tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum tariqa qadiriya boudchichiya.ch
sidihamza.sidijamal.sidimounir-ch
 
 FAQFAQ   RechercherRechercher   MembresMembres   GroupesGroupes   S’enregistrerS’enregistrer 
 ProfilProfil   Se connecter pour vérifier ses messages privésSe connecter pour vérifier ses messages privés   ConnexionConnexion 

شرح ديوان الحلاّج ــــ الشعر الديني ثم أفاد من تجربة الغزل العربي معدلا رموز الحب ولغته لينسج نظامه ولغته معتمدا على طبيعة تلك اللغة ومطورا لغته ورموزه الخالصة. فظهر نوع جديد من الحب هو الحب الإلهي الذي يستعير لغة - الطّريقة القادرية البودشيشية الحمزاوية

 
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية حية قادرية النسب تيجانية المشربCatégorie >>> تحميل الكتب والمخطوطات - مكتبة ضخمة للكتب Sous forum
Sujet précédent :: Sujet suivant  
Auteur Message
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Sam 29 Juin - 05:11 (2013)    Sujet du message: شرح ديوان الحلاّج ــــ الشعر الديني ثم أفاد من تجربة الغزل العربي معدلا رموز الحب ولغته لينسج نظامه ولغته معتمدا على طبيعة تلك اللغة ومطورا لغته ورموزه الخالصة. فظهر نوع جديد من الحب هو الحب الإلهي الذي يستعير لغة - الطّريقة القادرية البودشيشية الحمزاوية Répondre en citant








شرح ديوان الحلاّج 
ــــ
الطّريقة القادرية البودشيشية الحمزاوية



 

 

 

 

 

 

  
  
مقدمة 
 

 

يُعَدّ الأدب الصوفي واحداً من فنون الأدب التي ظهرت في العصور الإسلامية المختلفة، وقد ظهر شعرا ونثرا وتطور تطورا عميقا في الشكلين معا، كما أنه اتكأ على التراث الشعري وعلى الأنواع النثرية والسردية القديمة، مضيفا إليها خصوصيته ونكهته الخاصة.  وقد  تمثل نبعه الأول في الشعر الديني ثم أفاد من تجربة الغزل العربي معدلا رموز الحب ولغته لينسج نظامه ولغته معتمدا على طبيعة تلك اللغة ومطورا لغته ورموزه الخالصة. فظهر نوع جديد من الحب هو الحب الإلهي الذي يستعير لغة الغزل والحب للتعبير عن لواعج وأشواق علوية طامحة لمعانقة ما لا يرى ولا يوصل إليه. كما وظّف شعراء الصوفية فكرة الخمر الإنساني وآثاره ليعبّروا من خلاله عن أحوال خاصة تعتريهم في عشقهم للذات العليا، وانتقل الشعر الصوفي في أحيان أخرى من المباشرة إلى مستوى الرمز، ومِنْ هذا كلِّه نَبَع الأدب الصوفي، واستثمر إمكانيات الشعر المعروفة، ونقلها إلى مستويات متعددة: فمنه ما غلب عليه التصوير ومنه ما غلبت عليه الأفكار المجردة، منه ما أغرق في التكلّف اللفظي والمعنوي أو تقليد الشعر العربي دون مفارقته، ومنه ما ارتقى فنياً ليوازي ما أبدعه الشعراء المتمكّنون.

وبشكل عام فإن النّص الصوفي يُعَدّ نصاً لغوياً ودلالياً خاصاً في الأدب العربي، انطلق باللغة مما ألفته إلى مستوى جديد غني بالطاقات الإيحائية مما يدفع الباحث لدراسته، خصوصاً إذا توجهت الدراسة إلى المباحث التي تعتمد على السمات والعناصر الأسلوبية في النص. وقد تمثلتُ في دراستي منهج التحليل الأسلوبي الحديث وصفاً وإحصاءً، لأخلص في النهاية إلى تأويل النتائج وتفسيرها، وقد لجأتُ إلى هذا المنهج ـ على قلّة انشغال الباحثين بالدراسات الأسلوبية التطبيقية ـ لأنه يتناسب مع طبيعة الشعر الصوفي، ويُعدُّ مدخلاً مناسباً يمكّن الباحث من معاينةِ تجربة فريدة في رؤيتها وفي أسلوبيتها الخاصة.

كما أن هذا المنهج يدرس النص الأدبي، ويعمد إلى تحليله بما يكشف عن الأنماط الأسلوبية للمبدع. فهو يهتم بدراسة النص دراسة تحليلية وصفية، من خلال تأمُّل مكوناته الداخلية، دون التركيز على العوامل الخارجية التي اعتنى بها النقد كثيراً مسقطاً على النص المدروس ـ في أحيان كثيرة ـ ما هو خارج عنه من مفاهيم علم الاجتماع والتاريخ وعلم النفس والفلسفة.

وقد وقع اختياري على مجموع أشعار الحلاج كواحد من أبرز شعراء الصوفية أمثال: رابعة العدوية وابن الفارض وابن عربي، ولامتلاكه خصوصية ينماز بها عن غيره، فهو من المتصوفة المتقدمين (ت 309 هـ)، ويبدو أن كثيراً من ينابيع التعبير الصوفي تجد لها تمثلاً في تجربته، قبل أن ينشط الاهتمام بها وتنضج فيما بعد في تجلّيها الأوضح عند محي الدين بن عربي خاصة. وعلى كثرة الاهتمام بالحلاج وشيوع صيته، إلا أن جلّ الاهتمام ارتكز على تجربته الإنسانية ودلالات مقتله كشهيد للفكر وللحب الإلهي، وقلّما دُرس شعره دراسة جمالية خالصة تربط بين الدلالة وتجلّيها الأسلوبي في إطار من القراءة الداخلية للنص الشعري.

درس هذا الكتاب إذن شعر الحسين بن منصور الحلاج المولود سنة أربع وأربعين ومائتين للهجرة، والمتوفى سنة تسع وثلاثمائة للهجرة بوصفه شاعراً صوفياً يشتمل شعره على تجربة مميزة من الناحية الأسلوبية.

تكوّن الكتاب من تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة؛ تناولتُ في التمهيد سيرة الحلاج، فعرضتها عرضاً موجزاً يضيء أهمّ ملامح حياته ومسيرته، كما عرضت للخطوط العامة التي تميز الأسلوب والأسلوبية، وتضيء المعايير التي أخذت بها في المجال التطبيقي.

عرضت في الفصل الأول للتحليل الصوتي، وتناولت فيه جملة من الظواهر الصوتية والإيقاعية التي تميز بها الحلاج من خلال دراسة الأوزان والبحور، وكيفية استخدامه لها في شعره، وكذلك الطبيعة الخاصة لأسلوب التقفية، ونظرت في ظواهر الإيقاع الداخلي التي تعتمد على حضور أنماط صوتية معينة تتفاعل مع طبيعة شعره ودلالاته، حيث بينت الدّراسة شدة ارتباط الصوت بالدلالة عند الحلاج.

كما تبين لي توفّر شعره على إيقاع واضح تأَتَّى من غلبة الأوزان القصيرة والمجزوءة، حيث جاوزت نسبتها، ثلث الديوان، وهذا يتناسب مع التجربة الصوفية الذاتية للحلاج، وتعبيره عنها تعبيراً وجدانياً.

كما اتضح كثرة استخدامه للمقاطع الطويلة التي تمنح الصوت امتداداً يتناسب مع رغبة الشاعر الدائمة في خطاب الذات العليا وندائها ومناجاتها؛ تمثّل ذلك في كثرة استخدامه للقوافي المردوفة والقوافي المؤسسة والقافية المطلقة وحروف اللين.

ولمحت رغبته الدائمة في بثّ معان مخصوصة تتعلق بخصوصية علاقته بالذات العليا من خلال التكرار الكمّي لبعض الأصوات؛ كالأصوات المهموسة، وأصوات الصّفير وصوتي الهاء والنون.

