً لجنابه في مرتبته قائماً بإحياء مناهجه وجلائل طريقته ونشر كلمته وإعلاء سُنَّته ، وإنه لناصر السُنّة المحمدية وبركة الحقيقة الرفاعية الأحمدية ، وواحد الزمان بلا نزاع وشيخ العرفان المحمدي المُنَزَّه عن لوث الابتداع ، وسلطان العارفين دون مدافع والغوث المتحلِّي بالختمية من غير نِدٍّ في العصر ولا منازع ، وقد انطوت في قلبي والحمدلله مناشير إشاراته ونُشرت على رأسي بالإفتخار ألوية بشاراته حتى قلتُ افتخاراً بجنابه مبتهجاً بخدمة أعتابه.
مِن نورِ وجهِكَ ضاء لي نِبراسُ
وغدوتُ رأساً لا أهابُ مُنازِعاً
وتعطَّرَت من نفسيَ الأنفاسُ
لِمَ لا وشيخي السيدُ الروَّاسُ
ورأيت مرةً سيدتنا فاطمة الزهراء النبوية عليها الرضوان والسلام والتحية فقالت يا ولدي يا أبا الهدى أنا والله من الأول كنتُ أحبك لكن بعد أن انتسبتَ إلى ولدي السيد محمد مهدي الرواس صرتُ أحبك أكثر وأكثر لأنه شيخ أهل بيتي اليوم وصاحب العلم الطويل السيد محمد مهدي محبوبي ومحبوب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ورأيتُ مرةً أخرى سيدنا أبا بكر الصديق وسيدنا عمر الفاروق

(1/111)   
 

 رضي الله عنهما كأنهما يمشيان في الجامع الكبير بحلب فتقدمتُ وقبلتُ يدَ كل منهما فقال لي سيدنا عمر رضي الله عنه مازلتَ تأخذُ مكاتيب من شيخك السيد محمد مهدي الرفاعي ، فقلتُ يا سيدي هو قد توفي فتبسم لي رضي الله عنه ووضع يده الشريفة على ظهري وقال السيد محمد مهدي من الذين لا يموتون ، هذا عينُ الأولياء وسيد أهل البيت اليوم ، هنيئاً لك به . ورأيتُ مرةً سيدنا علي المرتضى الكَرَّار رضوان الله وسلامه عليه فقال لي افتح فمك ففتحتُ فمي فنفخ فيه وقال يا ولدي أنت سعيدٌ مبارك ولكني أوصيك بمحبة شيخِك السيد محمد مهدي آل خزام فهو نورُ العارفين وواحد أولادي اليوم لا تغفل عن محبته وملاحظة طالِعِهِ والسلام عليكم . انتهى.وقد جعلتُ هذه البشارات خاتمة لكتابي هذا وبالله التوفيق.
وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين . آمين























jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
Publicité







MessagePosté le: Ven 12 Oct - 02:24 (2012)    Sujet du message: Publicité

PublicitéSupprimer les publicités ?
Revenir en haut
Montrer les messages depuis:   
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> منتدي الدروس الروحانية >>> ۩۞۩-ساحة الدعوات والاوراد -۩۞۩» Sous forum Toutes les heures sont au format GMT + 1 Heure
Page 1 sur 1

 
Sauter vers:  

Index | creer un forum | Forum gratuit d’entraide | Annuaire des forums gratuits | Signaler une violation | Conditions générales d'utilisation
Powered by phpBB © 2001, 2005 phpBB Group
Traduction par : phpBB-fr.com
Thème réalisé par SGo