tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum tariqa qadiriya boudchichiya.ch
sidihamza.sidijamal.sidimounir-ch
 
 FAQFAQ   RechercherRechercher   MembresMembres   GroupesGroupes   S’enregistrerS’enregistrer 
 ProfilProfil   Se connecter pour vérifier ses messages privésSe connecter pour vérifier ses messages privés   ConnexionConnexion 

كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا

 
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> sciences islamiques exotériques.Catégorie >>> les maîtres du soufismeSous forum
Sujet précédent :: Sujet suivant  
Auteur Message
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Ven 21 Juin - 07:29 (2013)    Sujet du message: كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا Répondre en citant





كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا وهو الكتاب السادس من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي نزه قلوب أوليائه عن الالتفات إلى زخرف الدنيا ونضرته، وصفي أسراهم من ملاحظة غير حضرته، ثم استخلصها للعكوف على بساط عزته، ثم تجلى لهم بأسمائه وصفاته حتى أشرقت بأنوار معرفته، ثم كشف لهم عن سبحات وجهه حتى احترقت بنار محبته، ثم احتجب عنها بكنه جلاله حتى تاهت في بيداء كبريائه وعظمته، فكلما اهتزت لملاحظة كنه الجلال غشيها من الدهش ما اغبر في وجه العقل وبصيرته، وكلما هممت بالانصراف آيسة نوديت من سرادقات الجمال صبراً أيها الآيس عن نيل الحق بجهله وعجلته، فبقيت بين الرد والقبول والصد والوصول غرقى في بحر معرفته، ومحترقة بنار محبته، والصلاة على محمد خاتم الأنبياء بكمال نبوته، وعلى آله وأصحابه سادة الخلق وأئمته، وقادة الحق وأزمته وسلم كثيراً.

أما بعد: فإن المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها وتابع من توابعها كالشوق والأنس والرضا وأخواتها، ولا قبل المحبة إلا وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد وغيرها، وسائر المقامات إن عز وجودها فلم تخل القلوب عن الإيمان بإمكانها، وأما محبة الله تعالى فقد عز الإيمان بها حتى أنكر بعض العلماء إمكانها وقال: لا معنى لها إلا المواظبة على طاعة الله تعالى وأما حقيقة المحبة فمحال إلا مع الجنس والمثال. ولما أنكروا الأنس والشوق ولذة المناجاة وسائر لوازم الحب وتوابعه، ولا بد من كشف الغطاء عن هذا الأمر.

ونحن نذكر في هذا الكتاب: بيان شواهد الشرع في المحبة، ثم بيان حقيقتها وأسبابها، ثم بيان أن لا مستحق للمحبة إلا الله تعالى، ثم بيان أن أعظم اللذات لذة النظر إلى وجه الله تعالى، ثم بيان سبب زيادة لذة النظر في الآخرة على المعرفة في الدنيا، ثم بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى، ثم بيان السبب في تفاوت الناس في الحب، ثم بيان السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى، ثم بيان معنى الشوق، ثم بيان محبة الله تعالى للعبد، ثم القول في علامات محبة العبد لله تعالى، ثم بيان معنى الأنس بالله تعالى، ثم بيان معنى الانبساط في الأنس، ثم القول في معنى الرضا وبيان فضيلته، ثم بيان حقيقته، ثم بيان أن الدعاء وكراهة المعاصي لا تناقضه وكذا الفرار من المعاصي، ثم بيان حكايات وكلمات للمحبين متفرقة، فهذه جميع بيانات هذا الكتاب.

بيان شواهد الشرع في حب العبد لله تعالى اعلم أن الأمة مجمعة على أن الحب لله تعالى ولرسوله ﭬ فرض، وكيف يفرض ما لا وجود له وكيف يفسر الحب بالطاعة والطاعة تبع الحب وثمرته؟ فلا بد وأن يتقدم الحب ثم بعد ذلك يطيع من أحب. ويدل على إثبات الحب لله تعالى قوله عز وجل "يحبهم ويحبونه " وقوله تعالى " والذين آمنوا أشد حباً لله " وهو دليل على إثبات الحب وإثبات التفاوت فيه.

وقد جعل رسول الله ﭬ الحب لله من شرط الإيمان في أخبار كثيرة؛ إذ قال أبو رزين العقيلي: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: " أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما".[1]

وفي حديث آخر: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما".[2]

وفي حديث آخر: " لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين"[3] وفي رواية " ومن نفسه ". كيف وقد قال تعالى " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم " الآية. وإنما أجرى ذلك في معرض التهديد والإنكار.

وقد أمر رسول الله ﭬ بالمحبة فقال: " أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله إياي".[4]

ويروى أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحبك، فقال ﭬ: " استعد للفقر " فقال: إني أحب الله تعالى، فقال: " استعد للبلاء".[5]

وعن عمر رضي الله عنه قال: نظر النبي ﭬ إلى مصعب بن عمير مقبلاً وعليه إهاب كبش قد تنطق به، فقال النبي ﭬ: " انظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون".[6]

وفي الخبر المشهور " إن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت إذ جاءه لقبض روحه: هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فأوحى الله تعالى إليه: هل رأيت محباً يكره لقاء حبيبه؟ فقال: " يا ملك الموت الآن فاقبض"[7] وهذا لا يجده إلا عبد يحب الله بكل قلبه فإذا علم أن الموت سبب اللقاء انزعج قلبه إليه ولم يكن له محبوب غيره حتى يلتفت إليه.

وقد قال نبينا ﭬ في دعائه: " اللهم ارزقني حبك وحب ما يقربني إلى حبك واجعل حبك أحب إلي من الماء البارد".[8]

وجاء أعرابي إلى النبي ﭬ فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: " ما أعددت لها " فقال: ما أعددت لها كثير صلاة وصيام إلا أني أحب الله ورسوله، فقال له رسول الله ﭬ: " المرء مع من أحب"[9] قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك.

وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه من ذاق من خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر.

وقال الحسن: من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها، والمؤمن لا يلهو حتى يغفل فإذا تفكر حزن.
وقال أبو سليمان الداراني: إن من خلق الله خلقاً ما يشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه فكيف يشتغلون عنه بالدنيا؟.


ويروى أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم فقال لهم: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ فقالوا: الخوف من النار، فقال: حق على الله أن يؤمن الخائف. ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولاً وتغيروا فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ قالوا: الشوق إلى الجنة، فقال: حق على الله أن يعطيكم ما ترجون، ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً كأن وجوههم المرائي من النور، فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ قالوا: نحب الله عز وجل، فقال: أنتم المقربون أنتم المقربون أنتم المقربون.
وقال عبد الواحد بن زيد: مررت برجل قائم في الثلج فقلت: أما تجد البر؟ فقال: من شغله حب الله لم يجد البرد.


وعن سري السقطي: تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائهم عليهم السلام فيقال: يا أمة موسى ويا أمة عيسى ويا أمة محمد غير المحبين لله تعالى فإنهم ينادون يا أولياء الله هلموا إلى الله سبحانه، فتكاد قلوبهم تنخلع فرحاً.
وقال هرم بن حيان: المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه وإذا أحبه أقبل إليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة.
وقال يحيى بن معاذ: عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه؟ ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه؟ وحبه يدهش العقول فكيف وده؟ ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه؟.


وفي بعض الكتب: عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محباً.

وقال يحيى بن معاذ: مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب.

وقال يحيى بن معاذ: إلهي إني مقيم بفنائك مشغول بثنائك، صغيراً أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وأمكنتني من لطفك ونقلتني وقلبتني في الأعمال ستراً وتوبةً وزهداً وشوقاً ورضاً وحباً تسقيني من حياضك وتهملني في رياضك ملازماً لأمرك ومشغوفاً بقولك، ولما طر شاربي ولاح طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيراً وقد اعتدت هذا منك صغيراً، فلي ما بقيت حولك دندنة وبالضراعة إليك همهمة لأني محب وكل محب بحبيبه مشغوف وعن غير حبيبه مصروف.

وقد ورد في حب الله تعالى من الأخبار والآثار ما لا يدخل في حصر حاصر وذلك أمر ظاهر، وإنما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به.

بيان حقيقة المحبة وأسبابها وتحقيق معنى محبة العبد لله تعالى اعلم أن المطلب من هذا الفصل لا ينكشف إلا بمعرفة حقيقة المحبة في نفوسها، ثم معرفة شروطها وأسبابها، ثم النظر بعد ذلك في تحقيق معناها في حق الله تعالى: فأول ما ينبغي أن يتحقق؛ أنه لا يتصور محبة إلا بعد معرفة وإدراك، إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه، ولذلك لم يتصور أن يتصف بالحب جماد بل هو من خاصية الحي المدرك، ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام وإلذاذ. فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك، وما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوباً ولا مكروهاً، فإذن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به، ومعنى كونه محبوباً أن في الطبع ميلاً إليه، ومعنى كونه مبغوضاً أن في الطبع نفرة عنه. فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقاً، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب، فإذا قوي سمي مقتاً فهذا أصل في حقيقة معنى الحب لا بد من معرفته.
الأصل الثاني: أن الحب لما كان تابعاً للإدراك والمعرفة انقسم لا محالة بحسب انقسام المدركات والحواس فلكل حاسة إدراك لنوع من المدركات، ولكل واحد منها لذة في بعض المدركات، وللطبع بسبب تلك اللذة ميل إليها فكانت محبوبات عن الطبع السليم. فلذة العين في الإبصار وإدراك المبصرات الجميلة والصور المليحة الحسنة المستلذة، ولذة الأذن في النغمات الطيبة المورونة، ولذة الشم في الروائح الطيبة، ولذة الذوق في الطعوم، ولذة اللمس في اللين والنعومة.


ولما كانت هذه المدركات بالحواس ملذة كانت محبوبة، أي كان للطبع السليم ميل إليها حتى قال رسول الله ﭬ: " حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة"[10] فسمى الطيب محبوباً ومعلوم أنه لاحظ للعين والسمع فيه؛ بل للشم فقط، وسمى النساء محبوبات ولا حظ فيهن إلا للبصر واللمس دون الشم والذوق والسمع، وسمى الصلاة قرة عين وجعلها أبلغ المحبوبات ومعلوم أنه ليس تحظى بها الحواس الخمس، بل حس سادس مظنته القلب لا يدركه إلا من كان له قلب. ولذات الحواس الخمس تشارك فيها البهائم الإنسان، فإن كان الحب مقصوراً على مدركات الحواس الخمس - حتى يقال إن الله تعالى لا يدرك بالحواس ولا يتمثل في الخيال فلا يحب - فإذن قد بطلت خاصية الإنسان وما تميز به من الحس السادس الذي يعبر عنه إما بالعقل أو بالنور أو بالقلب أو بما شئت من العبارات، فلا مشاحة فيه وهيهات، فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر، والقلب أشد إدراكاً من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار، فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ، فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى، ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة - كما سيأتي تفصيله - فلا ينكر إذن حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجاوز إدراك الحواس أصلاً.

الأصل الثالث: أن الإنسان لا يخفى أنه يحب نفسه ولا يخفى أنه قد يحب غيره لأجل نفسه، وهل يتصور أن يحب غيره لذاته لا لأجل نفسه؟ هذا مما قد يشكل على الضعفاء حتى يظنون أنه لا يتصور أن يحب الإنسان غيره لذاته ما لم يرجع منه حظ إلى المحب سوى إدراك ذاته. والحق أن ذلك متصور وموجود، فلنبين أسباب المحبة وأقسامها، وبيانه أن المحبوب الأول عند كل حي: نفسه وذاته، ومعنى حبه لنفسه أن في طبعه ميلاً إلى دوام وجوده، ونفرة عن عدمه وهلاكه، لأن المحبوب بالطبع هو الملائم للمحب، وأي شيء أتم ملاءمة من نفسه ودوام وجوده؟ وأي شيء أعظم مضادة ومنافرة له من عدمه وهلاكه؟ فلذلك يحب الإنسان دوام الوجود ويكره الموت والقتل، لا لمجرد ما يخافه بعد الموت ولا لمجرد الحذر من سكرات الموت، بل لو اختطف من غير ألم وأميت من غير ثواب ولا عقاب لم يرض به وكان كارهاً لذلك، ولا يحب الموت والعدم والمحض إلا لمقاساة ألم في الحياة. ومهما كان مبتلى ببلاء فمحبوبه زوال البلاء، فإن أحب العدم لم يحبه لأنه عدم بل لأن فيه زوال البلاء، فالهلاك والعدم ممقوت ودوام الوجود محبوب، وكما أن دوام الوجود محبوب فكمال الوجود أيضاً فاقد للكمال، والنقص عدم بالإضافة إلى القدر المفقود وهو هلاك بالنسبة إليه. والهلاك والعدم ممقوت في الصفات، وكمال الوجود كما أنه ممقوت في أصل الذات ووجود صفات الكمال محبوب، كما أن دوام أصل الوجود محبوب، وهذه غريزة في الطباع بحكم سنة الله تعالى "ولن تجد لسنة الله تبديلاً ".

فإذن المحبوب الأول للإنسان ذاته، ثم سلامة أعضاءه، ثم ماله وولده وعشيرته وأصدقائه، فالأعضاء محبوبة وسلامتها مطلوبة لأن كمال الوجود ودوام الوجود موقوف عليها، والمال محبوب لأنه أيضاً آلة في دوام الوجود وكماله وكذا سائر الأسباب، فالإنسان يحب هذه الأشياء لا لأعيانها بل لارتباط حظه في دوام الوجود وكماله بها، حتى إنه ليحب ولده وإن كان لا يناله منه حظ بل يتحمل المشاق لأجله لأنه يخلفه في الوجود بعد عدمه، فيكون في بقاء نسله نوع بقاء له، فلفرط حبه في بقاء نفسه يحب بقاء من هو قائم مقامه وكأنه جزء منه لما عجز عن الطمع في بقاء نفسه أبداً، نعم لو خير بين قتله وقتل ولده - وكان طبعه باقياً على اعتداله- آثر بقاء نفسه على بقاء ولده، لأن بقاء ولده يشبه بقاءه من وجه وليس هو بقاءه المحقق، وكذلك حبه لأقاربه وعشيرته يرجع إلى حبه لكمال نفسه فإنه يرى نفسه كثيراً بهم قوياً بسببهم متجملاً بكمالهم، فإن العشيرة والمال والأسباب الخارجة كالجناح المكمل للإنسان، وكمال الوجود ودوامه محبوب بالطبع لا محالة فإذن المحبوب الأول عند كل حي ذاته وكمال ذاته ودوام ذلك كله، والمكروه عنده ضد ذلك فهذا هو أول الأسباب.

السبب الثاني: الإحسان، فإن الإنسان عبد الإحسان، وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، وقال رسول الله ﭬ: " اللهم لا تجعل لفاجر علي يداً فيحبه قلبي"[11] إشارة إلى أن حب القلب للمحسن اضطراراً لا يستطاع دفعه، وهو جبلة وفطرة لا سبيل إلى تغييرها، وبهذا السبب قد يحب الإنسان الأجنبي الذي لا قرابة بينه وبينه ولا علاقة، وهذا إذا حقق رجع السبب الأول، فإن المحسن من أمد بالمال والمعونة وسائر الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود وكمال الوجود وحصول الحظوظ التي بها يتهيأ الوجود، إلا أن الفرق أن أعضاء الإنسان محبوبة لأن بها كمال وجوده وهي عين الكمال المطلوب، فأما المحسن فليس هو عين الكمال المطلوب ولكن قد يكون سبباً له كالطبيب يكون سبباً في دوام صحة الأعضاء، ففرق بين حب الصحة وبين حب الطبيب الذي هو سبب الصحة، إذ الصحة مطلوبة لذاتها والطبيب محبوب لا لذاته بل لأنه سبب الصحة وكذلك العلم محبوب والأستاذ محبوب، ولكن العلم محبوب لذاته والأستاذ محبوب لكونه سبب العلم المحبوب. وكذلك الطعام والشراب محبوب والدنانير محبوبة، لكن الطعام محبوب لذاته والدنانير محبوبة لأنها وسيلة إلى الطعام. فإذن يرجع الفرق إلى تفاوت الرتبة، وإلا فكل واحد يرجع إلى محبة الإنسان نفسه، فكل من أحب المحسن لإحسانه فما أحب ذاته تحقيقاً بل أحب إحسانه وهو فعل من أفعاله لو زال زال الحب مع بقاء ذاته تحقيقاً، ولو نقص نقص الحب ولو زاد زاد، ويتطرق إليه الزيادة والنقصان بحسب زيادة الإحسان ونقصانه.

السبب الثالث: أن يحب الشيء لذاته لا لحظ ينال منه وراء ذاته، بل تكون ذاته عين حظه، وهذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق بدوامه، وذلك كحب الجمال والحسن، فإن كل جمال محبوب عند مدرك الجمال وذلك لعين الجمال، لأن إدراك الجمال فيه عين اللذة، واللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها، ولا تظنن أن حب الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة فإن قضاء الشهوة لذة أخرى قد تحب الصور الجميلة لأجلها، وإدراك نفس الجمال أيضاً لذيذ فيجوز أن يكون محبوباً لذاته، وكيف ينكر ذلك والخضرة والماء الجاري محبوب لا ليشرب الماء وتؤكل الخضرة أو ينال منها حظ سوى نفس الرؤية؟ وقد كان رسول الله ﭬ يعجبه الخضرة والماء الجاري[12] والطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة الألوان الحسنة النقش المتناسبة الشكل، حتى إن الإنسان لتنفرج عنه الغموم والهموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر. فهذه الأسباب ملذة وكل لذيذ محبوب، وكل حسن وجمال فلا يخلو إدراكه عن لذة، ولا أحد ينكر كون الجمال محبوباً بالطبع، فإن ثبت أن الله جميل كان لا محالة محبوباً عند من انكشف له جماله وجلاله كما قال رسول الله ﭬ: " إن الله جميل يحب الجمال".[13]

الأصل الرابع: في بيان معنى الحسن والجمال؛ اعلم أن المحبوس في مضيق الخيالات والمحسوسات ربما يظن أنه لا معنى للحسن والجمال إلا تناسب الخلقة والشكل وحسن اللون، وكون البياض مشرباً بالحمرة وامتداد القامة إلى غير ذلك مما يوصف من جمال شخص الإنسان، فإن الحسن الأغلب على الخلق حسن الإبصار، وأكثر التفاتهم إلى صور الأشخاص فيظن أن ما ليس مبصراً ولا متخيلاً ولا متشكلاً ولا ملوناً مقدر فلا يتصور حسنه، وإذا لم يتصور حسنه لم يكن في إدراكه لذة فلم يكن محبوباً. وهذا خطأ ظاهر فإن الحسن ليس مقصوراً على مدركات البصر ولا على تناسب الخلقة وامتزاج البياض بالحمرة، فإنا نقول هذا خط حسن وهذا صوت حسن وهذا فرس حسن، بل نقول هذا ثوب حسن وهذا إناء حسن، فأي معنى لحسن الصوت والخط وسائر الأشياء إن لم يكن الحسن إلا في الصورة؟ ومعلوم أن العين تستلذ بالنظر إلى الخط الحسن، والأذن تستلذ استماع النغمات الحسنة الطيبة وما من شيء من المدركات إلا وهو منقسم إلى حسن وقبيح، فما معنى الحسن الذي تشترك فيه هذه الأشياء؟ فلا بد من البحث عنه. وهذا البحث يطول، ولا يليق بعلم المعاملة الإطناب فيه، فنصرح بالحق ونقول: كل شيء فجماله وحسنه في أن يحضر كماله اللائق به الممكن له، فإذا كان جميع كمالاته حاضرة فهو في غاية الجمال، وإن كان الحاضر بعضها فله في الحسن والجمال بقدر ما حضر، فالفرس الحسن هو الذي جمع كل ما يليق بالفرس من هيئة وشكل ولون وحسن عدو وتيسر كر وفر عليه، والخط الحسن كل ما جمع ما يليق بالخط من تناسب الحروف وتوازيها واستقامة ترتيبها وحسن انتظامها، ولكل شيء كمال يليق به وقد يليق بغيره ضده فحسن كل شيء في كماله الذي يليق به. فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس، ولا يحسن الخط بما يحسن به الصوت، ولا تحسن الأواني بما تحسن به الثياب، وكذلك سائر الأشياء.

فإن قلت: فهذه الأشياء وإن لم تدرك جميعها بحس البصر مثل الأصوات والطعوم فإنها لا تنفك عن إدراك الحواس لها فهي محسوسات، وليس ينكر الحسن والجمال للمحسوسات، ولا ينكر حصول اللذة بإدراك حسنها، وإنما ينكر ذلك في غير المدرك بالحواس؟ فاعلم أن الحسن والجمال موجود في غير المحسوسات إذ يقال: هذا خلق حسن وهذا علم حسن وهذه سيرة حسنة وهذه أخلاق جميلة، وإنما الأخلاق الجميلة يراد بها العلم والعقل والعفة والشجاعة والتقوى والكرم وسائر خلال الخير، وشيء من هذه الصفات لا يدرك بالحواس الخمس بل يدرك بنور البصيرة الباطنة، وكل هذه الخلال الجميلة محبوبة والموصوف بها محبوب بالطبع عند من عرف صفاته، وآية ذلك وأن الأمر كذلك أن الطباع مجبولة على حب الأنبياء صلوات الله عليهم وعلى حب الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع أنهم لم يشاهدوا، بل حب أرباب المذاهب مثل الشافعي وأبي حنيفة ومالك وغيرهم، حتى أن الرجل قد يجاوز به حبه لصاحب مذهبه حد العشق فيحمله ذلك على أن تنفق جميع ماله في نصرة مذهبه والذب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه. فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب، وليت شعري من يحب الشافعي مثلاً فلم يحبه ولم يشاهد قط صورته؟ ولو شاهده ربما لم يستحسن صورته، فاستحسانه الذي حمله على إفراط الحب هو لصورته الباطنة لا لصورته الظاهرة، فإن صورته الظاهرة قد انقلبت تراباً مع التراب، وإنما يحبه لصفاته الباطنة من الدين والتقوى وغزارة العلم والإحاطة بمدارك الدين وانتهاضه لإفادة علم الشرع ولنشره هذه الخيرات في العالم، وهذه أمور جميلة لا يدرك جمالها إلا بنور البصيرة، فأما الحواس فقاصرة عنها. وكذلك من يحب أبا بكر الصديق رضي الله عنه ويفضله على غيره، أو يحب علياً رضي الله تعالى عنه ويفضله ويتعصب له، فلا يحبهم إلا لاستحسان صورهم الباطنة من العلم والدين والتقوى والشجاعة والكرم وغيره. فمعلوم أن من يحب الصديق رضي الله تعالى عنه مثلاً ليس يحب عظمه ولحمه وجلده وأطرافه وشكله إذ كل ذلك زال وتبدل وانعدم، ولكن بقي ما كان الصديق به صديقاً وهي الصفات المحمودة التي هي مصادر السير الجميلة، فكان الحب باقياً ببقاء تلك الصفات مع زوال جميع الصور، وتلك الصفات ترجع جملتها إلى العلم والقدرة إذا علم حقائق الأمور وقدر على حمل نفسه عليها بقهر شهواته، فجميع خلال الخير يتشعب على هذين الوصفين، وهما غير مدركين بالحس، ومحلهما من جملة البدن جزء لا يتجزأ فهو المحبوب بالحقيقة. وليس للجزء الذي لا يتجزأ صورة وشكل ولون يظهر للبصر حتى يكون محبوباً لأجله فإذن الجمال موجود في السير، ولو صدرت السيرة الجميلة من غير علم وبصيرة لم يوجب ذلك حباً فالمحبوب مصدر السير الجميلة، وهي الأخلاق الحميدة والفضائل الشريفة، وترجع جملتها إلى كمال العلم والقدرة وهو محبوب بالطبع وغير مدرك بالحواس، حتى إن الصبي المخلى وطبعه إذ أردنا أن نحبب إليه غائباً أو حاضراً حياً أو ميتاً لم يكن لنا سبيل إلا بالإطناب في وصفه بالشجاعة والكرم والعلم وسائر الخصال الحميدة، فمهما اعتقد ذلك لم يتمالك في نفسه ولم يقدر أن لا يحبه، فهل غلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبغض أبي جهل وبغض إبليس لعنه الله إلا بالإطناب في وصف المحاسن والمقابح التي لا تدرك بالحواس؟ بل لما وصف الناس حاتماً بالسخاء ووصفوا خالداً بالشجاعة أحبتهم القلوب حباً ضرورياً، وليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظ يناله المحب منهم، بل إذا حكي من سيرة الملوك في بعض أقطار الأرض العدل والإحسان وإفاضة الخير غلب حبه على القلوب مع اليأس من انتشار إحسانه إلى المحبين لبعد المزار ونأي الديار.

فإذن ليس حب الإنسان مقصوراً على من أحسن إليه، بل المحسن في نفسه محبوب وإن كان لا ينتهي قط إحسانه إلى المحب، لأن كل جمال وحسن فهو محبوب، والصورة ظاهرة وباطنة والحسن والجمال يشملهما، وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة؛ فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يلتذ بها ولا يحبها ولا يميل إليها، ومن كانت الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة، فشتان بين من يحب نقشاً مصوراً على الحائط لجمال صورته الظاهرة وبين من يحب نبياً من الأنبياء لجمال صورته الباطنة.

السبب الخامس: المناسبة الخفية بين المحب والمحبوب، إذ رب شخصين تأكد المحبة بينهما لا بسبب جمال أو حظ ولكن بمجرد تناسب الأراوح كما قال ﭬ: " فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف"[14]. وقد حققنا ذلك في كتاب آداب الصحبة عند ذكر الحب في الله فليطلب منه لأنه أيضاً من عجائب أسباب الحب فإذن ترجع أقسام الحب إلى خمسة أسباب: وهو حبالإنسان وجود نفسه وكماله وبقائه. وحبه من أحسن إليه فيما يرجع إلى دوام وجوده ويعين على بقائه ودفع المهلكات عنه. وحبه من كان محسناً في نفسه إلى الناس وإن لم يكن محسناً إليه. وحبه لكل ما هو جميل في ذاته؛ سواء كان من الصور الظاهرة أو الباطنة. وحبه لمن بينه وبينه مناسبة خفية في الباطن. فلو اجتمعت هذه الأسباب في شخص واحد تضاعف الحب لا محالة، كما لو كان الإنسان ولد جميل الصورة حسن الخلق كامل العلم حسن التدبير محسن إلى الخلق ومحسن إلى الوالد كان محبوباً لا محالة غاية الحب، وتكون قوة الحب بعد اجتماع هذه الخصال بحسب قوة هذه الخلال في نفسها، فإن كانت هذه الصفات في أقصى درجات الكمال كان الحب لا محالة في أعلى الدرجات. فلقبين الآن أن هذه الأسباب كلها لا يتصور كمالها واجتماعها إلا في حق الله تعالى فلا يستحق المحبة بالحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى.

بيان أن المستحق للمحبة هو الله وحده وأن من أحب غير الله لا من حيث نسبته إلى الله فذلك لجهله وقصوره في معرفة الله تعالى، وحب الرسول ﭬ محمود لأنه عين حب الله تعالى، وكذلك حب العلماء والأتقياء لأن محبوب المحبوب محبوب ورسول المحبوب محبوب ومحب المحبوب محبوب، وكل ذلك يرجع إلى حب الأصل فلا يتجاوزه إلى غيره، فلا محبوب بالحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تعالى ولا مستحق للمحبة سواه، وإيضاحه بأن نرجع إلى الأسباب الخمسة التي ذكرناها ونبين أنها مجتمعة في حق الله تعالى بجملتها ولا يوجد في غيره إلا آحادها، وأنها حقيقة في حق الله تعالى، ووجودها في حق غيره وهم وتخيل وهو مجاز محض لا حقيقة له، ومهما ثبت ذلك انكشف لكل ذي بصيرة ضد ما تخيله ضعفاء العقول والقلوب من استحالة حب الله تعالى تحقيقاً، وبان أن التحقيق يقتضي أن لا تحب أحداً غير الله تعالى.

فأما السبب الأول: وهو حب الإنسان نفسه وبقاءه وكماله ودوام وجوده، وبغضه لهلاكه وعدمه ونقصانه وقواطع كماله فهذه جبلة كل حي، ولا يتصور أن ينفك عنها، وهذا يقتضي غاية المحبة لله تعالى فإن من عرف نفسه وعرف ربه عرف قطعاً أنه لا وجود له من ذاته وإنما وجود ذاته ودوام وجوده وكمال وجوده من الله وإلى الله وبالله، فهو المخترع الموجد له وهو المبقي له وهو المكمل لوجوده بخلق صفات الكمال وخلق الأسباب الموصلة إليه ذو خلق الهداية إلى استعمال الأسباب، وإلا فالعبد من حيث ذاته لا وجود له من ذاته، بل هو محو محض وعدم صرف لولا فضل الله تعالى عليه بالإيجاد، وهو هالك عقيب وجوده لولا فضل الله عليه بالإبقاء، وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل لخلقته وبالجملة فليس في الوجود شيء له بنفسه قوام إلا القيوم الحي الذي هو قائم بذاته، وكل ما سواه قائم به فإن أحب العارف ذاته ووجود ذاته مستفاد من غيره، فبالضرورة يحب المفيد لوجوده والمديم له إن عرفه خالقاً موجداً ومخترعاً مبقياً وقيوماً بنفسه ومقوماً لغيره، فإن كان لا يحبه فهو لجهله بنفسه وبربه، والمحبة ثمرة المعرفة فتنعدم بانعدامها وتضعف بضعفها وتقوى بقوتها، ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: من عرف ربه أحبه ومن عرف الدنيا زهد فيها. وكيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه؟ ومعلوم أن المبتلى بحر الشمس لما كان يحب الظل فيحب بالضرورة الأشجار التي بها قوام الظل، وكل ما في الوجود بالإضافة إلى قدرة الله تعالى فهو كالظل بالإضافة إلى الشجر والنور بالإضافة إلى الشمس فإن الكل من آثار قدرته، ووجود الكل تابع لوجوده، كما أن وجود النور تابع للشمس ووجود الظل تابع للشجر، بل هذا المثال صحيح بالإضافة إلى أوهام العوام إذ تخيلوا أن النور أثر الشمس وفائض منها وموجود بها، وهو خطأ محض إذا انكشف لأرباب القلوب انكشافاً أظهر من مشاهدة الأبصار أن النور حاصل من قدرة الله تعالى اختراعاً عند وقوع المقابلة بين الشمس والأجسام الكثيفة، كما أن نور الشمس وعينها وشكلها وصورتها أيضاً حاصل من قدرة الله تعالى، ولكن الغرض من الأمثلة التفهيم فلا يطلب فيها الحقائق. فإذن إن كان حب الإنسان نفسه ضرورياً فحبه لمن به قوامه أولاً ودوامه ثانياً في أصله وصفاته وظاهره وباطنه وجواهره وأعراضه أيضاً ضروري، إن عرف ذلك كذلك ومن خلا عن الحب هذا فلأنه اشتغل بنفسه وشهواته وذهل عن ربه وخالقه فلم يعرفه حق معرفته وقصر نظره على شهواته ومحسوساته، وهو عالم الشهادة الذي يشاركه البهائم في التنعم به والاتساع فيه دون عالم الملكوت الذي لا يطأ أرضه إلا من يقرب إلى شبه من الملائكة، فينظر فيه بقدر قربه في الصفات من الملائكة ويقصر عنه بقدر انحطاطه إلى حضيض عالم البهائم.

وأما السبب الثاني: وهو حبه من أحسن عليه فواساه بماله ولاطفه بكلامه وأمده بمعونته وانتدب لنصرته وقمع أعدائه وقام بدفع شر الأشرار عنه وانتهض وسيلة إلى جميع حظوظه وأغراضه في نفسه وأولاده وأقاربه فإنه محبوب لا محالة عنده. وهذا بعينه يقتضي أن لا يحب إلا الله تعالى فإنه لو عرف حق المعرفة لعلم أن المحسن إليه هو الله تعالى فقط، فأما أنواع إحسانه إلى كل عبيده فلست أعدها إذ ليس يحيط بها حصر حاصر كما قال تعالى: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " وقد أشرنا إلى طرف منه في كتاب الشكر. ولكنا نقتصر الآن على بيان أن الإحسان من الناس غير متصور إلا بالمجاز، وإنما المحسن هو الله تعالى. ولنفرض ذلك فيمن أنعم عليك بجميع خزائنه ومكنك منها لتتصرف فيها كيف تشاء فإنك تظن أن هذا الإحسان منه، وهو غلط فإنه إنما تم إحسانه به وبماله وبقدرته وبداعيته الباعثة له على صرف المال إليك، فمن الذي أنعم بخلقه وخلق ماله وخلق قدرته وخلق إرادته وداعيته ومن الذي حببك إليه وصرف وجهه إليك وألقى في نفسه أن صلاح دينه أو دنياه في الإحسان إليك؟ ولولا كل ذلك لما أعطاك حبة من ماله، ومهما سلط الله عليه الدواعي وقرر في نفسه أن صلاح دينه أو دنياه في أن يسلم إليك ماله كان مقهوراً مضطراً في التسليم لا يستطيع مخالفته، فالمحسن هو الذي اضطره لك وسخره وسلط عليه الدواعي الباعثة المرهقة إلى الفعل، وأما يده فواسطة يصل بها إحسان الله إليك وصاحب اليد مضطر في ذلك اضطراراً مجرى الماء في جريان الماء فيه، فإن اعتقدته محسناً أو شكرته من حيث هو بنفسه لا من حيث هو واسطة كنت جاهلاً بحقيقة الأمر، فإنه لا يتصور الإحسان من الإنسان إلا إلى نفسه، أما الإحسان إلى غيره فمحال من المخلوقين، لأنه لا يبذل ماله إلا لغرض له البذل إما آجل وهو الثواب وإما عاجل وهو المنة والاستسخار أو الثناء والصيت والاشتهار بالسخاء والكرم أو جذب قلوب الخلق إلى الطاعة والمحبة، وكما أن الإنسان لا يلقي ماله في البحر إذ لا غرض له فيه فلا يلقيه في يد إنسان إلا لغرض له فيه، وذلك الغرض هو مطلوبه ومقصده، وأما أنت فلست مقصوداً بل يدك آلة له في القبض حتى يحصل غرضه من الذكر والثناء أو الشكر أو الثواب بسبب قبضك المال، فقد استسخرك في القبض للتوصل إلى غرض نفسه فهو إذن محسن إلى نفسه ومعتاض عما بذله من ماله عوضاً هو أرجح عنده من ماله، ولولا رجحان ذلك الحظ عنده لما نزل عن ماله لأجلك أصلاً البتة، فإذن هو غير مستحق للشكر والحب من وجهين.