كما لمست إلحاحه على رؤى وأفكار ومشاعر معينة من خلال كثرة تكراره القوافي ذاتها في بعض القصائد والمقطوعات، أو إتيانه بالضرب والعروض المتماثلين، أو تكراره ألفاظاً بعينها على مستوى النص الواحد أو الديوان.

أما في الفصل الثاني فعرضتُ للتحليل التركيبي؛ فاخترت أهم الظواهر التركيبية التي ميّزت شعره، وشكّلت عدولات أسلوبية تميز بها؛ كتراكيب الإضافة ذات الجدة والخصوصية، والتي تبين لي أنها نمط أسلوبي يمكن نسبته إلى الحلاج، فقد وضع أساسه ونوّع في استخداماته يما يتواءم مع تطور تجربته وخصوصيتها قبل أن يطور ابن عربي هذا النمط بزمن طويل ليصبح نمطاً أسلوبياً يميّز التعبير الصوفي.

كما شكلتْ تحولات الضمائر في شعره حضوراً واسعاً وتنوعاً وتداخلاً بما يجعلها ظاهرة أساسية في تراكيبه. أما تأملي لأساليبه الإنشائية، فقد أفضى إلى ملاحظة أسلوبيْ الأمر والنداء كأسلوبين إنشائيين يكثر الحلاج في استخدامهما بمعناهما البلاغي، راسماً عبرهما علامات أسلوبية كثيرة تحيط بخطابه للذات العليا.

أما أنماط التوكيد لديه فقد ساهمت في تعميق دلالته وتأكيدها سواء كانت توكيداً لفظياً، أم باستخدام إنّ المشددة، أم نون التوكيد الملحقة بالفعل المضارع أو بالقسم، أم بحرفي التحقيق (قد، لقد)، أم حروف الجرّ الزائدة.

أما في الفصل الثالث فقد عرضتُ للتحليل الدلالي الذي تتكامل به الدوائر الثلاثة (الصوت، والتركيب، والدلالة)، وكان مدخلي إلى دراسته تمييز الحقول الدلالية في شعره، وقد قسّمتها إلى الحقول التالية: حقل الحب الإلهي، حقل الألفاظ الدالة على المعرفة، حقل ألفاظ الخمر، حقل الألفاظ الدالة على أعضاء الإنسان ومتعلّقاته، حقل الحروف والأعداد.

وتسهم هذه الحقول في تأكيد الوحدة الدلالية في شعره؛ إذ تنتهي إلى غاية واحدة تتصل بالتجربة الصوفية، وارتباطها بالذات العليا، وقد منحها هذا الارتباط خصوصية في سائر مستوياتها الصوتية والتركيبية والدلالية. وقد كشف هذا الفصل (التحليل الدلالي) عن تجربة متجانسة تمتلك معالم الوحدة والتماسك.

وانتهيتُ إلى تأكيد أهمية المنهج الأسلوبي بوصفه أحد خيارات النقد الأدبي، بما يمنحه للدارس من مفاتيح في قراءة النص قراءة داخلية تكشف عن أنماطه الأسلوبية التي تميزه عن غيره من النصوص.

وقد اعتمدتُ في دراستي لشعر الحلاج على كتاب (شرح ديوان الحلاج) الذي أعاد صناعته وأصلحه ونصّص عليه وقدّم له الدكتور كامل مصطفى الشيبي أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة بغداد، والصادر في بيروت وبغداد عن مكتبة النهضة سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة وألف (1973 م).

وقد تميّز هذا التحقيق للديوان بإضافات إلى أشعار الحلاج "لم يفطن إليها المستشرق الفرنسي الشهير لويس ماسينيون (1883 ـ 1908)"(*) الذي نشر ديوان الحلاج في باريس... وظهرت طبعته الثالثة فيها سنة 1955، دون تغيير أو تطوير في نصّه وتحقيقه على ما يقول الدكتور الشيبي.

كما اعتمدتُ في دراستي كذلك على الطبعة الأولى لديوان الحلاج، وهو من صنع وإصلاح الدكتور الشيبي أيضاً، وقد صدر عام سبع وتسعين وتسعمائة وألف (1997م) عن منشورات الجمل في ألمانيا، وقد زيد فيها على الشرح ثماني عشرة مقطوعة بما يجاوز مائة وثلاثين بيتاً، لكنها تخلو من الشروح الهامة التي ظهرت في (شرح ديوان الحلاج).

وقد ميّز الدكتور الشيبي الشعر الذي صحّت نسبته إلى الحلاج، والشعر المنسوب إليه، على نحو دقيق، وقد اعتمدتُ في دراستي على شعر الحلاج الذي صحّت نسبته، وتركت الأشعار التي أثبت الشيبي أنها لغيره من الشعراء، أو أنها منحولة عليه من باب ما يُقال على لسان الحال، ولم أُعن بمسألة تحقيق الأشعار المنسوبة لأنني عددتها منتهية بحكم ما أنجزه الشيبي في عمله الدقيق، وعنايته الواسعة بشعر الحلاج.

إلا أنني قمت بتصويب بحور ستّ مقطوعات وردت تحت أوزان خاطئة(*) في الديوان (منشورات الجمل):

فقد وردت المقطوعة التي مطلعها  (ص41):


حقيقة الحق تستنير



 

صارخة بالنبا خبير


 
تحت بحر البسيط وحقها أن تكون من مخلّع البسيط.

ووردت المقطوعة التي مطلعها (ص65):


أنا أنت بلا شكّ



 

فسبحانك سبحاني


 
تحت بحر الرجز وصوابها الهزج.

كما وردت المقطوعة التي مطلعها (ص73):


قلوب العاشقين لها عيون



 

ترى ما لا يراه الناظرونا


 
من بحر الطويل وصوابها الوافر.

      ووردت المقطوعة التي مطلعها (ص73):


طوبى لطرف فاز منــ



 

ــك بنظرة أو نظرتين


 
من مجزوء الرمل وصوابه مجزوء الكامل.

فضلاً عن المقطوعة التي مطلعها (ص74):


ارجع إلى الله إنّ الغاية الله



 

فلا إله إذا بالغت إلا هو






 
من الطويل وصوابه بحر البسيط.

ووردت المقطوعة التي مطلعها (ص77):


فيك معنى يدعو النفوس إليكا

 

ودليل يدلُّ منك عليكا


 
من البسيط وهي من بحر الخفيف.

وأخيراً، آمل أن يكون في هذا العمل ما يضيف إلى الدراسات السابقة، في الأدب الصوفي، وما يميزه عنها، من خلال إجراءات المنهج الأسلوبي الذي ما زال الاستناد إليه في مرحلة التجريب والاختبار.


 

 

 


 

 

 

 

التمهيد 
  
سيرة الحلاج 
 

هو الحسين بن منصور، يكنّى أبا عبدالله وقيل: أبا مغيث، ولد سنة أربع وأربعين ومائتين (244هـ). وذكرت المصادر أن جدّه كان مجوسيّاً يدعى محمّى من أهل بيضاء فارس. نشأ الحلاج بواسط، وقيل بتستر، روي في سبب تسميته أن أباه كان حلاجاً، وقيل إنه مرّ على حلاج فبعثه في شغل، ولما عاد وجده قد حلج كل القطن في الدكان، كما روي أنه تكلم على الناس وكثيراً ما كان يخبر عن ضمائرهم فسمّي حلاج الأسرار(([1].

تتلمذ على يدي عدد من شيوخ الصوفية الذين صحبهم في ذلك الوقت، أمثال: سهل بن عبد الله التستريّ، والجنيد، وعمرو بن عثمان المكي، وأبي الحسين النوري. ثم استقلّ عنهم، وأخذ بممارسة الرياضات والمجاهدات الشاقة، مصابراً متحملاً، وكان يدرك ـ إلى جانب ذلك ـ طبيعة الحياة من حوله في جوانبها الاجتماعية والسياسية، متلمّساً الدور الذي ينبغي أن يقوم به في ظل الواقع المتردي الذي يحيط به؛ فهو وإن كان متوجهاً بكليته إلى النهوض بمطالب التجربة الصوفية من الالتزام الروحي، والانفصال عن الدنيوي، فقد توقّف عند جوانب إنسانية وواقعية، لا بد من الأخذ بها وعدم إغفالها.

كان الصوفية جماعة تميل إلى الانعزال وترك أمور الدنيا وعدم التدخل في شؤونها المختلفة، وهو توجه راق لأصحاب السياسة والسلطة فشجعوا عليه. إلا أن الحلاج كان يبحث عن طريق وسط بين هذا وذاك، بين ما هو إنساني وبين ما هو سماوي، بين ما هو مادّي وما هو روحّي، وهنا توقّف...!! فكيف يحقق عزلته الروحية ويتوسط الحياة اليومية الصاخبة في الآن نفسه؟ فبدأ بالبحث عن تصوف أرضيّ ـ  إن جاز التعبير ـ يحقق للإنسان اتصاله بربه ودفاعه عن حقه في الحياة الكريمة. فهل كان هذا التوجه مما يرتضيه مَن حوله؟!

بدا للحلاج حينذاك أن يكمل رحلته الصوفية فخرج إلى مكة، وجاور سنة، رجع بعدها إلى بغداد مع جماعة من الفقراء الصوفية، ثم توجه وزوجته إلى تستر ودعا الناس إلى الزهد والتصوف، فوقع له عندهم قبول حسن، ثم عاد فتجول في بلاد شاسعة وصل فيها إلى الهند، وما وراء النهر(([2]. فحصّل في أسفاره الكثير من المعارف، وخبر الأقوام والملل، وصنف خلالها تصانيف عديدة في الأصول والفروع والتوحيد وخلق الإنسان والبيان والسياسة والخلفاء والوزراء والعدل وكيد الشيطان وأمر السلطان واليقين والوجود وغيرها، وقد أورد ابن النديم ستة وأربعين عنواناً من مصنفات الحلاج(([3].

حقق الحلاج من أسفاره بعض أهدافه إذ كان يبتغي بثّ دعواه الصوفية وطريقته الحلاجية، وكان يبثّ في مريديه الرغبة في الحرية، ورفض قهر المتسلّطين، وأصحاب الخراج، وكان اعتناؤه بشؤون الناس ومصالحهم، وجرأته على فضح خبايا السياسة وتداعي الحياة الاجتماعية والسياسية قد جمع حوله الكثيرين، وألّب عليه أصحاب السياسة.

لقد كانت الحياة الاجتماعية والسياسية في ذلك الوقت من العصر العباسي تمور بالفوضى والمشاحنات والغلاء الفاحش، وكان أصحاب السلطة لا يألون جهداً في استخدام أي وسيلة لضمان بقاء سلطانهم، وكذلك كان أصحاب المال والخراج، والخاسر في ذلك كان العامة من الناس الذين لم يملكوا الرفض أو التمرد(([4].

ولما كان الحلاج قد حلّ في قلوب هؤلاء العامة محلاً جليلاً؛ عدّوا دعوته دعوة إغاثة ومساعدة، وعدّوه المنقذ لهم، وبلغوا في ذلك حدّاً، باتوا يكاتبونه بالمغيث تارة، والمقيت ثانية، والمميّز تارة ثالثة(([5] وغيرها من الألقاب التي تؤشر إلى المنزلة التي ارتقاها في نظرهم.

ولما كان ذلك كذلك، تجرّدت  فئة لا مصالح لها في دعوة الحلاج حسداً ونكاية(([6] للتقوُّل والتأليب عليه وشحذ القلوب والعقول ضده، فحاولت التشكيك في عقيدته متهمة إياه بالزندقة والاحتيال، فقد أشاعوا فيما يقول ابن النديم أنه "كان رجلاً محتالاً مشعبذاً، يتعاطى مذاهب الصوفية، ويتحلى بألفاظهم، ويدّعي كل علم، وأنه كان يعرف شيئاً من صناعة الكيمياء، وكان جاهلاً مقداماً متدهوراً جسوراً على السلاطين مرتكباً للعظائم، يروم إقلاب الدول، ويدّعي عند أصحابه الإلهية، ويقول بالحلول، ويظهر مذاهب الشيعة للملوك، ومذاهب الصوفية للعامة"(([7].

وقد استثمر خصومه في دعواهم تلك اقتناءه العقار ببغداد، وبناءه بها داراً، فعدّوه بذلك متلوناً، وكان ذلك في حدود الثلاثمائة للهجرة(([8]. كما اعتبروه مخلّطاً لأنه كان يلبس الثياب المصطبغة في بعض الأحيان، ويلبس الدراعة والعمامة ويمشي بالقباء على زيّ الجند في أحيان أخرى(([9] ولعله أدرك أن دعوته التي ارتأى أن يوصلها إلى الناس، لا تتطلب لبوساً وشكلاً بقدر ما تحتاج إلى استعداد فكري لأداء هذه المهمة الصعبة، وبدا له أن تجرّده من ملابس الصوفية يمكنّه من بثّ طريقته بحرية أكبر، وأن الصوفية مضمون أكثر منها شكلاً. وربما رام في جُلّ ذلك أن يؤكد إنسانية الصوفي وحقه بممارسة حياته، محاولاً أن يسمو بالناس وبالمجتمع محوّلاً الصوفية إلى حياة اجتماعية وإنسانية لها مكانتها الأرضية، ولها طموحها السماوي.

لكن الأمر لم يطل فقد بدأ أصحاب السلطان وموظفو الخراج بإثارة الشغب ضده، ترأسهم في ذلك الوزير حامد بن العباس في عهد الخليفة المقتدر ببغداد، ففي وزارة حامد ازداد الشغب بسبب غلاء الأسعار، وحاولت العامة فتح السجون، ووثبوا على ابن درهم خليفة صاحب المعونة وأرادوا قتله(([10]. ويبدو أن حامداً وجد في القبض على الحلاج والقضاء عليه، ما يعيد الأمن والهدوء. معتبراً إياه المحرّض والمشعل لفتيل الثورة عليه، وكان ذلك سنة ثلاثمائة وتسع (309هـ).

وكان الوزير ابن العباس قد حاول القبض عليه مراراً، فقبل ذلك كانت العيون تلاحقه بحثاً عن منفذ للقضاء عليه، ففي عام ثلاثمئة وواحد (301هـ). قبض عليه علي بن أحمد الراسبي أمير الأهواز وأدخله بغداد وغلاماً له على جمل مشهورين، بحجة أن البّينة قامت عنده أنه يدّعي الربوبية ويقول بالحلول، ونودي عليه حينذاك بأنه أحد دعاة القرامطة فحبس، ثم أمر الوزير آنذاك علي بن عيسى بصلبه حيّاً، لثلاثة أيام حتى رآه الناس، ثم حمل إلى دار السلطان فحبس بها(([11]. وظل منذ ذلك الحين ينتقل من حبس إلى آخر حتى سنة ثلاثمائة وتسع (309هـ)، حيث كان حامد الوزير يخرج الحلاج إلى مجلسه، ويستنطقه فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة، وطال الأمر على ذلك، وحامد مُجدٌّ في أمره، وجرى له معه قصص كثيرة، وفي آخرها رأى الوزير له كتاباً حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه، أفرد من داره بيتاً لا يلحقه شيء من النجاسات، فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله، وفعل ما يفعله الحاج بمكة، ثم جمع ثلاثين يتيماً، وأطعمهم أجود الطعام، ثم إذا ما فرغوا كساهم وأعطى كل واحد منهم سبعة دراهم، فإذا فعل كان كمن حجّ(([12].