أحدهما أنه مضطر بتسليط الله الدواعي عليه فلا قدرة له على المخالفة، فهو جار مجرى خازن الأمير فإنه لا يرى محسناً بتسليم خلعة الأمير إلى من خلع عليه، لأنه من جهة الأمير مضطر إلى الطاعة والامتثال لما يرسمه ولا يقدر على مخالفته، ولو خلاه الأمير ونفسه لما سلم ذلك. فكذلك كل محسن لو خلاه الله ونفسه لم يبذل حبة من ماله حتى سلط الله الدواعي عليه وألقى في نفسه أن حظه ديناً ودنيا في بذله فبذله لذلك.
والثاني أنه معتاض عما بذله حظاً أوفى عنده وأحب مما بذله، فكما لا يعد البائع محسناً لأنه بذل بعوض هو أحب عنده مما بذله، فكذلك الواهب اعتاض الثواب أو الحمد والثناء أو عوضاً آخر، وليس من شرط العوض أن يكون عيناً متمولاً بل الحظوظ كلها أعواض تستحقر الأموال والأعيان بالإضافة إليها، فالإحسان في الجود، والجود هو بذل المال من غير عوض وحظ يرجع إلى الباذل، وذلك محال من غير الله سبحانه فهو الذي أنعم على العالمين إحساناً إليهم ولأجلهم لا لحظ وغرض يرجع إليه فإنه يتعالى عن الأغراض فلفظ الجود والإحسان في حق غيره كذب أو مجاز، ومعناه في حق غيره محال وممتنع امتناع الجمع بين السواد والبياض، فهو المنفرد بالجود والإحسان والطول والامتنان، فإن كان في الطبع حب المحسن فينبغي أن لا يحب العارف إلا الله تعالى، إذ الإحسان من غيره محال فهو المستحق لهذه المحبة وحده، وأما غيره فيستحق المحبة على الإنسان بشرط الجهل بمعنى الإحسان وحقيقته.


وأما السبب الثالث: وهو حبك المحسن في نفسه وإلى لم يصل إليك إحسانه، وهذا أيضاً موجود في الطباع، فإنه إذا بلغك خبر ملك عابد عادل عالم رفيق بالناس متلطف بهم متواضع لهم وهو في قطر من أقطار الأرض بعيد عنك وبلغك خبر ملك آخر ظالم متكبر فاسق متهتك شرير وهو أيضاً بعيد عنك؛ فإنك تجد في قلبك تفرقة بينهما إذ تجد في القلب ميلاً إلى الأول وهو الحب، ونفرة عن الثاني وهو البغض، مع أنك آيس من خير الأول وآمن من شر الثاني لانقطاع طمعك عن التوغل إلى بلادهما؛ فهذا حب المحسن من حيث إنه محسن فقط لا من حيث إنه محسن إليك، وهذا أيضاً يقتضي حب الله تعالى بل يقتضي أن لا يحب غيره أصلاً إلا من حيث يتعلق منه بسبب، فإن الله هو المحسن إلى الكافة والمتفضل على جميع أصناف الخلائق، أولاً: بإيجادهم، وثانياً: بتكميلهم بالأعضاء والأسباب التي هي من ضروراتهم، وثالثاً: بترفيههم وتنعيمهم بخلق الأسباب التي هي في مظان حاجاتهم وإن لم تكن في مظان الضرورة، ورابعاً: بتجميلهم بالمزايا والزوائد التي هي في مظنة زينتهم وهي خارجة عن ضروراتهم وحاجاتهم.
ومثال الضروري من الأعضاء: الرأس والقلب والكبد، ومثال المحتاج إليه: العين واليد والرجل. ومثال الزينة: استقواس الحاجبين وحمرة الشفتين وتلوين العينين إلى غير ذلك مما لو فات لم تنخرم به حاجة ولا ضرورة.
ومثال الضروري من النعم الخارجة عن بدن الإنسان: الماء والغذاء. ومثال الحاجة: الدواء واللحم والفواكه ومثال المزايا والزوائد: خضرة الأشجار وحسن أشكال الأنوار والأزهار ولذائذ الفواكه والأطعمة التي لا تنخرم بعدمها حاجة ولا ضرورة.


وهذه الأقسام الثلاثة موجودة لكل حيوان بل لكل نبات بل لكل صنف من أصناف الخلق من ذروة العرش إلى منتهى الفرش. فإذن هو المحسن فكيف يكون غيره محسناً وذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته؟ فإنه خالق الحسن وخالق المحسن وخالق الإحسان وخالق أسباب الإحسان، فالحب بهذه العلة لغيره أيضاً جهل محض ومن عرف ذلك لم يحب بهذه العلة إلا الله تعالى.

وأما السبب الرابع: وهو حب كل جميل لذات الجمال لا لحظ ينال من وراء إدراك الجمال: فقد بينا أن ذلك مجبول في الطباع، وأن الجمال ينقسم إلى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس وإلى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة، والأول يدركه الصبيان والبهائم، والثاني يختص بدركه أرباب القلوب ولا يشاركهم فيه من لا يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا. وكل جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال، فإن كان مدركاً بالقلب فهو محبوب القلب ومثال هذا في المشاهدة حب الأنبياء والعلماء وذوي المكارم السنية والأخلاق المرضية، فإن ذلك متصور مع تشوش صورة الوجه وسائر الأعضاء وهو المراد بحسن الصورة الباطنة والحس لا يدرك. نعم يدرك بحسن آثاره الصادرة منه الدالة عليه، حتى إذا دل القلب عليه مال القلب إليه فأحبه، فمن يحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو الصديق رضي الله تعالى عنه أو الشافعي رحمة الله عليه فلا يحبهم إلا لحسن ما ظهر منهم، وليس ذلك لحسن صورهم ولا لحسن أفعالهم، بل دل حسن أفعالهم على حسن الصفات التي هي مصدر الأفعال إذ الأفعال آثار صادرة عنها ودالة عليها فمن رأى حسن تصنيف المصنف وحسن شعر الشاعر بل حسن نقش النقش وبناء البناء انكشف له من هذه الأفعال صفاتها الباطنة التي يرجع حاصلها عند البحث إلى العلم والمقدرة، ثم كلما كان المعلوم أشرف وأتم رجالاً وعظمة كان العلم أشرف وأجمل، وكذا المقدور كلما كان أعظم رتبة وأجل منزلة كانت القدرة عليه أجل رتبة وأشرف قدراً. وأجل المعلومات هو الله تعالى، فلا جرم أحسن العلوم وأشرفها معرفة الله تعالى، وكذلك ما يقاربه ويختص به فشرفه على قدر تعلقه به.

فإذن جمال صفات الصديقين الذين تحبهم القلوب طبعاً ترجع إلى ثلاثة أمور: أحدها علمهم بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائع أنبيائه.

والثاني: قدرتهم على إصلاح أنفسهم وإصلاح عباد الله بالإرشاد والسياسة.

والثالث: تنزههم عن الرذائل والخبائث والشهوات الغالبة الصارفة عن سنن الخير الجاذبة إلى طريق الشر، وبمثل هذا يحب الأنبياء والعلماء والخلفاء والملوك الذين هم أهل العدل والكرم فأنسب هذه الصفات إلى صفات الله تعالى.

أما العلم: فأين علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذي يحيط بالكل إحاطة خارجة عن النهاية حتى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض؟ وقد خاطب الخلق كلهم فقال عز وجل " وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً " بل لو اجتمع أهل الأرض والسماء على أن يحيط بعلمه وحكمته في تفصيل خلق نملة أو بعوضة لم يطلعوا على عشر عشير ذلك " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " والقدر اليسير الذي علمه الخلائق كلهم فبتعليمه علموه كما قال تعالى: " خلق الإنسان علمه البيان " فإن كان جمال العالم وشرفه أمراً محبوباً وكان هو في نفسه زينة وكمالاً الموصوف به فلا ينبغي أن يحب بهذا السبب إلا الله تعالى. فعلوم العلماء جهل بالإضافة إلى علمه، بل من عرف أعلم أهل زمانه وأجهل أهل زمانه استحال أن يحب بسبب العلم الأجهل ويترك الأعلم وإن كان الأجهل لا يخلو عن علم ما تتقاضاه معيشته. والتفاوت بين علم الله وبين علم الخلائق أكثر من التفاوت بين علم أعلم الخلائق وأجهلهم، لأن الأعلم لا يفضل الأجهل إلا بعلوم معدودة متناهية يتصور في الإمكان أن ينالها الأجهل بالكسب والاجتهاد وفضل علم الله تعالى على علوم الخلائق كلهم خارج عن النهاية إذ معلوماته لا نهاية لها ومعلومات الخلق متناهية.

وأما صفة القدرة: فهي أيضاً كمال والعجز نقص، فكل كمال وبهاء وعظمة ومجد واستيلاء فإنه محبوب وإدراكه لذيذ، حتى إن الإنسان ليسمع في الحكاية شجاعة علي وخالد رضي الله عنهما وغيرهما من الشجعان وقدرتهما واستيلاءهما على الأقران فيصادف في قلبه اهتزازاً وفرحاً وارتياحاً ضرورياً بمجرد لذة السماع فضلاً عن المشاهدة ويورث ذلك حباً في القلب ضرورياً للمتصف به فإنه نوع كمال، فانسب الآن قدرة الخلق إلى قدرة الله تعالى، فأعظم الأشخاص قوة وأوسعهم ملكاً وأقواهم بطشاً وأقهرهم للشهوات وأقمعهم لخبائث النفس وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره - ما منتهى قدرته؟ وإنما غايته على بعض صفات نفسه وعلى بعض أشخاص الإنس في بعض الأمور وهو مع ذلك لا يملك لنفسه موتاً ولا حياة ولا نشوراً ولا ضراً ولا نفعاً، بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى ولسانه من الخرس وأذنه من الصمم وبدنه من المرض، ولا يحتاج إلى عد ما يعجز عنه في نفسه وغيره مما هو على الجملة متعلق قدرته، فضلاً عما لا تتعلق به قدرته من ملكوت السموات وأفلاكها وكواكبها والأرض وجبالها وبحارها ورياحها وصواعقها ومعادنها ونباتها وحيواناتها وجميع أجزائها، فلا قدرة له على ذرة منها. وما هو قادر عليه من نفسه وغيره فليست قدرته من نفسه وبنفسه بل الله خالقه وخالق قدرته وخالق أسبابه والممكن له من ذلك. ولو سلط بعوضاً على أعظم ملك وأقوى شخص من الحيوانات لأهلكه، فليس للعبد قدرة إلا بتمكين مولاه كما قال في أعظم ملوك الأرض ذي القرنين إذ قال " إنا مكنا له في الأرض " فلم يكن جميع ملكه وسلطنته إلا بتمكين الله تعالى إياه في جزء من الأرض، والأرض كلها مدرة بالإضافة إلى أجسام العالم وجميع الولايات التي يحظى بها الناس من الأرض غبرة من تلك المدرة، ثم تلك الغبرة أيضاً من فضل الله تعالى وتمكينه، فيستحيل أن يحب عبداً من عباد الله تعالى لقدرته وسياسته وتمكينه واستيلائه وكمال قوته ولا يحب الله تعالى لذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهو الجبار القاهر والعليم القادر، السموات مطويات بيمينه والأرض وملكها وما عليها في قبضته وناصية جميع المخلوقات في قبضة قدرته إن أهلكهم من عند آخرهم لم ينقص من سلطانه وملكه ذرة. وإن خلق أمثالهم ألف مرة لم يعي بخلقها ولا يمسه لغوب ولا فتور في اختراعها، فلا قدرة ولا قادر إلا وهو أثر من آثار قدرته فله الجمال والبهاء والعظمة والكبرياء والقهر والاستيلاء، فإن كان يتصور أن يحب قادر لكمال قدرته فلا يستحق الحب بكمال القدرة سواه أصلاً.
وأما صفة التنزه عن العيوب والنقائص والتقدس عن الرذائل والخبائث فهو أحد موجبات الحب ومقتضيات الحسن والجمال في الصور الباطنة، والأنبياء والصديقون وإن كانوا منزهين عن العيوب والخبائث فلا يتصور كمال التقدس والتنزه إلا للواحد الحق الملك والقدوس ذي الجلال والإكرام.


وأما كل مخلوق فلا يخلو عن نقص وعن نقائص بل كونه عاجزاً مخلوقاً مسخراً مضطراً هو عين العيب والنقص فالكمال لله وحده وليس لغيره كمال إلا بقدر ما أعطاه الله، وليس في المقدور أن ينعم بمنتهى الكمال على غيره فإن منتهى الكمال أقل درجاته أن لا يكون عبداً مسخراً لغيره قائماً بغيره وذلك محال في حق غيره، فهو المنفرد بالكمال المنزه عن النقص المقدس عن العيوب، وشرح وجوه التقدس والتنزه في حقه عن النقائض يطول وهو من أسرار علوم المكاشفات فلا نطول بذكره. فهذا الوصف أيضاً إن كان كمالاً وجمالاً محبوباً فلا تتم حقيقته إلا له، وكمال غيره وتنزهه لا يكون مطلقاً بل بالإضافة إلى ما هو أشد منه نقصاناً، كما أن للفرس بالإضافة إلى الحمار وللإنسان كمالاً بالإضافة إلى الفرس، وأصل النقص شامل للكل وإنما يتفاوتون في درجات النقصان.

فإذن الجميل محبوب والجميل المطلق هو الواحد الذي لا ند له، الفرد الذي لا ضد له، الصمد الذي لا منازع له، الغني الذي لا حاجة له، القادر الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، العالم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات والأرض، القاهر الذي لا يخرج عن قبضة قدرته أعناق الجبابرة ولا ينفلت من سطوته وبطشه رقاب القياصرة، الأزلي الذي لا أول لوجوده، الأبدي الذي لا آخر لبقائه، الضروري الوجود الذي لا يحوم إمكان العدم حول حضرته، القيوم الذي يقوم بنفسه ويقوم كل موجود به، جبار السموات والأرض، خالق الجماد والحيوان والنبات، المنفرد بالعزة والجبروت، والمتوحد بالملك والملكوت، ذو الفضل والجلال والبهاء والجمال والقدرة والكمال، الذي تتحير في معرفة جلاله العقول وتخرس في وصفه الأسنة، الذي كمال معرفة العارفين الاعتراف بالعجز عن معرفته ومنتهى نبوة الأنبياء الإقرار بالقصور عن وصفه، كما قال سيد الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين: " لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".[15]

وقال سيد الصديقين رضي الله تعالى عنه: العجز عن درك الإدراك إدراك. سبحان من لم يجعل للخلق طريقاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته فليت شعري من ينكر إمكان حب الله تعالى تحقيقاً ويجعله مجازاً؟ أينكر أن هذه الأوصاف من أوصاف الجمال والمحامد ونعوت الكمال والمحاسن أن ينكر كون الله تعالى موصوفاً بها أو ينكر كون الكمال والجمال والبهاء والعظمة محبوباً بالطبع عند من أدركه؟ فسبحان من احتجب عن بصائر العميان غيرة على جماله وجلاله أن يطلع عليه إلا من سبقت له منه الحسنى الذين هم عن نار الحجاب مبعدون، وترك الخاسرين في ظلمات العمى يتيهون وفي مسارح المحسوسات وشهوات البهائم يترددون؛ يعملون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون.
فالحب بهذا السبب أقوى من الحب بالإحسان لأن الإحسان يزيد وينقص. ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: إن أود الأوداء إلي م عبدني بغير نوال لكن ليعطي الربوبية حقها.


وفي الزبور: من أظلم ممن عبدني لجنة أو نار لو لم أخلق جنة ولا ناراً ألم أكن أهلاً أن أطاع.
ومر عيسى عليه السلام على طائفة من العباد قد نحلوا فقالوا: نخاف النار ونرجو الجنة فقال لهم: مخلوقاً خفتم ومخلوقاً رجوتم، ومر بقوم آخرين كذلك فقالوا: نعبده حباً له وتعظيماً لجلاله، فقال: أنتم أولياء الله حقاً معكم أمرت أن أقيم.


وقال أبو حازم: إني لأستحي أن أعبده للثواب والعقاب فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل، وكالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل.

وفي الخبر: " لا يكون أحدكم كالأجير السوء إن لم يعط أجراً لم يعمل، ولا كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل".[16]

وأما السبب الخامس للحب فهو المناسبة والمشاكلة لأن شبه الشيء منجذب إليه والشكل إلى الشكل أميل. ولذلك ترى الصبي يألف الصبي والكبير يألف الكبير، ويألف الطير نوعه وينفر من غير نوعه، وأنس العالم بالعالم أكثر منه بالمحترف، وأنس النجار بالنجار أكثر من أنسه بالفلاح. وهذا أمر تشهد به التجربة وتشهد له الأخبار والآثار كما استقصيناه في باب الأخوة في الله من كتاب آداب الصحبة فليطلب منه. وإذا كانت المناسبة سبب المحبة فالمناسبة قد تكون في معنى ظاهر كمناسبة الصبي للصبي في معنى الصبا، وقد يكون خفياً حتى لا يطلع عليه كما ترى من الاتحاد الذي يتفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال أو طمع في مال أو غيره كما أشار إليه النبي ﭬ إذ قال: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " فالتعارف هو التناسب، والتناكر هو التباين وهذا السبب أيضاً يقتضي حب الله تعالى لمناسبة باطنة لا ترجع إلى المشابهة في الصور والأشكال بل إلى معادن باطنة، يجوز أن يذكر بعضها في الكتب وبعضها لا يجوز أن يسطر بل يترك تحت غطاء الغبرة حتى يعثر عليه السالكون للطريق إذا استكملوا شرط السلوك.

فالذي يذكر هو قرب العبد من ربه عز وجل في الصفات التي أمر فيها بالاقتداء والتخلق بأخلاق الربوبية، حتى قيل تخلقوا بأخلاق الله، وذلك في اكتساب محامد الصفات التي هي من صفات الإلهية العلم والبر والإحسان واللطف وإفاضة الخير والرحمة على الخلق والنصيحة لهم وإرشاداهم إلى الحق ومنعهم من الباطل، إلى غير ذلك من مكارم الشريعة. فكل ذلك يقرب إلى الله سبحانه وتعالى لا بمعنى طلب القرب بالمكان بل بالصفات.

وأما ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصة التي اختص بها الآدمي فهي التي يومئ إليها قوله تعالى: " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " إذ بين أنه أمر رباني خارج عن حد عقول الخلق. وأوضح من ذلك قوله تعالى: " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" ولذلك أسجد له ملائكته، ويشير إليه قوله تعالى: " إنا جعلنا خليفة في الأرض " إذ لم يستحق آدم خلافة الله تعالى إلا بتلك المناسبة وإليه يرمز قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله خلق آدم على صورته"[17] حتى ظن القاصرون أن لا صورة إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواس فشبهوا وجسموا وصوروا، تعالى الله رب العالمين عما يقول الجاهلون علواً كبيراً. وإليه الإشارة بقوله تعالى لموسى عليه السلام: " مرضت فلم تعدني، فقال: يا رب وكيف ذلك؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تعده ولو عدته وجدتني عنده"[18] وهذه المناسبة لا تظهر إلا بالمواظبة على النوافل بعد إحكام الفرائض كما قال الله تعالى: " لا يزال يتقرب العبد إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به"[19]. وهذا موضع يجب قبض عنان القلم فيه فقد تحزب الناس فيه إلى قاصرين مالوا إلى التشبيه الظاهر وإلى غالين مسرفين جاوزوا حد المناسبة إلى الاتحاد وقالوا بالحلول، حتى قال بعضهم: أنا الحق. وضل النصارى في عيسى عليه السلام فقالوا: هو الإله، وقال آخرون منهم تذرع الناسوت باللاهوت وقال آخرون: اتحد به. وأما الذين انكشف لهم استحالة التشبيه والتمثيل واستحالة الاتحاد والحلول واتضح لهم مع ذلك حقيقة السر فيهم الأقلون. ولعل أبا الحسن النوري عن هذا المقام كان ينظر إذا غلبه الوجد في قول القائل:


لا زلت أنزل من ودادك منزلاً

 

تتحير الألباب عند نـزولـه
 
فلم يزل يعدو في وجده على أجمة قد قطع قصبها وبقي أصوله حتى تشققت قدماه وتورمتا ومات من ذلك. وهذا هو أعظم أسباب الحب وأقواها وهو أعزها وأبعدها وأقلها وجوداً. فهذه هي المعلومة من أسباب الحب وجملة ذلك متظاهرة في حق الله تعالى تحقيقاً لا مجازاً وفي أعلى الدرجات لا في أدناها، فكان المعقول المقبول عند ذوي البصائر حب الله تعالى فقط كما أن المعقول الممكن عند العميان حب غير الله تعالى فقط، ثم كل من يحب من الخلق بسبب من هذه الأسباب يتصور أن يحب غير لمشاركته إياه في السبب، والشركة نقصان في الحب وغض من كماله. ولا ينفرد أحد بوصف محبوب إلا وقد يوجد له شريك فيه، فإن لم يوجد فيمكن أن يوجد، إلا الله تعالى فإنه موصوف بهذه الصفات التي هي نهاية الجلال والكمال ولا شريك له في ذلك وجوداً، ولا يتصور أن يكون ذلك إمكاناً، فلا جرم لا يكون في حبه شركة فلا يتطرق النقصان إلى حبه كما لا تتطرق الشركة إلى صفاته، فهو المستحق - إذاً لأصل المحبة - ولكمال المحبة استحقاقاً لا يساهم فيه أصلاً.

بيان أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم وأنه لا يتصور أن لا يؤثر عليها لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة  

اعلم أن اللذات تابعة للإدراكات، والإنسان جامع لجملة من القوى والغرائز، ولكل قوة وغريزة لذة ولذتها في نيلها المقتضي طبعها الذي خلقت له فإن هذه الغرائز ما ركبت في الإنسان عبثاً بل ركبت كل قوة وغريزة لأمر من الأمور هو مقتضاها بالطبع. فغريزة الغضب خلقت للتشفي والانتقام فلا جرم لذتها في الغلبة والانتقام الذي هو مقتضى طبعها. وغريزة شهوة الطعام مثلاً خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام فلا جرم لذتها في نيل هذا الغذاء الذي هو مقتضى طبعها، وكذلك لذة السمع والبصر والشم في الإبصار والاستماع والشم، فلا تخلو غريزة من هذه الغرائز عن ألم ولذة بالإضافة إلى مدركاتها. فكذلك في القلب غريزة تسمى النور الإلهي لقوله تعالى: " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور ربه " وقد تسمى العقل وقد تسمى البصيرة الباطنة وقد تسمى نور الإيمان واليقين، ولا معنى للاشتغال بالأسامي فإن الاصطلاحات مختلفة، والضعيف يظن أن الاختلاف واقع في المعاني لأن الضعيف يطلب المعاني من الألفاظ وهو عكس الواجب، فالقلب مفارق لسائر أجزاء البدن بصفة بها يدرك المعاني التي ليست متخيلة ولا محسوسة، كإدراك خلق العالم أو افتقاره إلى خالق قديم مدبر حكيم موصوف بصفات إلهية، ولتسم تلك الغريزة عقلاً بشرط أن لا يفهم من لفظ العقل ما يدرك به طرق المجادلة والمناظرة، فقد اشتهر اسم العقل بهذا ولهذا ذمه بعض الصوفية، وإلا فالصفة التي فارق الإنسان بها البهائم وبها يدرك معرفة الله تعالى أعز الصفات فلا ينبغي أن تذم، وهذه الغريزة خلقت ليعلم بها حقائق الأمور كلها فمقتضى طبعها المعرفة والعلم وهي لذتها، كما أن مقتضى سائر الغرائز هو لذتها. وليس يخفى أن في العلم والمعرفة لذة حتى إن الذي ينسب إلى العلم والمعرفة ولو في شيء خسيس يفرح به، والذي ينسب إلى الجهل ولو في شيء حقير يغتم به، وحتى أن الإنسان لا يكاد يصبر عن التحدي بالعلم والتمدح به في الأشياء الحقيرة. فالعالم باللعب بالشطرنج على خسته لا يطيق السكوت فيه عن التعليم وينطلق لسانه بذكر ما يعلمه، وكل ذلك لفرط لذة العلم وما يستشعره من كمال ذاته به، فإن العلم من أخص صفات الربوبية وهي منتهى الكمال، ولذلك يرتاح الطبع إذا أثني عليه بالذكاء وغزارة العلم لأنه يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته وكمال علمه فيعجب بنفسه ويلتذ به، ثم ليست لذة العلم بالحراثة والخياطة كلذة العلم بسياسة الملك وتدبير أمر الخلق، ولا لذة العلم بالنحو والشعر كلذة العلم بالله تعالى وصفاته وملائكته وملكوت السموات والأرض، بل لذة العلم بقدر شرف العلم وشرف العلم بقدر شرف المعلوم، حتى إن الذي يعلم بواطن أحوال الناس ويخبر بذلك يجد له لذة وإن جهله تقاضاه طبعه أن يفحص عنه، فإن علم بواطن أحوال رئيس البلد وأسرار تدبيره في رياسته كان ذلك ألذ عنده وأطيب من عمله بباطن حال الفلاح أو حائك فإن اطلع على أسرار الوزير وتدبيره وما هو عازم عليه في أمور الوزارة فهو أشهى عنده وألذ من علمه بأسرار الرئيس، فإن كان خبيراً بباطن أحوال الملك والسلطان الذي هو المستولي كان ذلك أطيب عنده وألذ من علمه بباطن أسرار الوزير، وكان تمدحه بذلك وحرصه عليه وعلى البحث عنه أشد وحبه له أكثر لأن لذته فيه أعظم. فبهذا استبان أن ألذ المعارف أشرفها، وشرفها بحسب شرف المعلوم، فإن كان في المعلومات ما هو الأجل والأكمل والأشرف والأعظم فالعلم به ألذ العلوم لا محالة وأشرفها وأطيبها. وليت شعري هل في الوجود شيء أجل وأعلى وأشرف وأكمل وأعظم من خالق الأشياء كلها ومكملها ومزينها ومبدئها ومعيدها ومدبرها ومرتبها؟ وهل يتصور أن تكون حضرة في الملك والكمال والجمال والبهاء والجلال أعظم من الحضرة الربانية التي لا يحيط بمبادي جلالها وعجائب أحوالها وصف الواصفين؟ فإن كنت لا تشك في ذلك فلا ينبغي أن تشك في أن الإطلاع على أسرار الربوبية والعلم بترتب الأمور الإلهية المحيطة بكل الموجودات هو أعلى أنواع المعارف والاطلاعات وألذها وأطيبها وأشهاها؟ وأحرى ما تستشعر به النفوس عند الاتصاف به كمالها وجمالها، وأجدر ما يعظم به الفرح والارتياح والاستبشار وبهذا تبين أن العلم لذيذ، وأن ألذ العلوم العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وتدبيره في مملكته - من منتهى عرشه إلى تخوم الأرضين - فينبغي أن يعلم أن لذة

المعرفة أقوى من سائر اللذات أعني لذة الشهوات والغضب ولذة سائر الحواس الخمس، فإن اللذات مختلفة بالنوع أولاً، كمخالفة لذة الوقاع للذة السماع، ولذة المعرفة للذة الرياسة، وهي مختلفة بالضعف والقوة، كمخالفة لذة الشبق المغتلم من الجماع للذة الفاتر للشهوة، وكمخالفة لذة النظر إلى الوجه الجميل الفائق الجمال للذة النظر إلى ما دونه في الجمال. وإنما تعرف أقوى اللذات بأن تكون مؤثرة على غيرها، فإن المخير بين النظر إلى صورة جميلة والتمتع بمشاهدتها وبين استنشاق روائح طيبة إذا اختار النظر إلى الصورة الجميلة علم أنها ألذ عنده من الروائح الطيبة، وكذلك إذا حضر الطعام وقت الأكل واستمر اللاعب بالشطرنج على اللعب وترك الأكل، فيعلم به أن لذة الغلبة في الشطرنج أقوى عنده من لذة الأكل فهذا معيار صادق في الكشف عن ترجيح اللذات فنعود ونقول:

اللذات تنقسم إلى ظاهرة كلذة الحواس الخمس، وإلى باطنة كلذة الرياسة والغلبة والكرامة والعلم وغيرها، إذ ليست هذه اللذة للعين ولا للأنف ولا للأذن ولا للمس ولا للذوق، والمعاني الباطنة أغلب على ذوي الكمال من اللذات الظاهرة، فلو خير الرجل بين لذة الدجاج السمين واللوزينج وبين لذة الرياسة وقهر الأعداء ونيل درجة الاستيلاء، فإن كان المخير خسيس الهمة ميت القلب شديد النهمة اختار اللحم والحلاوة، وإن كان على الهمة كامل العقل اختار الرياسة وهان عليه الجوع والصبر عن ضرورة القوت أياماً كثيرة؛ فاختياره للرياسة يدل على أنها ألذ عنده من المطعومات الطيبة، نعم الناقص الذي لم تكمل معانيه الباطنة بعد كالصبي، أو كالذي ماتت قواه الباطنة كالمعتوه لا يبعد أن يؤثر لذة المطعومات على لذة الرياسة وكما أن لذة الرياسة والكرامة أغلب اللذات على من جاوز نقصان الصبا والعته فلذة معرفة الله تعالى ومطالعة جمال حضرة الربوبية والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق، وغاية العبارة عنه أن يقال " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " وأنه أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذا الآن لا يعرفه إلا من ذاق اللذتين جميعاً، فإنه لا محالة يؤثر التبتل والتفرد والفكر والذكر وينغمس في بحار المعرفة ويترك الرياسة ويستحقر الخلق الذين يرأسهم لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته، وكونه مشوباً بالكدورات التي لا يتصور الخلو عنها، وكونه مقطوعاً بالموت الذي لا بد من إتيانه مهما أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فيستعظم بالإضافة إليها لذة معرفة الله ومطالعة صفاته وأفعاله ونظام مملكته من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، فإنها خالية من المزاحمات والمكدرات متسعة للمتواردين عليها لا تضيق عنهم بكبرها، وإنما عرضها من حيث التقدير السموات والأرض، وإذا خرج النظر عن المقدرات فلا نهاية لعرضها، فلا يزال العارف بمطالعتها في جنة عرضها السموات والأرض يرتع في رياضها ويقطف من ثمارها ويكرع من حياضها وهو آمن من انقطاعها، إذ ثمار هذه الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة، ثم هي أبدية سرمدية لا يقطعها الموت، إذ الموت لا يهدم محل معرفة الله تعالى ومحلها الروح الذي هو أمر رباني سماوي، ثم هي أبدية سرمدية لا يقطعها الموت، إذ الموت لا يهدم محل معرفة الله تعالى ومحلها الروح الذي هو أمر رباني سماوي، وإنما الموت يغير أحوالها ويقطع شواغلها وعوائقها ويخليها من حبسها فأما أن يعدمها فلا " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم " الآية. ولا تظنن أن هذا مخصوص بالمقتول في المعركة فإن للعارف بكل نفس درجة ألف شهيد وفي الخبر " إن الشهيد يتمنى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة وإن الشهداء يتمنون لو كانوا علماء لما يرونه من علو درجة العلماء".[20]

فإذن جميع أقطار ملكوت السموات والأرض ميدان العارف يتبوأ منه حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرك إليها بجسمه وشخصه، فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنة عرضها السموات والأرض، وكل عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلاً، إلا أنهم يتفاوتون في سعة منتزهاتهم بقدر تفاوتهم في اتساع نظرهم وسعة معارفهم، وهم درجات عند الله ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم، فقد ظهر أن لذة الرياسة وهي باطنة أقوى في ذوي الكمال من لذات الحواس كلها، وأن هذه اللذة لا تكون لبهيمة ولا لصبي ولا لمعتوه، وأن لذة المحسوسات والشهوات تكون لذوي الكمال مع لذة الرياسة ولكن يؤثرون الرياسة، فأما معنى كون معرفة الله وصفاته وأفعاله وملكوت سمواته وأسرار ملكه أعظم لذة من الرياسة فهذا يختص بمعرفته من نال رتبة المعرفة وذاقها، ولا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب له لأن القلب معدن هذه القوة، كما أنه لا يمكن إثبات رجحان لذة الوقاع على لذة اللعب بالصولجان عند الصبيان، ولا رجحانه على لذة شم البنفسج عند العينين، لأنه فقد الصفة التي بها تدرك هذه اللذة، ولكن من سلم من آفة العنة وسلم حاسة شمه أدرك التفاوت بين اللذتين، وعند هذا لا يبقى إلا أن يقال من ذاق عرف، ولعمري طلاب العلوم وإن لم يشتغلوا بطلب معرفة الأمور الإلهية فقد استنشقوا رائحة هذه اللذة عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات التي قوي حرصهم على طلبهم، فإنها أيضاً معارف وعلوم وإن كانت معلوماتها غير شريفة شرف المعلومات الإلهية، فأما من طال فكره في معرفة الله سبحانه وقد انكشف له من أسرار ملك الله ولو الشيء اليسير فإنه يصادف قلبه عند حصول الكشف من الفرح ما يكاد يطير به، ويتعجب من نفسه في ثباته واحتماله لقوة فرحه وسروره، وهذا مما لا يدرك إلا بالذوق، والحكاية فيه قليلة الجدوى. فهذا القدر ينبهك على أن معرفة الله سبحانه ألذ الأشياء وأنه لا لذة فوقها.

ولهذا قال أبو سليمان الداراني: إن لله عباداً ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة فكيف تشغلهم الدنيا عن الله؟ ولذلك قال بعض أخوان معروف الكرخي له: أخبرني يا أبا محفوظ أي شيء هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق. فسكت فقال: ذكر الموت، فقال: وأي شيء الموت؟ فقال: ذكر القبر والبرزخ، فقال: وأي شيء القبر؟ فقال: خوف النار ورجاء الجنة؟ فقال: وأي شيء هذا؟ إن ملكاً هذا كله بيده إن أحببته أنساك جميع ذلك وإن كان بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا.

وفي أخبار عيسى عليه السلام: إذا رأيت الفتى مشغوفاً بطلب الرب تعالى فقد ألهاه ذلك عما سواه.
ورأى بعض الشيوخ بشر بن الحارث في النوم فقال: ما فعل أبو نصر التمار وعبد الوهاب الوراق؟ فقال: تركتهما الساعة بين يدي الله تعالى يأكلان ويشربان، قلت: فأنت؟ قال: علم الله قلة رغبتي في الأكل والشرب فأعطاني النظر إليه.


وعن علي بن الموفق قال: رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة، فرأيت رجلاً قاعداً على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل، ورأيت رجلاً قائماً على باب الجنة يتصفح وجوه الناس فيدخل بعضاً ويرد بعضاً، قال: ثم جاوزتهما إلى حديقة القدس فرأيت في سرادق العرش رجلاً قد شخص ببصره ينظر إلى الله تعالى لا يطرف، فقلت لرضوان: من هذا؟ قال: معروف الكرخي عبد الله لا خوفاً من ناره، ولا شوقاً إلى جنته بل حباً له فأباحه النظر إليه يوم القيامة. وذكر أن الآخرين: بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل.

ولذلك قال أبو سليمان: من كان اليوم مشغولاً بنفسه فهو غداً مشغول بنفسه، ومن كان اليوم مشغولاً بربه فهو غداً مشغول بربه.