وهنا لاحت فرصة الوزير للتخلص منه باسم الشريعة، ظاهراً أمام العامة بمظهر الحامي للدين والمناوئ عنه، عبر محاكمةٍ ظاهرها ديني، وباطنها سياسي، خصوصاً بعد امتناع الفقهاء عن محاكمته، حيث استفتاهم في أمره "فذكروا أنهم لا يفتون في قتله بشيء إلى أن يصحَّ عندهم ما يوجب عليه القتل، وأنه لا يجوز قبول قول من ادّعى عليه ما ادّعاه وإن واجهه إلا بدليل أو إقرار"(([13].

فلما قرئ ما يتعلق بالحج على الوزير "قال القاضي أبو عمر للحلاج: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري، قال له القاضي: كذبت يا حلال الدم! قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا؛ فلما قال أبو عمر: يا حلال الدم، وسمعها الوزير. قال له: اكتب بما قلت، فدافعه أبو عمر، وتشاغل بخطاب الحلاج فلم يدعه حامد يتشاغل، وألحّ عليه إلحاحاً لا يمكنه معه مخالفته، فألزمه بإباحة دمه، وكتب بعده من حضر المجلس، ولما سمع الحلاج ذلك قال: ظهري حمى ودمي حرام، وما يحلّ لكم أن تتأوّلوا عليّ بما يبيحه، اعتقادي الإسلام ومذهبي السنة ولي كتب في الوراقين موجودة في السنة فالله الله في دمي"(([14].

وحين كتب الوزير إلى الخليفة المقتدر يستأذنه في قتله، وأرسل الفتاوى إليه، تباطأ المقتدر في الرّد عليه، فراسله ابن العباس مدّعياً أنه ذاع كفر الحلاج وادّعاؤه بالربوبية وإن لم يقتل افتتن به الناس فكتب الخليفة: "إذا كانت القضاة قد أفتوا بقتله وأباحوا دمه، فليحضر محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة، وليضربه ألف سوط، فإن تلف وإلا ضربت عنقه"(([15]. عندها أمر الوزير صاحب الشرطة بضربه ألف سوط، وتقطيع يديه ورجليه، وحزّ رقبته ثم إحراق جثته.

وهذا ما حدث ليلة الثلاثاء لستٍّ بقين من ذي القعدة من السنة ذاتها(([16]، وقيل لسبع بقين من ذي القعدة(([17]، وقيل لسبع بقين من ذي الحجة(([18]، وقيل لتسع بقين من ذي القعدة(([19].

كان الحلاج وما زال شخصية جدلية تباينت تجاهها المواقف والآراء، وأثارت أبناء عصرها، وأثرت في محيطها تأثيراً امتد إلى ما بعد رحيلها حتى أيامنا الحاضرة، وقد تتبع ماسينيون حياة الحلاج بعد موته، مما يوضح أثره الفاعل في أجيال من المتصوفة، وأصحاب الكتابة، فقد صار رمزاً للفداء والتضحية ومواجهة الظلم(([20].واختلف القدماء فيه، فثمة من رده جملة وتفصيلاً، وثمة من قبله فصحح حاله ودوّن كلامه، أو قبله فاعتذر عنه وأجاب عما صدر عنه بتأويلات، وثمة من توقف عن  الحكم عليه(([21]. ومازال حتى اللحظة الراهنة محل رد وقبول، فهو صاحب طريقة وفلسفة خاصة، بحث عن المعنى الرمزي الذي يرفع دعاء الروح إلى الله، وتذوق حقائق الإيمان، وأحيا في قلوب الكثيرين الرغبة في الإصلاح الأخلاقي الشامل للجماعة الإسلامية عبر طريقته التي مال فيها إلى الكشف والبعد عن الاستسرار، وإعلان رؤيته وأفكاره بتجرد على الملأ خلافاً لأسلوب الصوفية(([22].

ويبدو أنه دفع ثمن جرأته في دعوة من يأخذون بظاهر الشريعة إلى طريقته، ومحاولته ربط الحياة بالروح، والاختلاط بالعوام على اختلاف مذاهبهم وطرائقهم، وبث بذرة التمرد وإعلان الرأي بحرية، وقد روي عن صديقه الشبلي أنه حين رأى الحلاج مصلوباً قال: "ألم أنهك عن العالمين"(([23]. ولافتقاد العامة رجلاً كانوا يضعون على كاهله أمر حمايتهم وإنقاذهم من التردي الذي يعيشونه؛ أخذوا يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوماً من قتله(([24]. وإدراكاً منهم أنه مخلّصهم شبهوه بالمسيح فقد "ادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل ولكن ألقي شبهه على عدوّ من أعداء الله"(([25].

أما شعر الحلاج فقد مثّل تجربته الصوفية الممتدة، ونبع تميزه من دلالاته الصوفية التي صاغها ضمن تشكيل أسلوبي مميز، يتناسب مع خصوصية تجربته واختلافها.

ورغم أنه لم يتجه في حياته إلى العزلة، وإنما اختلط بالناس، وكان له دور في السياق العام، إلا أن شعره لم يعبّر عن ذلك، بقدر ما كان شعراً شخصياً ذاتياً خالياً من التوجيه والخطاب التعليمي، ومع أنه كان شخصية إصلاحية  ـ إذا جاز التعبير ـ وفيها أبعاد تعنى بهموم الجماعة ـ كما ورد في أخباره ـ، إلا أنه لم يوظف الشعر لهذه الغاية، وإنما ظلت وظيفة الشعر عنده التعبير عن الهموم الصوفية التي تمثل علاقةً ذاتَ خصوصية مع الذات الإلهية.

لقد فصل الحلاج بين الشعر والحياة اليومية أو العامة، وإذا كان قد خالف غيره، من المتصوفة فاقتنى مالاً وابتنى داراً، مما يمثل بعض الانشغال بأمور الدنيا، كما حاول مقاومة الأوضاع السياسية والاجتماعية الفاسدة في عصره، إلا أن ذلك كله ظل خارج تجربته الصوفية التي يمثلها شعره، فأبقاه خالصاً للتعبير الصوفي من غير أن يختلط بشؤون الدنيا، أو يتوجه إلى الناس بخطاب جماعي.

 

  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
الأسلوب والأسلوبية 
  
  
ما زال مفهوم الأسلوب غامضاً ملتبساً، لا بسبب نقص ما كتب عنه، وإنما لكثرة تداوله بين النقاد والدارسين؛ فقد تعددت تعريفاته، وتنوعت مقاصد الباحثين من إيراده، وهو بصورة مجملة يعرض للطريقة الفنية في التعبير عن الدلالات أو المعاني، لكنه يمتزج في أحيان كثيرة بمفاهيم متعددة في البلاغة والنحو وسائر علوم اللغة والأدب، فكل باحث يحمله إلى مرجعيته، ويعرّفه اعتماداً على الحقل الذي ينتمي إليه أو يُعنى به.

ولا يبدو أن هناك تعريفاً واحداً يمكن أن يجمع ذلك التنوع والتعدد، وكذلك لا تبدو ملاحقة تلك التعريفات مجدية أو كبيرة الفائدة، والأجدى من ذلك محاولة استخلاص بعض المبادئ الكبرى التي تتخذ سبيلاً للكشف عن الأسلوب وطريقة دراسته وتمييزه.

وقد اهتم الدارسون المحدثون بالأسلوب اهتماماً واسعاً، فدرس في ضوء المعطيات الجديدة للنظر اللغوي والأدبي والنقدي، وارتبط باللغة ـ بشكل أساسي ـ حتى بات يتحدد بالاستخدام الخاص لها بمختلف مستوياتها ومكوناتها، لأن المبدع يفترق عن غيره بالكيفية التي يستخدم فيها إمكانات اللغة وطاقاتها المتعددة، بما فيها من خيارات تعبيرية متنوعة.

وهكذا يمكن أن يعني الأسلوب الكيفية التي يستخدم فيها المبدع أداة أو طريقة تعبيرية معينة من بين خيارات متعددة، وضمن تأليف خاص، فكأنه "طريقة في الكتابة (أو) هو استخدام الكاتب لأدوات تعبيرية من أجل غايات أدبية، ويتميز في النتيجة من القواعد التي تحدد معنى الأشكال وصوابها"(([26].

ولا يتمثل الأسلوب في أدب الفرد وحسب، وإنما يتعداه ليدل على شيوع سمات أسلوبية محددة في حقبة ما، وهذا يفضي إلى (أسلوب العصر)، كما يمكن استنباط أساليب أخرى للجنس الأدبي، وهو ما يدخل في إطار نظرية تمييز الأجناس وإظهار الخصائص المميزة لكل منها.

وأما الأسلوبية فذات ارتباط بالأسلوب، ويمكن أن تعدّ علم دراسة الأسلوب أو منهج دراسة الأساليب، فهي تطلق على جملة المبادئ والمعايير الكبرى التي يحتكم إليها في تمييز الأسلوب وتحليله، فالأسلوبية هي الكل والأسلوب هو الجزء، ومن جماع الأساليب تتكون الأسلوبية في  تحديدها الختامي.

ومع ذلك يختلط استخدام المصطلحين في الدراسات الأسلوبية، لاقترابهما وتداخلهما مع أن الأسلوب تحددت دائرته ووظيفته في الدراسات الأسلوبية الحديثة(([27]  التي طمحت إلى تحويل الأسلوبية إلى علم خاص بدراسة الأساليب، ولذلك يمكن أن تعني (علم الأسلوب). وإذا كان الأسلوب "شكلاً من أشكال التنوع في اللغة... (فإن) علم الأسلوب (الأسلوبية) يقصد بعضاً من هذه التنوعات وبخاصة في  مستواها الفردي"(([28].

ويمكن أن تسلك الأسلوبية في إطار المناهج النقدية الحديثة التي تطورت بتأثير من اللغويات الحديثة، ودراسات علم اللغة التي وضع أساسها فرديناند دي سوسير، كما أنها وطيدة الصلة بالبلاغة، التي كانت قد نظرت في كثير من القضايا الأسلوبية على نحو جزئي ودون قصد لدراسة الأسلوب، كما تتصل الأسلوبية بكل ما له دور في تشكيل النص من مكونات لغوية أو صوتية أو جمالية أو دلالية بتنوع العلوم الفرعية التي تنتمي إليها هذه المكونات.

وهكذا تنبسط الأسلوبية على "رقعة اللغة كلها، فجميع الظواهر اللغوية ابتداء من الأصوات حتى أبنية الجمل الأكثر تركيباً، يمكن أن تكشف عن خصيصة أساسية في اللغة المدروسة، وجميع الوقائع مهما تكن يمكن أن تشِفَّ عن لمحة من حياة الفكر بأكملها، منظوراً إليها من زاوية خاصة"(([29].

تهتم الأسلوبية بدراسة النص دراسة وصفية، وتحلله بمعزل عن العوامل الخارجة عنه والتي لازمت جل أشكال النقد منذ أمد بعيد، فكان في كثير من الأحيان يبتعد عن النص المدروس لصالح ما هو خارج عنه مسقطاً مفاهيم علم الاجتماع والتاريخ وعلم النفس والفلسفة عليه. فجاءت الأسلوبية لترسم خطاً جديداً يعود بالنقد إلى طبيعة النص اللغوية والجمالية.

وعادة ما تتوقف الأسلوبية عند السمات أو الأنماط التي تتجاوز وظيفة الإبلاغ أو الإخبار، فدورها أن تدرس كل ما يؤدي وظيفة أدبية أو شعرية أو يمكن أن تشتمل عليه الوظيفة الجمالية(([30].

وبما أنّ المبدع يعتمد على اللغة بوصفها المادة الأساس في عمله الإبداعي، فإن الأسلوبية تتأمل طريقة استخدام اللغة، لتجمع من الجزئيات والتفاصيل ما يمكن الخروج به من تعميمات تحليلية تدل على طبيعة أسلوب الكاتب أو الشاعر، ويمكن أن يتم هذا التحليل وفق مستويات التحليل الأسلوبي من الناحية العملية وهي: المستوى الصوتي، والمستوى التركيبي، والمستوى الدلالي.

أما أهم المعايير التي تعتمد عليها الدراسة الأسلوبية في سائر المستويات اللغوية فيمكن إجمالها فيما يلي:

المنظور الإحصائي(([31]:

ويطبق من خلال الاهتمام بمعدل التكرار لبعض العناصر اللغوية، فالعنصر الذي يتكرر أكثر من غيره أوْلى بالدراسة؛ لأن تكراره يعني أنه سمة أسلوبية في النص، وأن المبدع يعوّل عليه أكثر من غيره، ولكن الإحصاء وحده لا يكفي، فهو مؤشر محض تكتمل وظيفته ودلالته بالنفاذ إلى تفسيره وتحليله، والنفاذ إلى ما وراءه، كما أن المبالغة فيه، قد تؤدي إلى قتل الدراسة الأدبية بتحويلها إلى جداول صمّاء تخنق روح النص، وتكتم أنفاسه، وهذا ما تعاني منه بعض الدراسات الأسلوبية المعاصرة التي تجاوزت حدود المعقول في الإفادة من هذا المبدأ أو المنظور، بحيث نظرت إليه وكأنه غاية الدراسة الأسلوبية ومنتهاها.

مبدأ العدول:

ويسمى أيضاً (الانزياح) أو (الانحراف) ولكن يمكن اختصارها بمصطلح العدول، وهو الخروج من المألوف في استعمال اللغة إلى استخدام جديد.

وليس للعدول حدّ إلا أن يؤدي إلى تحطيم العلاقات بين المكونات اللغوية لتصل إلى الإبهام، وذلك بمخالفة قوانين اللغة مخالفة صريحة(([32]، كما يعدّ كل انحراف أسلوباً، إذ لا بد أن يصاحبه وظيفة جمالية وتعبيرية، فيمكن أن تبدأ الخطوات في التحليل الأسلوبي، بـ "مراقبة الانحرافات كتكرار صوت، أو قلب نظام الكلمات، أو بناء تسلسلات متشابكة من الجمل، وكل ذلك مما يخدم وظيفة جمالية كالتأكيد أو الوضوح، أو عكس ذلك كالغموض، أو الطمس المبرر جمالياً للفروق"(([33].

مبدأ الاختيار:

وهو انتقاء الوسائل اللغوية، المناسبة من النظام اللغوي؛ لتأدية المعنى والتعبير عنه و "يتم على أساس التعادل أو التشابه أو الاختلاف، أي على أساس الترادف والتخالف"(([34].

ويرى البعض أن في الاختيار الواعي لأدوات التعبير يكمن الأسلوب(([35]، وكثيراً ما تسمى هذه الاختيارات الكلمات المفاتيح للنص.

التأليف:

وهو التنسيق بين المواد الخام للبناء حتى يتم له الشكل الفني، ويقوم في أساسه على النحو، ويتم "على أساس التشابك بين المتواليات، والتقارب بين العناصر المتجاورة"(([36]. والهدف من التأليف النحوي "أن يتم التوافق بين المعاني النفسية المراد التعبير عنها وطريقة الأداء اللغوي لها عن طريق القيم النحوية التي تراعى خلال تأليف العبارة"(([37]. وباختيار المتكلم أو الكاتب لأدواته التعبيرية من الرصيد المعجمي للغة ثم تركيبه لها تركيباً تقتضي بعضه قوانين النحو، وتسمح ببعضه الآخر سبل التصرف عند الاستعمال‑ أي عرضه مبدأ التعادل في محور الاختيار على محور التركيب ـ تتحدد أدبية النص أو وظيفته الشعرية(([38].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

 

التحليل الصوتي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

مدخل

 

يعدّ الصوت وسيلة ضرورية لمعرفة كيفية عمل اللغة، فهو عند الجاحظ "آلة اللفظ والجوهر الذي يقوم به التقطيع وبه يوجد التأليف"(([39]، وقد ربطه ابن جنّي في كتابه الخصائص باللغة بل جعلها مؤلفة من أصوات، فقال: "حدّها ـ أي اللغة ـ أنها أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم"(([40]، وثمة من ذهب إلى أن "أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كَدَويّ الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء..."(([41]، ولكن الصوت اللغوي الصادر عن جهاز النطق الإنساني "يختلف عن سائر الأصوات التي تحدث عن أسباب أو أدوات أخرى... ومعروف أن دراسة (الصوت) عامة موضوعه علم الطبيعة، أما الصوت اللغوي فهو موضوع علم الأصوات اللغوية"(([42].