وقال الثوري لرابعة: ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدته خوفاً من ناره ولا حباً لجنته فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حباً له وشوقاً إليه وقالت في معنى المحبة نظماً:


أحبك حبـين حـب الـهـوى

 

وحبـاً لأنـك أهـل لـذاكـا

فأما الذي هو حـب الـهـوى

 

فشغلي بذكرك عمن سواكـا

وأما الـذي أنـت أهـل لـه

 

فكشفك لي الحجب حتى أراكا

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لـي

 

ولكن لك الحد في ذا وذاكـا
 
 

ولعلها أرادت بحب الهوى: حب الله لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة، وبحبه لما هو أهل له: الحب لجماله وجلاله الذي انكشف لها؛ وهو أعلى الجبين وأقواهما، ولذة مطالعة جمال الربوبية هي التي عبر عنها رسول الله ﭬ حيث قال حاكياً عن ربه تعالى: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"[21] وقد تعجل بعض هذه اللذات في الدنيا لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية، ولذلك قال بعضهم: إني أقول يا رب يا الله فأجد ذلك على قلبي أثقل من الجبال لأن النداء يكون من وراء حجاب؛ وهل رأيت جليساً ينادي جليسه؟ وقال: إذا بلغ الرجل في هذا العلم الغاية رماه الخلق بالحجارة؛ أي يخرج كلامه عن حد عقولهم فيرون ما يقوله جنوناً أو كفراً، فمقصد العارفين كلهم وصله ولقاؤه فقط، فهي قرة العين التي لا تعلم نفس ما أخفى لهم منها، وإذا حصلت انمحقت الهموم والشهوات كلها وصار القلب مستغرقاً بنعيمها، فلو ألقي في النار لم يحس بها لاستغراقه ولو عرض عليه نعيم الجنة لم يلتفت إليه لكمال نعيمه وبلوغه الغاية التي ليس فوقها غاية، وليت شعر من لم يفهم إلا حب المحسوسات كيف يؤمن بلذة النظر إلى وجه الله تعالى وماله صورة ولا شكل؟ وأي معنى لوعد الله تعالى به عباده وذكره أنه أعظم النعم؟ بل من عرف الله عرف أن اللذات المفرقة بالشهوات المختلفة كلها تنطوي تحت هذه اللذة كما قال بعضهم:


كانـت لـقـلـبـي أهـواء مـفـرقة

 

فاستجمعت مذ رأتك الـعـين أهـوائي

فصار يحسدني مـن كـنـت أحـسـده

 

وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي

تركت لـلـنـاس دنـياهـم ودينـهـم

 

شغـلاً بـذكـرك يا دينـي ودنــيائي
 
ولذلك قال بعضهم:


وهجره أعظم من ناره

 

ووصله أطيب من جنته
 
وما أرادوا بهذا إلا إيثار القلب في معرفة الله تعالى على لذة الأكل والشرب والنكاح، فإن الجنة معدن تمتع الحواس، فأما القلب فلذته لقاء الله فقط.

ومثال أطوار الخلق في لذتهم ما نذكره: وهو أن الصبي في أول حركته وتمييزه يظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب واللهو، حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر الأشياء، ثم يظهر بعده لذة الزينة ولبس الثياب وركوب الدواب فيستحقر معها لذة اللعب، ثم يظهر بعده لذة الوقاع وشهوة النساء فيترك بها جميع ما قبلها في الوصول إليها، ثم تظهر لذة الرياسة والعلو والتكاثر، وهي آخر لذات الدنيا وأعلاها وأقواها كما قال تعالى: " اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر " الآية. ثم بعد هذا تظهر غريزة أخرى يدرك بها لذة معرفة الله تعالى ومعرفة أفعاله فيستحقر معها جميع ما قبلها، فكل متأخر فهو أقوى، وهذا هو الأخير، إذ يظهر حب اللعب في سن التمييز، وحب النساء والزينة في سن البلوغ، وحب الرياسة بعد العشرين، وحب العلوم بقرب الأربعين، وهي الغاية العليا وكما أن الصبي يضحك على من يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرياسة؛ فكذلك الرؤساء يضحكون على من يترك الرياسة ويشتغل بمعرفة الله تعالى. والعارفون يقولون: " إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون ".

بيان السبب في زيادة النظر في لذة الآخرة على المعرفة في الدنيا اعلم أن المدركات تنقسم إلى ما يدخل في الخيال، كالصور المتخيلة والأجسام المتلونة والمتشكلة من أشخاص الحيوان والنبات، وإلى ما لا يدخل في الخيال، كذات الله تعالى وكل ما ليس بجسم كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها. ومن رأى إنساناً ثم غض بصره وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ينظر إليها، ولكن إذا فتح العين وأبصر أدرك تفرقة بينهما، ولا ترجع التفرقة إلى اختلاف بين الصورتين لأن الصورة المرئية تكون موافقة للمتخيلة وإنما الافتراق بمزيد الوضوح والكشف، فإن صورة المرئي صارت بالرؤية أتم انكشافاً ووضوحاً، وهو كشخص يرى في وقت الإسفار قبل انتشار ضوء النهار ثم عند تمام الضوء، فإنه لا تفارق إحدى الحالتين الأخرى إلا في مزيد الانكشاف. فإذن الخيال أول الإدراك والرؤية هو الاستكمال لإدراك الخيال وهو غاية الكشف، وسمي ذلك رؤية لأنه غاية الكشف لا لأنه في العين، بل لو خلق الله هذا الإدراك الكامل المكشوف في الجبهة أو الصدر مثلاً استحق أن يسمى رؤية.

وإذا فهمت هذا في المتخيلات فاعلم أن المعلومات التي لا تتشكل أيضاً في الخيال لمعرفتها وإدراكها درجتان أحدهما أولى، والثانية استكمال لها. وبين الأولى والثانية من التفاوت في مزيد الكشف والإيضاح ما بين المتخيل والمرئي، فيسمى الثاني أيضاً بالإضافة إلى الأول مشاهدة ولقاء ورؤية. وهذه التسمية حتى لأن الرؤية سميت رؤية لأنها غاية الكشف، وكما أن سنة الله تعالى جارية بأن تطبيق الأجفان يمنع من تمام الكشف بالرؤية ويكون حجاباً بين البصر والمرئي، ولا بد من ارتفاع الحجب لحصول الرؤية. وما لم ترتفع كان الإدراك الحاصل مجرد التخيل فكذلك مقتضى سنة الله تعالى أن النفس ما دامت محجوبة بعوارض البدن ومقتضى الشهوات وما غلب عليها من الصفات البشرية، فإنها لا تنتهي إلى المشاهدة واللقاء في المعلومات الخارجة عن الخيال، بل هذه الحياة حجاب عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن رؤية الأبصار. والقول في سبب كونها حجاباً يطول ولا يليق بهذا العلم. ولذلك قال تعالى لموسى عليه السلام: " لن تراني " وقال تعالى " لا تدركه الأبصار " أي في الدنيا والصحيح أن رسول الله ﭬ ما رأى الله تعالى ليلة المعراج[22]. فإذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النفس ملوثة بكدورات الدنيا، غير منفكة عنها بالكلية وإن كانت متفاوتة، فمنها ما تراكم عليه الخبث والصدأ فصار كالمرآة التي فسد بطول تراكم الخبث جوهرها فلا تقبل الإصلاح والتصقيل، وهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم أبد الآباد - نعوذ بالله من ذلك - ومنا ما لم ينته إلى حد الرين والطبع ولم يخرج عن قبول التزكية والتصقيل فيعرض على النار عرضاً يقمع منه الخبث الذي هو متدنس به، ويكون العرض على النار بقدر الحاجة إلى التزكية، وأقلها لحظة خفيفة وأقصاها حق المؤمنين - كما وردت به الأخبار- سبعة آلاف[23] سنة ولن ترتحل نفس عن هذا العالم إلا ويصحبها غبرة وكدورة ما، وإن قلت: ولذلك قال الله تعالى: " وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقتضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً " فكل نفس مستيقنة للورود على النار وغير مستيقنة للصدور عنها، فإذا أكمل الله تطهيرها وتزكيتها وبلغ الكتاب أجله ووقع الفراغ عن جملة ما وعد به الشرع من الحساب والعرض وغيره، ووافى استحقاق الجنة - وذلك وقت مبهم لم يطلع الله عليه أحداً من خلقه فإنه واقع بعد القيامة؛ ووقت القيامة مجهول - فعند ذلك يشتغل بصفائه ونقائه عن الكدورات حيث لا يرهق وجهه غبرة ولا قترة لأن فيه يتجلى الحق سبحانه وتعالى، فيتجلى له تجلياً يكون انكشاف تجليه بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلي المرآة بالإضافة إلى ما تخيله. وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية، فإذن الرؤية حق، بشرط أن لا يفهم من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان؛ فإن ذلك مما يتعالى عنه رب الأرباب علواً كبيراً، بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية تامة من غير تخيل وتصور وتقدير شكل وصورة، فتراه في الآخرة كذلك. بل أقول: المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة، والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح كما ضربناه من المثال في استكمال الخيال بالرؤية. فإذا لم يكن في معرفة الله تعالى إثبات صورة وجهه فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضاً جهة وصورة لأنها هي بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف، كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف، وإليه الإشارة بقوله تعالى: " يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا " إذ تمام النور لا يؤثر إلا في زيادة التكشف، ولهذا لا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا، لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة والحب زرعاً، ومن لا نواة في أرضه كيف يحصل له نخل؟ ومن لم يزرع الحب فكيف يحصد الزرع؟ فكذلك من لم يعرف الله تعالى في الدنيا فكيف يراه في الآخرة؟ ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي أيضاً على درجات متفاوتة، فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذر، إذ تختلف لا محالة

بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها وضعفها، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: " إن الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة"[24] فلا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر ممن هو دونه يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر، بل لا يجد إلا عشر عشيره إن كانت معرفته في الدنيا عشر عشيره، ولما فضل من الناس بسر وقر في صدره فضل لا محالة بتجل انفرد به، وكما أنك ترى في الدنيا من يؤثر لذة الرياسة على المطعوم والمنكوح، وترى من يؤثر لذة العلم وانكشاف مشكلات ملكوت السموات والأرض وسائر الأمور الإلهية على الرياسة وعلى المنكوح والمطعوم والمشروب جميعاً؛ فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذة النظر إلى وجه الله تعالى على نعيم الجنة، إذ يرجع نعيمها إلى المطعوم والمنكوح، وهؤلاء بعينهم هم الذين حالهم في الدنيا ما وصفنا من إيثار لذة العلم والمعرفة والإطلاع على أسرار الربوبية على لذة المنكوح والمطعوم والمشروب؛ وسائر الخلق مشغولون به. ولذلك لما قيل لرابعة: ما تقولين في الجنة؟ فقالت: الجار ثم الدار. فبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة بل إلى رب الجنة. وكل من يعرف الله في الدنيا فلا يراه في الآخرة، وكل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في الآخرة، إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه في الدنيا، ولا يحصد إلا ما زرع، ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه، ولا يموت إلا على ما عاش عليه، فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه فقط، إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللذة به؛ كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فإن ذلك منتهى لذته، وإنما طيبة الجنة لكل أحد فيها ما يشتهي، فمن لا يشتهي إلا لقاء الله تعالى فلا لذة له في غيره، بل ربما يتأذى به، فإذن نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى وحب الله تعالى بقدر محبته، فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالإيمان.

فإن قلت: فلذة الرؤية إن كان لها نسبة إلى لذة المعرفة فهي قليلة وإن كان أضعافها، لأن لذة المعرفة في الدنيا ضعيفة فتضاعفها إلى حد قريب لا ينتهي في القوة إلى أن يستحقر سائر لذات الجنة فيها؟ فاعلم أن هذا الاستحقار للذة المعرفة صدر من الخلو عن المعرفة، فمن خلا عن المعرفة كيف يدرك لذتها؟ وإن انطوى على معرفة ضعيفة وقلبه مشحون بعلائق الدنيا فكيف يدرك لذتها؟ فللعارفين في معرفتهم وفكرتهم ومناجاتهم لله تعالى لذات لو عرضت عليهم الجنة في الدنيا بدلاً عنها لم يستبدلوا بها لذة الجنة، ثم هذه اللذة مع كمالها لا نسبة لها أصلاً إلى لذة اللقاء والمشاهدة، كما لا نسبة للذة خيال المعشوق إلى رؤيته، ولا لذة استنشاق روائح الأطعمة الشهية إلى ذوقها، ولا للذة اللمس باليد إلى لذة الوقاع.

وإظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن إلا بضرب مثال فنقول: لذة النظر إلى وجه المعشوق في الدنيا تتفاوت بأسباب: أحدها كمال جمال المعشوق ونقصانه، فإن اللذة في النظر إلى الأجمل أكمل لا محالة.
والثاني كمال قوة الحب والشهوة والعشق، فليس التذاذ من اشتد عشقه كالتذاذ من ضعفت شهوته وحبه.
والثالث كمال الإدراك، فليس التذاذ برؤية المعشوق في ظلمة أو من وراء ستر رقيق أو من بعده كالتذاذ بإدراكه على قرب من غير ستر وعند كمال الضوء، ولا إدراك لذة المضاجعة مع ثوب حائل كإدراكها مع التجرد.


والرابع اندفاع العوائق المشوشة والآلام الشاغلة للقلب، فليس التذاذ الصحيح الفارغ المتجرد للنظر إلى المعشوق كالتذاذ الخائف المذعور أو المريض المتألم أو المشغول قلبه بمهم من المهمات.

فقدر عاشقاً ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع انكشاف كنه صورته في حالة اجتمع عليه عقارب وزنابير تؤذيه وتلدغه وتشغل قلبه، فهو في هذه الحالة لا يخلو عن لذة ما من مشاهدة معشوقه، فلو طرأت على الفجأة حالة انتهك بها الستر وأشرق بها الضوء واندفع عنه المؤذيات وبقي سليماً فارغاً وهجمت عليه الشهوة القوية والعشق المفرط حتى بلغ أقصى الغايات، فانظر كيف تتضاعف اللذة حتى لا يبقى للأولى إليها نسبة يعتد بها، فكذلك فافهم نسبة لذة النظر إلى لذة المعرفة فالستر الرقيق مثال البدن والاشتغال به، والعقارب والزنابير مثال الشهوات المتسلطة على الإنسان من الجوع والعطش والغضب والغم والحزن، وضعف الشهوة والحب مثال لقصور النفس في الدنيا ونقصانها عن الشوق إلى الملأ الأعلى والتفاتها إلى أسفل السافلين وهو مثل قصور الصبي عن ملاحظة لذة الرياسة والتفاته إلى اللعب بالعصفور، والعارف وإن قويت في الدنيا معرفته فلا يخلو عن هذه المشوشات ولا يتصور أن يخلو عنها البتة، نعم قد تضعف هذه العوائق في بعض الأحوال ولا تدوم، فلا جرم يلوح من جمال المعرفة ما يبهت العقل وتعظم لذته بحيث يكاد القلب يتفطر لعظمته، ولكن يكون ذلك كالبرق في الخاطف وقلما يدوم؛ بل يعرض من الشواغل والأفكار والخواطر ما يشوشه وينغصه، وهذه ضرورة دائمة في هذه الحياة الفانية فلا تزال هذه اللذة منغصة إلى الموت، وإنما الحياة الطيبة بعد الموت وإنما العيش عيش الآخرة " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون " وكل من انتهى إلى هذه الرتبة فإنه يحب لقاء الله تعالى فيحب الموت، ولا يكره إلا من حيث ينتظر زيادة استكمال في المعرفة فإن المعرفة كالبذر وبحر المعرفة لا ساحل له، فالإحاطة بكنه جلال الله محال، فكلما كثرت المعرفة بالله وبصفاته وأفعاله وبأسرار مملكته وقويت، كثر النعيم في الآخرة وعظم، كما أنه كلما كثر البذر وحسن، كثر الزرع وحسن، ولا يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا، ولا يزرع إلا في صعيد القلب، ولا حصاد إلا في الآخرة، ولهذا قال رسول الله ﭬ: " أفضل السعادات طول العمر في طاعة الله"[25] لأن المعرفة إنما تكمل وتكثر وتتسع في العمر الطويل بمداومة الفكر والمواظبة على المجاهدة والانقطاع عن علائق الدنيا والتجرد للطلب، ويستدعي ذلك زماناً لا محالة، فمن أحب الموت أحبه لأنه رأى نفسه واقفاً في المعرفة بالغاً إلى منتهى ما يسر له، ومن كره الموت كرهه لأنه كان يؤمل مزيد معرفة تحصل له بطول العمر ورأى نفسه مقصراً عما تحتمله قوته لو عمر، فهذا سبب كراهة الموت وحبه عند أهل المعرفة.

وأما سائر الخلق فنظرهم مقصور على شهوات الدنيا إن اتسعت أحبوا البقاء وإن ضاقت تمنوا الموت، وكل ذلك حرمان وخسران مصدره الجهل والغفلة، فالجهل والغفلة مغرس كل شقاوة، والعلم والمعرفة أساس كل سعادة فقد عرفت بما ذكرناه معنى المحبة، ومعنى العشق فإنه المحبة المفرطة القوية، ومعنى لذة المعرفة، ومعنى الرؤية، ومعنى لذة الرؤية، ومعنى كونها ألذ من سائر اللذات عند ذوي العقول والكمال وإن لم تكن كذلك عند ذوي النقصان، كما لم تكن الرياسة ألذ المطعومات عند الصبيان.

فإن قلت: فهذه الرؤيا محلها القلب أو العين في الآخرة؟ فاعلم أن الناس قد اختلفوا في ذلك وأرباب البصائر لا يلتفتون إلى هذا الخلاف ولا ينظرون فيه، بل العاقل يأكل البقل ولا يسأل عن المبقلة، ومن يشتهي رؤية معشوقه يشغله عشقه عن أن يلتفت إلى أن رؤيته تخلق في عينه أو جبهته، بل يقصد الرؤيا ولذتها سواء كان ذلك بالعين أو غيرها، فإن العين محل وظرف لا نظر إليه ولا حكم له، والحق فيه أن القدرة الأزلية واسعة فلا يجوز أن نحكم عليها بالقصور عن أحد الأمرين، هذا في حكم الجواز، فأما الواقع في الآخرة من الجائزين فلا يدرك إلا بالسمع والحق[26] ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر، وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجري على ظاهره، إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة والله تعالى أعلم.

بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى اعلم أن أسعد الخلق حالاً في الآخرة أقواهم حباً لله تعالى، فإن الآخرة معناها القدوم على الله تعالى ودرك سعادة لقائه، وما أعظم نعيم المحب إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه! وتمكن من دوام مشاهدته أبد الآباد من غير منغص ومكدر ومن غير رقيب ومزاحم ومن غير خوف انقطاع! إلا أن هذا النعيم على قدر قوة الحب فكلما ازدادت المحبة ازدادت اللذة، وإنما يكتسب العبد حب الله تعالى في الدنيا وأصل الحب لا ينفك عنه مؤمن لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة، وأما قوة الحب واستيلاؤه حتى ينتهي إلى الاستهتار الذي يسمى عشقاً فذلك ينفك عنه الأكثرون، وإنما يحصل ذلك بسببين:

أحدهما قطع علائق الدنيا وإخراج حب غير الله من القلب، فإن القلب مثل الإناء لا يتسع للخل مثلاً ما لم يخرج منه الماء " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " وكمال الحب في أن يحب الله عز وجل بكل قلبه. وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره. فبقدر ما يشغل بغير الله ينقص منه حب الله، وبقدر ما يبقى من الماء في الإناء ينقص من الخل المصبوب فيه. وإلى هذا التفريد والتجريد الإشارة بقوله تعالى: " قل الله ثم ذرهم في خوضهم"، وبقوله تعالى: " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " بل هو معنى قولك " لا إله إلا الله " أي معبود ولا محبوب سواه، فكل محبوب فإنه معبود، فإن العبد هو المقيد والمعبود هو المقيد به، وكل محب مقيد بما يحبه. ولذلك قال الله تعالى: " أرأيت من اتخذ إلهه هواه " وقال ﭬ: " أبغض إله عبد في الأرض الهوى " ولذلك قال عليه السلام: " من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة"[27] ومعنى الإخلاص أن يخلص قلبه لله فلا يبقى فيه شرك لغير الله، فيكون الله محبوب قلبه ومعبود قلبه ومقصود قلبه فقط، ومن هذا حاله فالدنيا سجنه لأنها مانعة من مشاهدة محبوبه وموته خلاص من السجن وقدوم على المحبوب، فما حال من ليس له إلا محبوب واحد وقد طال إليه شوقه وتمادى عنه حبسه فخلى من السجن ومكن من المحبوب وروح بالأمن أبد الآباد، فأحد أسباب ضعف حب الله في القلوب قوة حب الدنيا ومنه حب الأهل والمال والولد والأقارب والعقار والدواب والبساتين والمنتزهات حتى إن المنفرح بطيب أصوات الطيور وروح نسم الأسحار ملتفت إلى نعيم الدنيا ومتعرض لنقصان حب الله تعالى بسببه، فبقدر ما أنس بالدنيا فينقص أنسه بالله، ولا يؤتى أحد من الدنيا شيئاً بقدره من الآخرة بالضرورة، كما أنه لا يقرب الإنسان من المشرق إلا ويبعد بالضرورة من المغرب بقدره، ولا يطيب قلب امرأته إلا ويضيق به قلبه ضرتها، فالدنيا والآخرة ضرتان وهما كالمشرق والمغرب، وقد انكشف ذلك لذوي القلوب انكشافاً أوضح من الإبصار بالعين، وسبيل قلع حب الدنيا من القلب سلوك طريق الزهد وملازمة الصبر والانقياد إليهما بزمام الخوف والرجاء. فما ذكرناها من المقامات كالتوبة والصبر والزهد والخوف والرجاء هي مقدمات ليكتسب بها أحد ركني المحبة وهو تخلية القلب عن غير الله، وأوله الإيمان بالله واليوم الآخر والجنة والنار، ثم يتشعب منه الخوف والرجاء، ويتشعب منهما التوبة والصبر عليهما. ثم ينجر ذلك إلى الزهد في الدنيا وفي المال والجاه وكل حظوظ الدنيا حتى يحصل من جميعه طهارة القلب عن غير الله فقط، حتى يتسع بعده لنزول معرفة الله وحبه فكل ذلك مقدمات تطهير القلب وهو أحد ركني المحبة. وإليه الإشارة بقوله عليه السلام: " الطهور شطر الإيمان"[28] كما ذكرناه في أول كتاب الطهارة.

السبب الثاني: لقوة المحبة، قوة معرفة الله تعالى واتساعها واستيلاؤها على القلب، وذلك بعد تطهير القلب من جميع شواغل الدنيا وعلائقها يجري مجرى وضع البذر في الأرض بعد تنقيتها من الحشيش وهو الشطر الثاني. ثم يتولد من هذا البذر شجرة المحبة والمعرفة وهي الكلمة الطيبة التي ضرب الله بها مثلاً حيث قال: " ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء " وإليها الإشارة بقوله تعالى " إليه يصعد الكلم الطيب "، أي المعرفة " والعمل الصالح يرفعه " فالعمل الصالح كالجمال لهذه المعرفة وكالخادم وإنما العمل الصالح كله في تطهير القلب أولاً من الدنيا ثم إدامة طهارته، فلا يراد العمل إلا لهذه المعرفة، وأما العلم بكيفية العمل فيراد للعمل، فالعلم هو الأول وهو الآخر، وإنما الأول علم المعاملة وغرضه العمل، وغرض المعاملة صفاء القلب وطهارته ليتضح فيه جلية الحق ويتزين بعلم المعرفة وهو علم المكاشفة ومهما حصلت هذه المعرفة تبعتها المحبة بالضرورة، كما أن من كان معتدل المزاج إذا أبصر الجميل وأدركه بالعين الظاهرة أحبه ومال إليه، ومهما أحبه حصلت اللذة، فاللذة تبع المحبة بالضرورة، والمحبة تبع المعرفة بالضرورة، ولا يوصل إلى هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب إلا بالفكر الصافي والذكر الدائم والجد البالغ في الطلب والنظر المستمر في الله تعالى وفي صفاته وفي ملكوت سمواته وسائر مخلوقاته.

والواصلون إلى هذه الرتبة ينقسمون إلى الأقوياء ويكون أول معرفتهم بالله تعالى، ثم به يعرفون غيره. وإلى الضعفاء ويكون أول معرفتهم بالأفعال ثم يترقون منها إلى الفاعل. وإلى الأول الإشارة بقوله تعالى: " أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد " وبقوله تعالى: " شهد الله أنه لا إله إلا هو " ومنه نظر بعضهم حيث قيل له: بم عرفت ربك؟ قال: عرفت ربي ولولا ربي لما عرفت ربي، وإلى الثاني بقوله تعالى: " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق " الآية. وبقوله عز وجل: " أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض " وبقوله تعالى: " قل انظروا ماذا في السموات والأرض " وبقوله تعالى: " الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير " وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين وهو الأوسع على السالكين، وإليه أكثر دعوة القرآن عند الأمر بالتدبر والتفكر والاعتبار والنظر في آيات خارجة عن الحصر.

فإن قلت: كلا الطريقين مشكل فأوضح لنا منهما ما يستعان به على تحصيل المعرفة والتوصل به إلى المحبة فاعلم أن الطريق الأعلى هو الاستشهاد بالحق سبحانه على سائر الخلق فهو غامض، والكلام فيه خارج عن حد فهم أكثر الخلق فلا فائدة في إيراده في الكتب، وأما الطريق الأسهل الأدنى فأكثره غير خارج عن حد الأفهام؛ وإنما قصرت الأفهام عنه لإعراضها عن التدبر واشتغالها بشهوات الدنيا وحظوظ النفس، والمانع من ذكر هذا اتساعه وكثرته وانشعاب أبوابه الخارجة عن الحصر والنهاية، إذ ما من ذرة من أعلى السموات إلى تخوم الأرضين إلا وفيها عجائب آيات تدل على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته ومنتهى جلاله وعظمته، وذلك مما لا يتناهى " قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي " فالخوض فيه انغماس في بحار علوم المكاشفة ولا يمكن أن يتطفل به على علوم المعاملة، ولكن يمكن الرمز إلى مثال واحد على الإيجاز ليقع التنبيه لجنسه، فنقول:

أسهل الطريقين النظر إلى الأفعال فلنتكلم فيها ولنترك الأعلى، ثم الأفعال الإلهية كثيرة فنطلب أقلها وأحقرها وأصغرها ولننظر في عجائبها، فأقل المخلوقات هو الأرض وما عليها - أعني بالإضافة إلى الملائكة وملكوت السموات - فإنك إن نظرت فيها من حيث الجسم والعظم في الشخص فالشمس على ما ترى من صغر حجمها هي مثل الأرض مائة ونيفاً وستين مرة، فانظر إلى صغر الأرض بالإضافة إليها، ثم انظر إلى صغر الشمس بالإضافة إلى فلكها الذي هي مركوزة فيه، فإنه لا نسبة لها إليه وهي في السماء الرابعة، وهي صغيرة بالإضافة إلى ما فوقها من السموات السبع، ثم السموات في الكرسي كخلقة في فلاة، والكرسي في العرش كذلك، فهذا نظر إلى ظاهر الأشخاص من حيث المقادير، وما أحقر الأرض كلها بالإضافة إليها! بل ما أصغر الأرض بالإضافة إلى البحار! فقد قال رسول الله ﭬ: "الأرض في البحر كالاصطبل في الأرض"[29] ومصداق هذا عرف بالمشاهدة والتجبرة، وعلم أن المكشوف من الأرض عن الماء كجزيرة صغيرة بالإضافة إلى كل الأرض، ثم انظر إلى الآدمي المخلوق من التراب - الذي هو جزء من الأرض - وإلى سائر الحيوانات وإلى صغره بالإضافة إلى الأرض، ودع عنك جميع ذلك، فأصغر ما نعرفه من الحيوانات البعوض والنحل وما يجري مجراه، فانظر في البعوض على قدر صغره وتأمله بعقل حاضر وفكر صاف، فانظر كيف خلقه الله تعالى على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات! إذ خلق له خرطوماً مثل خرطومه، وخلق له شكله الصغير سائر الأعضاء كما خلقه للفيل بزيادة جناحين، وانظر كيف قسم أعضاءه الظاهرة فأنبت جناحه، وأخرج يده ورجله، وشق سمعه وبصره؟ ودبر في باطنه من أعضاء الغذاء وآلاته ما دبره في سائر الحيوانات، وركب فيها من القوى الغاذية والجاذبة والدافعة والماسكة والهاضمة ما ركب في سائر الحيوانات، هذا في شكله وصفاته، ثم انظر إلى هدايته كيف هداه الله تعالى إلى غذائه وعرفه أن غذاءه دم الإنسان ثم انظر كيف أنبت له آلة الطيران إلى الإنسان! وكيف خلق له الخرطوم الطويل وهو محدد الرأس! وكيف هداه إلى مسام بشرة الإنسان حتى يضع خرطومه في واحد منها! ثم كيف قواه حتى يغرز فيه الخرطوم! وكيف علمه المص والتجرع للدم! وكيف خلق الخرطوم مع دقته مجوفاً حتى يجري فيه الدم الرقيق وينتهي إلى باطنه وينتشر في سائر أجزائه ويغذيه! ثم كيف عرفه أن الإنسان يقصده بيده فعلمه حيلة الهرب واستعداد آلته! وخلق له السمع الذي يسمع به خفيف حركة اليد وهي بعد بعيدة منه فيترك المص ويهرب! ثم إذا سكنت اليد يعود! ثم انظر كيف خلق له حدقتين حتى يبصر موضع غذائه فيقصده مع صغر حجم وجهه. وانظر إلى أن حدقة كل حيوان صغير لما لم تحمل حدقته الأجفان لصغره وكانت الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى والغبار - خلق للبعوض والذباب فتنظر إلى الذباب فتراه على الدوام يمسح حدقتيه بيديه.

وأما الإنسان والحيوان الكبير فخلق لحدقتيه الأجفان حتى ينطبق أحدهما على الآخر، وأطرافهما حادة فيجمع الغبار الذي يلحق الحدقة ويرميه إلى أطراف الأهداب، وخلق الأهداب السود لتجمع ضوء العين وتعين على الإبصار وتحسن صورة العين وتشبكها عند هيجان الغبار فينظر من وراء شباك الأهداب، واشتباكها يمنع دخول الغبار ولا يمنع الإبصار. وأما البعوض فخلق لها حدقتين مصقلتين من غير أجفان وعلمها كيفية التصقيل باليدين، ولأجل ضعف أبصارها تراها تتهافت على السراج لأن بصره ضعيف فهي تطلب ضوء النهار، فإذا رأى المسكين ضوء السراج بالليل ظن أنه في بيت مظلم وأن السراج كوة من البيت المظلم إلى الموضع المضيء، فلا يزال يطلب الضوء ويرمي بنفسه إليه فإذا جاوزه ورأى الظلام ظن أنه لم يصب الكوة ولم يقصدها على السداد فيعود إليه مرة أخرى إلى أن يحترق ولعلك تظن أن هذا لنقصانها وجهلها، فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها، بل صورة الآدمي في الإكباب على الشهوات الدنيا صورة الفراش في التهافت على النار، إذ تلوح للآدمي أنوار الشهوات من حيث ظاهر صورتها ولا يدري أن تحتها السم الناقع القاتل، فلا يزال يرمي نفسه عليها إلى أن ينغمس فيها ويتقيد بها ويهلك هلاكاً مؤبداً، فليت كان جهل الآدمي كجهل الفراش! فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في الحال والآدمي يبقى في النار أبد الآباد أو مدة مديدة، ولذلك كان ينادي رسول الله ﭬ ويقول: " إني ممسك بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون فيها تهافت الفراش"[30] فهذه لمعة عجيبة من عجائب صنع الله تعالى في أصغر الحيوانات، وفيها من العجائب ما لو اجتمع الأولون والآخرون على الإحاطة بكنهه عجزوا عن حقيقته ولم يطلعوا على أمور جلية من ظاهر صورته، فأما خفايا معاني ذلك فلا يطلع عليها إلا الله تعالى.
ثم في كل حيوان ونبات أعجوبة وأعاجيب تخصه لا يشاركه فيها غيره، فانظر إلى النحل وعجائبها وكيف أوحى الله تعالى إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل وجعل أحدهما ضياءً وجعل الآخر شفاءً، ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها عن النجاحات والأقذار، وطاعتها لواحد من جملتها هو أكبرها شخصاً وهو أميرها، ثم ما سخر الله تعالى له أميرها من العدل والإنصاف بينها - حتى إنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة - لقضيت منها عجباً آخر العجب إن كنت بصيراً في نفسك وفارغاً من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك، ثم دع عنك جميع ذلك وانظر إلى بنائها بيوتها من الشمع، واختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس، فلا تبني بيتاً مستديراً ولا مربعاً ولا مخمساً بل مسدساً، لخاصية في الشكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن دركها، وهو أن أوسع الأشكال وأحواها: المستديرة وما يقرب منها، فإن المربع يخرج منه زوايا ضائعة وشكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى فارغة، ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة فإن الأشكال المستديرة إذا جمعت لم تجتمع متراصة، ولا شكل في الأشكال ذات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس، وهذه خاصية هذه الشكل، فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ولطافة قده لطفاً به وعناية بوجوده وما هو محتاج إليه ليتهنأ بعيشه، فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه!.


فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات ودع عنك عجائب ملكوت الأرض والسموات، فإن القدر الذي بلغه فهمنا القاصر منه تنقضي الأعمار دون إيضاحه، ولا نسبة لما أحاط به علمنا إلى ما أحاط به العلماء والأنبياء، ولا نسبة لما أحاط به علم الخلائق كلهم إلى ما استأثر الله تعالى بعلمه، بل كل ما عرفه الخلق لا يستحق أن يسمى علماً في جنب علم الله تعالى، فبالنظر في هذا وأمثاله تزداد المعرفة الحاصلة بأسهل الطريقين، وبزيادة المعرفة تزداد المحبة، فإن كنت طالباً سعادة لقاء الله تعالى فانبذ الدنيا وراء ظهرك، واستغرق العمر في الذكر الدائم والفكر اللازم فعساك تحظى منها بقدر يسير، ولكن تنال بذلك اليسير ملكاً عظيماً لا آخر له.

بيان السبب في تفاوت الناس في الحب اعلم أن المؤمنين مشتركون في أصل الحب لاشتراكهم في أصل المحبة، ولكنهم متفاوتون لتفاوتهم في المعرفة وفي حب الدنيا، إذ الأشياء إنما تتفاوت بتفاوت أسبابه، وأكثر الناس ليس لهم من الله تعالى إلا الصفات والأسماء التي قرعت سمعهم فتلقنوها وحفظوها، وربما تخيلوا لها معاني يتعالى عنها رب الأرباب، وربما لم يطلعوا على حقيقتها ولا تخيلوا لها معنى فاسداً بل آمنوا بها إيمان تسليم وتصديق واشتغلوا بالعمل وتركوا البحث، وهؤلاء هم أهل السلامة من أصحاب اليمين، والمتخيلون هم الضالون، والعارفون بالحقائق هم المقربون. وقد ذكر الله حال الأصناف الثلاثة في قوله تعالى: " فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم"الآية. فإن كنت لا تفهم الأمور إلا بالأمثلة فلنضرب لتفاوت الحب مثالاً فنقول: أصحاب الشافعي مثلاً يشتركون في حب الشافعي - رحمه الله - الفقهاء منهم والعوام، لأنهم مشتركون في معرفة فضله ودينه وحسن سيرته ومحامد خصاله، ولكن العامي يعرف علمه مجملاً والفقيه يعرفه مفصلاً، فتكون معرفة الفقيه به أتم وإعجابه به وحبه له أشد، فإن من رأى تصنيف مصنف فاستحسنه وعرف به فضله أحبه لا محالة ومال إليه قلبه، فإن رأى تصنيفاً آخراً أحسن منه وأعجب تضاعف لا محالة حبه لأنه تضاعفت معرفته بعلمه، وكذلك يعتقد الرجل في الشاعر أنه حسن الشعر فيحبه، فإذا سمع من غرائب شعره ما عظم فيه حذقه وصنعته ازداد به معرفة وازداد له حباً. وكذا سائر الصناعات والفضائل. والعامي قد يسمع أن فلاناً مصنف وأنه حسن التصنيف ولكن لا يدرى ما في التصنيف فيكون له معرفة مجملة ويكون له بحسبه ميل مجمل، والبصير إذا فتش عن التصانيف على ما فيها من العجائب تضاعف حبه لا محالة، لأن عجائب الصنعة والشعر والتصنيف تدل على كمال صفات الفاعل والمصنف والعالم بجملته صنع الله تعالى وتصنيفه، والعامي يعلم ذلك ويعتقده: وأما البصير فإنه يطالع تفصيل صنع الله تعالى فيه، حتى يرى في البعوض - مثلاً - من عجائب صنعه ما ينبهر به عقله ويتحير فيه لبه ويزداد بسببه لا محالة عظمة الله وجلاله وكمال صفاته في قلبه فيزداد له حباً، وكلما ازداد على أعاجيب صنع الله إطلاعاً استدل على عظمة الله الصانع وجلاله، وازداد به معرفة وله حباً. وبحر هذه المعرفة - أعني معرفة العجائب صنع الله تعالى - بحر لا ساحل له، فلا جرم تفاوت أهل المعرفة في الحب لا حصر له، ومما يتفاوت بسببه الحب اختلاف الأسباب الخمسة التي ذكرناها للحب، فإنه من يحب الله مثلاً لكونه محسناً إليه منعماً عليه ولم يحبه لذاته ضعفت محبته، إذ تتغير بتغير الإحسان فلا يكون حبه في حالة البلاء كحبه في حالة الرضا والنعماء. وأما من يحبه لذاته ولأنه مستحق للحب بسبب كماله وجماله ومجده وعظمته فإنه لا يتفاوت حبه بتفاوت الإحسان إليه. فهذا وأمثاله وهو سبب تفاوت الناس في المحبة. والتفاوت في المحبة هو السبب للتفاوت في سعادة الآخرة. ولذلك قال تعالى " وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ".

بيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله سبحانه  

اعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى، وكان هذا يقتضي أن تكون معرفته أول المعارف وأسبقها إلى الأفهام وأسهلها على العقول، وترى الأمر بالضد من ذلك، فلا بد من بيان السبب فيه. وإنما قلنا إنه أظهر الموجودات وأجلاها لمعنى لا تفهمه إلا بمثال: وهو أنا إذا رأينا إنساناً يكتب أو يخيط مثلاً كان كونه حياً عندنا من أظهر الموجودات، فحياته وعلمه وقدرته وإرادته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة، إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه وكل ذلك لا نعرفه، وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته. أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيواناً فإنه جلي عندنا من غير أن يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته، فإن هذه الصفات لا نحس بشيء من الحواس الخمس، ثم لا يمكن أن نعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته، فلو نظرنا إلى كل ما في العالم سواه لم نعرف به صفته، فما عليه إلا دليل واحد وهو مع ذلك جلي واضح، ووجود الله تعالى وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة من حجر ومدر ونبات وشجر وحيوان وسماء وأرض وكوكب وبحر ونار وهواء وجوهر وعرض، بل أول شاهد عليه أنفسنا وأجسامنا وأوصافنا وتقلب أحوالنا وتغير قلوبنا وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا، وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا ثم محسوساتنا بالحواس الخمس ثم مدركاتنا بالعقل والبصيرة - وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد وشاهد واحد ودليل واحد، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبرها ومصرفها ومحركها، ودالة علمه وقدرته ولطفه وحكمته، والموجودات المدركة لا حصر لها، فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا وليس لها يشهد إلا شاهد واحد وهو ما أحسسنا به من حركة يده؛ فكيف لا يظهر ما لا يتصور في الوجود شيء داخل نفوسنا وخارجها وهو شاهد عليه وعلى عظمته وجلاله؟ إذ كل ذرة فإنها تنادي بلسان حالها أنه ليس وجودها بنفسها ولا حركتها بذاتها وأنها تحتاج إلى موجد ومحرك لها، يشهد بذلك أولاً تركيب أعضائنا وائتلاف عظامنا ولحومنا وأعصابنا ومنابت شعورنا وتشكل أطرافنا وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة، فإنه نعلم أنها لم تأتلف بأنفسها كما نعلم أن يد الكاتب لم تتحرك بنفسها، ولكن لما لم يبق في الوجود شيء مدرك ومحسوس ومعقول وحاضر وغائب إلا وهو شاهد ومعرف عظم ظهوره فانبهرت العقول ودهشت عن إدراكه.
فإن ما تقصر عن فهمه عقولنا فله سببان: أحدهما خفاؤه نفسه وغموضه وذلك لا يخفى مثاله، والآخر ما يتناهى وضوحه، وهذا كما أن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، لا لخفاء النهار واستتاره ولكن لشدة ظهوره فإن بصر الخفاش ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرقت، فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سبباً لامتناع إبصاره فلا نرى شيئاً إلا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره.


فكذلك عقولنا ضعيفة وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة وفي غاية الاستغراق والشمول، حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السموات والأرض فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب بإشراق نوره واختفى عن البصائر بظهوره، ولا يتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور، فإن الأشياء تستبان بأضدادها وما عم وجوده حتى أنه لا ضد له عسر إدراكه، فلو اختلفت الأشياء فدل بعضها دون بعض أدركت التفرقة على قرب، ولما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر، ومثاله: نور الشمس المشرق على الأرض، فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض يحدث في الأرض ويزول عند غيبة الشمس، فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها لكنا نظن أنه لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها وهي السواد والبياض وغيرهما، فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد وفي الأبيض إلا البياض، فأما الضوء فلا ندركه وحده، ولكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالين، فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء واتصفت بصفة فارقتها عند الغروب، فعرفنا وجود النور بعدمه، وما كنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد، وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور، هذا مع أن النور أظهر المحسوسات إذ به تدرك سائر المحسوسات، فما هو ظاهر في نفسه وهو مظهر لغيره، انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضده؟ فالله تعالى هو أظهر الأمور وبه ظهرت الأشياء كلها، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدت السموات والأرض وبطل الملك والملكوت، ولأدرك بذلك التفرقة بين الحالين، ولو كان بعض الأشياء موجوداً به وبعضها موجوداً بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين الدلالة، ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد، ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه، فلا جرم أورثت شدة الظهور خفاء، فهذا هو السبب في قصور الأفهام.

وأما من قويت بصيرته ولم تضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا الله تعالى ولا يعرف غيره، يعلم أنه ليس في الوجود إلا الله. وأفعاله أثر من الآثار قدرته فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة ودونه، وإنما الوجود للواحد الذي به وجود الأفعال كلها. ومن هذه حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ويذهل عن الفعل من حيث إنه سماء وأرض وحيوان وشجر، بل ينظر فيه من حيث أنه صنع الواحد الحق فلا يكون نظره مجاوزاً له إلى غيره، كمن نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه ورأى فيها الشاعر والمصنف ورأى آثاره من حيث أثره لا من حيث إنه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض، فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف، وكل العالم تصنيف الله تعالى، فمن نظر إليه من حيث إنه فعل الله وعرفه من حيث إنه فعل الله وأحبه من حيث إنه فعل الله لم يكن ناظراً إلا في الله ولا عارفاً إلا بالله ولا محباً إلا له، وكان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا الله، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث إنه عبد الله، فهذا الذي يقال فيه إنه فني في التوحيد وإنه فني عن نفسه. وإليه الإشارة بقول من قال: كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن. فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر، أشكلت لضعف الأفهام عن دركها وقصور قدرة العلماء بها عن إيضاحها وبيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام، أو باشتغالهم بأنفسهم واعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم مما لا يعنيهم، فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى، وانضم إليه أن المدركات كلها التي هي شاهدة على الله إنما يدركها الإنسان في الصبا عند فقد العقل، ثم تبدو فيه غريزة العقل قليلاً قليلاً وهو مستغرق الهم بشهواته وقد أنس بمدركاته ومحسوساته وألفها فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس، ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيواناً غريباً أو نباتاً غريباً أو فعلاً من أفعال الله تعالى خارقاً للعادة عجيباً انطلق لسانه بالمعرفة طبعاً فقال: "سبحان الله " وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاؤه وسائر الحيوانات المألوفة وكلها شواهد قاطعة لا يحس بشهادتها لطول الأنس بها، ولو فرض أكمه بلغ عاقلاً ثم انقشعت غشاوة عينه فامتد بصره إلى السماء والأرض والأشجار والنبات والحيوان دفعة واحدة على سبيل الفجأة لخيف على عقله أن ينبهر لعظم تعجبه من شهادة العجائب لخالقها.

فهذا وأمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات هو الذي سد على الخلق سبيل الاستضاءة بأنوار المعرفة والسباحة في بحارها الواسعة، فالناس في طلبهم معرفة الله كالمدهوش الذي يضرب به المثل إذا كان راكباً لحماره وهو يطلب حماره، والجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة. فهذا سر هذا الأمر فليحقق. ولذلك قيل:


فقد ظهرت فما تخفى علـى أحـد

 

إلا على أكمه لا يعرف القـمـرا

لكن بطنت بما أظهرت محتجـبـاً

 

فكيف يعرف من بالعرف قد سترا
 
بيان معنى الشوق إلى الله تعالى اعلم أن من أنكر حقيقة المحبة لله تعالى فلا بد وأن ينكر حقيقة الشوق، إذ لا يتصور الشوق إلا إلى محبوب ونحن نثبت وجود الشوق إلى الله تعالى، وكون العارف مضطراً إليه بطريق الاعتبار والنظر بأنوار البصائر وبطريق الأخبار والآثار أما الاعتبار فيكفي في إثباته ما سبق في إثبات الحب، فكل محبوب يشتاق إليه في غيبته لا محالة، فأما الحاصل فلا يشتاق إليه، فإن الشوق طلب وتشوف إلى أمر والموجود لا يطلب. ولكن بيانه أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ولم يدرك من وجه، فأما ما لا يدرك أصلاً فلا يشتاق إليه، فإن من لم ير شخصاً ولم يسمع وصفه ولا يتصور أن يشتاق إليه، وما أدرك بكماله لا يشتاق إليه، وكمال الإدراك بالرؤية فمن كان في مشاهدة محبوبه مداوماً للنظر إليه لا يتصور أن يكون له شوق، ولكن الشوق إنما يتعلق بما أدرك من وجه ولم يدرك من وجه، وهو من وجهين لا ينكشف إلا بمثال من المشاهدات.

فنقول مثلاً: من غاب عنه معشوقه وبقي في قلبه خياله فيشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية، فلو انمحى عن قلبه ذكره وخياله ومعرفته حتى نسيه لم يتصور أن يشتاق إليه، ولو رآه لم يتصور أن يشتاق في وقت الرؤية، فمعنى شوقه تشوق نفسه إلى استكمال خياله، فكذلك قد يراه في ظلمة بحيث لا ينكشف له حقيقة صورته فيشتاق إلى استكمال رؤيته، وتمام الانكشاف في صورته بإشراق الضوء عليه.

والثاني أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره مثلاً ولا سائر محاسنه فيشتاق لرؤيته، وإن لم يرها قط ولم يثبت في نفسه خيال صادر عن الرؤية ولكنه يعلم أن له عضواً وأعضاء جميلة ولم يدرك تفصيل جمالها بالرؤية فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط.

والوجهان جميعاً متصوران في حق الله تعالى، بل هما لازمان بالضرورة لكل العارفين، فإن ما اتضح للعارفين من الأمور الإلهية - وإن كان في غاية الوضوح - فكأنه من وراء ستر رقيق فلا يكون متضحاً غاية الاتضاح، بل يكون مشوباً بشوائب التخيلات، فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن التمثيل والمحاكاة لجميع المعلومات، وهي مكدرات للمعارف ومنغصات، وكذلك ينضاف إليها شواغل الدنيا، فإنما كمال الوضوح بالمشاهدة وتمام إشراق التجلي ولا يكون ذلك إلا في الآخرة، وذلك بالضرورة يوجب الشوق فإنه منتهى محبوب العارفين. فهذا أحد نوعي الشوق وهو استكمال الوضوح فيما اتضح اتضاحاً ما.
الثاني أن الأمور الإلهية لا نهاية لها وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها وتبقى أمور لا نهاية لها غامضة؟ والعارف يعلم وجودها وكونها معلومة لله تعالى. ويعلم أن ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر مما حضر، فلا يزال متشوقاً إلى أن يحصل له أصل المعرفة فيما لم يحصل مما بقي من المعلومات التي لم يعرفها أصلاً، لا معرفة واضحة ولا معرفة غامضة.


والشوق الأول ينتهي في الدار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية ولقاء ومشاهدة، ولا يتصور أن يسكن في الدنيا. وقد كان إبراهيم بن أدهم من المشتاقين فقال: قلت ذات يوم؛ يا رب إن أعطيت أحداً من المحبين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني ذلك فقد أضر بي القلق، قال: فرأيت في النوم أنه أوقفني بين يديه وقال: يا إبراهيم أما استحييت مني أن تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه، فقلت: يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني ما أقول، فقال: قل اللهم رضني بقضائك وصبرني على بلائك وأوزعني شكر نعمائك. فإن هذا الشوق يسكن في الآخرة.

وأما الشوق الثاني فيشبه: أن لا يكون له نهاية لا في الدنيا ولا في الآخرة، إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة من جلال الله تعالى وصفاته وحكمته وأفعاله ما هو معلوم لله تعالى وهو محال لأن ذلك لا نهاية له.
ولا يزال العبد عالماً بأنه بقي من الجمال والجلال ما لم يتضح له فلا يسكن قط شوقه، لا سيما من يرى فوق درجته درجات كثيرة، إلا أنه تشوق إلى استكمال الوصال مع حصول أصل الوصال، فهو يجد لذلك شوقاً لذيذاً لا يظهر فيه ألم ولا يبعد أن تكون ألطاف الكشف والنظر متوالية إلى غير نهاية، فلا يزال النعيم واللذة متزايداً أبد الآباد، وتكون لذة ما يتجدد من لطائف النعيم شاغلة عن الإحساس بالشوق إلى ما لم يحصل، وهذا بشرط أن يمكن حصول الكشف فيما لم يحصل فيه كشف في الدنيا أصلاً، فإن كان ذلك غير مبذول فيكون النعيم واقفاً على حد لا يتضاعف ولكن يكون مستمراً على الدوام، وقوله سبحانه وتعالى: "نورهم يسعى بين أيديهم وبإيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا " محتمل لهذا المعنى، وهو أن ينعم عليه بإتمام النور مهما تزود من الدنيا أصل النور، ويحتمل أن يكون المراد به إتمام النور في غير ما استنار في الدنيا استنارة محتاجة إلى مزيد الاستكمال والإشراق، فيكون هو المراد بتمامه. وقوله تعالى: " انظرونا نقتبس من نوركم - قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً" يدل على أن الأنوار لا بد وأن يتزود أصلها في الدنيا ثم يزداد في الآخرة إشراقاً. فأما أن يتجدد نور فلا، والحكم في هذا برجم الظنون مخطر، ولم ينكشف لنا فيه بعد ما يوثق به، فنسأل الله تعالى أن يزيدنا علماً ورشداً ويرينا الحق حقاً. فهذا القدر من أنوار البصائر كاشف لحقائق الشوق ومعانيه.


وأما شواهد الأخبار والآثار فأكثر من أن تحصى، فمما اشتهر من دعاء رسول الله ﭬ أنه كان يقول: " اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك".[31]
وقال أبو الدرداء لكعب: أخبرني عن أخص آية - يعني في التوراة - فقال: يقول الله تعالى: طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى لقائهم لأشد شوقاً. قال: ومكتوب إلى جانبها: من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني. فقال أبو الدرداء: أشهد إني لسمعت رسول الله ﭬ يقول هذا.

وفي أخبار داود عليه السلام: إن الله تعالى قال: يا داود أبلغ أهل أرضي أني حبيب لمن أحبني وجليس لمن جالسني ومؤنس لمن أنس بذكري وصاحب لمن صاحبني ومختار لمن اختارني ومطيع لمن أطاعني، ما أحبني عبد أعلم ذلك يقيناً من قلبه إلا قبلته لنفسي وأحببته حباً لا يتقدمه أحد من خلقي، من طلبني بالحق وجدني ومن طلب غيري لم يجدني؛ فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها ومصاحبتي ومجالستي، وائنسوا بي أؤانسكم وأسارع إلى محبتكم، فإني خلقت طينة أحبائي من طينة إبراهيم خليلي وموسى نجيي ومحمد صفيي، وخلقت قلوب المشتاقين من نوري ونعمتها بجلالي.

وروي عن بعض السلف: أن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين: إن لي عباداً من عبادي يحبوني وأحبهم ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ويذكروني وأذكرهم وينظرون إلي وأنظر إليهم، فإن حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك، قال: يا رب وما علامتهم؟ قال: يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي الشفيق غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما يحن الطائر إلى وكره عند الغروب، فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وفرشت الفرش ونصبت الأسرة وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إلى أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوا إلي بإنعامي فبين صارخ وباك وبين متأوه وشاك وبين قائم وقاعد وبين راكع وساجد، بعيني ما يتحملون من أجلي، وبسمعي ما يشتكون من حبي، أول ما أعطيهم ثلاث: أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم. والثانية: لو كانت السموات والأرض وما فيها في موازينهم لاستقللتها لهم. والثالثة: أقبل بوجهي عليهم؛ فترى من أقبلت عليه يعلم أحد ما أريد أن أعطيه؟.

وفي أخبار داود عليه السلام: إن الله تعالى أوحى إليه: يا داود إلى كم تذكر الجنة ولا تسألني الشوق إلي، قال: يا رب من المشتاقون إليك؟ قال: إن المشتاقين إلى الذين صفيتهم من كل كدر ونبهتهم بالحذر وخرقت من قلوبهم إلي خرقاً ينظرون إلي، وإني لأحمل قلوبهم فأضعها على سمائي، ثم أدعو نجباء ملائكتي فإذا اجتمعوا سجدوا لي، فأقول: إني لم أدعكم لتسجدوا لي ولكني دعوتكم لأعرض عليكم قلوب المشتاقين إلي وأباهي بكم أهل الشوق إلي فإن قلوبهم لتضيء في سمائي لملائكتي كما تضيء الشمس لأهل الأرض، يا داود إني خلقت قلوب المشتاقين من رضواني ونعمتها بنور وجهي فاتخذتهم لنفسي محدثي، وجعلت أبدانهم موضع نظري إلى الأرض وقطعت من قلوبهم طريقاً ينظرون به إلي يزدادون في كل يوم شوقاً، قال داود: يا رب أرني أهل محبتك، فقال: يا داود ائت جبل لبنان فإن فيه أربعة عشر نفساً فيهم شبان وفيهم شيوخ وفيهم كهول، فإذا أتيتهم فأقرئهم مني السلام وقل لهم: إن ربكم يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة فإنكم أحبائي وأصفيائي وأوليائي أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم. فأتاهم داود عليه السلام فوجدهم عن عين من العيون يتفكرون في عظمة الله عز وجل، فلما نظروا إلى داود عليه السلام نهضوا ليتفرقوا عنه، فقال داود: إني رسول الله إليكم جئتكم لأبلغكم رسالة ربكم، فأقبلوا نحوه وألقوا أسماعهم نحو قوله وألقوا أبصارهم إلى الأرض، فقال داود: إني رسول الله إليكم يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة؟ ألا تنادوني أسمع صوتكم وكلامكم فإنكم أحبائي وأصفيائي وأوليائي أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم وأنظر إليكم في كل ساعة نظر الوالدة الشفيقة الرفيقة؟ قال: فجرت الدموع على خدودهم، فقال شيخهم: سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك فاغفر لنا ما قطع قلوبنا عن ذكرك فيما مضى من أعمارنا. وقال الآخر: سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك فامنن علينا بحسن النظر فيما بيننا وبينك. وقال الآخر: سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك أفنجترئ على الدعاء وقد علمت أنه لا حاجة لنا في شيء من أمورنا فأدم لنا لزوم الطريق إليك وأتمم بذلك المنة علينا. وقال الآخر: نحن مقصرون في طلب رضاك فأعنا علينا بجودك. وقال الآخر: من نطفة خلقتنا ومننت علينا بالتفكر في عظمتك أفيجترئ على الكلام من هو مشغل بعظمتك متفكر في جلالك؟ وطلبتنا الدنو من نورك. وقال الآخر: كلت ألسنتنا عن دعائك؛ لعظم شأنك، وقربك من أوليائك، وكثرة منتك على أهل محبتك. وقال الآخر: أنت هديت قلوبنا لذكرك؛ وفرغتنا للاشتغال بك، فاغفر لنا تقصيرنا في شكرك. وقال الآخر: قد عرفت حاجتنا إنما هي النظر إلى وجهك. وقال الآخر: كيف يجترئ العبد على سيده؟ إذ أمرتنا بالدعاء بجودك - فهب لنا نوراً نهتدي به في الظلمات من أطباق السموات؟ وقال آخر: ندعوك أن تقبل علينا وتديمه عندنا. وقال الآخر: نسألك تمام نعمتك فيما وهبت لنا وتفضلت به علينا. وقال الآخر: لا حاجة لنا في شيء من خلقك فامنن علينا بالنظر إلى جمال وجهك. وقال الآخر: أسألك من بينهم أن تعمي عيني عن النظر إلى الدنيا وأهلها وقلبي عن الاشتغال بالآخرة. وقال الآخر: قد عرفت تباركت وتعاليت أنك تحب أولياءك فامنن علينا باشتغال القلب بك عن كل شيء دونك. فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: قل لهم قد سمعت كلامكم وأجبتكم إلى ما أحببتم فليفارق كل واحد منكم صاحبه وليتخذ لنفسه سرباً فإني كاشف الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا إلى نوري وجلالي. فقال داود: يا رب بم نالوا هذا منك؟ قال: بحسن الظن والكف عن الدنيا وأهلها والخلوات بي ومناجاتهم لي وإن هذا منزل لا يناله إلا من رفض الدنيا وأهلها ولم يشتغل بشيء من ذكرها وفرغ قلبه لي واختارني على جميع خلقي، فعند ذلك أعطف عليه وأفرغ نفسه وأكشف الحجاب فيما بيني وبينه حتى ينظر إلي نظر الناظر بعينه إلى الشيء وأريه كرامتي في كل ساعة وأقربه من نور وجهي، إن مرض مرضته كما تمرض الوالدة الشفيقة ولدها، وإن عطش أرويته وأذيقه طعم ذكري، فإذا فعلت ذلك به يا داود عميت نفسه عن الدنيا وأهلها ولم أحببها إليه لا يفتر عن الاشتغال بي، يستعجلني القدوم وأنا أكره أن أميته لأنه موضع نظري من بين خلقي لا يرى غيري ولا أرى غيره فلو رأيته يا داود وقد ذابت نفسه ونحل جسمه وتهشمت

أعضاؤه وانخلع قلبه إذا سمع بذكرى أباهي به ملائكتي وأهل سمواتي يزداد خوفاً وعبادة، وعزتي وجلالي يا داود لأقعدنه في الفردوس ولأشفين صدرهمن النظر إلي حتى يرضى وفوق الرضا.

وفي أخبار داود أيضاً: قل لعبادي المتوجهين إلى محبتي ما ضركم إذا احتجبت عن خلقي ورفعت الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا إلي بعيون قلوبكم، وما ضركم ما زويت عنكم من الدنيا إذا بسطت ديني لكم، وما ضركم مسخطة الخلق إذا التمستم رضائي.

وفي أخبار داود أيضاً: إن الله تعالى أوحى إليه: تزعم أنك تحبني، فإن كنت تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك فإن حبي وحبها لا يجتمعان في قلب، يا داود خالص حبيبي مخالصة وخالط أهل الدنيا مخالطة ودينك فقلدنيه ولا تقلد دينك الرجال، أما ما استبان لك مما وافق محبتي فتمسك به، وأما ما أشكل عليك فقلدنيه حقاً على أني أسارع إلى سياستك وتقويمك وأكن قائدك ودليلك، أعطيك من غير أن تسألني وأعينك على الشدائد وإني قد حلفت على نفسي أني لا أثيب إلا عبداً قد عرفت من طلبته وإرادته إلفاء كنفه بين يدي وأنه لا غنى به عني. فإذا كنت كذلك نزعت الذلة والوحشة عنك وأسكن الغنى قلبك فإني قد حلفت على نفسي أنه لا يطمئن عبد لي إلى نفسه ينظر إلى فعالها إلا وكلته إليها، أضف الأشياء إلي لا تضاد عملك فتكون متعنياً ولا ينتفع بك من يصحبك ولا تجد لمعرفتي حداً فليس لها غاية، ومتى طلبت مني الزيادة أعطك ولا تجد للزيادة مني حداً، ثم اعلم بين إسرائيل أنه ليس بيني وبين أحد من خلقي نسب، فلتعظم رغبتهم وإرادتهم عندي أبح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ضعني بين عينيك وانظر إلي ببصر قلبك ولا تنظر بعينك التي في رأسك إلى الذين حجبت عقولهم فأمرجوها وسخت بانقطاع ثوابي عنها فإني حلفت بعزتي وجلالي لا أفتح ثوابي لعبد دخل في طاعتي للتجربة والتسويف، تواضع لمن تعلمه ولا تطاول على المريدين، فلو علم أهل محبتي منزلة المريدين عندي لكانوا لهم أرضاً يمشون عليها. يا داود لأن تخرج مريداً من سكرة هو فيها تستنقذه فأكتبك عندي جهيداً، ومن كتبته عندي جهيداً لا تكون عليه وحشة ولا فاقة إلى المخلوقين، يا داود تمسك بكلامي وخذ من نفسك لنفسك لا تؤتين منها فأحجب عنك محنتي لا تؤيس عبادي من رحمتي، اقطع شهوتك لي فإنما أبحت الشهوات لضعفة خلقي ما بال الأقوياء أن ينالوا الشهوات فإنها تنقص حلاوة مناجاتي، وإنما عقوبة الأقوياء عندي في موضع التناول أدنى ما يصل إليهم أن أحجب عقولهم عني فإني لم أرض الدنيا لحبيبي ونزهته عنها. يا داود لا تجعل بين وبينك عالماً يحجبك بسكره عن محبتي، أولئك قطاع الطريق على عبادي المريدين، استعن على ترك الشهوات بإدمان الصوم، وإياك والتجربة في الإفطار فإن محبتي للصوم إدمانه. يا داود تحبب إلي بمعاداة نفسك امنعها الشهوات أنظر إليك وترى الحجب بيني وبينك مرفوعة إنما أداريك مداراة لتقوى على ثوابي إذا مننت عليك به وإني أحبسه عنك وأنت متمسك بطاعتي.

أوحى الله تعالى إلى داود: يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقاً إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي. يا داود هذه إرادتي في المدبرين فكيف إرادتي في المقبلين علي، يا داود أحوج ما يكون العبد إلي إذا استغنى عني، وأرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عني، وأجل ما يكون عندي إذا رجع إلي، فهذه الأخبار ونظائرها مما لا يحصى تدل على إثبات المحبة والشوق والأنس، وإنما تحقيق معناها ينكشف بما سبق.

بيان محبة الله للعبد ومعناها اعلم أن شواهد القرآن متظاهرة على أن الله تعالى يحب عبده فلا بد من معرفة معنى ذلك. ولنقدم الشواهد على محبته فقد قال الله تعالى: " يحبهم ويحبونه " وقال تعالى: " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً " وقال تعالى: " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " ولذلك رد سبحانه على من ادعى أنه حبيب الله فقال: " قل فلم يعذبكم بذنوبكم ".

وقد روى أنس عن النبي ﭬ أنه قال: " إذا أحب الله تعالى عبداً لم يضره ذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثم تلا " إن الله يحب التوابين"[32]. ومعناه أنه إذا أحبه تاب عليه قبل الموت فلم تضره الذنوب الماضية وإن كثرت، كما لا يضر الكفر الماضي بعد الإسلام، وقد اشترط الله تعالى للمحبة غفران الذنب فقال: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ".

وقال رسول الله ﭬ: " إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا من يحب".[33]

وقال رسول الله ﭬ: " من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن أكثر ذكر الله أحبه الله".[34]
وقال عليه السلام: " قال الله تعالى لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به"[35] الحديث.

وقال زيد بن أسلم: إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اعمل ما شئت فقد غفرت لك. وما ورد من ألفاظ المحبة خارج عن الحصر.

وقد ذكرنا أن محبة العبد لله تعالى حقيقة وليست بمجاز، إذ المحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق، والعشق عبارة عن الميل الغالب المفرط. وقد بينا أن الإحسان موافق للنفس، والجمال موافق أيضاً، وأن الجمال والإحسان تارة يدرك بالبصر وتارة يدرك بالبصيرة، والحب يتبع كل واحد منهما فلا يختص بالبصر.

فأما حب الله للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلاً، بل الأسامي كلها إذا أطلقت على الله تعالى وعلى غير الله لم تنطلق عليهما بمعنى واحد أصلاً، حتى إن اسم " الوجود " الذي هو أعم الأسماء اشتراكاً لا يشمل الخالق والخلق على وجه واحد، بل كل ما سوى الله تعالى فوجوده مستفاد من وجود الله تعالى، فالوجود التابع لا يكون مساوياً للوجود المتبوع. وإنما الاستواء في إطلاق الاسم نظيره اشتراك الفرس والشجر في اسم الجسم، إذ معنى الجسمية وحقيقتها متشابهة فيهما من غير استحقاق أحدهما، لأن يكون فيه أصلاً، فليست الجسمية لأحدهما مستفادة من الآخر وليس كذلك اسم الوجود لله ولا لخلقه، وهذا التباعد في سائر الأسامي أظهر كالعلم والإرادة والقدرة وغيرها فكل ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق، وواضع اللغة إنما وضع هذه الأسامي أو لا للخلق فإن الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق، فكان استعمالها في حق الخالق بطريق الاستعارة والتجوز والنقل. والمحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى موافق ملائم، وهذا إنما يتصور في نفس ناقصة فإنها ما يوافقها فتستفيد بنيله كمالاً فتلتذ بنيله، وهذا محال على الله تعالى، فإن كل كمال وجمال وبهاء وجلال ممكن في حق الإلهية فهو حاضر وحاصل وواجب الحصول أبداً وأزلاً، ولا يتصور تجدده ولا زواله، فلا يكون له إلى غيره نظر من حيث إنه غيره بل نظره إلى ذاته وأفعاله فقط، وليس في الوجود إلا ذاته وأفعاله، ولذلك قال الشيخ أبو سعيد الميهني رحمه الله تعالى لما قرئ عليه قوله تعالى: " يحبهم ويحبونه " فقال: بحق يحبهم فإنه ليس يحب إلا نفسه، على معنى أنه الكل وأن ليس في الوجود غيره، فمن لا يحب إلا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف نفسه فلا يجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته، فهو إذن لا يحب إلا نفسه، وما ورد من الألفاظ في حبه لعباده فهو مؤول ويرجع معناه إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه وإلى تمكينه إياه من القرب منه وإلى إرادته ذلك به في الأزل، فحبه لمن أحبه أزلي مهما أضيف إلى الإرادة الأزلية التي اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك طرق هذا القرب، وإذا أضيف إلى فعله الذي يكشف الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضي له كما قال تعالى: " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " فيكون تقربه بالنوافل سبباً لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربه، فكل ذلك فعل الله تعالى ولطفه به فهو معنى حبه.

ولا يفهم هذا إلا بمثال وهو أن الملك قد يقرب عبده من نفسه ويأذن له في كل وقت في حضور بساطه لميل الملك إليه، إما لينصره بقوته أو ليستريح بمشاهدته أو ليستشيره في رأيه أو ليهيئ أسباب طعامه وشرابه، فيقال: إن الملك يحبه، ويكون معناه ميله إليه لما فيه من المعنى الموافق الملائم له، وقد يقرب عبداً ولا يمنعه من الدخول عليه لا للانتفاع به ولا للاستنجاد به ولكن لكون العبد في نفسه موصوفاً من الأخلاق المرضية والخصال الحميدة بما يليق به أن يكون قريباً من حضرة الملك وافر الحظ من قربه، مع أن الملك لا غرض له فيه أصلاً، فإذا رفع الملك الحجاب بينه وبينه يقال: قد أحبه، وإذا اكتسب من الخصال الحميدة ما اقتضى رفع الحجاب يقال: قد توصل وحبب نفسه إلى الملك. فحب الله للعبد إنما يكون بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول. وإنما يصح تمثيله بالمعنى الثاني بشرط أن لا يسبق إلى فهمك دخول تغير عليه عند تجدد القرب، فإن الحبيب هو القريب من الله تعالى، والقرب من الله في البعد من صفات البهائم والسباع والشياطين، والتخلق بمكارم الأخلاق التي هي الأخلاق الإلهية، فهو قرب بالصفة لا بالمكان، ومن لم يكن قريباً فصار قريباً فقد تغير، فربما يظن بهذا أن القرب لما تجدد فقد تغير وصف العبد والرب جميعاً إذ صار قريباً بعد أن لم يكن وهو محال في حق الله تعالى، إذ التغير عليه محال، بل لا يزال في نعوت الكمال والجلال على ما كان عليه في أزل الآزال.

ولا ينكشف هذا إلا بمثال في القرب بين الأشخاص، فإن الشخصين قد يتقاربان بتحركهما جميعاً، وقد يكون أحدهما ثابتاً فيتحرك الآخر فيحصل القرب بتغير في أحدهما من غير تغير في الآخر، بل القرب في الصفات أيضاً كذلك، فإن التلميذ يطلب القرب من درجة أستاذه في كمال العلم وجماله والأستاذ واقف في كمال علمه غير متحرك بالنزول إلى درجة تلميذه، والتلميذ متحرك مترق من حضيض الجهل إلى ارتفاع العلم، فلا يزال دائباً في التغير والترقي إلى أن يقرب من أستاذه، والأستاذ ثابت غير متغير، فكذلك ينبغي أن يفهم ترقي العبد في درجات القرب، فكلما صار أكمل صفة وأتم علماً وإحاطة بحقائق الأمور وأثبت قوة في قهر الشيطان وقمع الشهوات وأظهر نزاهة عن الرذائل صار أقرب من درجة الكمال، ومنتهى الكمال لله وقرب كل واحد من الله تعالى بقدر كماله. نعم قد يقدر التلميذ على القرب من الأستاذ وعلى مساواته وعلى مجاوزته وذلك في حق الله محال، فإنه لا نهاية لكماله، وسلوك العبد في درجات الكمال متناه ولا ينتهي إلا إلى حد محدود فلا مطمع له في المساواة، ثم درجات القرب تتفاوت تفاوتاً لا نهاية له أيضاً لأجل انتفاء النهاية عن ذلك الكمال.

فإذن محبة الله للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل والمعاصي عنه وتطهير باطنه عن كدورات الدنيا ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنه يراه بقلبه.

وأما محبة العبد لله فهو ميله إلى درك هذا الكمال الذي هو مفلس عنه فاقد له، فلا جرم يشتاق إلى ما فاته، وإذا أدرك منه شيئاً يلتذ به، والشوق والمحبة بهذا المعنى محال على الله تعالى.

فإن قلت: محبة الله للعبد أمر ملتبس فبم يعرف العبد أنه حبيب الله؟ فأقول: يستدل عليه بعلاماته. وقد قال ﭬ: " إذا أحب الله عبداً ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه" قيل: وما اقتناه؟ قال: " لم يترك له أهلاً ولا مالا"[36] فعلامة محبة الله للعبد أن يوحشه من غيره ويحول بينه وبين غيره.

قيل لعيسى عليه السلام: لم لا تشتري حماراً فتركبه؟ فقال: أنا أعز على الله تعالى من أن يشغلني عن نفسه بحمار.

وفي الخبر: " إذا أحب الله تعالى عبداً ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه".[37]

وقال بعض العلماء: إذا رأيتك تحبه ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك.

وقال بعض المريدين لأستاذه: قد طولعت بشيء من المحبة، فقال: يا بني هل ابتلاك بمحبوب سواء فآثرت عليه إياه؟ قال: لا، قال: فلا تطمع في المحبة فإنه لا يعطيها عبداً حتى يبلوه.