ولذا يعدّ التحليل الصوتي مستوى أساسياً من مستويات التحليل اللغوي عند الدارس الأسلوبي، إذ إن "علم الأصوات فرع رئيسي لعلم اللسانيات، فلا النظرية اللغوية، ولا التطبيق اللغوي يمكن أن يعملا بدون علم الأصوات، وليس ثمة وصف كامل للغة بدون علم الأصوات"(([43].

والمادة الصوتية في السياق اللغوي هي "الأصوات المتميزة وما يتألف منها، وتعاقب الرنّات المختلفة للحركات، والإيقاع، والشدّة، وطول الأصوات، والتكرار، وتجانس الأصوات المتحركة والساكنة، والسكنات، الخ. هذه التأثيرات الصوتية تظل كامنة في اللغة العادية، حيث تكون دلالة الكلمات التي تتألف منها، والظلال الوجدانية لهذه الكلمات، بمعزل عن قيم الأصوات نفسها، أو مضادة لهذه القيم. ولكنها تتفجر حيثما يقع التوافق من هذه الناحية"(([44].

أما في الشعر فلا يكتفي التحليل الصوتي "بدرس الوزن وهو الإطار الخارجيّ الذي يمنع القصيدة من التبعثر، وإنما يدرس إلى جواره الموسيقى الداخلية من تناغم الحروف وائتلافها، وتقديم بعض الكلمات على بعض، واستعمال أدوات اللغة الثانوية بوسيلة فنية خاصة، وغير ذلك مما يهيئ جرساً نفسياً خاصاً يكاد يعلو على الوزن العروضي ويفوقه"(([45].

ويمكن دمج الدراسة الصوتية التي تستند إلى علم الأصوات بدراسة الإيقاع الشعري، عبر الإفادة من هذا العلم، إذ إن "دراسة الأصوات اللغوية، ظواهرها والحركات التي تعمل على إصدارها، هو ميدان علم الأصوات، ومن الممكن أن تطبق تقنيات علم الأصوات لوصف بنية النظم وتحليلها، وأن تحقق في ذلك من النجاح ما حققته في سائر الظواهر اللغوية التي يؤدي الصوت فيها وظيفة ذات شأن"(([46].

 

 

 

الإيقاع والوزن 
 

يرتبط الإيقاع بحياتنا الإنسانية وحاجاتها، إذ يمتلك صفة كونية، ويظهر في الطبيعة بأشكال متعددة، فسقوط حبّات المطر يترك إيقاعاً معيّناً، ودوران الأفلاك عبر أنظمة محددة يشير إلى إيقاع خاص أيضاً، فالصوت إذن والحركة إذا ما تناسبا مع الزمن فإنهما يحققان الإيقاع، وبذا، لا يكون الإيقاع مقتصراً على ميدان الشعر وحده بل يتعدّاه إلى غيره من مفردات الحياة اليومية.

ولكن ما الإيقاع في الشعر؟ يعدّ الإيقاع من أهم عناصر الشعر حيث تنتظم فيه الأصوات وفقاً لأنساق إيقاعية مطّردة من القيم الزمنية وهو ما يميزه عن الكلام النثري.

ويأتي معنى الإيقاع عند العرب مرتبطاً بالموسيقى فهو "من إيقاع اللحن والغناء وهو أن يوقّع الألحان ويبيّنها"(([47]. وهو عند ابن سينا في الشفاء: "تقدير ما لزمان النقرات فإن اتفق أن كانت النقرات منغمة، كان الإيقاع شعرياً"(([48]. فالإيقاع إذن "في الأصل من مصطلحات علم الموسيقى لا من مصطلحات علوم اللغة بوجه عام، ولا من مصطلحات علم العروض وكتب نقد الشعر القديمة بوجه خاص"(([49].

ويقترن الإيقاع باستمرار بمصطلح الوزن على الرغم من أن الإيقاع ظاهرة أشمل وأعمّ من الوزن في الشعر، فهو "وحدة النغمة التي تتكرر على نحو ما في الكلام أو في البيت، أي: توالي الحركات والسكنات على نحو منتظم في فقرتين أو أكثر من فقر الكلام أو في أبيات القصيدة... أما الوزن فهو مجموع التفعيلات التي يتألف منها البيت"(([50].

وقد تسنّم الوزن في الشعر العربي مكانة خاصة، يدلل عليها ما جاء في نظرية عمود الشعر التي استقامت واكتملت عند المرزوقي، فما ميّز العرب في شعرهم أنهم حافظوا على "... التحام أجزاء النظم والتئامها على تخيّر من لذيذ الوزن.. ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدّة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما"(([51] إذ إن لذيذ الوزن "يطرب الطبع لإيقاعه ويمازجه بصفائه عما يطرب الفهم لصواب تركيبه واعتدال نظومه"(([52].

وفي كلامٍ للجاحظ حول ترجمة الشعر؛ يجعل الوزن سبباً أساسياً في أن "الشعر لا يُستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل"(([53]. ويعلل ذلك بأن الشعر "متى حوّل تقطع نظمه وبطل وزنه، وذهب حسنه وسقط موضع التعجب لا كالكلام المنثور. والكلام المنثور المبتدأ على ذلك أحسن وأوقع من المنثور الذي تحوّل من موزون الشعر"(([54].

والأوزان العروضية التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي هي "خمسة عشر وزناً سمي كل منها بحراً، وذلك كما يقولون، لأنه أشبه البحر الذي لا يتناهى بما يغترف منه، في كونه يوزن به ما لا يتناهى من الشعر. فلما جاء الأخفش أنكر وجود بحرين من بحور الخليل لأنهما في رأيه لم يردا عند العرب، ثم زاد هو بحراً لم يذكره الخليل فيما ذكر"(([55]، هذا البحر المتدارك، أما البحران اللذان أنكرهما فهما المضارع والمقتضب إذ "لم ترد لهما شواهد صحيحة النسبة في الأشعار العربية القديمة"(([56] وفق ما يقوله إبراهيم أنيس.

وهذه الأوزان ليست في أصلها إلا صورة مجردة لإيقاعات كانت موجودة في الشعر العربي، فقد قام الخليل "باكتشاف المكونات الإيقاعية الأساسية في الشعر العربي، الذي عرف حتى وقت وضعه، وقنّنها في أطر عامة"(([57].

وثمة من ألحق كل الظواهر التي لها صلة بالأصوات بباب الوزن أو بما سمي بالإيقاع الخارجي "بكل ما يوفّره الجانب الصوتي من وزن وقافية وتكرار في المقطع الصوتي الواحد أو في الكلمة أو في الجملة وما إلى ذلك"(([58].

أما الدكتور محمد العمري، فقد قسم المادة الصوتية المنضوية تحت مبحث الإيقاع في دراسة (البنية الصوتية في الشعر) إلى ثلاثة أقسام: الوزن العروضي والأداء والموازنات، وهو يقول عن الوزن إنه "ذو طبيعة تجريدية مكون من توالي الحركات والسكنات في وحدات سميت أسباباً وأوتاداً، تمثّل بصيغ صرفية، أو تفعيلات حسب نظام الخليل.. أما الأداء فيضم كل صور تجليات الإنجاز الشفوي، أو التأويل الشفوي للنص، بما فيه من شدة وارتفاع، وهو مجال الدراسة التجريبية المخبرية.. وأما الموازنات فتضم كل صور تكرار الصوامت والصوائت مستقلة أو ضمن كلمات"(([59].