وقد قال رسول الله ﭬ: " إذ أحب الله تعالى عبداً جعل له واعظاً من نفسه وزاجراً من قلبه يأمره وينهاه"،[38] وقد قال: " إذا أراد الله تعالى بعبد خيراً بصره بعيوب نفسه"[39]. فأخص علاماته حبه لله تعالى فإن ذلك يدل على حب الله تعالى له.

وأما الفعل الدال على كونه محبوباً فهو أن يتولى الله تعالى أمره ظاهره وباطنه سره وجهره فيكون هو المشير عليه والمدبر لأمره والمزين لأخلاقه والمستعمل لجوارحه والمسدد لظاهره وباطنه والجاعل همومه هماً واحداً والمبغض للدنيا في قلبه والموحش له من غيره والمؤنس له بلذة المناجاة في خلواته والكاشف له عن الحجب بينه وبين معرفته. فهذا وأمثاله هو علامة حب الله للعبد. فلنذكر الآن علامة محبة العبد لله تعالى فإنها أيضاً من علامات حب الله تعالى للعبد.

القول في علامات محبة العبد لله تعالى اعلم أن المحبة يدعيها كل أحد وما أسهل الدعوى وما أعز المعنى، فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان وخدع النفس مهما ادعيت محبة الله تعالى ما لم يمتحنها بالعلامات ولم يطالبها بالبراهين والأدلة. والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وثمارها تظهر في القلب واللسان والجوارح. وتدل تلك الآثار الفائضة منها على القلب والجوارح على المحبة دلالة الدخان على النار ودلالة الثمار على الأشجار. وهي كثيرة فمنها حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة في دار السلام، فلا يتصور أن يحب القلب محبوباً إلا ويحب مشاهدته ولقاءه، وإذا علم أنه لا وصول إلا بالارتحال من الدنيا ومفارقتها بالموت فينبغي أن يكون محباً للموت غير فار منه، فإن المحب لا يثقل عليه السفر عن وطنه إلى مستقر محبوبه ليتنعم بمشاهدته والموت مفتاح اللقاء وباب الدخول إلى المشاهدة.

قال ﭬ: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه".[40]

وقال حذيفة عند الموت: حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم.

وقال بعض السلف: ما من خصلة أحب إلى الله أن تكون في العبد بعد حب لقاء الله من كثرة السجود فقدم حب لقاء الله على السجود. وقد شرط الله سبحانه لحقيقته الصدق في الحب القتل في سبيل الله، حيث قالوا إنا نحب الله فجعل القتل في سبيل الله وطلب الشهادة علامته فقال تعالى: " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً " وقال عز وجل: " يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ".

وفي وصية أبي بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما: الحق ثقيل وهو مع ثقله مرئ والباطل خفيف وهو مع خفته وبئ، فإن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت وهو مدركك، وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه.

ويروى عن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص قال: حدثني أبي أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا ندعو الله؟ فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال: يا رب إني أقسمت عليك إذا لقيت العدو غداً فلقني رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني ويبقر بطني، فإذا لقيتك غداً قلت: يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك، فأقول: فيك يا رب وفي رسولك، فتقول: صدقت. قال سعد: فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط[41]، قال سعيد بن المسيب: أرجو أن يبر الله آخر قسمه كما أبر أوله.

وقد كان الثوري وبشر الحافي يقولان: لا يكره الموت إلا مريب، لأن الحبيب على كل حال لا يكره لقاء حبيبه.

وقال البويطي لبعض الزهاد: أتحب الموت؟ فكأنه توقف، فقال: لو كنت صادقاً لأحببته. وتلا قوله تعالى: " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " فقال الرجل: فقد قال النبي ﭬ: " لا يتمنين أحدكم الموت"[42] فقال: إنما قاله لضر نزل به لأن الرضا بقضاء الله تعالى أفضل من طلب الفرار منه.

فإن قلت: من لا يحب الموت فهل يتصور أن يكون محباً لله؟ فأقول: كراهة الموت قد تكون لحب الدنيا والتأسف على فرق الأهل والمال والولد، وهذا ينافي كمال حب الله تعالى لأن الحب الكامل هو الذي يستغرق كل القلب، ولكن لا يبعد أن يكون له مع حب الأهل والولد شائبة من حب الله تعالى ضعيفة، فإن الناس متفاوتون في الحب. ويدل على التفاوت ما روي أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس لما زوج أخته فاطمة من سالم مولاه عاتبته قريش في ذلك وقالوا: أنكحت عقيلة من عقائل قريش لمولى؟ فقال: والله لقد أنكحته إياها وإني لأعلم أنه خير منها، فكان قوله ذلك أشد عليهم من فعله، فقالوا: وكيف وهي أختك وهو مولاك؟ فقال: سمعت رسول الله ﭬ يقول: " من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم"[43]. فهذا يدل على أن من الناس من لا يحب الله بكل قلبه فيحبه ويحب أيضاً غيره فلا جرم يكون نعيمه بلقاء الله عند القدوم عليه على قدر حبه، وعذابه بفراق الدنيا عند الموت على قدر حبه لها.

وأما السبب الثاني للكراهة: فهو أن يكون العبد في ابتداء مقام المحبة وليس يكره الموت وإنما يكره عجلته قبل أن يستعد للقاء الله، فذلك لا يدل على ضعف الحب وهو كالمحب الذي وصله الخبر بقدوم حبيبه عليه فأحب أن يتأخر قدومه ساعة ليهيئ له داره ويعد له أسبابه فيلقاه كما يهواه فارغ القلب عن الشواغل خفيف الظهر عن العوائق، فالكراهة بهذا السبب لا تنافي كمال الحب أصلاً، وعلامته الدؤوب في العمل واستغراق الهم في الاستعداد.

ومنها أن يكون مؤثراً ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه فيلزم مشاق العمل ويجتنب إتباع الهوى ويعرض عنه دعة الكسل، ولا يزال مواظباً على طاعة الله ومتقرباً إليه بالنوافل وطالباً عنده مزايا الدرجات كما يطلب المحب مزيد القرب في قلب محبوبه، وقد وصف الله تعالى المحبين بالإيثار فقال: " يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " ومن بقي مستقراً على متابعة الهوى فمحبوبه ما يهواه، بل يترك المحب هوى نفسه كما قيل:


أريد وصاله ويريد هجري

 

فأترك ما أريد لمـا يريد
 
بل الحب إذا غلب قمع الهوى فلم يبق له تنعم بغير المحبوب، كما روي أن زليخا لما آمنت وتزوج بها يوسف عليه السلام انفردت عنه وتخلت للعبادة وانقطعت إلى الله تعالى، فكان يدعوها إلى فراشه نهاراً فتدفعه إلى الليل، فإذا دعاها ليلاً سوفت به إلى النهار وقالت: يا يوسف إنما كنت أحبك قبل أن أعرفه فأما إذ عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه وما أريد به بديلاً، حتى قال لها: إن الله جل ذكره أمرني بذلك وأخبرني أنه مخرج منك ولدين وجاعلهما نبيين، فقالت: أما إذا كان الله تعالى أمرك بذلك وجعلني طريقاً إليه فطاعة لأمر الله تعالى، فعندها سكنت إليه. فإذن من أحب الله لا يعصيه، ولذلك قال ابن المبارك فيه:


تعصي الإله وأنت تظهر حبه

 

هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعتـه

 

إن المحب لمن يحب مطيع
 
وفي هذا المعنى:


وأترك ما أهوى لـمـا قـد هـويتـه

 

فأرضى بما ترضى وإن سخطت نفسي
 
وقال سهل رحمه الله تعالى: علامة الحب إيثاره على نفسك وليس كل من عمل بطاعة الله عز وجل صار حبيباً، وإنما الحبيب من اجتنب المناهي، وهو كما قال، لأن محبته لله تعالى سبب محبة الله له كما قال تعالى: " يحبهم ويحبونه " وإذا أحبه الله تولاه ونصره على أعدائه، وإنما عدوه نفسه وشهواته فلا يخذله الله ولا يكله إلى هواه وشهواته.

ولذلك قال تعالى: " والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً ".

فإن قلت: فالعصيان هل يضاد أصل المحبة؟ فأقول: إنه يضاد كمالها ولا يضاد أصلها، فكم من إنسان يحب نفسه وهو مريض ويحب الصحة ويأكل ما يضره مع العلم بأنه يضره؟ وذلك لا يدل على عدم حبه لنفسه. ولكن المعرفة قد تضعف والشهوة وقد تغلب فيعجز عن القيام بحق المحبة. ويدل عليه ما روي أن نعيمان كان يؤتى به رسول الله ﭬ في كل قليل فيحده في معصية يرتكبها إلى أن أتي به يوماً فحده، فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال ﭬ: " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله"[44] فلم يخرجه بالمعصية عن المحبة نعم تخرجه المعصية عن كمال الحب وقد قال بعض العارفين: إذا كان الإيمان في ظاهر القلب أحب الله تعالى حباً متوسطاً، فإذا دخل سويداء القلب أحبه الحب البالغ وترك المعاصي. وبالجملة في دعوى المحبة خطر، ولذلك قال الفضيل: إذا قيل لك أتحب الله تعالى؟ فاسكت، فإنك إن قلت: لا، كفرت وإن قلت: نعم، فليس وصفك وصف المحبين فاحذر المقت. ولقد قال بعض العلماء: ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة ولا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ولم يتحقق بشيء من ذلك.

ومنها أن يكون مستهتراً بذكر الله تعالى لا يفتر عنه لسانه ولا يخلو عنه قلبه، فمن أحب شيئاً أكثر بالضرورة من ذكره ما يتعلق به، فعلامة حب الله حب ذكره وحب القرآن الذي هو كلامه وحب رسول الله ﭬ وحب كل من ينسب إليه، فإن من يحب إنساناً يحب كلب محلته. فالمحبة إذا قويت تعدت من المحبوب إلى كل ما يكتف بالمحبوب ويحيط به ويتعلق بأسبابه، وذلك ليس شركة في الحب فإن من أحب رسول المحبوب لأنه رسوله، وكلامه لأنه كلامه، فلم يجاوز حبه إلى غيره بل هو دليل على كمال حبه، ومن غلب حب الله على قلبه أحب جميع خلق الله لأنهم خلقه، فكيف لا يحب القرآن والرسول وعباد الله الصالحين، وقد ذكرنا تحقيق هذا في كتاب الأخوة والصحبة ولذلك قال تعالى: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ".
وقال رسول الله ﭬ: " أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لله تعالى".
[45]

وقال سفيان: من أحب من يحب الله تعالى فإنما أحب الله، ومن أكرم من يكرم الله تعالى فإنما يكرم الله.
وحكي عن بعض المريدين قال: كنت قد وجدت حلاوة المناجاة في سن الإرادة فأدمنت قراءة القرآن ليلاً ونهاراً ثم لحقتني فترة فانقطعت عن التلاوة قال: سمعت قائلاً يقول في المنام: إن كنت تزعم أنك تحبني فلم جفوت كتابي أما تدبرت ما فيه من لطيف عتابي، قال: فانتبهت وقد أشرب في قلبي محبة القرآن فعاودت إلى حالي.


وقال ابن مسعود: لا ينبغي أن يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله عز وجل وإن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله.

وقال سهل رحمة الله تعالى عليه: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب الله وحب القرآن حب النبي ﭬ، وعلامة حب النبي ﭬ حب السنة، وعلامة حب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا زاداً وبلغة إلى الآخرة.

ومنها أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاته لله تعالى وتلاوة كتابه، فيواظب على التهجد ويغتنم هدء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق، وأقل درجات الحب التلذذ بالخلوة بالحبيب والتنعم بمناجاته، فمن كان النوم والاشتغال بالحديث ألذ عنده وأطيب من مناجاة الله كيف تصح محبته؟ قيل لإبراهيم بن أدهم وقد نزل من الجبل: من أين أقبلت؟ فقال: من الأنس بالله.

وفي أخبار داود عليه السلام: لا تستأنس إلى أحد من خلقي، فإني إنما أقطع عني رجلين رجل استبطأ ثوابي فانقطع ورجلاً نسيني فرضي بحاله، وعلامة ذلك أن أكله إلى نفسه وأن أدعه في الدنيا حيران، ومهما أنس بغير الله كان بقدر أنسه بغير الله مستوحشاً من الله تعالى ساقطاً عن درجة محبته.

وفي قصة برخ - وهو العبد الأسود الذي استسقى به موسى عليه السلام - أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: إن برخاً نعم العبد هو لي إلا أن فيه عيباً، قال: يا رب وما عيبه؟ قال: يعجبه نسيم الأسحار فيسكن إليه ومن أحبني لم يسكن إلى شيء.

وروي أن عابداً عبد الله تعالى في غيضة دهراً طويلاً فنظر إلى طائر وقد عشش في شجرة يأوي إليها ويصفر عندها، فقال: لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال: ففعل، فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان: قل لفلان العابد استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبداً.

فإذن علامة المحبة كمال الأنس بمناجاة المحبوب وكمال التنعم بالخلوة به وكمال الاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن لذة المناجاة. وعلامة الأنس مصير العقل والفهم كله مستغرقاً بلذة المناجاة، كالذي يخاطب معشوقه ويناجيه، وقد انتهت هذه اللذة ببعضهم حتى كان في صلاته ووقع الحريق في داره فلم يشعر به، وقطعت رجل بعضهم بسبب علة أصابته وهو في الصلاة فلم يشعر به ومهما غلب الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عينه يدفع بها جميع الهموم، بل يستغرق الأنس والحب قلبه حتى لا يفهم أمور الدنيا ما لم تكرر على سمعه مراراً. مثل العاشق الولهان فإنه يكلم الناس بلسانه وأنسه في الباطن بذكر حبيبه. فالمحب من لا يطمئن إلا بمحبوبه.

وقال قتادة في قوله تعالى: " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب" قال: هشت إليه واستأنست به.

وقال الصديق رضي الله تعالى عنه: من ذاق من خالص محبة الله شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر.

وقال مطرف بن أبي بكر: المحب لا يسأم من حديث حبيبه.

وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: قد كذب من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني أليس كل محب يحب لقاء حبيبه فها أنا ذا موجود لمن طلبني.

وقال موسى عليه السلام: يا رب أين أنت فأقصدك؟ فقال: إذا قصدت فقد وصلت.

وقال يحيى بن معاذ: من أحب الله أبغض نفسه. وقال أيضاً: من لم تكن فيه ثلاث خصال فليس بمحب؛ يؤثر كلام الله تعالى على كلام الخلق، ولقاء الله تعالى على لقاء الخلق والعبادة على خدمة الخلق.
ومنها أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله تعالى وطاعته، فيكثر رجوعه عند الغفلات بالاستعطاف والاستعتاب والتوبة.


قال بعض العارفين: إن لله عباداً أحبوه واطمأنوا إليه فذهب عنهم التأسف فلم يتشاغلوا بحظ أنفسهم إذ كان ملك مليكهم تاماً، وما شاء كان، فما كان لهم واصل إليهم وما فاتهم فبحسن تدبيره لهم. وحق المحب إذا رجع من غفلته في لحظته أن يقبل على محبوبه ويشتغل بالعتاب، ويسأله ويقول: رب بأي ذنب قطعت برك عني وأبعدتني عن حضرتك وشغلتني بنفسي وبمتاعبة الشيطان؟ فيستخرج ذلك منه صفاء ذكر ورقة قلب يكفر عنه ما سبق من الغفلة، وتكون هفوته سبباً لتجدد ذكره وصفاء قلبه. ومهما لم ير المحب إلا المحبوب ولم ير شيئاً إلا منه لم يتأسف ولم يشك واستقبل الكل بالرضا وعلم أن المحبوب لم يقدر له إلا ما فيه خيرته، ويذكر قوله: " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ".

ومنها أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط عنه تعبها كما قال بعضهم: كابدت الليل عشرين سنة. ثم تنعمت به عشرين سنة.

وقال الجنيد: علامة المحب دوام النشاط والدؤوب بشهوة تفتر بدنه ولا تفتر قلبه.

وقال بعضهم: العمل على المحبة لا يدخله الفتور.

وقال بعض العلماء: والله ما اشتفى محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل.

فكل هذا وأمثاله موجود في المشاهدات، فإن العاشق لا يستثقل السعي في هوى معشوقه ويستلذ خدمته بقلبه وإن كان شاقاً على بدنه. ومهما عجز بدنه كان أحب الأشياء إليه أن تعاوده القدرة وأن يفارقه العجز حتى يشغل به، فهكذا يكون حب الله تعالى، فإن كل حب صار غالباً قهر لا محالة ما هو دونه. فمن كان محبوبه أحب إليه من الكسل ترك الكسل في خدمته، وإن كان أحب إليه من المال ترك المال في حبه.
وقيل لبعض المحبين - وقد كان بذل نفسه وماله حتى لم يبق له شيء - ما كان سبب حالك هذه في المحبة؟ فقال: سمعت يوماً محباً وقد خلا بمحبوبه وهو يقول: أنا والله أحبك بقلبي كله وأنت معرض عني بوجهك كله! فقال له المحبوب: إن كنت تحبني فأيش تنفق علي؟ قال: يا سيدي أملكك ما أملك ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك فقلت: هذا خلق لخلق وعبد لعبد فكيف بعبيد لمعبود؟ فكل هذا بسببه.


ومنها أن يكون مشفقاً على جميع عباد الله رحيماً بهم شديداً على جميع أعداء الله وعلى كل من يقارف شيئاً مما يكرهه كما قال الله تعالى: " أشداء على الكفار رحماء بينهم " ولا تأخذه لومة لائم ولا يصرفه عن الغضب لله صارف، وبه وصف الله أولياؤه إذ قال الذين يكلفون بحبي كما يكلف الصبي بالشيء ويأوون إلى ذكري كما يأوي النسر إلى وكره، ويغضبون لمحارمه كما يغضب النمر إذا حرد فإنه لا يبالي قل الناس أو كثروا، فانظر إلى هذا المثال فإن الصبي إذا كلف بالشيء لم يفارقه أصلاً، وإن أخذ منه لم يكن له شغل إلا البكاء والصياح حتى يرد إليه، فإن نام أخذه معه في ثيابه، فإذا انتبه عاد وتمسك به ومهما فارقه بكى ومهما وجده ضحك، ومن نازعه فيه أبغضه ومن أعطاه أحبه. وأما النمر فإنه لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أنه يهلك نفسه. فهذه علامات المحبة، فمن تمت فيه هذه العلامات فقد تمت محبته وخلص حبه فصفا في الآخرة شرابه وعذب مشربه، ومن امتزج بحبه حب غير الله تنعم في الآخرة بقدر حبه، إذ يمزج شرابه بقدر من شراب المقربين كما قال تعالى في الأبرار: " إن الأبرار لفي نعيم " ثم قال: " يسقون من رحيق مختوم مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عيناً يشرب بها المقربون " فإذا طاب شراب الأبرار لشوب الشراب الصرف الذي هو للمقربين. والشراب عبارة عن جملة نعيم الجنان، كما أن الكتاب عبر به عن جميع الأعمال فقال: " إن كتاب الأبرار لفي عليين " ثم قال: "يشهده المقربون " فكان أمارة علة كتابهم أنه ارتفع إلى حيث يشهده المقربون، وكما أن الأبرار يجدون المزيد في حالهم ومعرفتهم بقربهم من المقربين ومشاهدتهم لهم، فكذلك يكون حالهم في الآخرة " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة كما بدأنا أول خلق نعيده "، وكما قال تعالى: " جزاء وفاقاً " أي وافق الجزاء أعمالهم فقوبل الخالص بالصرف من الشراب وقوبل المشوب بالمشوب، وشوب كل شراب على قدر ما سبق من الشوب في حبه وأعماله " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره - وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم - إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها - وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين " فمن كان حبه في الدنيا رجاءه لنعيم الجنة والحور العين والقصور مكن من الجنة ليتبوأ منها حيث يشاء فيلعب مع الولدان ويتمتع بالنسوان؛ فهناك تنتهي لذته في الآخرة لأنه إنما يعطى كل إنسان في المحبة ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه. ومن كان مقصده رب الدار ومالك الملك ولم يغلب عليه إلا حبه بالإخلاص والصدق، أنزل " في مقعد صدق عند مليك مقتدر " فالأبرار يرتعون في البساتين ويتنعمون في الجنان مع الحور العين والولدان، والمقربون ملازمون للحضرة عاكفون بطرفهم عليها يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذرة منها فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج مشغولون، وللمجالسة أقوام آخرون، ولذلك قال رسول الله ﭬ: " أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب"[46] ولما قصرت الأفهام عن درك معنى عليين عظم أمره فقال: " وما أدراك ما عليون " كما قال تعالى: " القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة ".
ومنها أن يكون في حبه خائفاً متضائلاً تحت الهيبة والتعظيم، وقد يظن أن الخوف يضاد الحب وليس كذلك، بل إدراك العظمة يوجب الهيبة كما أن إدراك الجمال الحب ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ليست لغيرهم،، وبعض مخاوفهم أشد من بعض، فأولها خوف الإعراض، وأشد منه خوف الحجاب، وأشد منه خوف الإبعاد، وهذا المعنى في سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين
[47] إذ سمع قوله تعالى: " ألا بعداً لثمود - ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود" وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه وتنعم به، فحديث البعد في حق المبعدين يشيب سماعه أهل القرب في القرب، ولا يحن إلى القرب من ألف البعد، ولا يبكي لخوف البعد من لم يمكن من بساط القرب، ثم خوف الوقوف وسلب المزيد، فإنا قدمنا أن درجات القرب لا نهاية لها وحق العبد أن يجتهد في كل نفس حتى يزداد فيه قرباً. ولذلك قال رسول الله ﭬ: " من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون".[48]

وكذلك قال عليه السلام: " إنه ليغان على قلبي في اليوم والليلة حتى أستغفر الله سبعين مرة"[49] وإنما كان استغفاره من القدم الأول فإنه كان بعداً بالإضافة إلى القدم الثاني، ويكون ذلك عقوبة لهم على الفتور في الطريق والالتفات إلى غير المحبوب، كما روي أن الله تعالى يقول: إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوات الدنيا على طاعتي أن أسلبه لذيذ مناجاتي. فسلب المزيد بسبب الشهوات عقوبة للعموم، فأما الخصوص فيحجبهم عن المزيد مجرد الدعوى والعجب والركون إلى ما ظهر من مبادئ اللطف، وذلك هو المكر الخفي الذي لا يقدر على الاحتراز منه إلا ذوو الأقدام الراسخة، ثم خوف فوت ما لا يدرك بعد فوته سمع إبراهيم بن أدهم قائلاً يقول وهو في سياحة وكان على الجبل:


كل شيء منك مغفـو

 

ر سوى الإعراض عنا

قد وهبنا لـك مـا فـا

 

ت فهب لنا ما فات منا
 
فاضطرب وغشي عليه فلم يفق يوماً وليلة طرأت عليه أحوال ثم قال: سمعت النداء من الجبل: يا إبراهيم كن عبداً فكنت عبداً واسترحت.

ثم خوف السلو عنه فإن المحب يلازمه الشوق والطلب الحثيث فلا يفتر عن طلب المزيد ولا يتسلى إلا بلطف جديد، فإن تسلى عن ذلك كان ذلك سبب وقوفه أو سبب رجعته، والسلو يدخل عليه من حيث لا يشعر كما قد يدخل عليه الحب من حيث لا يشعر، فإن هذه التقلبات لها أسباب خفية سماوية ليس في قوة البشر الإطلاع عليها، فإذا أراد الله المكر به واستدراجه أخفى عنه ما ورد عليه من السلو فيقف مع الرجاء ويغتر بحسن النظر أو بغلبة الغفلة أو الهوى أو النسيان، فكل ذلك من جنود الشيطان التي تغلب جنود الملائكة من العلم والعقل والذكر والبيان، وكما أن من أوصاف الله تعالى ما يظهر فيقتضى هيجان الحب وهي أوصاف اللطف والرحمة والحكمة، فمن أوصافه ما يلوح فيورث السلو كأوصاف الجبرية والعزة والاستغناء، وذلك من مقدمات المكر والشقاء والحرمان. ثم خوف الاستبدال به بانتقال القلب من حبه إلى حب غيره، وذلك هو المقت والسلو عنه مقدمة هذا المقام والإعراض والحجاب مقدمة السلو وضيق الصدر بالبر وانقباضه عن دوام الذكر وملاله لوظائف الأوراد أسباب هذه المعاني ومقدماتها. وظهور هذه الأسباب دليل على النقل عن مقلم الحب إلى مقام المقت، نعوذ بالله منه، وملازمة الخوف لهذه الأمور وشدة الحذر منها بصفاء المراقبة دليل صدق الحب. فإن من أحب شيئاً خاف لا محالة فقده فلا يخلو المحب عن خوف إذا كان المحبوب مما يمكن فواته، وقد قال بعض العارفين: من عبد الله تعالى بمحبة من غير خوف هلك بالبسط والإدلال، ومن عبده من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد والاستيحاش، ومن عبده من طريق المحبة والخوف أحبه الله تعالى فقربه ومكنه وعلمه، فالمحب لا يخلو عن خوف والخائف لا يخلو عن محبة، ولكن الذي غلبت عليه المحبة حتى اتسع فيها ولم يكن له من الخوف إلا يسير يقال هو في مقام المحبة ويعد من المحبين، وكان شوب الخوف يسكن قليلاً من سكر الحب، فلو غلب الحب واستولت المعرفة لم تثبت لذلك طاقة البشر، فإنما الخوف يعدله ويخفف وقعه على القلب. فقد روي في بعض الأخبار: أن بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسأل الله تعالى أن يرزقه ذرة من معرفته، ففعل ذلك، فهام في الجبال وحار عقله ووله قلبه وبقي شاخصاً سبعة أيام لا ينتفع بشيء ولا ينتفع به شيء، فسأل له الصديق ربه تعالى فقال: يا رب أنقصه من الذرة بعضها، فأوحى الله تعالى إليه إنما أعطيناه جزءاً من مائة ألف جزء من المعرفة. وذلك أن مائة ألف عبد سألوني شيئاً من المحبة في الوقت الذي سألني هذا، فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا، فلما أجبتك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته، فقسمت ذرة من المعرفة بين مائة ألف عبد، فهذا ما أصابه من ذلك، فقال: سبحانك يا أحكم الحاكمين أنقصه مما أعطيته! فأذهب الله عنه جملة الجزء، وبقي معه عشر معشاره وهو جزء من عشرة آلاف جزء من مائة ألف جزء من ذرة، فاعتدل خوفه وحبه ورجاؤه وسكن وصار كسائر العارفين، وقد قيل في وصف حال العارف:


قريب الوجد ذو مرمى بعـيد

 

عن الأحرار منهم والعـبـيد

غريب الوصف ذو علم غريب

 

كان فـؤاده زبـر الـحـديد

لقد عزت معانـيه وجـلـت

 

عن الأبصار إلا للـشـهـيد

يرى الأعياد في الأوقات تجري

 

له في كـل يوم ألـف عـيد

وللأحـبـاب أفـراح بـعـيد

 

ولا يجد السرور لـه بـعـيد
 
وقد كان الجنيد رحمه الله ينشد أبياتاً يشير بها إلى أسرار أحوال العارفين وإن كان ذلك لا يجوز إظهاره، وهي هذه الأبيات:


سرت بأناس في الغيوب قلوبـهـم

 

فخلوا بقرب الماجد المتفـضـل

عراصاً بقرب الله في ظل قدسـه

 

تجول بها أرواحهـم وتـنـقـل

مواردهم فيها على العز والنهـي

 

ومصدرهم عنها لما هو أكـمـل

تروح بعز مفرد من صـفـاتـه

 

وفي حلل التوحيد تمشي وترفـل

ومن بعد هذا ما تدق صـفـاتـه

 

وما كتمه أولـى لـديه وأعـدل

سأكتم من علمي به ما يصـونـه

 

وأبذل منه ما أرى الحـق يبـذل

وأعطي عباد الله منه حقـوقـهـم

 

وأمنع منه ما أرى المنع يفضـل

على أن للرحمن سـراً يصـونـه

 

إلى أهله في السر والصون أجمل
 
وأمثال هذه المعارف التي إليها الإشارة لا يجوز أن يشترك الناس فيها، ولا يجوز أن يظهرها من انكشف له شيء من ذلك لمن لم ينكشف له، بل لو اشترك الناس فيها لخربت الدنيا، فالحكمة تقتضي شمول الغفلة لعمارة الدنيا، بل لو أكل الناس كلهم الحلال أربعين يوماً لخربت الدنيا لزهدهم فيها، وبطلت الأسواق والمعايش، بل لو أكل العلماء الحلال لاشتغلوا بأنفسهم ولوقفت الألسنة والأقلام عن كثير مما انتشر من العلوم، ولكن الله تعالى فيما هو شر في الظاهر أسرار وحكم، كما أن له في الخير أسراراً وحكماً، ولا منتهى لحكمته كما لا غاية لقدرته.

ومنها كتمان الحب واجتناب الدعوى والتقوى من إظهار الوجد والمحبة تعظيماً للمحبوب وإجلالاً له وهيبة منه وغيرة على سره، فإن الحب سر من أسرار الحبيب ولأنه قد يدخل في الدعوى ما يتجاوز حد المعنى ويزيد عليه فيكون ذلك من الافتراء وتعظم العقوبة عليه في العقبى وتتعجل عليه البلوى في الدنيا، نعم قد يكون للمحب سكرة في حبه حتى يدهش فيه وتضطرب أحواله فيظهر عليه حبه، فإن وقع ذلك عن غير تمحل أو اكتساب فهو معذور لأنه مقهور، وربما تشتعل من الحب نيرانه فلا يطاق سلطانه وقد يفيض القلب به فلا يندفع فيضانه. فالقادر على الكتمان يقول:


وقالوا: قريب، قلت: مـا أنـا صـانـع

 

بقرب شعاع الشمس لو كان في حجري؟

فمالي مـنـه غـير ذكـر بـخـاطـر

 

يهيج نار الحب والشوق فـي صـدري!
 
والعاجز عنه يقول:


يخفى فيبدي الدمع أسراره

 

ويظهر الوجد عليه النفس
 
ويقول أيضاً:


ومن قلبه مع غيره كيف حالـه

 

ومن سره في جفنه كيف يكتم؟
 
وقد قال بعض العارفين: أكثر الناس من الله بعداً أكثرهم إشارة به. كأنه أراد: من يكثر التعريض به في كل شيء ويظهر التصنع بذكره عند كل أحد فهو ممقوت عند المحبين والعلماء بالله عز وجل.
ودخل ذو النون: المصري على بعض إخوانه - ممن كان يذكر المحبة - فرآه مبتلى ببلاء فقال: لا يحبه من وجد ألم ضره! فقال الرجل: لكني أقول لا يحبه من لم يتنعم بضره، فقال ذو النون: ولكن أقول: لا يحبه من شهر نفسه بحبه، فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه.


فإن قلت: المحبة منتهى المقامات وإظهارها إظهار للخير فلماذا يستنكر؟ فاعلم أن المحبة محمودة وظهورها محمود أيضاً وإنما المذموم التظاهر بها لما يدخل فيها من الدعوى والاستكبار، وحق المحب أن ينم على حبه الخفي أفعاله وأحواله دون أقواله وأفعاله. وينبغي أن يظهر حبه من غير قصد منه إلى إظهار الحب ولا إلى إظهار الفعل الدال على الحب، بل ينبغي أن يكون قصد المحب إطلاع الحبيب فقط. فأما إرادته إطلاع غيره فشرك في الحب وقادح فيه، كما ورد في الإنجيل: إذا تصدقت فتصدق بحيث لا تعلم شمالك يمينك. فالذي يرى الخفيات يجزيك علانية وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير ربك. فإظهار القول والفعل كله مذموم إلا إذا غلب سكر الحب فانطلق اللسان واضطربت الأعضاء فلا يلام فيه صاحبه.

حكي أن رجلاً رأى من بعض المجانين ما استجهله فيه فأخبر بذلك معروفاً الكرخي رحمه الله فتبسم ثم قال: يا أخي له محبون صغار وكبار وعقلاء ومجانين! فهذا الذي رأيته من مجانينهم.

ومما يكره: التظاهر بالحب، بسبب أن المحب إن كان عارفاً - وعرف أحوال الملائكة في حبهم الدائم وشوقهم اللازم الذي به يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون - لاستنكف من نفسه ومن إظهار حبه وعلم قطعاً أنه من أخس المحبين في مملكته وأن حبه أنقص من حب كل محب لله.
قال بعض المكاشفين من المحبين: عبدت الله تعالى ثلاثين سنة بأعمال القلوب والجوارح على بذل المجهود واستفراغ الطاقة حتى ظننت أن لي عند الله شيئاً، فذكر أشياء من مكاشفات آيات السموات في قصة طويلة قال في آخرها: فبلغت صفاً من الملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شيء، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن المحبون لله عز وجل نعبده ههنا منذ ثلاثمائة ألف سنة ما خطر على قلوبنا قط سواء ولا ذكرنا غيره، قال: فاستحييت من أعمالي فوهبتها لمن حق عليه الوعيد تخفيفاً عنه في جهنم.


فإذن من عرف نفسه عرف ربه واستحيا منه حق الحياء خرس لسانه عن التظاهر بالدعوى. نعم يشهد على حبه حركاته وسكناته وإقدامه وإحجامه وتردداته؛ كما حكي عن الجنيد أنه قال: مرض أستاذنا السري رحمه الله فلم نعرف لعلته دواء ولا عرفنا لها سبباً. فوصف لنا طبيب حاذق، فأخذ قارورة مائه فنظر إليها الطبيب وجعل ينظر إليه ملياً ثم قال لي: أراه بول عاشق! قال الجنيد: فصعقت وغشي علي ووقعت القارورة من يدي، ثم رجعت إلى السري فأخبرته، فتبسم قال: قاتله الله ما أبصره! قلت: يا أستاذ وتبين المحبة في البول! قال: نعم.

وقد قال السري مرة: لو شئت أقول: ما أيبس جلدي على عظمي ولا سل جسمي إلا حبه! ثم غشي عليه. وتدل الغشية على أنه أفصح في غلبة الوجد ومقدمات الغشية. فهذه مجامع علامات الحب وثمراته.
ومنها الأنس والرضا كما سيأتي.