ودراسة المستوى الصوتي الإيقاعي لا تنفصل عن الاهتمام بالمعنى "إذ لا ينبغي أن نقع في خطأ التجزيء، فالنظم لا يوجد، إلا كعلاقة بين الصوت والمعنى، فهو إذن بنية صوتية ـ دلالية، وبذلك يتميز عن المقومات الشعرية الأخرى"(([60].

 

 

 

 

  
  
  
  
  
  
  
  
وصف البحور والأوزان 
 

استخدم الحلاج اثني عشر بحراً، يمكن ترتيبها وفق نسبة استخدامها كما يلي: البسيط، والطويل، والرمل، والرجز، والوافر، والمجتث، والسريع، والخفيف، والمتقارب، والكامل، والهزج، والمنسرح.

ورد البسيط عند الحلاج ـ وهو بحر مزدوج التفعيلة (مستفعلن، فاعلن)، في سبع وثلاثين [37] مقطوعة، ضمت خمسة وتسعين ومائة [195] بيتٍ، استخدمه تاماً تارة، ومخلّعاً تارة أخرى. وبنى ستاً وعشرين [26] مقطوعة على البسيط التام، مجموع أبياتها ثمانية وثلاثون ومائة [138] بيتٍ. أما المخلّع فورد في إحدى عشرة [11] مقطوعة، مؤلفة من سبعة وخمسين [57] بيتاً، لتصبح نسبة استخدام هذا البحر تاماً ومخلّعاً إلى مجموع أبيات الديوان البالغة سبعة وتسعين وأربعمائة [497] بيتٍ: (39.2%) ونسبة المقطوعات(([61] التي استُخدم فيها (33.9%) بالنظر إلى مقطوعات الديوان، وعددها مائة وتسع (109) مقطوعات.

ولم يستخدم الحلاج مجزوء البسيط إذ "لم يعد يستسيغه الشعراء وإنما أصبحوا يميلون إلى نوع مشتق منه هو الذي سمّاه أهل العروض بمخلع البسيط، وقد أجمعوا على أنّ مخلع البسيط من اختراع المولّدين، وأنه لم يكن معروفاً قبل  عهود العباسيين"(([62]، وقد جاءت نسبة المخلّع (11.4%) وهي نسبة مرتفعة نسبياً إذا ما قورنت بنسبة استخدامه للتام التي تساوي (27.7%).

أما البحر الطويل، وهو بحر مزدوج التفعيلة (فعولن، مفاعيلن)، فنُظم به "أكثر من ثلث الشعر العربي قديمه ووسيطه وحديثه"(([63]، وهو ثاني أكثر البحور استخداماً عند الحلاج، إذ جاء في ستّ عشرة [16] مقطوعة، تألفت من تسعة وأربعين [49] بيتاً، فكانت نسبة استخدامه إلى مجموع أبيات الديوان (9.8%) ونسبة استخدامه إلى عدد المقطوعات (14.6%).

أما بحر الرمل ـ وهو بحر صاف أحاديّ التفعيلة ـ فقد ورد تاماً ومجزوءاً في إحدى عشرة [11] مقطوعة ضمّت ثمانية وأربعين [48] بيتاً، جاء منها ستّ [6] مقطوعات تامة، ضمّت خمسة عشر [15] بيتاً، وخمس [5] مقطوعات مجزوءة، تألفت من ثلاثة وثلاثين [33] بيتاً، ونسبة استخدام هذا البحر إلى مجموع أبيات الديوان (9.6%)، ونسبة استخدامه إلى عدد المقطوعات (10.0%)، وهذا البحر "لم يرد في الشعر الجاهلي إلا قليلاً"(([64]. ويأتي هذا البحر في المرتبة الثالثة في استخدام الحلاج، علماً بأنه استخدم الرمل التام بنسبة (3.0%)، بينما استخدم مجزوء الرمل بنسبة (6.6%).

ورد بحر الرجز ـ وهو بحر صاف أيضاً أحاديّ التفعيلة- في موضعين، ضمّا سبعة وثلاثين [37] بيتاً، ورد التام منه في مقطوعة واحدة بثلاثة أبيات، وورد المجزوء في قصيدة مؤلفة من أربعة وثلاثين [34] بيتاً. ونسبة استخدامه إلى مجموع الأبيات (7.4%)، ونسبة استخدامه إلى عدد المقطوعات (1.8%)، بينما استخدم الحلاج التام بمفرده بنسبة (0.6%) والمجزوء بنسبة (6.8%).

واستخدم الحلاج بحر الوافر في مظهره التام فقط في ثماني [8] مقطوعات ضمت سبعة وثلاثين [37] بيتاً، شكلت ما نسبته (7.4%) إلى مجموع الأبيات، و (7.3%) إلى عدد المقطوعات.

وجاء المجتث في ست [6] مقطوعات، تكونت من ثلاثين [30] بيتاً، لتصبح نسبة استخدامه إلى مجموع الأبيات (6.0%) وإلى المقطوعات (5.5%).

وأما السريع فاستخدمه في سبع [7] مقطوعات تامة، ضمت ثمانية وعشرين [28] بيتاً، لتصبح نسبة استخدامه إلى مجموع الأبيات (5.6%)، وإلى المقطوعات (6.4%)، والسريع "من أقدم بحور الشعر العربي، غير أن ما روي منه في الشعر القديم قليل، مثله في هذا مثل بحر الرمل"(([65].

وورد الخفيف في تسع [9] مقطوعات، تكونت من سبعة وعشرين [27] بيتاً، ثماني [8] مقطوعات منها تامة، ضمت خمسة وعشرين [25] بيتاً، ومقطوعة واحدة مجزوءة تألفت من بيتين، فنسبة استخدامه إلى مجموع الأبيات (5.4%) وإلى المقطوعات (8.2%)، بينما نسبة استخدام التام وحده (5%)، والمجزوء وحده (0.4%).

وجاء المتقارب في ثلاث [3] مقطوعات تامة، تألفت من واحد وعشرين [21] بيتاً، ونسبة استخدامه إلى مجموع الأبيات (4.2%)، وإلى المقطوعات (2.7%).

أما الكامل ـ وهو بحر أحادي التفعيلة استخدمه العرب تاماً ومجزوءاً ـ فقد بنى عليه الحلاج خمس [5] مقطوعات، تألفت من واحد وعشرين [21] بيتاً، مقطوعتان منها تامتان بعشرة أبيات، وثلاث مجزوءات بأحد عشر بيتاً، وجاءت نسبة استخدامه الأبيات تامة ومجزوءة (4.2%) ونسبة استخدامه البحر إلى المقطوعات (4.5%)، بينما جاءت نسبة استخدامه التام منها بمفرده (2.0%)، والمجزوء بمفرده (2.2%).

واستخدم الهزج في مقطوعتين بثمانية أبيات، ونسبة استخدامه إلى مجموع الديوان (1.6%) وإلى المقطوعات (1.8%).

وورد المنسرح في مقطوعتين ضمتا سبعة أبيات، ونسبة استخدامه إلى مجموع أبيات الديوان (1.4%) وإلى المقطوعات (1.8%).

مما تقدم يتضح أن الحلاج لم يخرج في بناء شعره بشكل عام عن بحور الخليل، إذ لم يجدد في العروض، ولم يخرج عليه بل تقيّد به وبشروطه. إلا أنه لم يستخدم البحور الستة عشر جميعاً فلم تحظ بحور أربع هي: المتدارك، والمقتضب، والمضارع، والمديد، بأي بيت من الديوان.

والمتأمل في نسب  استخدام الشاعر للبحور على مستوى الديوان يلحظ أن البسيط كان البحر الأكثر استخداماً عنده، فقد حظي بالنسبة الأعلى على مستوى الأبيات والمقطوعات، وقد استخدمه بشكليه التام والمخلّع دون استخدامه للمجزوء، فقارب اتجاه الشاعر إليه أكثر من ثلث الديوان، مع ارتفاع نسبة استخدامه للمخلّع. ويبدو هذا البحر "أكثر توفراً في شعر المولّدين منه في شعر الجاهلية"(([66].