وبالجملة جميع محاسن الدين ومكارم الأخلاق ثمرة الحب، وما لا يثمره الحب فهو إتباع الهوى وهو من رذائل الأخلاق. نعم قد يحب الله لإحسانه إليه وقد يحبه لجلاله وجماله وإن لم يحسن إليه. والمحبون لا يخرجون عن هذين القسمين، ولذلك قال الجنيد: الناس في محبة الله تعالى عام وخاص، فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه وكثرة نعمه فلم يتمالكوا أن أرضوه إلا أنهم تقل محبتهم وتكثر على قدر النعم والإحسان؛ فأما الخاصة فنالوا المحبة بعظم القدر والقدرة والعم والحكمة والتفرد بالملك. ولما عرفوا صفاته الكاملة وأسماءه الحسنى لم يمتنعوا أن أحبوه إذ استحق عندهم المحبة بذلك لأنه أهل لها ولو أزال عنهم جميع النعم، نعم من الناس من يحب هواه. وعدو الله إبليس - وهو مع ذلك يلبس على نفسه بحكم الغرور والجهل - فيظن أنه محب لله عز وجل وهو الذي فقدت فيه هذه العلامات، أو يلبس بها نفاقاً ورياءً وسمعةً وغرضه عاجل حظ الدنيا وهو يظهر من نفسه خلاف ذلك، كعلماء السوء وقراء السوء أولئك بغضاء الله في أرضه. وكان سهل إذا تكلم مع إنسان قال: يا دوست - أي يا حبيب - فقيل له: قد لا يكون حبيباً فكيف تقول هذا؟ فقال في أذن القائل سراً: لا يخلو إما أن يكون مؤمناً أو منافقاً: فإن كان مؤمناً فهو حبيب الله عز وجل، وإن كان منافقاً فهو حبيب إبليس، وقد قال أبو تراب التخشبي - في علامات المحبة - أبياتاً:


لا تخدعن فللـحـبـيب دلائل

 

ولديه من تحف الحبيب وسائل

منها تنعـمـه بـمـر بـلائه

 

وسروره في كل ما هو فاعل

فالمنع منه عطية مـقـبـولة

 

والفقر إكرام وبـر عـاجـل

ومن الدلائل أي ترى من عزمه

 

طوع الحبيب وإن ألح العـاذل

ومن الدلائل أن يرى متبسـمـاً

 

والقلب فيه من الحبيب بلابـل

ومن الدلائل أن يرى متفهـمـاً

 

لكلام من يحظى لديه السـائل

ومن الدلائل أن يرى متقشـفـاً

 

متحفظاً من كل ما هو قـائل
 
وقال يحيى بن معاذ:


ومن الدلائل أن تراه مـشـمـراً

 

في خرقتين على شطوط الساحل

ومن الدلائل حزنـه ونـحـيبـه

 

جوف الظلام فما له من عـاذل
 
 


ومن الدلائل أن تراه مسافـراً

 

نحو الجهاد وكل فعل فاضـل

ومن الدلائل زهده فيمـا يرى

 

من دار ذل والنعـيم الـزائل

ومن الدلائل أن تـراه بـاكـياً

 

أن قد رآه على قبيح فعـائل

ومن الدلائل أن تراه مسلـمـاً

 

كل الأمور إلى المليك العادل

ومن الدلائل أن تراه راضـياً

 

بمليكه في كل حكـم نـازل

ومن الدلائل ضحكه بين الورى

 

والقلب محزون كقلب الثاكل
 
بيان معنى الأنس بالله قد ذكرنا أن الأنس والخوف والشوق من آثار المحبة، إلا أن هذه آثار مختلفة على المحب بحسب نظره وما يغلب عليه في وقته، فإذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال واستشعر قصوره عن الإطلاع على كنه الجلال انبعث القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه، وتسمى هذه الحالة في الانزعاج شوقاً وهو بالإضافة إلى أمر غائب، وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف وكان نظره مقصوراً على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد؛ استبشر القلب بما يلاحظه فيسمى استبشاره أنساً، وإن كان نظره إلى صفات العز والاستغناء وعدم المبالاة وخطر إمكان الزول والبعد تألم القلب بهذا الاستشعار فيسمى تألمه خوفاً. وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات، والملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا يمكن حصرها، فالأنس معناه استبشار القلب فرحه بمطالعة الجمال، حتى إنه إذا غلب وتجرد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرق إليه من خطر الزوال عظم نعيمه ولذته، ومن هنا نظر بعضهم حيث قيل له: أنت مشتاق؟ فقال: لا إنما الشوق إلى غائب، فإذا كان الغائب حاضراً فإلى من يشتاق؟ وهذا الكلام مستغرق بالفرح بما ناله غير ملتفت إلى ما بقي في الإمكان من مزايا الألطاف.

ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة، كما حكي أن إبراهيم بن أدهم نزل من الجبل فقيل له: من أين أقبلت؟ فقال: من الأنس بالله، وذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش من غير الله، بل كل ما يعوق عن الخلوة فيكون من أثقل الأشياء على القلب، كما روي أن موسى عليه السلام لما كلمه ربه مكث دهراً لا يسمع كلام أحد من الناس إلا أخذه الغثيان، لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره فيخرج من القلب عذوبة ما سواه، ولذلك قال بعض الحكماء في دعائه: يا من آنسني بذكره وأوحشني من خلقه، وقال الله عز وجل لداود عليه السلام: كن لي مشتاقاً وبي متأنساً ومن سواي مستوحشاً.

وقيل لرابعة: بم نلت هذه المنزلة؟ قالت: بتركي ما لا يعنيني وأنسي بمن لم يزل.

وقال عبد الواحد بن زيد: مررت براهب فقلت له: يا راهب لقد أعجبتك الوحدة؟ فقال: يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك، الوحدة رأس العبادة، فقلت: يا راهب ما أقل ما تجده في الوحدة؟ قال: الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرهم، قلت يا راهب: متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله تعالى؟ قال: إذا صفا الود وخلصت المعاملة، قلت: ومتى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمع الهم فصار هماً واحداً في الطاعة.

وقال بعض الحكماء: عجباً للخلائق كيف أرادوا بك بدلاً؟ عجباً للقلوب كيف استأنست بسواك عنك؟.


فإن قلت: فما علامة الأنس؟ فاعلم أن علامته الخاصة ضيق الصدر من معاشرة الخلق والتبرم بهم واستهتاره بعذوبة الذكر، فإن خالط فهو كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة، وغريب في حضر وحاضر في سفر، وشاهد في غيبة وغائب في حضور، مخالط بالبدن منفرد بالقلب، مستغرق بعذوبة الذكر، كما قال علي كرم الله وجهه في وصفهم: هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعر المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه، فهذا معنى الأنس بالله وهذه علامته وهذه شواهده.

وقد ذهب بعض المتكلمين إلى إنكار الأنس والشوق والحب لظنه أن ذلك يدل على التشبيه، وجهله بأن جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات، ولذة معرفتها أغلب على ذوي القلوب ومنهم أحمد بن غالب، يعرف بغلام الخليل أنكر على الجنيد وعلى أبي الحسن النوري والجماعة حديث الحب والشوق والعشق حتى أنكر بعضهم مقام الرضا، وقال: ليس إلا الصبر فأما الرضا فغير متصور. وهذا كلام ناقص قاصر لم يطلع من مقامات الدين إلا على القشور فظن أنه لا وجود إلا للقشر، فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال من طريق الدين قشر مجرد ووراءه اللب المطلوب، فمن لم يصل من الجوز إلا إلى قشره يظن أن الجوز خشب كله، ويستحيل عنده خروج الدهن منه لا محالة وهو معذور ولكن عذره غير مقبول وقد قيل:


الأنس بالله لا يحويه بطـال

 

وليس يدركه بالحول محتال

والآنسون رجال كلهم نجب

 

وكلهم صفوة لله عـمـال
 
بيان معنى الانبساط والإدلال الذي تثمره غلبة الأنس اعلم أن الأنس إذا دام وغلب واستحكم ولم يشوشه قلق الشوق ولم ينغصه خوف التغير والحجاب فإنه يثمر نوعاً من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع الله تعالى، وقد يكون منكر الصورة لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة ولكنه محتمل ممن أقيم في مقام الأنس، ومن لم يقم في ذلك المقام ويتشبه بهم في الفعل والكلام هلك به وأشرف على الكفر.

ومثاله: مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله تعالى كليمه موسى عليه السلام أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل؛ بعد أن قحطوا سبع سنين وخرج موسى عليه السلام ليستسقي لهم في سبعين ألفاً، فأوحى الله عز وجل إليه: كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم، سرائرهم خبيثة يدعونني على غير يقين ويأمنون مكري، ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ فقل له يخرج حتى أستجيب له، فسأل عنه موسى عليه السلام فلم يعرف، فبينما موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود، في شملة قد عقدها على عنقه، فمعرفة موسى عليه السلام بنور الله عز وجل فسلم عليه وقال له: ما اسمك؟ فقال: اسمي برخ، قال: فأنت طلبتنا منذ حين أخرج فاستسق لنا. فخرج فقال في كلامه: ما هذا من فعالك ولا هذا من حلمك؟ وما الذي بدا لك! أنقصت عليك عيونك أم عاندت الرياح عن طاعتك أم نفد ما عندك أم اشتد غضبك على المذنبين؟ ألست كنت غفاراً قبل خلق الخطائين؟ خلقت الرحمة وأمرت بالعطف، أم ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة، قال فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر وأنبت الله تعالى العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب، قال: فرجع برخ فاستقبله موسى عليه السلام فقال: كيف رأيت حين خاصمت كيف أنصفني؟ فهم موسى عليه السلام به، فأوحى الله تعالى إليه: إن برخاً يضحكني كل يوم ثلاث مرات.

وعن الحسن قال: احترقت أخصاص بالبصرة فبقي في وسطها خص لم يحترق، وأبو موسى يومئذ أمير البصرة، فأخبر بذلك فبعث إلى صاحب الخص، قال: فأتي بشيخ فقال: يا شيخ ما بال خصك لم يحترق؟ قال: إني أقسمت على ربي عز وجل أن لا يحرقه، فقال أبو موسى رضي الله عنه: إني سمعت رسول الله ﭬ يقول: " يكون في أمتي قومشعثة رؤوسهم، دنسة ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم"[50].

قال: ووقع حريق بالبصرة فجاء أبو عبيدة الخواص فجعل يتخطى النار، فقال له أمير البصرة: انظر لا تحترق بالنار، فقال: إني أقسمت على ربي عز وجل أن لا يحرقني بالنار، قال: فاعزم على النار أن تطفأ، قال: فعزم عليها فطفئت.

وكان أبو حفص يمشي ذات يوم فاستقبله رستاقي مدهوش فقال له أبو حفص: ما أصابك؟ فقال: ضل حماري ولا أملك غيره، قال: فوقف أبو حفص وقال: وعزتك لا أخطو خطوة ما لم ترد عليه حماره، قال: فظهر حماره في الوقت ومر أبو حفص رحمه الله.

فهذا وأمثاله يجري لذوي الأنس وليس لغيرهم أن يتشبه بهم.

قال الجنيد رحمه الله: أهل الأنس يقولون في كلامهم ومناجاتهم في خلواتهم أشياء هي كفر عند العامة، وقال مرة: لو سمعها العموم لكفروهم وهم يجدون المزيد في أحوالهم بذلك. وذلك يحتمل منهم ويليق بهم وإليه أشار القائل:


قوم تخالجهم زهو بـسـيدهـم

 

والعبد يزهو على مقدار مولاه
 
 


تاهوا برؤيته عمـا سـواه لـه

 

يا حسن رؤيتهم في عز ما تاهوا
 
ولا تستبعدون رضاه عن العبد بما يغضب به على غيره مهما اختلف مقامهما، ففي القرآن تنبيهات على هذه المعاني لو فطنت وفهمت، فجميع قصص القرآن تنبيهات لأولي البصائر والأبصار حتى ينظروا إليها بعين الاعتبار، فإنما هي عند ذوي الاعتبار من الأسماء.

فأول القصص: قصة آدم عليه السلام وإبليس أما تراهما كيف اشتركا في اسم المعصية والمخالفة ثم تباينا في الاجتباء والعصمة. أما إبليس فأبلس عن رحمته، وقيل إنه من المبعدين. وأما آدم عليه السلام فقيل فيه " وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ".

وقد عاتب الله نبيه ﭬ في الإعراض عن عبد والإقبال على عبد، وهما في العبودية سيان ولكن في الحال مختلفان، فقال: " وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنده تلهى "، وقال في الآخر: " أما من استغنى فأنت له تصدى " وةكذلك أمره بالقعود مع طائفة، فقال عز وجل: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم " وأمره بالإعراض عن غيرهم، فقال: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم " حتى قال: " فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " وقال تعالى: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ".

فكذلك الانبساط والإدلال يحتمل من بعض العباد دون بعض. فمن انبساط الأنس قول موسى عليه السلام: " إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء " وقوله في التعليل والاعتذار لما قيل له: " اذهب إلى فرعون "، فقال: " ولهم على ذنب " وقوله: " إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني "، وقوله: " إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى " وهذا من غير موسى عليه السلام من سوء الأدب لأن الذي أقيم مقام الأنس يلاطف ويحتمل، ولم يحتمل ليونس عليه السلام ما دون هذا لما أقيم مقام القبض والهيبة، فعوقب بالسجن في بطن الحوت - في ظلمات ثلاث - ونودي عليه إلى يوم القيامة " لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ". قال الحسن: العراء هو القيامة. ونهى نبينا ﭬ أن يقتدى به وقيل له: " فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ".

وهذه الاختلافات بعضها لاختلاف الأحوال والمقامات وبعضها لما سبق في الأزل من التفاضل والتفاوت في القسمة بين العباد، وقد قال تعالى: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض "، وقد قال: " منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات " فكان عيسى عليه السلام من المفضلين ولإدلاله سلم على نفسه، فقال: " والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً" وهذا انبساط منه لما شاهد من اللطف في مقام الأنس.

وأما يحيى بن زكريا عليه السلام فإنه أقيم مقام الهيبة والحياء فلم ينطق حتى أثنى عليه خالقه، فقال: " وسلام عليه ".

وانظر كيف احتمل لأخوة يوسف ما فعلوه بيوسف وقد قال بعض العلماء: قد عددت من أول قوله تعالى: " إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا " إلى رأس العشرين من إخباره تعالى عن زهدهم فيه نيفاً وأربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض، وقد يجتمع في الكلمة الواحدة الثلاث والأربع - فغفر لهم وعفا عنهم ولم يحتمل العزيز في مسألة واحدة سأل عنها في القدر، حتى قيل مُحِيَ من ديوان النبوة! وكذلك كان بلعام بن باعوراء من أكابر العلماء فأكل الدنيا بالدين فلم يحتمل له ذلك.

وكان آصف من المسرفين وكانت معصيته في الجوارح فعفا عنه. فقد روي أن الله تعالى أحوى إلى سليمان عليه السلام: يا رأس العابدين ويا ابن محجة الزاهدين إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف وأنا أحلم عليه مرة بعد مرة فو عزتي وجلالي لئن أخذته عصفة من عصفاتي عليه لأتركنه مثلة لمن معه ونكالاً لمن بعده، فلما دخل آصف على سليمان عليه السلام أخبره بما أوحى الله تعالى إليه فخرج حتى علا كثيباً من رمل، ثم رفع رأسه ويديه نحو السماء وقال: إلهي وسيدي أنت أنت وأنا أنا فكيف أتوب إن لم تتب علي وكيف أستعصم؟ إن لم تعصمني لأعودن، فأوحى الله تعالى إليه: صدقت يا آصف أنت أنت وأنا أنا أستقبل التوبة وقد تبت عليك وأنا التواب الرحيم، وهذا كلام مدل به عليه وهارب منه إليه وناظر به إليه.

وفي الخبر: إن الله تعالى أوحى إلى عبد تداركه أن كان أشفى على الهلكة كم من ذنب واجهتني به غفرته لك وقد أهلكت في دونه أمة من الأمم، فهذه سنة الله تعالى في عباده بالتفضيل والتقديم والتأخير على ما سبقت به المشيئة الأزلية.

وهذه القصص وردت في القرآن لتعرف بها سنة الله في عباده الذي خلوا من قبل، فما في القرآن شيء إلا وهو هدى ونور وتعرف من الله تعالى إلى خلقه، فتارة يتعرف إليهم بالتقديس فيقول: " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد " وتارة يتعرف إليهم بصفات جلاله فيقول: " الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر " وتارة يتعرف إليهم في أفعاله المخوفة والمرجوة فيتلو عليهم سنته في أعدائه وفي أنبيائه فيقول: " ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد - ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ".

ولا يعدو القرآن هذه الأقسام الثلاثة وهي: الإرشاد إلى معرفة ذات الله وتقديسه، أو معرفة صفاته وأسمائه، أو معرفة أفعاله وسنته مع عباده، ولما اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس وازنها رسول الله ﭬ بثلث القرآن فقال: "من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن"[51] لأن منتهى التقديس أن يكون واحداً في ثلاثة أمور، لا يكون حاصلاً منه من هو نظيره وشبهه، ودل عليه قوله " لم يلد " ولا يكون حاصلاً ممن هو نظيره وشبهه، ودل عليه قوله " ولم يولد " ولا يكون في درجته وإن لم يكن أصلاً له ولا فرعاً من هو مثله، ودل عليه قوله: " ولم يكن له كفواً أحد " ويجمع جميع ذلك قوله تعالى: " قل هو الله أحد " وجملته تفصيل قول " لا إله إلا الله " فهذه أسرار القرآن ولا تتناهى أمثال هذه الأسرار في القرآن " ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين " ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: نوروا القرآن والتمسوا غرائب ففيه علم الأولين والآخرين، وهو كما قال، ولا يعرفه إلا من طال في آحاد كلماته فكره وصفا له فهمه حتى تشهد له كل كلمة منه بأنه كلام جبار قاهر مليك قادر وأنه خارج عن حد استطاعة البشر. وأكثر أسرار القرآن معبأة في طي القصص والأخبار، فكن حريصاً على استنباطها ليكشف لك فيه من العجائب ما تستحقر معه العلوم المزخرفة الخارجة عنه. فهذا ما أردنا ذكره من معنى الأنس والانبساط الذي هو ثمرته وبيان تفاوت عباد الله فيه والله سبحانه وتعالى أعلم.

القول في معنى الرضا بقضاء الله تعالى وحقيقته وما ورد في فضيلته اعلم أن الرضا ثمرة من ثمار المحبة وهو من أعلى مقامات المقربين وحقيقته غامضة على الأكثرين، وما يدخل عليه من التشابه والإبهام غير منكشف إلا لمن علمه الله تعالى التأويل وفهمه وفقهه في الدين، فقد أنكر منكرون تصور الرضا بما يخالف الهوى ثم قالوا: إن أمكن الرضا بكل شيء لأنه فعل الله فينبغي أن يرضى بالكفر والمعاصي وانخدع بذلك قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسوق وترك الاعتراض والإنكار من باب التسليم لقضاء الله تعالى. ولو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول الله ﭬ لابن عباس حيث قال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"[52] فلنبدأ ببيان فضيلة الرضا، ثم بحكايات أحوال الراضين، ثم تذكر حقيقة الرضا وكيفية تصوره فيما يخالف الهوى، ثم نذكر ما يظن أنه من تمام الرضا وليس منه كترك الدعاء والسكوت على المعاصي.

بيان فضيلة الرضا أما من الآيات فقوله تعالى: " رضي الله عنهم ورضوا عنه "، وقد قال تعالى: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " ومنتهى الإحسان رضا الله عن عبده وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى.
وقال تعالى: " ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر " فقد رفع الله الرضا فوق جنات عدن كما رفع ذكره الصلاة حيث قال: " إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر " فكما أن مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة بل هو غاية مطلب سكان الجنان.


وفي الحديث: " إن الله تعالى يتجلى للمؤمنين فيقول سلوني فيقولون رضاك"[53] فسؤالهم الرضا بعد النظر نهاية التفضيل. وأما رضا العبد فسنذكر حقيقته، وأما رضوان الله تعالى عن العبد فهو بمعنى آخر يقرب مما ذكرناه في حب الله للعبد، ولا يجوز أن يكشف إذ تقصر أفهام الخلق عن دركه ومن يقوى عليه فيستقل بإدراكه من نفسه. وعلى الجملة فلا رتبة فوق النظر إليه فإنما سألوه الرضا لأنه سبب دوام النظر، فكأنهم رأوه غاية الغايات وأقصى الأماني لما ظفروا بنعيم النظر، فلما أمروا بالسؤال لم يسألوا إلا دوامه وعلموا أن الرضا هو سبب دوام رفع الحجاب.

وقال الله تعالى: " ولدينا مزيد ". قال بعض المفسرين: يأتي أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين؛ أحداها: هدية من عند الله تعالى ليس عندهم في الجنان مثلها فذلك قوله تعالى: " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " والثانية: السلام عليهم من ربهم، فيزيد ذلك على الهدية فضلاً وهو قوله تعالى: " سلام قولاً من رب رحيم " والثالثة: يقول الله تعالى: إني عنكم راض فيكون ذلك أفضل من الهدية والتسليم فذلك قوله تعالى: " ورضوان من الله أكبر " أي من النعيم الذي هم فيه فهذا فضل رضا الله تعالى وهو ثمرة رضا العبد.

وأما من الأخبار: فقد روي أن النبي ﭬ سأل طائفة من أصحابه: " ما أنتم " فقالوا: مؤمنون، فقال: " ما علامة إيمانكم " فقالوا: نصبر على البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء، فقال: " مؤمنون ورب الكعبة"[54].

وفي خبر آخر أنه قال: " حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء"[55].

وفي الخبر " طوبى لمن هدي للإسلام وكان رزقه كفافاً ورضي به"[56].

وقال ﭬ: " من رضي من الله تعالى بالقليل من الرزق رضي الله تعالى منه بالقليل من العمل"[57]. وقال أيضاً: " إذا أحب الله تعالى عبداً ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه " وقال أيضاً: " إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى لطائفة من أمتي أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان يسرحون فيها ويتنعمون فيها كيف شاؤوا، فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم الحساب؟ فيقولون: ما رأينا حساباً، فتقول لهم: هل جزتم الصراط؟ فيقولون: ما رأينا صراطاً، فتقول لهم: هل رأيتم جهنم؟ فيقولون: ما رأينا شيئاً، فتقول الملائكة: من أمة من أنتم؟ فيقولون: من أمة محمد ﭬ، فتقول: ناشدناكم الله حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا، فيقولون: خصلتان كانتا فينا فبلغنا هذه المنزلة بفضل رحمة الله، فيقولون: وما هما؟ فيقولون: كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ونرضى باليسير مما قسم لنا، فتقول الملائكة: يحق لكم هذا"[58].

وقال ﭬ: " يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا"[59].

وفي أخبار موسى عليه السلام؛ إن بني إسرائيل قالوا له: سل لنا ربك أمراً إذا نحن فعلناه يرضى به عنا، فقال موسى عليه السلام: إلهي قد سمعت ما قالوا. فقال: يا موسى قل لهم يرضون عنهم. ويشهد لهذا ما روي عن نبينا ﭬ أنه قال: " من أحب أن يعلم ما له عند الله عز وجل فلينظر ما لله عز وجل عنده، فإن الله تبارك وتعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه"[60].

وفي أخبار داود عليه السلام: ما لأوليائي والهم بالدنيا، إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، يا داود إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمون.

وروي أن موسى عليه السلام قال: يا رب دلني على أمر فيه رضاك حتى أعمله، فأوحى الله تعالى إليه: إن رضاي في كرهك وأنت لا تصبر على ما تكره، قال: يا رب دلني عليه، قال: فإن رضاي في رضاك بقضائي.

وفي مناجاة موسى عليه السلام: أي رب أي خلقك أحب إليك؟ قال: من إذا أخذت منه المحبوب سالمني، قال: فأي خلقك أنت عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في الأمر فإذا قضيت له سخط قضائي.
وقد روي ما هو أشد من ذلك وهو أن الله تعالى قال: " أنا الله لا إله إلا أنا من لم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي ولم يرض بقضائي فليتخذ رباً سواي"
[61] ومثله في الشدة قوله تعالى فيما أخبر عنه نبينا ﭬ أنه قال: " قال الله تعالى: قدرت المقادير ودبرت التدبير وأحكمت الصنع، فمن رضي فله الرضا مني حتى يلقاني ومن سخط فله السخط مني حتى يلقاني"[62].

وفي الخبر المشهور " يقول الله تعالى: خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه، وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه، وويل ثم ويل لمن قال لم وكيف"[63].

وفي الأخبار السالفة أن نبياً من الأنبياء شكا إلى الله عز وجل الجوع والفقر والقمل عشر سنين فما أجيب إلى ما أراد، ثم أوحى الله تعالى إليه كم تشكو، هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات والأرض وهكذا سبق لك مني وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا، أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب ويكون ما تريد فوق ما أريد، وعزتي وجلالي لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من الديوان النبوة.

وروي أن آدم عليه السلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه وينزلون - يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه، ثم ينزل على أضلاعه كذلك وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه - فقال له بعض ولده: يا أبت! أما ترى ما يصنع هذا بك لو نهيته عن هذا! فقال: يا بني إني رأيت ما لم تروا، وعلمت ما لم تعلموا، إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان ومن دار النعيم إلى دار الشقاء، فأخاف أن أتحرك فيصيبني ما لا أعلم.

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: " خدمت رسول الله ﭬ عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته، ولا قال لشيء كان ليته لم يكن، ولا في شيء لم يكن ليتهم كان، وكان إذا خاصمني مخاصم من أهله يقول دعوه لو قضي شيء لكان "[64].

ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: يا داود إنك تريد وأريد وإنما يكون ما أريد، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.

وأما الآثار: فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذي يحمدون الله تعالى على كل حال.

وقال عمر بن عبد العزيز: ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر، وقيل له: ما تشتهي؟ فقال: ما يقضي الله.
وقال ميمون بن مهران: من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء.


وقال الفضيل: إن لم تصبر على تقدير الله لم تصبر على تقدير نفسك.

وقال عبد العزيز بن أبي رواد: ليس الشأن في أكل خبز الشعير والخل ولا في لبس الصوف والشعر، ولكن الشأن في الرضا عن الله عز وجل.

وقال عبد الله بن مسعود: لأن الحس جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت أحب إلي من أن أقول لشيء كان ليته لم يكن، أو لشيء لم يكن ليته كان.

ونظر رجل إلى قرحة في رجل محمد بن واسع. فقال: إني لأرحمك من هذه القرحة، فقال: إني لأشكرها منذ خرجت إذ لم تخرج في عيني.

وروي في الإسرائيليات: أن عابداً عبد الله دهراً طويلاً فأري في المنام، فلانة الراعية رفيقتك في الجنة؛ فسأل عنها إلى أن وجدها فاستضافها ثلاثاً لينظر إلى عملها، فكان يبيت قائماً وتبيت نائمة ويظل صائمة وتظل مفطرة. فقال: أما لك عمل غير ما رأيت؟ فقالت: ما هو والله إلا ما رأيت لا أعرف غيره. فلم يزل يقول: تذكري، حتى قالت: خصيلة واحدة هي في؛ إن كنت في شدة لم أتمن أن أكون في رخاء، وإن كنت في مرض لم أتمن أن أكون في صحة، وإن كنت في الشمس لم أتمن أن أكون في الظل، فوضع العابد يده على رأسه وقال: أهذه خصيلة؟ هذه والله خصلة عظيمة يعجز عنها العباد.

وعن بعض السلف: إن الله تعالى إذا قضى في السماء قضاء أحب من أهل الأرض أن يرضوا بقضائه.

وقال أبو الدرداء: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر.

وقال عمر رضي الله عنه: ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت من شدة أو رخاء.

وقال الثوري يوماً عن رابعة: اللهم ارض عني، فقالت: أما تستحي من الله أن تسأله الرضا وأنت غير راض؟ فقال: أستغفر الله، فقال جعفر بن سليمان الضبعي: فمتى يكون العبد راضياً عن الله تعالى؟ قالت: إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة.

وكان الفضيل يقول: إذا استوى عنده المنع والعطاء فقد رضي عن الله تعالى.

وقال أحمد بن أبي الحواري: قال أبو سليمان الداراني إن الله عز وجل من كرمه قد رضي من عبيده بما رضي العبيد من مواليهم قلت: وكيف ذاك؟ قال: أليس مراد العبد من الخلق أن يرضى عنه مولاه قلت: نعم، قال: فإن محبة الله من عبيده أن يرضوا عنه.

وقال سهل: حظ العبيد من اليقين على قدر حظهم من الرضا وحظهم من الرضا على قدر عيشهم مع الله عز وجل.

وقال النبي ﭬ: " إن الله عز وجل بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في الشك والسخط"[65].

بيان حقيقة الرضا وتصوره فيما يخالف الهوى اعلم أن من قال: ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر فأما الرضا فلا يتصور؟ فإنما أتى من ناحية إنكار المحبة. فأما إذا ثبت تصور الحب لله تعالى واستغراق الهم به فلا يخفى أن الحب يورث الرضا بأفعال الحبيب، ويكون ذلك من وجهين: أحدهما أن يبطل الإحساس بالألم حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس، وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمها، ومثاله: الرجل المحارب فإنه غضبه أو في حال خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بألم ذلك لشغل قلبه. بل الذي يحجم رأسه بحديدة كآلة يتألم به، فإن كان مشغول القلب بمهم من مهماته فرغ المزين والحجام وهو لا يشعر به. وكل ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقاً بأمر من الأمور مستوفى به لم يدرك ما عداه، فكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة معشوقه أو بحبه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم له لولا عشقه، ثم لا يدرك غمه وألمه لفرطه استيلاء الحب على قلبه. هذا إذا أصابه من غير حبيبه! فكيف إذا أصابه من حبيبه؟ وشغل القلب بالحب والعشق من أعظم الشواغل، وإذا تصور هذا في ألم يسير بسبب حب خفيف تصور في الألم العظيم بالحب العظيم، فإن الحب أيضاً يتصور تضاعفه في القوة كما يتصور تضاعف الألم، وكما يقوى حب الصور الجميلة المدركة بحاسة البصر فكذا يقوى حب الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور البصيرة، وجمال حضرة الربوبية وجلالها لا يقاس به جمال ولا جلال، فمن ينكشف له شيء منه فقد يبهره بحث يدهش يغشى عليه فلا يحس بما يجري عليه. فقد روي أن امرأة فتح الموصلي عثرت فانقطع ظفرها فضحكت، فقيل لها: أما تجدين الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه.

وكان سهل رحمه الله تعالى به علة يعالج غيره منها ولا يعالج نفسه، فقيل له في ذلك فقال: يا دوست ضرب الحبيب لا يوجع!.

وأما الوجه الثاني: فهو أن يحس به ويدرك ألمه ولكن يكون راضياً به بل راغباً فيه مريداً له - أعني بعقله - وإن كان كارهاً بطبعه، كالذي يلتمس من الفصاد الفصد والحجامة فإنه يدرك ألم ذلك إلا انه راض به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد به منة بفعله، فهذا حال الراضي بما يجري عليه من الألم. وكذلك المسافر في طلبالربح يدرك مشقة السفر ولكن حبه لثمرة سفره طيب عنده مشقة السفر وجعله راضياً بها. ومهما أصابه بلية من الله تعالى وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما فاته رضي به ورغب فيه وأحبه وشكر الله عليه. هذا إن كان يلاحظ الثواب والإحسان الذي يجازى به عليه، ويجوز أن يغلب الحب بحيث يكون حظ المحب في مراد محبوبه ورضاه لا لمعنى آخر وراءه، فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوباً عنده ومطلوباً، وكل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق وقد تواصفها المتواصفون في نظمهم ونثرهم، ولا معنى له إلا ملاحظة جمال الصورة الظاهرة بالبصر، فإن نظر إلى الجمال فما هو إلا جلد ولحم ودم مشحون بالأقذار والأخباث بدايته من نطفة مذرة ونهايته جيفة قذرة وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، وإن نظر إلى المدرك للجمال فهي العين الخسيسة التي تغلط فيما ترى كبيراً، فترى الصغير كبيراً والكبير صغيراً والبعيد قريباً والقبيح جميلاً، فإذا تصور استيلاء هذا الحب فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال الأزلي الأبدي الذي لا منتهى لكماله المدرك بعين البصيرة التي لا يعتريها الغلط ولا يدور بها الموت بل تبقى بعد الموت؟ حية عند الله فرحة برزق الله تعالى مستفيدة بالموت مزيد تنبيه واستكشاف؟ فهذا أمر واضح من حيث النظر بعين الاعتبار، ويشهد لذلك الوجود وحكايات أحوال المحبين وأقوالهم.

فقد قال شقيق البلخي: من يرى ثواب الشدة لا يشتهي المخرج منها؟ وقال الجنيد: سألت سرياً السقطي هل يجد المحب ألم البلاء؟ قال: لا، قلت: وإن ضرب بالسيف! قال: نعم، وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة - ضربة على ضربة.

وقال بعضهم: أحببت كل شيء يحبه حتى لو أحب النار أحببت دخول النار.

وقال بشر بن الحارث: مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل إلى الحبس، فتبعته فقلت له: لم ضربت؟ فقال: لأني عاشق، فقلت له: ولم سكت؟ قال: لأن معشوقي كان بحذائي ينظر إلي، فقلت: فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر! قال: فزعق زعقة خر ميتاً.

وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى: إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى ذهبت عيونهم في قلوبهم من لذة النظر إلى الله تعالى ثلاثمائة سنة لا ترجع إليهم، فما ظنك بقلوب وقعت بين جماله وجلاله؟ إذا لاحظت جلاله هابت وإذا لاحظت جماله تاهت!.

وقال بشر: قصدت عبادان في بدايتي فإذا برجل أعمى مجذوم مجنون قد صرع والنمل يأكل لحمه، فرفعت رأسه فوضعته في حجري وأنا أردد الكلام، فلما أفاق قال: من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي لو قطعني إرباً إرباً ما ازددت له إلا حباً؟ قال بشر: فما رأيت بعد ذلك نقمة بين عبد وبين ربه فأنكرتها.
وقال أبو عمرو محمد بن الأشعث إن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم غذاء إلا النظر إلى وجه يوسف الصديق عليه السلام، كانوا إذا جاعوا نظروا إلى وجهه فشغلهم بجماله عن الإحساس بألم الجوع. بل في القرآن ما هو أبلغ من ذلك وهو قطع النسوة أيديهن لاستهتارهن بملاحظة جماله حتى ما أحسسن بذلك.
وقال سعيد بن يحيى: رأيت بالبصرة في خان عطاء بن مسلم شاباً وفي يده مدية وهو ينادي بأعلى صوته والناس حوله وهو يقول:



يوم الفراق من القيامة أطـول

 

والموت من ألم الفراق أجمل

قالوا الرحيل فقلت لست براحل

 

لكن مهجتي التي تـتـرحـل
 
ثم بقر بالمدية بطنه وخر ميتاً، فسألت عنه وعن أمره فقيل لي إنه كان يهوى فتى لبعض الملوك حجب عنه يوماً واحداً.

ويروى أن يونس عليه السلام قال لجبريل: دلني على أعبد أهل الأرض؟ فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه وذهب ببصره، فسمعه وهو يقول: إلهي متعتني بهما ما شئت أنت، وسلبتني ما شئت أنت، وأبقيت لي فيك الأمل يا بر يا وصول.

ويروى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه اشتكى له ابن فاشتد وجده عليه حتى قال بعض القوم: لقد خشينا على هذا الشيخ إن حدث بهذا الغلام حدث، فمات الغلام فخرج ابن عمر في جنازته وما رجل أشد سروراً أبداً منه. فقيل له في ذلك، فقال ابن عمر: إنما كان حزني رحمة له، فلما وقع أمر الله رضينا به.

وقال مسروق: كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك، فالديك يوقظهم للصلاة، والحمار ينقلون عليه الماء ويحمل لهم خباءهم، والكلب يحرسهم، قال: فجاء الثعلب فأخذ الديك، فحزنوا له وكان الرجل صالحاً فقال: عسى أن يكون خيراً، ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار فقتله، فحزنوا عليه فقال الرجل: عسى أن يكون خيراً، ثم أصيب الكلب بعد ذلك فقال: عسى أن يكون خيراً، ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من حولهم وبقوا هم. قال: وإنما أخذوا أولئك لما كان عندهم من أصوات الكلاب والحمير والديكة، فكانت الخيرة لهؤلاء في هلاك هذه الحيوانات كما قدره الله تعالى. فإذن من عرف خفي لطف الله تعالى رضي بفعله على كل حال.

ويروى أن عيسى عليه السلام مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجبين بفالج وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلي به كثيراً من خلقه، فقال له عيسى: يا هذا أي شيء من البلاء أراه مصروفاً عنك؟ فقال: يا روح الله أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته، فقال له: صدقت هات يدك، فناوله يده فإذا هو أحسن الناس وجهاً وأفضلهم هيئة! وقد أذهب الله عنه ما كان به، فصحب عيسى عليه السلام وتعبد معه.

وقطع عروة بن الزبير رجله - من ركبته - من أكلة خرجت بها ثم قال: الحمد لله الذي أخذ مني واحدة وايمك لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت فقد عافيت، ثم لم يدع ورده تلك الليلة.

وكان ابن مسعود يقول: الفقر والغنى مطيتان ما أبالي أيتهما ركبت؟ إن كان الفقر فإن فيه الصبر وإن كان الغنى فإن فيه البذل.

وقال أبو سليمان الداراني: قلت قد نلت من كل مقام حالاً إلا الرضا فما لي منه إلا مشام الريح، وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار كنت بذلك راضياً.

وقيل لعارف آخر: هل نلت غاية الرضا عنه؟ فقال: أما الغاية فلا، ولكن مقام الرضا قد نلته، لو جعلني جسراً على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة ثم ملأ بي جهنم - تحلة لقسمه وبدلاً من خليقته - لأحببت ذلك من حكمه ورضيت به من قسمه.

وهذا كلام من علم أن الحب قد استغرق همه حتى منعه الإحساس بألم النار. فإن بقي إحساس فيغمره ما يحصل من لذته في استشعاره حصول رضا محبوبه بإلقائه إياه في النار. واستيلاء هذه الحالة غير محال في نفسه وإن كان بعيداً من أحوالنا الضعيفة، ولكن لا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم أحوال الأقوياء ويظن أن ما هو عاجز عنه يعجز عنه الأولياء.

وقال الروذباري: قلت لأبي عبد الله بن الجلاء الدمشقي: قول فلان؛ وددت أن جسدي قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق أطاعوه؛ ما معناه؟ فقال: يا هذا إن كان هذا من طريق التعظيم والإجلال فلا أعرف وإن كان هذا من طريق الإشفاق والنصح للخلق فأعرف، قال: ثم غشي عليه.

وقد كان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد - قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته - فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء فجعل يبكي لما يراه من حاله، فقال: لم تبكي؟ قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة! قال: لا تبك فإن أحبه إلى الله تعالى أحبه إلي! ثم قال: أحدثك شيئاً لعل الله أن ينفعك به، واكتم علي حتى أموت، إن الملائكة تزورني فآنس بها وتسلم علي فأسمع تسليمها فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة إذ هو سبب هذه النعمة الجسيمة! فمن يشاهد هذا في بلائه كيف لا يكون راضياً به؟ قال: ودخلنا على سويد بن متعبة نعوده، فرأينا ثوباً ملقى فما ظننا أن تحته شيئاً حتى كشف، فقالت له امرأته: أهلي فداؤك ما نطعمك ما نسقيك؟ فقال: طالت الضجعة ودبرت الحراقيف وأصبحت نضواً ولا أطعم طعاماً ولا أسيغ شراباً منذ كذا، فذكر أياماً، وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر.

ولما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة - وقد كان كف بصره - جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعوا لهذا ولهذا - وكان مجاب الدعوة - قاله عبد الله بن السائب: فأتيته وأن غلام فتعرفت عليه فعرفني وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم، فذكر قصة قال في آخرها: فقلت له: يا عم أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك! فتبسم وقال: يا بني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري! وضاع لبعض الصوفية ولد صغير من ثلاثة أيام لم يعرف له خبر، فقيل له: لو سألت الله تعالى أن يرده عليك، فقال: اعتراضي عليه فيما قضي أشد علي من ذهاب ولدي. وعن بعض العباد أنه قال: إني أذنبت ذنباً عظيماً فأنا أبكي عليه منذ ستين سنة - وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من الذنب - فقيل له: وما هو؟ قال: قلت مرة لشيء كان، ليته لم يكن.

وقال بعض السلف: لو قرض جسمي بالمقاريض لكان أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله تعالى سبحانه ليته لم يقضه.

وقيل لعبد الواحد بن زيد: ههنا رجل قد تعبد خمسين سنة، فقصده فقال له: يا حبيبي أخبرني عنك هل قنعت به؟ قال: لا، قال: أنست به؟ قال: لا، قال: فهل رضيت عنه؟ قال: لا، قال: فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة؟ قال: نعم. قال: لولا أني أستحيي منك لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة! ومعناه أنك لم يفتح لك باب القلب فتترقى إلى درجات القرب بأعمال القلب، وإنما أنت تعد في طبقات أصحاب اليمين، لأن مزبدك منه في أعمال الجوارح التي هي مزبد أهل العموم.

ودخل جماعة من الناس على الشبلي رحمه الله تعالى في مارستان قد حبس فيه وقد جمع بين يديه حجارة، فقال: من أنتم؟ فقالوا: محبوك، فأقبل عليهم يرميهم بالحجارة فتهاربوا فقال: ما بالكم ادعيتم محبتي إن صدقتم فاصبروا على بلائي!.

وللشبلي رحمه الله تعالى:


إن المحبة للرحمن أسكـرنـي

 

وهل رأيت محباً غير سكران؟
 
وقال بعض عباد أهل الشام: كلكم يلقى الله عز وجل مصدقاً ولعله قد كذبه، وذلك أن أحدكم لو كان له إصبع من ذهب ظل يشير بها، ولو كان بها شلل ظل يواريها؛ يعني بذلك أن الذهب مذموم عند الله والناس يتفاخرون به، والبلاء زينة أهل الآخرة وهم يستنكفون منه.

وقيل إنه وقع الحريق في السوق فقيل للسري: احترق السوق وما احترق دكانك! فقال: الحمد لله ، ثم قال: كيف قلت الحمد لله على سلامتي دون المسلمين! فتاب من التجارة وترك الحانوت بقية عمره توبة واستغفاراً من قوله الحمد لله.

فإذا تأملت هذه الحكايات عرفت قطعاً أن الرضا بما يخالف الهوى ليس مستحيلاً بل هو مقام عظيم من مقامات أهل الدين. ومهما كان ذلك ممكناً في حب الخلق وحظوظهم كان ممكناً في حق حب الله تعالى وحظوظ الآخرة قطعاً. وإمكانه من وجهين: أحدهما الرضا بالألم لما يتوقع من الثواب الموجود كالرضا بالفصد والحجامة وشرب الدواء انتظاراً للشفاء.

والثاني الرضا به لا لحظ وراءه بل لكونه مراد المحبوب ورضا له، فقد يغلب الحب بحيث ينغمر مراد الحب في مراد المحبوب، فيكون ألذ الأشياء عنده سرور قلب محبوبه ورضاه ونفوذ إرادته ولو في هلاك روحه. كما قيل:


فما الجرح إذا أرضاكم ألم
 
وهذا ممكن مع الإحساس بالألم، وقد يستولي الحب بحيث يدهش عن إدراك الألم، فالقياس والتجربة والمشاهدة دالة على وجوده، فلا ينبغي أن ينكره من فقده من نفسه! لأنه إنما فقده لفقد سببه وهو فرط حبه، ومن لم يذق طعم الحب لم يعرف عجائبه فللمحبين عجائب أعظم مما وصفناه.

وقد روي عن عمر بن الحارث الرافعي قال: كنت في مجلس بالرقة عند صديق لي، وكان معنا فتى يتعشق جارية مغنية، وكانت معنا في المجلس فضربت بالقضيب وغنت:


علامة ذل الهـوى

 

على العاشقين البكا

ولا سيما عـاشـق

 

إذا لم يجد مشتكى
 
فقال لها الفتى: أحسنت والله يا سيدتي أفتأذنين لي أن أموت! فقالت: مت راشداً! قال: فوضع رأسه على الوسادة وأطبق فمه وغمض عينيه، فحركناه فإذا هو ميت.

وقال الجنيد: رأيت رجلاً متعلقاً بكم صبي وهو يتضرع إليه ويظهر له المحبة، فالتفت إليه الصبي وقال له: إلى متى ذا النفاق الذي تظهر لي؟ فقال: قد علم الله أني صادق فيما أورده، حتى لو قلت لي مت لمت، فقال: إن كنت صادقاً فمت، قال: فتنحى الرجل وغمض عينيه فوجد ميتاً.

وقال سمنون المحب: كان في جيراننا رجل وله جارية يحبها غاية الحب، فاعتلت الجارية فجلس الرجل ليصلح لها حيساً، فبينما هو يحرك القدر إذ قالت الجارية آه! قال: فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى سقطت أصابعه! فقالت الجارية: ما هذا؟ قال: هذا مكان قولك آه.
وحكي عن محمد بن عبد الله البغدادي قال: رأيت بالبصرة شاباً على سطح مرتفع وقد أشرف على الناس وهو يقول:



من مات عشقاً فليمت هكذا

 

لا خير في عشق بلا موت!
 
ثم رمى بنفسه الأرض، فحملوه ميتاً. فهذا وأمثاله قد يصدق به في حب المخلوق والتصديق به في حب الخالق أولى، لأن البصيرة الباطنة أصدق من البصر الظاهر، وجمال الحضرة الربانية أوفى من كل جمال، بل كل جمال في العالم فهو حسنة من حسنات ذلك الجمال. نعم الذي فقد البصر ينكر جمال الصور، والذي فقد السمع ينكر لذة الألحان والنغمات الموزونة، فالذي فقد القلب لا بد وأن ينكر أيضاً هذه اللذات التي لا مظنة لها سوى القلب.

بيان أن الدعاء غير مناقض للرضا ولا يخرج صاحبه عن مقام الرضا، وكذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها ومقت أسبابها والسعي في إزالتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يناقضه أيضاً. وقد غلط في ذلك بعض البطالين المغترين وزعم أن المعاصي والفجور والكفر من قضاء الله وقدره عز وجل فيجب الرضا به، وهذا جهل بالتأويل وغفلة عن أسرار الشرع.

فأما الدعاء فقد تعبدنا به، وكثرت دعوات رسول الله ﭬ وسائر الأنبياء عليهم السلام - على ما نقلناه في كتاب الدعوات - تدل عليه. ولقد كان رسول الله ﭬ في أعلى المقامات من الرضا. وقد أثنى الله تعالى على بعض عباده بقوله "ويدعوننا رغباً رهباً " وأما إنكار المعاصي وكراهتها وعدم الرضا بها فقد تعبد الله به عباده وذمهم على الرضا به فقال: " ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها "، وقال تعالى: " رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم ".

وفي الخبر المشهور " من شهد منكراً فرضي به فكأنه قد فعله ".

وفي الحديث " الدال على الشر كفاعله"[66].

وعن ابن مسعود: إن العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر صاحبه وقيل: وكيف ذلك؟ قال: يبلغه فيرضى به.

وفي الخبر " لو أن عبداً قتل بالمشرق ورضي بقتله آخر بالمغرب كان شريكاً في قتله"[67].

وقد أمر الله تعالى بالحسد والمنافسة في الخيرات وتوقي الشرور فقال تعالى: " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".
وقال النبي ﭬ: " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله حكمة فهو يبثها في الناس ويعلمها ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق"
[68]. وفي لفظ آخر " ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار فيقول الرجل لو آتاني الله مثل هذا لفعلت مثل ما يفعل".

وأما بغض الكفار والإنكار عليهم ومقتهم فما ورد فيه من شواهد القرآن والأخبار لا يحصى مثل قوله تعالى " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ".

وقال تعالى: " يا أيها الذي آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ".

وقال تعالى: " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً ".

وفي الخبر: " إن الله تعالى أخذ الميثاق على كل مؤمن أن يبغض كل منافق وعلى كل منافق أن يبغض كل مؤمن"[69].

وقال عليه السلام: " المرء مع من أحب"[70] وقال: " من أحب قوماً ووالاهم حشر معهم يوم القيامة"[71].
وقال عليه السلام: " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله"
[72]. وشواهد هذا قد ذكرناها في بيان الحب والبغض في الله تعالى من كتاب آداب الصحبة، وفي كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلا نعيده.

فإن قلت: فقد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء الله تعالى[73] فإن كانت المعاصي بغير قضاء الله تعالى فهو محال وهو قادح في التوحيد، وإن كانت بقضاء الله تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء الله تعالى، وكيف السبيل إلى الجمع وهو متناقض على هذا الوجه وكيف يمكن الجمع بين الرضا والكراهة في شيء واحد؟ فاعلم أن هذا مما يلتبس على الضعفاء القاصرين عن الوقوف على أسرار العلوم، وقد التبس على قوم حتى رأوا السكوت عن المنكر مقاماً من مقامات الرضا وسموه حسن الخلق وهو جهل محض، بل نقول الرضا والكراهة يتضادان إذا تواردا على شيء واحد من جهة واحدة على وجه واحد، فليس من التضاد في شيء واحد أن يكرهه من وجه ويرضى به من وجه؛ إذ قد يموت عدوك الذي هو أيضاً عدو بعض أعدائك وساع في إهلاكه، فتكره موته من حيث إنه مات عدو عدوك وترضاه من حيث إنه مات عدوك. وكذلك المعصية لها وجهان وجه إلى الله تعالى من حيث إنه فعله واختياره وإرادته، فيرضى به من هذا الوجه تسليماً لذلك للملك إلى مالك الملك ورضا بما يفعله فيه، ووجه إلى العبد من حيث إنه كسبه ووصفه وعلامة كونه ممقوتاً عند الله وبغيضاً عنده حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت، فهو من هذا الوجه منكر ومذموم. ولا ينكشف هذا لك إلا بمثال:

فلنفرض محبوباً من الخلق قال بين يدي محبيه: إني أريد أن أميز بين من يحبني ويبغضني، وأنصب فيه معياراً صاجقاً وميزناً ناطقاً وهو أني أقصد إلى فلان فأؤذيه وأضربه ضرباً يضطره ذلك إلى الشتم لي. حتى إذا شتمني أبغضته واتخذته عدواً لي، فكل من أحبه أعلم أيضاً أنه عدوي، وكل من أبغضه أعلم أنه صديقي ومحبي. ثم فعل ذلك وحصل مراده من الشتم الذي هو سبب البغض وحصل البغض الذي هو سبب العداوة. فحق على كل من هو صادق في محبته وعالم بشروط المحبة أن يقول: أما تدبيرك في إيذاء هذا الشخص وضربه وإبعاده وتعريضك إياه للبغض والعداوة - فأنا محب له وراض به فإنه رأيك وتدبيرك وفعلك وإرادتك! وأما شتمه إياك فإنه عدوان من جهته إذ كان حقه أن يصبر ولا يشتم، ولكنه كان مرادك منه؛ فإنك قصدت بضربه استنطاقه بالشتم الموجب للمقت، فهو من حيث إنه حصل على وفق مرادك وتدبيرك الذي دبرته فأنا راض به، ولو لم يحصل لكان ذلك نقصاناً في تدبيرك وتعويقاً في مرادك، وأنا كاره لفوات مرادك، ولكنه من حيث إنه وصف لهذا الشخص وكسب له وعدوان وتهجم منه عليك على خلاف ما يقتضيه جمالك إذ كان ذلك يقتضي أن يحتمل منك الضرب ولا يقابل بالشتم، فأنا كاره له من حيث نسبته إليه ومن حيث هو وصف له لا من حيث هو مرادك ومقتضى تدبيرك وأما بغضك له بسبب شتمك فأنا راض به ومحب له لأنه مرادك وأنا على موافقتك أيضاً مبغض له، لأن شرط المحب أن يكون لحبيب المحبوب حبيباً ولعدوه عدواً. وأما بغضه لك فإني أرضاه من حيث إنك أردت أن يبغضك إذ أبعدته عن نفسك وسلطت عليه دواعي البغض، ولكني أبغضه من حيث إنه وصف ذلك المبغض وكسبه وفعله وأمقته لذلك، فهو ممقوت عندي لمقته إياك، وبغضه ومقته لك أيضاً عندي مكروه من حيث أنه وصفه وكل ذلك من حيث إنه مرادك فهو مرضي. وإنما التناقض أن يقول: هو من حيث إنه مرادك مرضي ومن حيث إنه مرادك مكروه، وأما إذا كان مكروهاً لا من حيث إنه فعله ومراده بل من حيث إنه وصف غيره وكسبه فهذا لا تناقض فيه، ويشهد لذلك كل ما يكره من وجه ويرضى به من وجه، ونظائر ذلك لا تحصى.
فإذن تسليط الله دواعي الشهوة والمعصية عليه حتى يجره ذلك إلى حب المعصية ويجره الحب إلى فعل المعصية يضاهي ضرب المحبوب للشخص الذي ضربناه مثلاً، ليجره الضرب إلى الغضب والغضب إلى الشتم. ومقت الله تعالى لمن عصاه وإن كانت معصيته بتدبيره، يشبه بغض المشتوم لمن شتمه وإن كان شتمه إنما يحصل بتدبيره واختياره لأسبابه وفعل الله تعالى ذلك بكل عبد من عبيده - أعني تسليط دواعي المعصية عليه - يدل على أنه سبقت مشيئته بإبعاده ومقته. فواجب على كل عبد محب لله أن يبغض من أبغضه الله ويمقت من مقته الله ويعادي من أبعده الله عن حضرته - وإن اضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ومخالفته - فإنه بعيد مطرود ملعون عن الحضرة، وإن كان بعيداً بإبعاده قهراً ومطروداً بطرده واضطراره. والمبعد عن درجات القرب ينبغي أن يكون مقيتاً بغيضاً إلى جميع المحبين - موافقة للمحبوب بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده.


بهذا يتقرر جميع ما وردت به الأخبار من البغض في الله والحب في الله والتشديد على الكفار والتغليظ عليهم والمبالغة في مقتهم مع الرضا بقضاء الله تعالى من حيث إنه قضاء الله عز وجل. وهذا كله يستمد من سر القدر - الذي لا رخصة في إفشاءه - وهو أن الشر والخير كلاهما داخلان في المشيئة والإرادة، ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضي به. فمن قال: ليس الشر من الله، فهو جاهل وكذا من قال: إنهما جميعاً منه - من غير افتراق في الرضا والكراهة - فهو أيضاً مقصر. وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه؛ فالأولى السكوت والتأدب بأدب الشرع فقد قال ﭬ: " القدر سر الله فلا تفشوه"[74] وذلك يتعلق بعلم المكاشفة. وغرضنا الآن بيان الإمكان فيما تعبد به الخلق من الجمع بين الرضا بقضاء الله تعالى ومقت المعاصي مع أنها من قضاء الله تعالى، وقد ظهر الغرض من غير حاجة إلى كشف السر فيه.

وبهذا يعرف أيضاً أن الدعاء بالمغفرة والعصمة من المعاصي وسائر الأسباب المعينة على الدين غير مناقض للرضا بقضاء الله تعالى، فإن الله تعبد العباد بالدعاء ليستخرج الدعاء منهم صفاء الذكر وخشوع القلب ورقة التضرع، ويكون ذلك جلاء للقلب ومفتاحاً للكشف وسبباً لتواتر مزايا اللطف. كما أن حمل الكوز وشرب الماء ليس مناقضاً للرضا بقضاء الله تعالى في العطش، وشرب الماء طلباً لإزالة العطش مباشرة سبب رتبه مسبب الأسباب فكذلك الدعاء سبب رتبه الله تعالى وأمر به. وقد ذكرنا أن التمسك بالأسباب جرياً على سنة الله تعالى لا يناقض التوكل - واستقصيناه في كتاب التوكل - فهو أيضاً لا يناقض الرضا لأن الرضا ملاصق للتوكل ويتصل به نعم إظهار البلاء في معرض الشكوى، وإنكاره بالقلب على الله تعالى مناقض للرضا، وإظهار البلاء على سبيل الشكر والكشف عن قدرة الله تعالى لا يناقض. وقد قال بعض السلف: من حسن الرضا بقضاء الله تعالى أن لا يقول هذا يوم حار، أي في معرض الشكاية، وذلك في الصيف فأما الشتاء فهو شكر، والشكوى تناقض الرضا بكل حال وذم الأطعمة وعيبها يناقض الرضا بقضاء الله تعالى لأن مذمة الصنعة مذمة للصانع، والكل من صنع الله تعالى. وقول القائل: الفقر بلاء ومحنة والعيال هم وتعب والاحتراف كد ومشقة، كل ذلك قادح في الرضا، بل ينبغي أن يسلم التدبير لمدبره والمملكة لمالكها ويقول ما قاله عمر رضي الله عنه: لا أبالي أصبحت غنياً أو فقيراً فإني لا أدري أيهما خير لي.

بيان أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ومذمتها لا يقدح في الرضا اعلم أن الضعيف قد يظن أن نهي رسول الله ﭬ عن الخروج من بلد ظهر به الطاعون[75] يدل على النهي عن الخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي، لأن كل واحد منهما فرار من قضاء الله تعالى وذلك محال؛ بل العلة في النهي عن مفارقة البلد بعد ظهور الطاعون أنه لو فتح هذا الباب لارتحل عنه الأصحاء وبقي فيه المرضى مهملين لا متعهد لهم فيهلكون هزالاً وضراً، ولذلك شبهه رسول الله ﭬ في بعض الأخبار بالفرار من الزحف[76] ولو كان ذلك للفرار من القضاء لما أذن لمن قارب البلدة في الانصراف - وقد ذكرنا حكم ذلك في كتاب التوكل - وإذا عرف المعنى ظهر أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ليس فراراً من القضاء بل من القضاء الفرار مما لا بد من الفرار منه. وكذلك مذمة المواضع التي تدعو إلى المعاصي والأسباب التي تدعو إليها - لأجل التنفير عن المعصية - ليست مذمومة. فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك حتى اتفق جماعة على ذم بغداد وإظهارهم ذلك وطلب الفرار منها، فقال ابن المبارك: قد طفت الشرق والغرب فما رأيت بلداً شراً من بغداد! قيل: وكيف؟ قال: هو بلد تزدري فيه نعمة الله وتستصغر فيه معصية الله. ولما قدم خراسان قيل له: كيف رأيت بغداد؟ قال: ما رأيت بها إلا شرطياً غضبان أو تاجراً لهفان أو قارئاً حيران! ولا ينبغي أن تظن أن ذلك من الغيبة؛ لأنه لم يتعرض لشخص بعينه حتى يستضر ذلك الشخص به وإنما قصد بذلك تحذير الناس وكان يخرج إلى مكة -وقد كان مقامه ببغداد - يرقب استعداداً القافلة ستة عشر يوماً، فكان يتصدق بستة عشر دينار لكل يوم دينار كفارة مقامه. وقد ذم العراق جماعة: كعمر بن عبد العزيز وكعب الأحبار.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما لمولى له: أين تسكن؟ فقال: العراق، قال: فما تصنع به؟ بلغني أن ما من أحد يسكن العراق إلا قيض الله قريناً من البلاء.

وذكر كعب الأحبار يوماً العراق فقال: فيه تسعة أعشار الشر وفيه الداء العضال.

وقد قيل: قسم الخير عشرة أجزاء؛ فتسعة أعشاره بالشام وعشره بالعراق. وقسم الشر عشر أقسام؛ على العكس من ذلك.

وقال بعض أصحاب الحديث: كنا يوماً عند الفضيل بن عياض فجاءه صوفي متدرع بعباءة، فأجلسه إلى جانبه وأقبل عليه ثم قال: أين تسكن؟ فقال: بغداد، فأعرض عنه وقال: يأتينا أحدهم في زي الرهبان فإذا سألناه أين تسكن قال في عش الظلمة؟.

وكان بشر بن الحارث يقول: مثال المتعبد ببغداد مثال المتعبد في الحش. وكان يقول: لا تقتدوا بي في المقام بها! من أراد أن يخرج فليخرج.

وكان أحمد بن حنبل يقول: لولا تعلق هؤلاء الصبيان بنا كان الخروج من هذا البلد آثر في نفسي! قيل: وأين تختار السكنى؟ قال: بالثغور.

وقال بعضهم وقد سئل عن أهل بغداد: زاهدهم زاهد وشريرهم شرير.

فهذا يدل على أن من بلي ببلدة تكثر فيها المعاصي ويقل فيها الخير فلا عذر له في المقام بها، بل ينبغي أن يهاجر قال الله تعالى " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " فإن منعه عن ذلك عيال أو علاقة فلا ينبغي أن يكون راضياً بحاله مطمئن النفس إليه، بل ينبغي أن يكون منزعج القلب منها قائلاً على الدوام " ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها " وذلك لأن الظلم إذا عم نزل البلاء ودمر الجميع وشمل المطيعين، قال الله تعالى: " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " فإذن ليس في شيء من أسباب نقص الدين البتة رضاً مطلق إلا من حيث إضافتها إلى فعل الله تعالى، فأما هي في نفسها فلا وجه للرضا بها بحال.
وقد اختلف العلماء في الأفضل من أهل المقامات الثلاث: رجل يحب الموت شوقاً إلى لقاء الله تعالى، ورجل يحب البقاء لخدمة المولى، ورجل قال لا أختار شيئاً بل أرضى بما اختاره الله تعالى؛ ورفعت هذه المسألة إلى بعض العارفين فقال: صاحب الرضا أفضلهم لأنه أقلهم فضولاً.


واجتمع ذات يوم وهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط، فقال الثوري: كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم، واليوم وددت أني مت، فقال له يوسف: لم؟ قال: لما أتخوف من الفتنة، فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء، فقال سفيان: لم؟ قال: لعلي أصادف يوماً أتوب فيه وأعمل صالحاً، فقيل لوهيب: إيش تقول أنت؟ فقال: أنا لا أختار شيئاً، أحب ذلك إلي أحبه إلى الله سبحانه تعالى، فقبله الثوري بين عينيه وقال: روحانية ورب الكعبة.

بيان جملة من حكايات المحبين وأقوالهم ومكاشفاتهم قيل لبعض العارفين إنك محب فقال: لست محباً إنما أنا محبوب والمحب متعوب. وقيل له أيضاً: الناس يقولون إنك واحد من السبعة؟ فقال: أنا كل السبعة. وكان يقول: إذا رأيتموني فقد رأيتم أربعين بدلاً، قيل: وكيف وأنت شخص واحد؟ قال: لأني رأيت أربعين بدلاً وأخذت من كل بدل خلقاً من أخلاقه. وقيل له: بلغنا أنك ترى الخضر عليه السلام؟ فتبسم وقال: ليس العجب ممن يرى الخضر ولكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحتجب عنه! وحكي عن الخضر عليه السلام أنه قال: ما حدثت نفسي يوماً قط أنه لم يبق ولي لله تعالى إلا عرفته إلا ورأيت في ذلك اليوم ولياً لم أعرفه.

وقيل لأبي يزيد البسطامي مرة: حدثنا عن مشاهدتك من الله تعالى، فصاح ثم قال: ويلكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك! قيل: فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك في الله تعالى، فقال: وهذا أيضاً لا يجوز أن أطلعكم عليه، قيل: فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتك، فقال: نعم، دعوت نفسي إلى الله فجمحت علي فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك.

ويحكى عن يحيى بن معاذ أنه رأى أبا يزيد - في بعض مشاهداته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر - مستوفزاً على صدور قدميه رافعاً أخمصيه مع عقبيه عن الأرض ضارباً بذقنه على صدره شاخصاً بعينيه لا يطرف، قال: ثم سجد عند السحر فأطاله ثم قعد فقال: اللهم إن قوماً طلبوك فأعطيتهم المشي على الماء والمشي في الهواء فرضوا بذلك، وإني أعوذ بك من ذلك، وإن قوماً طلبوك فأعطيتهم طي الأرض فرضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك، وإن قوماً طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض فرضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك، حتى عد نيفاً وعشرين مقاماً من كرامات الأولياء، ثم التفت فرآني فقال: يحيى! قلت: نعم يا سيدي، فقال: مذ متى أنت ههنا؟ قلت: منذ حين، فسكت، فقلت: يا سيدي حدثني بشيء فقال: أحدثك بما يصلح لك، أدخلني في الفلك الأسفل فدورني في الملكوت السفلى وأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى، ثم أدخلني في الفلك العلوي بي في السموات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش، أوقفني بين يديه فقال: سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك؟ فقلت: يا سيدي ما رأيت شيئاً استحسنته فأسألك إياه! فقال: أنت عبدي حقاً تعبدني لأجلي صدقاً لأفعلن بك ولأفعلن فذكر أشياء. قال يحيى: فهالني ذلك وامتلأت به وعجبت منه فقلت: يا سيدي لم لا سألته المعرفة به؟ وقد قال لك ملك الملوك: سلني ما شئت، قال: فصاح بي صيحة وقال: اسكت ويلك! غرت عليه مني حتى لا أحب أن يعرفه سواه.

وحكي أن أبا تراب التخشبي كان معجباً ببعض المريدين فكان يدنيه ويقوم بمصالحه والمريد مشغول بعبادته ومواجدته فقال له أبو تراب يوماً: لو رأيت أبا يزيد؟ فقال: إني عنه مشغول، فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله: لو رأيت أبا يزيد، هاج وجد المريد فقال: ويحك ما أصنع بأبي يزيد قد رأيت الله تعالى فأغناني عن أبي يزيد؟ قال أبو تراب: فهاج طبعي ولم أملك نفسي، فقلت: ويلك تغتر بالله عز وجل لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة! قال: فبهت الفتى من قوله وأنكره فقال: وكيف ذلك؟ قال له: ويلك أما ترى الله تعالى عندك فيظهر لك على مقدارك وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره؟ فعرف ما قلت، فقال: احملني إليه، فذكر قصة قال في آخرها: فوقفنا على تل ننتظره ليخرج إلينا من الغيضة - وكان يأوي إلى غيضة فيها سباع - قال: فمر بنا وقد قلب فروة على ظهره فقلت للفتى:هذا أبو يزيد فانظر إليه! فنظر إليه الفتى فصعق، فحركناه فإذا هو ميت، فتعاونا على دفنه فقلت لأبي يزيد: يا سيدي نظره إليك قتله، قال: لا ولكن كان صاحبكم صادقاً واستكن في قلبه سر لم ينكشف له بوصفه، فلما رآنا انكشف له سر قلبه فضاق عن حمله، لأنه في مقام الضعفاء المريدين، فقتله ذلك.
ولما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا: لو سألت الله تعالى دفعهم؟ فسكت ثم قال: إن لله عباداً في هذه البلدة لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة واحدة؛ ولكن لا يفعلون، قيل: لم؟ قال: لأنهم لا يحبون ما لا يحب، ثم ذكر من إجابة الله تعالى أشياء لا يستطاع ذكرها، حتى قال: ولو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها. وهذه أمور ممكنة في أنفسها فمن لم يحظ بشيء منها، فلا ينبغي أن يخلو عن التصديق والإيمان بإمكانها، فإن القدرة واسعة والفضل عميم وعجائب الملك والملكوت كثيرة، ومقدورات الله تعالى لا نهاية لها وفضله على عباده الذين اصطفى لا غاية له. ولذلك كان أبو يزيد يقول: إن أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلة إبراهيم فاطلب ما وراء ذلك، فإن عنده فوق ذلك أضعافاً مضاعفة، فإن سكت إلى ذلك حجبك به، وهذا بلاء مثلهم ومن هو في مثل حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل.


وقد قال بعض العارفين: كوشفت بأربعين حوراء رأيتهن يتساعين في الهواء، عليهن ثياب من ذهب وفضة وجوهر يتخشخش ويتثنى معهن فنظرت إليهن نظرة فعوقبت أربعين يوماً، ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء فوقهن في الحسن والجمال، وقيل لي: انظر إليهن، قال: فسجدت وغمضت عيني في سجودي لئلا أنظر إليهن وقلت: أعوذ بك مما سواك! لا حاجة لي بهذا، فلم أزل أتضرع حتى صرفهن الله عني.

فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي أن ينكرها المؤمن لإفلاسه عن مثلها، فلو لم يؤمن كل واحد إلا بما يشاهده من نفسه المظلمة وقلبه القاسي لضاق مجال الإيمان عليه، بل هذه أحوال تظهر بعد مجاوزة عقبات ونيل ومقامات كثيرة أدناها الإخلاص وإخراج حظوظ النفس وملاحظة الخلق عن جميع الأعمال ظاهراً وباطناً، ثم مكاتمة ذلك عن الخلق بستر الحال حتى يبقى متحصناً بحصن الخمول: فهذه أوائل سلوكهم وأقل مقاماتهم وهي أعز موجود في الأتقياء من الناس. وبعد تصفية القلب عن كدورة الالتفات إلى الخلق يفيض عليه نور اليقين وينكشف له مبادي الحق، وإنكار ذلك دون التجربة وسلوك الطريق يجري مجرى إنكار من أنكر إمكان انكشاف الصورة في الحديدة إذا شكلت ونقيت وصقلت وصورت بصورة المرأة، فنظر المنكر إلى ما في يده من زبرة حديد مظلم قد استولى عليه الصدأ والخبث وهو لا يحكي صورة من الصور فأنكر إمكان انكشاف المرئي فيها عند ظهور جوهرة، وإنكار ذلك غاية الجهل والضلال.

فهذا حكم كل من أنكر كرامات الأولياء إذ لا مستند له إلا قصوره عن ذلك وقصور من رآه، وبئس المستند ذلك في إنكار قدرة الله تعالى، بل إنما روائح المكاشفة من سلك شيئاً ولو من مبادي الطريق، كما قيل لبشر: بأي شيء بلغت هذه المنزلة؟ قال: كنت أكاتم الله تعالى حالي. معناه: أسأله أن يكتم على ويخفي أمري. وروي أنه رأى الخضر عليه السلام فقال له: ادع الله تعالى لي، فقال: يسر الله عليك طاعته، قلت: زدني، قال: وسترها عليك. فقيل: معناه سترها عن الخلق، وقيل: معناه سترها عنك حتى لا تلتفت أنت إليها، وعن بعضهم أنه قال: أقلقني الشوق إلى الخضر عليه السلام فسألت الله تعالى مرة أن يريني إياه ليعلمني شيئاً كان أهم الأشياء علي، قال: فرأيته فما غلب علي همي ولا همتي إلا أن قلت له: يا أبا العباس علمني شيئاً إذا قلته حجبت عن قلوب الخليقة فلم يكن لي فيها قدر ولا يعرفني أحد بصلاح ولا ديانة، فقال: قل اللهم أسبل علي كثيف سترك وحط علي سرادقات حجبك واجعلني في مكنون غيبك واحجبني عن قلوب خلقك، قال: ثم غاب فلم أره ولم أشتق إليه بعد ذلك، فما زلت أقول هذه الكلمات في كل يوم، فحكي أنه صار بحيث كان يستذل ويمتهن - حتى كان أهل الذمة يسخرون به ويستسخرونه في الطرق يحمل الأشياء لهم لسقوطه عندهم وكان الصبيان يلعبون به - فكانت راحته ركود قلبه، واستقامة حاله في ذله وخموله، فهكذا حال أولياء الله تعالى، ففي أمثال هؤلاء ينبغي أن يطلبوا، والمغرورين إنما يطلبونهم تحت المرقعات والطيالسة وفي المشهورين بين الخلق بالعلم والورع والرياسة. وغيرة الله تعالى على أوليائه تأبى إلا إخفاءهم كما قال تعالى: أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري.

وقال ﭬ: " رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره"[77].

وبالجملة فأبعد القلوب عن مشام هذه المعاني القلوب المتكبرة المعجبة بأنفسها المستبشرة بعملها وعلمها. وأقرب القلوب إليها القلوب المنكسرة المستشعرة ذل أنفسها استشعاراً إذا ذل واهتضم لم يحس بالذل، كما لا يحس العبد بالذل مهما ترفع عليه مولاه، فإذا لم يحس بالذل ولم يشعر أيضاً بعدم التفاته إلى الذل، بل كان عند نفسه أخس منزلة من أن يرى جميع أنواع الذل ذلاً في حقه بل يرى نفسه دون ذلك، حتى صار التواضع بالطبع صفة ذاته. فمثل هذا القلب يرجى له أن يستنشق مبادئ هذه الروائح، فإن فقدنا مثل هذا القلب وحرمنا مثل هذا الروح فلا ينبغي أن يطرح الإيمان بإمكان ذلك لأهله، فمن لا يقدر أن يكون من أولياء الله فليكن محباً لأولياء الله مؤمناً بهم فعسى أن يحشر مع من أحب، ويشهد لهذا ما روي أن عيسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: أين ينبت الزرع؟ قالوا: في التراب، فقال: بحق أقول لكم لا تنبت الحكمة إلا في قلب مثل التراب. ولقد انتهى المريدون لولاية الله تعالى في طلب شروطها بإذلال النفس إلى منتهى الضعة والخسة، حتى روي أن ابن الكريبي وهو أستاذ الجنيد دعاه رجل إلى طعام ثلاث مرات، ثم كان يرده ثم يستدعيه فيرجع إليه بعد ذلك حتى أدخله في المرة الرابعة، فسأله عن ذلك، فقال: قد رضيت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد ثم يدعى فيرمى له عظم فيعود، ولو رددتني خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت. وعنه أنه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح، فتشتت علي قلبي، فدخلت الحمام وعدلت إلى ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي فوقها وخرجت، وجعلت أمشي قليلاً قليلاً، فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني وأوجعوني ضرباً، فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي.

فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس، فإن الملتفت إلى نفسه محجوب عن الله تعالى وشغله بنفسه حجاب له، فليس بين القلب وبين الله حجاب بعد وتخلل حائل، وإنما بعد القلوب شغلها بغيره أو بنفسها وأعظم الحجب شغل النفس. ولذلك حكي أن شاهداً عظيم القدر من أعيان أهل بسطام كان لا يفارق مجلس أبي يزيد، فقال له يوماً: أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لا أفطر وأقوم الليل لا أنام ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئاً وأنا أصدق به وأحبه، فقال أبو يزيد: ولو صمت ثلثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة! قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك، قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم، قال: قل لي حتى أعمله، قال: لا تقبله، قال: فاذكره لي حتى أعمل، قال: اذهب الساعة إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزاً، واجمع الصبيان حولك وقل: كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك وأنت على ذلك، فقال الرجل: سبحان الله! تقول لي مثل هذا! فقال أبو زيد: قولك " سبحان الله " شرك، قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمتك نفسك فسبحتها وما سبحت ربك! فقال: هذا لا أفعله ولكن دلني على غيره! فقال: ابتدئ بهذا قبل كل شيء. فقال: لا أطيقه، قال: قد قلت لك إنك لا تقبل؟. فهذا الذي ذكره أبو يزيد هو دواء من اعتل بنظره إلى نفسه ومرض بنظر الناس إليه، ولا ينجي من هذا المرض دواء سوى هذا وأمثاله، فمن لا يطيق الدواء فلا ينبغي أن ينكر إمكان الشفاء في حق من داوى نفسه بعد المرض أو لم يمرض بمثل هذا المرض أصلاً، فأقل درجات الصحة الإيمان بإمكانها، فويل لمن حرم هذا القدر القليل أيضاً.

وهذه أمور جلية في الشرع واضحة وهي مع ذلك مستبعدة عند من يعد نفسه من علماء الشرع فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يستكمل العبد الإيمان حتى تكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته وحتى يكون أن لا يعرف أحب من أن يعرف"[78].

وقد قال عليه السلام: " ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه: لا يخاف في الله لومة لائم ولا يرائي بشيء من عمله وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر أمر الآخرة على الدنيا"[79].
وقال عليه السلام: " لا يكمل إيمان عبد حتى يكون فيه ثلاث خصال: إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له"
[80].

وفي حديث آخر " ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود: العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وخشية الله في السر والعلانية"[81] فهذه شروط ذكرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأولى الإيمان فالعجب ممن يدعي علم الدين ولا يصادف في نفسه ذرة من هذه الشروط ثم يكون نصيبه من علمه وعقله أن يجحد ما لا يكون إلا بعد مجاوزة مقامات عظيمة علية وراء الإيمان؛ وفي الأخبار أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: إنما اتخذ لخلتي من لا يفتر عن ذكري ولا يكون له هم غيري ولا يؤثر علي شيئاً من خلقي وإن حرق بالنار لم يجد لحرق النار وجعاً وإن قطع بالمناشير لم يجد لمس الحديد ألماً. فمن لم يبلغ إلى أن يغلبه الحب إلى هذا الحد فمن أين يعرف ما وراء الحب من الكرامات والمكاشفات؟ وكل ذلك وراء الحب والحب وراء كمال الإيمان، ومقامات الإيمان وتفاوته في الزيادة والنقصان لا حصر له. ولذلك قال عليه السلام للصديق رضي الله تعالى عنه: " إن الله تعالى قد أعطاك مثل إيمان كل من آمن بي من أمتي وأعطاني مثل إيمان كل من آمن به من ولد آدم"[82].

وفي حديث آخر: " إن لله تعالى ثلثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، فقال أبو بكر: يا رسول الله هل فيّ منها خلق، فقال: " كلها فيك يا أبا بكر وحبها إلى الله تعالى السخاء"[83].

وقال عليه السلام: " رأيت ميزاناً دلي من السماء فوضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجحت بهم، ووضع أبو بكر في كفة وجيء بأمتي فوضعت في كفة فرجحت بهم"[84]. ومع هذا كله فقد كان استغراق رسول الله ﭬ بالله تعالى بحيث لم يتسع قلبه للخلة مع غيره فقال: " لو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الله تعالى"[85] يعني نفسه.

خاتمة الكتاب بكلمات متفرقة تتعلق بالمحبة ينتفع بها قال سفيان: المحبة إتباع رسول الله ﭬ.

وقال غيره: دوام الذكر، وقال غيره: إيثار المحبوب. وقال بعضهم: كراهية البقاء في الدنيا. وهذا كله إشارة إلى ثمرات المحبة فأما نفس المحبة فلم يتعرضوا لها.

وقال بعضهم: المحبة معنى من المحبوب قاهر للقلوب عن إدراكه وتمتنع الألسن عن عبارته.
وقال الجنيد: حرم الله تعالى المحبة على صاحب العلاقة. وقال: كل محبة تكون بعوض فإذا زال العوض زالت المحبة.


وقال ذو النون: قل لمن أظهر حب الله احذر أن تذل لغير الله.

وقيل للشبلي رحمه الله: صف لنا العارف والمحب؟ فقال: العارف إن تكلم هلك، والمحب إن سكت هلك.
وقال الشبلي رحمه الله:



يا أيها السـيد الـكـريم

 

حبك بين الحشا مـقـيم

يا رافع النوم عن جفوني

 

أنت بما مر بي علـيم
 
ولغيره:


عجبت يقول ذكـرت إلـفـي

 

وهل أنسى فأذكر ما نسـيت

أموت إذا ذكـرت ثـم أحـيا

 

ولولا حسن ظني مـا حـييت

فأحيا بالمنى وأمـوت شـوقـاً

 

فكم أحيا عليك وكـم أمـوت

شربت الحب كأساً بعد كـأس

 

فما نفد الشرب ومـا رويت؟

فليت خياله نصب لـعـينـي!

 

فإن قصرت في نظري عميت
 
وقالت رابعة العدوية يوماً: من يدلنا على حبيبنا، فقال خادمة لها: حبيبنا معنا ولكن الدنيا قطعتنا عنه.
وقال ابن الجلاء رحمه الله تعالى: أوحى الله إلى عيسى عليه السلام: إني إذا اطلعت على سر عبد فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبي وتوليته بحفظي.


وقيل: تكلم سمنون يوماً في المحبة فإذا بطائر نزل بين يديه فلم يزل ينقر بمنقاره الأرض حتى سال الدم منه فمات.

وقال إبراهيم بن أدهم: إلهي إنك تلعم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة في جنب ما أكرمتني من محبتك وآنستني بذكرك وفرغتني للتفكر في عظمتك.

وقال السري رحمه الله: من أحب الله عاش، ومن مال إلى الدنيا طاش، والأحمق يغدو ويروح في لاش، والعاقل عن عيوبه فتاش.

وقيل لرابعة: كيف حبك للرسول ﭬ؟ فقالت: والله إني لأحبه حباً شديداً ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين.

وسئل عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال: " الرضا عن الله تعالى والحب له ".

وقال أبو يزيد: المحب لا يحب الدنيا ولا الآخرة، إنما يحب من مولاه مولاه.

وقال الشبلي: الحب دهش في لذة وحيرة في تعظيم.

وقيل: المحبة أن تمحو أثرك عنك حتى لا يبقى فيك شيء راجع منك إليك.

وقيل: المحبة قرب القلب من المحبوب بالاستبشار والفرح.

وقال الخواص: المحبة محو الإرادات واحتراق الصفات والحاجات.

وسئل سهل عن المحبة فقال: عطف الله بقلب عبده لمشاهدته بعد الفهم للمراد منه.

وقيل: معاملة المحب على أربع منازل؛ على المحبة والهيبة والحياء والتعظيم، وأفضلها التعظيم والمحبة لأن هاتين المنزلتين يبقيان مع أهل الجنة في الجنة ويرفع عنهم غيرهما.

وقال هرم بن حيان: المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه، وإذا أحبه أقبل عليه، وإذا وجد حلاوة الإقبال عليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة، وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة.
وقال عبد الله بن محمد سمعت امرأة من المتعبدات تقول - وهي باكية والدموع على خدها جارية -: والله لقد سئمت من الحياة حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقاً إلى الله تعالى وحباً للقائه، قال: فقلت لها: فعلى ثقة أنت من عملك؟ قالت: لا ولكن لحبي إياه وحسن ظني به أفتراه يعذبني وأنا أحبه؟ وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقاً إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي، يا داود هذه إرادتي في المدبرين علي فكيف إرادتي في المقبلين علي، يا داود أحوج ما يكون العبد إلي إذا استغنى عني وأرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عني وأجل ما يكون عبدي إذا رجع إلي.


وقال أبو خالد الصفار: لقي نبي من الأنبياء عابداً فقال له: إنكم معاشر العباد تعملون على أمر لسنا معشر الأنبياء نعمل عليه، أنتم تعملون على الخوف والرجاء ونحن نعمل على المحبة والشوق.
وقال الشبلي رحمه الله: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: يا داود ذكري للذاكرين، وجنتي للمطيعين، وزيارتي للمشتاقين، وأنا خاصة للمحبين.


وأوحى الله تعالى إلى آدم عليه السلام: يا آدم من أحب حبيباً صدق قوله، من أنس بحبيبه رضي فعله ومن اشتاق إليه جد في مسيره.

وكان الخواص رحمه الله يضرب على صدره ويقول: وا شوقاه لمن يراني ولا أراه.

وقال الجنيد رحمه الله: بكى يونس عليه السلام حتى عمي، وقام حتى انحنى، وصلى حتى أقعد، وقال: وعزتك وجلالك لو كان بيني وبينك بحر من نار لخضته إليك شوقاً مني إليك.

وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: سألت رسول الله ﭬ عن سنته فقال: " المعرفة رأس مالي والعقل أصل ديني والحب أساسي والشوق مركبي وذكر الله أنيسي والثقة كنزي والحزن رفيقي والعلم سلاحي والصبر ردائي والرضا غنيمتي والعجز فخري والزهد حرفتي واليقين قوتي والصدق شفيعي والطاعة حبي والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة"[86].

وقال ذو النون: سبحان من جعل الأرواح جنود مجندة فأرواح العارفين جلالية قدسية فلذلك اشتاقوا إلى الله تعالى، وأرواح المؤمنين روحانية فلذلك حنوا إلى الجنة، وأرواح الغافلين هوائية فلذلك مالوا إلى الدنيا.
وقال بعض المشايخ: رأيت في جبل اللكام رجلاً أسمر اللون ضعيف البدن وهو يقفز من حجر إلى حجر ويقول:



الشوق والـهـوى

 

صيراني كما ترى
 
ويقال الشوق نار الله أشعلها في قلوب أوليائه حتى يحرق بها ما في قلوبهم من الخواطر والإرادات والعوارض والحاجات، فهذا القدر كاف في شرح المحبة والأنس والشوق والرضا، فلنقتصر عليه والله الموفق للصواب.
تم كتاب المحبة والشوق والأنس، يتلوه كتاب النية والإخلاص والصدق.






[1]  حديث أبو رزين العقيلي أنه قال يا رسول الله مالإيمان قال أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما أخرجه أحمد بزيادة في أوله.



[2]  حديث لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما متفق عليه من حديث أنس بلفظ لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى أكون أحب إليه من أهلاه وماله وذكر بزيادة.



[3] حديث لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله ونفسه والناس أجمعين وفي رواية ومن نفسه متفق عليه من حديث أنس واللفظ لمسلم دون قوله ومن نفسه وقال البخاري من والده وولده وله من حديث عبد الله بن هشام: قال عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شىء إلا نفسي فقال لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي فقال: الآن يا عمر.



[4]  حديث أحبوا الله لما غدوكم به من نعمه الحديث أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس وقال حسن غريب.



[5]  حديث ان رجلا قال يا رسول الله أني أحبك فقال استعد للفقر الحديث أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن منفل بلف فأعد للفقر تجفاف دون أخر الحديث وقال حسن غريب.



[6]  حديث عمر قال نظر النبي إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه أهاب كبش قد تنطق به الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية باسناد حسن.



[7]  حديث ان ابراهيم قال لملك الموت اذا جاءه ليقبض روحه هل رأبت خلالا يقبض خليله الحديث لم أجد له أصلا حديث اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك الحديث تقدم.



[8]  حديث قال أعرابي يا رسول الله متى الساعة قال ما أعددت لها الحديث متفق عليه من حديث أنس ومن حديث أبي موسى وابن مسعود بنحوه.



[9]  حديث قال أعرابى يا رسول الله متى الساعة قال ما أعددت لها الحديث متفق عليه من حديث أنس ومن حديث أبى موسى وابن مسعود بنحوه.



[10]  حديث حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء أخرجه النسائي من حديث أنس دون قوله ثلاث وقد تقدم.



[11]  حديث اللهم لا تجعل لكافر على يدا فيحبه قلبي رواه أبو منصور الديلمي مسند الفردوس: من حديث معاذ بن جبل بسند ضعيف منقطع وقد تقدم.



[12]  حديث: كان يعجبه الخضرة والماء الجاري أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي من حديث ابن عباس ان النبي كان يحب أن ينظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإسناده ضعيف.



[13]  حديث إن الله جميل يحب الجمال رواه مسلم في أثناء حديث لابن مسعود.



[14]  حديث فما تعارف منها ائتلف أخرجه مسلم من أبي هريرة وقد تقدم في آداب الصحبة.



[15]  حديث لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك تقدم.



[16]  حديث لا يكونن أحدكم كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل لم أجد له أصلا.



[17]  حديث إن الله خلق آدم على صورته تقدم.



[18]  حديث قوله تعالى مرضت فلم تعدنى فقال وكيف ذاك قال مرض فلان الحديث تقدم.



[19]  حديث قوله تعالى لا يزال يتقرب العبد إلى بالنوافل حتى أحبه الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة وقد تقدم.



[20]  حديث ان الشهيد يتمنى أن يرد في الآخرة إلى الدنيا ليقتل مرة أخرى الحديث متفق عليه من حديث أنس وقد تقدم وليس فيه وان الشهداء يتمنون أن يكونوا علماء الحديث.



[21]  حديث قال حاكيا عن ربه تعالى أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة.



[22]  حديث أنه ما رأى الله تعالى ليلة المعراج في الصحيح هذا الذى صححه المصنف هو قول عائشة ففي الصحيحين أنها قالت من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ولمسلم من حديث أبى ذر سألت رسول الله هل رأيت ربك قال نورانى أراه وذهب ابن عباس وأكثر العلماء إلى إثبات رؤيته له وعائشة لم ترو ذلك عن النبي وحديث أبى ذر قال فيه أحمد مازلت له منكرا وقال ابن خزيمة في القلب من صحة إسناده شىء مع أن في رواية لأحمد في حديث أبى ذر رأيته نورا انى أراه ورجال إسنادها رجال الصحيح.



[23]  حديث ان أقصى المكث في النار في حق المؤمنين سبعة آلاف سنة أخرجه الترمذى الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبى هريرة إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتى الحديث وفيه وأطولهم مكثا فيها مثل الدنيا من يوم خلقت إلى يوم القيامة وذلك سبعة آلاف سنة وإسناده ضعيف.



[24]  حديث أن الله يتجلى للناس عامة ولأبى بكر خاصة أخرجه ابن عدى من حديث جابر وقال باطل بهذا الإسناد وفي الميزان للذهبىأن الدارقطنى رواه عن المحاملى عن على بن عبدة وقال الدارقطنى ان على بن عبدة كان يضع الحديث ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق وابن الجوزى في الموضوعات من حديث جابر وأبى بردة وعائشة.



[25]  حديث أفضل السعادات طول العمر في طاعة الله أخرجه إبراهيم الحربي في كتاب ذكر الموت من رواية ابن لهيعة عن ابن الهاد عن المطلب عن أبيه عن النبى قال السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة الله ووالد المطلب عبد الله بن حوطب مختلف في صحبته ولأحمد من حديث جابر ان من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة والترمذى من حديث أبى بكرة أن رجلا قال يا رسول الله أى الناس خير قال من طال عمره وحسن عمله قال هذا حديث حسن صحيح وقد تقدم.



[26]  حديث رؤية الله في الآخرة حقيقة متفق عليه من حديث أبى هريرة أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر الحديث.



[27]  حديث من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة تقدم.



[28]  حديث الطهور شطر الإيمان أخرجه مسلم حديث أبى مالك من الأشعرى وقد تقدم.



[29]  حديث الأرض في البحر كالاصطبل في الأرض لم أجد له أصلا.



[30]  حديث إنى ممسك بحجزكم عن النار وأنتم تهافتون فيها تهافت الفراش متفق عليه من حديث أبى هريرة مثلى ومثل أمتى كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيه لفظ مسلم واقتصر البخارى على أوله ولمسلم من حديث جابر وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تفلتون من يدى.



[31]  حديث أنه كان يقول في دعائه اللهم إنى أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت الحديث أخرجه أحمد والحاكم وتقدم في الدعوات.



[32]  حديث أنس إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ذكره صاحب الفردوس ولم يخرجه ولده في مسنده وروى ابن ماجه الشطر الثانى من حديث ابن مسعود وتقدم في التوبة.



[33]  حديث ان الله يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب الحديث أخرجه الحاكم وصحح إسناده والبيهقى في الشعب من حديث ابن مسعود.



[34]  حديث من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن أكثر من ذكر الله أحبه الله أخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد بإسناد حسن دون قوله ومن أكثر إلى آخره ورواه أبو يعلى وأحمد بهذه الزيادة وفيه ابن لهيعة.



[35]  حديث قال الله تعالى لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه الحديث أخرجه البخارى من حديث أبى هريرة وقد تقدم.



[36]  حديث إذا أحب الله عبدا ابتلاه الحديث أخرجه الطبرانى من حديث أبى عتبة الخولانى وقد تقدم.



[37]  حديث إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه الحديث ذكره صاحب الفردوس من حديث على من أبى طالب ولم يخرجه ولده في مسنده.



[38]  حديث اذا أحب الله عبدا جعل له واعظا من نفسه الحديث أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث أم سلمة بإسناد حسن بلفظ اذا أراد الله تعالى بعبد خيرا.



[39]  حديث إذا أراد الله بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بزيادة فيه بإسناد ضعيف.



[40]  حديث من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه متفق عليه من حديث أبى هريرة وعائشة.



[41]  حديث اسحق بن سعد ابن أبى وقاص قال حدثنى أبى أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد ألا ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال يارب انى أقسم عليك اذا لقيت العدو غدا فلقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى ويجدع أنفى وأذنى الحديث أخرجه الطبرانى ومن طريقه أبو نعيم في الحلية واسناده جيد.



[42]  حديث لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به الحديث متفق عليه من حديث أنس وقد تقدم.



[43]  حديث أبى حذيفة بن عتبة أنه لما زوج أخته فاطمة من سالم مولاه عاتبته قريش في ذلك وفيه فقال سمعت رسول الله يقول من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم لم أره من حديث حذيفة وروى أبو نعيم في الحلية المرفوع منه من حديث عمر أن سالما يحب الله حقا من قلبه وفي رواية له أن سالما شديد الحب لله عز وجل لو لم يخف الله عز وجل ما عصاه وفيه عبد الله بن لهيعة.



[44]  حديث أتى بنعيمان يوما فحده فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله البخارى وقد تقدم.



[45]  حديث أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه الحديث تقدم.



[46]  حديث أكثر أهل الجنة البلة وعليون لذوى الألباب أخرجه البزار من حديث أنس بسند ضعيف مقتصرا على الشطر الأول وقد تقدم والشطر الثانى من كلام أحمد بن ابى الحوارى ولعله أدرج فيه.



[47]  حديث شيبتنى هود أخرجه الترمذى وقد تقدم غير مرة.



[48]  حديث من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون لا أعلم هذا إلا في منام لعبد العزيز بن أبى رواد قال رأيت النبي في النوم فقلت يا رسول الله أوصنى فقال ذلك بزيادة في آخره رواه البيهقى في الزهد.



[49]  حديث إنه ليغان على قلبى متفق عليه من حديث الأغر وقد تقدم.



[50]  حديث الحسن عن أبى موسى يكون في أمتى قوم شعثة رءوسهم دنسة ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم أخرجه ابن أبى الدنيا في كتاب الأولياء وفيه انقطاع وجهالة.



[51]  حديث من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن أخرجه أحمد من حديث أبى بن كعب بإسناد صحيح ورواه البخارى من حديث أبى سعيد ومسلم من حديث أبى الدرداء نحوه.



[52]  حديث دعائه لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل متفق عليه دون قوله وعلمه التأويل ورواه أحمد بهذه الزيادة وتقدم في العلم.



[53]  حديث إن الله يتجلى للمؤمنين فيقول سلونى فيقولون رضاك أخرجه البزار والطبرانى في الأوسط من حديث أنس في حديث طويل بسند فيه لين وفيه فيتجلى لهم يقول أنا الذى صدقتكم وعدى وأتممت عليكم نعمتى وهذا محل إكرامى فسلونى فيسألونه الرضا الحديث ورواه أبو يعلى بلفظ ثم يقول ماذا تريدون فيقولون رضاك الحديث ورجاله رجال الصحيح.



[54]  حديث سأل طائفة من أصحابه ما أنتم فقالوا مؤمنون فقال ما علامة إيمانكم الحديث تقدم.



[55]  حديث أنه قال في حديث آخر حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونو أنبياء تقدم أيضا.



[56]  حديث طوبى لمن هدى للإسلام وكان رزقه كفافا ورضى به أخرجه الترمذى من حديث فضالهبن عبيد بلفظ وقنع وقال صحيح وقد تقدم.



[57]  حديث من رضى من الله بالقليل من الرزق رضى منه بالقليل من العمل رويناه في أمالى المحاملى بإسناد ضعيف من حديث على بن أبى طالب ومن طريق المحاملى رواه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس.



[58]  حديث إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائفة من أمتى أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان يسرحون فيها رواه ابن حبان في الضعفاء وأبو عبد الرحمن السلمى من حديث أنس مع اختلاف وفيه حميد بن على القيسى ساقطها لك والحديث منكر مخالف للقرآن وللأحاديث الصحيحة في الورود وغيره.



[59]  حديث أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا تقدم.



[60]  حديث من أحب أن يعلم ماله عند الله فلينظر ما لله عنده الحديث أخرجه الحاكم من حديث جابر وصححه بلفظ منزلته ومنزلة الله.



[61]  حديث قال الله أنا الله لا إله إلا أنا من لم يصبر على بلائي الحديث أخرجه الطبرانى في الكبير وابن حبان في الضعفاء من حديث أبى هند الدارى مقتصرا على قوله من لم يرض بقضائى ويصبر على بلائى فليلتمس ربا سواى وإسناده ضعيف.



[62]  حديث قال الله تعالى قدرت المقادير ودبرت التدبير وأحكمت الصنع فمن رضى فله الرضا الحديث لم أجده بهذا اللفظ وللطبرانى في الأوسط من حديث أبى أمامة خلق الله الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين الحديث وإسناده ضعيف.



[63]  حديث يقول الله خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه الحديث أخرجه ابن شاهين في شرح السنة عن أبى أمامة بإسناد ضعيف.



[64]  حديث أنس خدمت النبى فما قال لى لشيء فعلته لم فعلته الحديث متفق عليه وقد تقدم.



[65]  حديث إن الله بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا الحديث أخرجه الطبرانى من حديث ابن مسعود إلا أنه قال بقسطه وقد تقدم.



[66]  حديث الدال على الشر كفاعله أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث أنس بإسناد ضعيف جدا.



[67]  حديث لو أن رجلا قتل بالمشرق ورضى بقتله آخر في المغرب كان شريكا في قتله لم أجد له أصلا بهذا اللفظ ولابن عدى من حديث أبى هريرة من حضر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنما حضرها وتقدم في كتاب الأمر بالمعروف.



[68]  حديث لا حسد إلا في اثنتين الحديث أخرجه البخارى من حديث أبى هريرة ومسلم من حديث ابن مسعود وقد تقدم في العلم.



[69]  حديث إن الله أخذ الميثاق على كل مؤمن أن يبغض كل منافق الحديث لم أجد له أصلا.



[70]  حديث المرء مع من أحب تقدم.



[71]  حديث من أحب قوما ووالاهم حشر معهم أخرجه الطبرانى من حديث أبى قرصافة وابن عدى من حديث جابر من أحب قوما على أعمالهم حشر في زمرتهم زاد ابن عدى يوم القيامة وفي طريقه إسماعيل بن محيى التيمى ضعيف.



[72]  حديث أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله رواه أحمد وتقدم في آداب الصحبة.



[73]  الأخبار الواردة في الرضا بقضاء الله رواها الترمذى من حديث سعد بن أبى وقاص من سعادة ابن آدم وضاه بما قسم الله عز وجل الحديث وقال غريب وتقدم حديث ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس وحديث إن الله بقسطه جعل الروح والفرح في الرضا وتقدم في حديث الاستخارة واقدر لى الخير حيث كان ثم رضنى به وحديث من رضى من الله بالقليل من الرزق رضى منه بالقليل من العمل وحديث أسألك الرضا بالقضاء الحديث وغير ذلك.



[74]  حديث القدر سر الله فلا تفشوه أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر وابن عدى في الكامل من حديث عائشة وكلاهما ضعيف.



[75]  حديث النهى عن الخروج من بلد الطاعون تقدم في آداب السفر.



[76]  حديث إنه شبه الخروج من بلد الطاعون بالفرار من الزحف تقدم فيه.



[77]  حديث رب أشعث أغبر ذى طمرين <أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة وقد تقدم.



[78]  حديث لا يستكمل عبد الإيمان حتى يكون قلة الشىء أحب إليه من كثرته وحتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف ذكره صاحب الفردوس من حديث على بن أبى طلحة وعلى هذا فهو معضل فعلى بن أبى طلحة إنما سمع من التابعين ولم أجد له أصلا.



[79]  حديث ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم الحديث أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث أبى هريرة وفيه سالم المرادى ضعفه ابن معين والنسائى ووثقه ابن حبان واسم أبيه عبد الواحد.



[80]  حديث لا يكمل إيمان العبد حتى يكون فيه ثلاث خصال إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق الحديث أخرجه الطبرانى في الصغير بلفظ ثلاث من أخلاق الإيمان وإسناده ضعيف.



[81]  حديث ثلاث من أوتيهن فقد أوتي ما أوتي آل داود العدل في الرضا والغضب غريب بهذا اللفظ والمعروف ثلاث منجيات فذكرهن بنحوه وقد تقدم.



[82]  حديث إنه قال للصديق إن الله قد أعطاك مثل إيمان كل من آمن بى من أمتى الحديث أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من رواية الحارث الأعور عن على مع تقديم وتأخير والحارث ضعيف.



[83]  حديث إن لله تعالى ثلثمائة خلق من لقيه مخلق منها مع التوحيد دخل الجنة الحديث أخرجه الطبرانى في الأوسط من حديث أنس مرفوعا عن الله خلقت بضعة عشر وثلثمائة خلق من جاء بخلق منها مع شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة ومن حديث ابن عباس الإسلام ثلثمائة شريعة وثلاثة عشر شريعة وفيه وفي الكبير من رواية المغيرة بن عبد الرحمن بن عبيد عن أبيه عن جده نحوه بلفظ الإيمان وللبزار من حديث عثمان بن عفان إن الله تعالى مائة وسبعة عشر شريعة الحديث وليس فيها كلها تعرض لسؤال أبى بكر وجوابه وكلها ضعيفة.



[84]  حديث رأيت ميزانا دلى من السماء فوضعت في كفة ووضعت أمتى في كفة فرجحت بهم الحديث أخرجه أحمد من حديث أبى أمامة بسند ضعيف.



[85]  حديث لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا الحديث متفق عليه وقد تقدم.



[86]  حديث على سألت رسول الله عن سنته فقال المعرفة رأس مالى والعقل أصل دينى الحديث ذكره القاضى عياض من حديث على بن أبى طالب ولم أجد له إسنادا.









jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
Publicité







MessagePosté le: Ven 21 Juin - 07:29 (2013)    Sujet du message: Publicité

PublicitéSupprimer les publicités ?
Revenir en haut
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Ven 21 Juin - 07:56 (2013)    Sujet du message: كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا Répondre en citant



jinniya736

شعر رابعة العدوية== من أقوالها ==
* محب [[الله]] لا يسكن أنينه وحنينه حتى يسكن مع محبوبه.
* اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم.
* إني لأرى الدنيا بترابيعها في قلوبكم، إنكم نظرتم إلى قرب الأشياء في قلوبكم فتكلمتم فيه
== شعر رابعة العدوية ==
تمتعت رابعة بموهبة الشعر وتأججت تلك الموهبة بعاطفة قوية ملكت حياتها فخرجت الكلمات منسابة من شفتيها تعبر عما يختلج بها من وجد وعشق [[لله]]، وتقدم ذلك الشعر كرسالة لمن حولها ليحبوا ذلك المحبوب العظيم. ومن أشعارها في إحدى قصائدها التي تصف حب الخالق تقول:
{{قصيدة|عـرفت الهـوى مذ عرفت هـواك|واغـلـقـت قلـبـي عـمـن سـواك}}
{{قصيدة|وكــنت أناجيـــك يـــا من تــرى|خـفـايـا الـقـلـوب ولسـنـا نـراك}}
{{قصيدة|أحبـــك حـبـيــن حـب الهـــــوى|وحــبــــا لأنـــك أهـــل لـــذاك}}
{{قصيدة|فــأما الــذي هــو حب الهــــوى|فشـغلـي بـذكـرك عـمـن سـواك}}
{{قصيدة|وأمـــا الـــذي أنــت أهــل لــــه|فكـشـفـك للـحـجـب حـتـى أراك}}
{{قصيدة|فـلا الحـمد فـي ذا ولا ذاك لـــي|ولـكـن لك الـحـمـد فـي ذا وذاك}}
{{قصيدة|أحبــك حـبـيـن.. حــب الهـــوى|وحــبــــا لأنــــك أهـــل لـــذاك}}
{{قصيدة|وأشتـاق شوقيـن.. شوق النـوى|وشـوق لقرب الخلـي من حمـاك}}
{{قصيدة|فأمـا الــذي هــو شــوق النــوى|فمسـري الدمــوع لطــول نـواك}}
{{قصيدة|أمــا اشتيـــاق لقـــرب الحمـــى|فنــار حيـــاة خبت فــي ضيــاك}}
{{قصيدة|ولست على الشجو أشكو الهوى|رضيت بما شئت لـي فـي هداكـا}}
ومن أشعارها نقتبس ما يلي:
{{قصيدة|يا سروري ومنيتي وعمـادي|وأنـيـسـي وعـدتـي ومــرادي.}}
{{قصيدة|أنت روح الفؤاد أنت رجائـي|أنت لي مؤنس وشوقك زادي.}}
{{قصيدة|أنت لولاك يا حياتي وأنســي|مـا تـشـتت في فـسـيـح البـلاد.}}
{{قصيدة|كم بدت منةٌ، وكم لك عنــدي|مـن عـطـاء ونـعـمـة وأيـادي.}}
{{قصيدة|حبـك الآن بغيتـي ونعـيـمــي|وجـلاء لعيـن قلبــي الصـادي.}}
{{قصيدة|إن تكـن راضيـاً عنـي فإننــي|يا منـى القلب قد بـدا إسعـادي.}}

تمتعت رابعة بموهبة الشعر وتأججت تلك الموهبة بعاطفة قوية ملكت حياتها فخرجت الكلمات منسابة من شفتيها تعبر عما يختلج بها من وجد وعشق لله، وتقدم ذلك الشعر كرسالة لمن حولها ليحبوا ذلك المحبوب العظيم. ومن أشعارها في إحدى قصائدها التي تصف حب الخالق تقول:
عـرفت الهـوى مذ عرفت هـواكواغـلـقـت قلـبـي عـمـن سـواك
وكــنت أناجيـــك يـــا من تــرىخـفـايـا الـقـلـوب ولسـنـا نـراك
أحبـــك حـبـيــن حـب الهـــــوىوحــبــــا لأنـــك أهـــل لـــذاك
فــأما الــذي هــو حب الهــــوىفشـغلـي بـذكـرك عـمـن سـواك
وأمـــا الـــذي أنــت أهــل لــــهفكـشـفـك للـحـجـب حـتـى أراك
فـلا الحـمد فـي ذا ولا ذاك لـــيولـكـن لك الـحـمـد فـي ذا وذاك
أحبــك حـبـيـن.. حــب الهـــوىوحــبــــا لأنــــك أهـــل لـــذاك
وأشتـاق شوقيـن.. شوق النـوىوشـوق لقرب الخلـي من حمـاك
فأمـا الــذي هــو شــوق النــوىفمسـري الدمــوع لطــول نـواك
أمــا اشتيـــاق لقـــرب الحمـــىفنــار حيـــاة خبت فــي ضيــاك
ولست على الشجو أشكو الهوىرضيت بما شئت لـي فـي هداكـا

ومن أشعارها نقتبس ما يلي:
يا سروري ومنيتي وعمـاديوأنـيـسـي وعـدتـي ومــرادي.
أنت روح الفؤاد أنت رجائـيأنت لي مؤنس وشوقك زادي.
أنت لولاك يا حياتي وأنســيمـا تـشـتت في فـسـيـح البـلاد.
كم بدت منةٌ، وكم لك عنــديمـن عـطـاء ونـعـمـة وأيـادي.
حبـك الآن بغيتـي ونعـيـمــيوجـلاء لعيـن قلبــي الصـادي.
إن تكـن راضيـاً عنـي فإننــييا منـى القلب قد بـدا إسعـادي




jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
Montrer les messages depuis:   
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> sciences islamiques exotériques.Catégorie >>> les maîtres du soufismeSous forum Toutes les heures sont au format GMT + 1 Heure
Page 1 sur 1

 
Sauter vers:  

Index | creer un forum | Forum gratuit d’entraide | Annuaire des forums gratuits | Signaler une violation | Conditions générales d'utilisation
Powered by phpBB © 2001, 2005 phpBB Group
Traduction par : phpBB-fr.com
Thème réalisé par SGo