كما استخدم الشاعر بحري الرمل والرجز بشكليهما المجزوء بنسبة تفوق شكليهما التام. فقد فاقت نسبة استخدامه لمجزوء الرمل على التام منه بنسبة (3.6%)، كذلك فاقت نسبة استخدامه لمجزوء الرجز على التام منه بنسبة (6.2%).

ويلحظ أن ترتيب البحور وفق عدد أبياتها اختلف عن ترتيبها وفق عدد مقطوعاتها مع ثبوت بعض البحور. فبينما ثبت ترتيب النسب للبحور التالية: البسيط، والطويل، والرمل، والوافر، والمتقارب، والمنسرح، والهزج، اختلف ترتيب النسب للبحور التالية: الرجز، والمجتث، والسريع، والخفيف، والكامل.

ولعله يبدو جلياً ميل الحلاج إلى الأوزان القصيرة قليلة المقاطع؛ سواء تلك الأوزان القصيرة المستقلة بنفسها، كالمجتث (مستفعلن فاعلات)،  والهزج (مفاعيلن مفاعيلن)، أو الأوزان المجزوءة، وتمثلت في البحور: الرمل، والرجز، والخفيف، والكامل، مع ورودها بشكلها التام أيضاً. فضلاً عن مخلع البسيط القريب من المجزوء. إذ إن مجموع أبيات أوزان الهزج والمجتث والمجزوءات ومخلع البسيط تساوي خمسة وسبعين ومائة [175] بيتٍ، ونسبتها إلى مجموع أبيات الديوان البالغ سبعة وتسعين وأربعمائة [497] بيتٍ تساوي (35.2%)، وتشكل هذه النسبة أكثر من ثلث الديوان، مما يدلّل على ميل الشاعر إلى استخدام البحور القصيرة التي تتوفر على موسيقى فيها شيء من السرعة، وهذا مما يتناسب مع رغبته في التعبير السريع لا البطيء.

فقصر البيت يؤدي إلى تكرار النغمات بشكل أسرع، مما يضفي إيقاعاً عالياً واستعداداً للغناء، فقد "رأى الشعراء أن البحور القصيرة أطوع في الغناء والتلحين"(([67]، وهذه الإيقاعية العالية تؤشر إلى شيء من الغنائية والذاتية ـ في شعر الحلاج ـ تتناسب مع موضوعه الصوفي وعلاقته كذات عاشقة للذات العليا، ورغبته الدائمة بالوصول إليها والاتصال بها.

 

 

 

التدوير 
 

استخدم الحلاج في بعض المقطوعات أسلوب التدوير، والبيت المدوّر هو الذي يتصل صدره بعجزه بوجود كلمة مشتركة بينهما، جزء منها في آخر الصدر والجزء الآخر في بداية العجز(([68].

ورغم قلة التدوير عند الشاعر إلا أنه يأتي تعبيراً عن عدم الانقطاع، فالفكرة لديه متواصلة؛ فتضطره الدفقة الوجدانية إلى الوصل.

يقول(([69]:


لي حبيبٌ أزور في الخلواتِ



 

حاضرٌ غائبٌ عن اللحظاتِ



ما تراني أصغي إليه بسرّي



 

كي أعي ما يقول من كلماتِ



كلماتٍ من غير شكلٍ ولا نَقـ



 

ـطٍ ولا مثل نغمة الأصواتِ



فكأني مخاطبٌ كنتُ إيـا



 

هُ على خاطري بذاتي لذاتي



حاضرٌ غائبٌ قريبٌ بعيدٌ



 

وهو لم تحوه رسوم الصفاتِ



هو أدنى من الضمير إلى الوهـ



 

ـم وأخفى من لائح الخطراتِ


 
فقد جاءت لفظة (نقطٍ) لتصل بين شطري البيت الثالث فيكون جزء منها في الصدر، والآخر في العجز، وجاءت لفظة (إياه) لتصل بين شطري البيت الرابع، كذلك جاءت لفظة (الوهم) لتصل بين شطري البيت الأخير، مانحة المقطوعة إيقاعاً متواصلاً ينسجم مع دلالته.

فالحالة هنا غير قابلة للهندسة والتنظيم، وهي حالة تجلٍّ قد لا تطول، لذا يتجنب التوقف أثناء التعبير عنها حتى لا تتفلّت منه.

ويقول(([70]:


طوبى لطرفٍ فاز منـ



 

ـك بنظرةٍ أو نظرتينْ



ورأى جمالك كل يو



 

مٍ مــّرة أو مرتيـنْ



يا زين كلّ ملاحـةٍ



 

حوشيت من عيْب وشَيْنْ



أنت المقدم في الجما



 

ل فأين مثلك أين؟ أينْ؟


 
فقد جاءت لفظة (منك) لتصل بين شطري البيت الأول، ولفظة (يوم) لتصل بين شطري البيت الثاني، ولفظة (الجمال) لتصل بين شطري البيت الرابع؛ وهذا التدوير أضفى إيقاعاً متواصلاً ينسجم مع المقطوعة ودلالتها.

ولعل التدوير يؤشر إلى توتّر الشاعر ورغبته بالاستمرار وعدم التوقف، للتعبير عن حالة وجدانية داهمته، يصبح معها القطع قطعاً للحالة قبل اكتمالها، وكأن الفُجاءة لا تمهله لالتقاط أنفاسه في نهاية كل شطر، فيواصل الكلام ولا يقف إلا عند آخر البيت.

 

 

 

 

نظام التقفية 
  
أ‌.       حرف الرويّ 
  
الرويّ(([71] هو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة وتنسب إليه، فيقال مثلاً سينية البحتري، ولامية الشنفرى إذا كان الحرف الأخير سيناً في القصيدة الأولى ولاماً في الثانية.

وهو ذلك الصوت الذي لا بدّ أن يشترك في كلّ قوافي القصيدة "فلا يكون الشعر مقفّى إلا بأن يشتمل على ذلك الصوت المكرر في أواخر الأبيات، وإذا تكرر وحده ولم يشترك معه غيره من الأصوات، عُدّت القافية حينئذٍ أصغر صورة ممكنة للقافية الشعرية"(([72]، ويحقق الرويّ القيمة الإيقاعية من خلال تكراره على مسافات ثابتة هي الحركات التي يكونها البيت؛ فكأن المتلقّي ينتظر ضربة إيقاعية بعد العدد نفسه من التفعيلات في كل بيت.

وقد استخدم الحلاج اثنين وعشرين صوتاً في رويّ شعره وهي: الهمزة، والألف، والباء، والتاء، والثاء، والحاء، والدال، والراء، والسين، والشين، والضاد، والطاء، والعين، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والميم، والنون، والهاء، والواو، والياء.

وتعدّ "معظم حروف الهجاء مما يمكن أن يقع روياً، ولكنها تختلف في نسبة شيوعها"(([73].

وقد حظي رويّ النون بعدد كبير من الأبيات بلغت ثلاثة وعشرين ومائة [123] بيتٍ، وهو من الحروف التي "تجيء روياً بكثرة، وإن اختلفت نسبة شيوعها في أشعار العرب"(([74]. بينما جاء رويّ الحاء في بيت واحد فقط وهو من الحروف "المتوسطة الشيوع"(([75].

أما باقي الأصوات فتأتي على النحو التالي:

جاءت الراء في تسعة وثمانين [89] بيتاً، والتاء في خمسين [50] بيتاً، والهمزة في واحد وثلاثين [31] بيتاً، والباء في تسعة وعشرين [29] بيتاً، والميم في أربعة وعشرين [24] بيتاً، والدال في تسعة عشر [19] بيتاً، واللام في سبعة عشر [17] بيتاً، والسين في ستة عشر [16] بيتاً، والقاف في خمسة عشر [15] بيتاً، والياء في أربعة عشر [14] بيتاً، والشين في ثلاثة عشر [13] بيتاً، والألف في اثني عشر بيتاً [12] بيتاً، والكاف في اثني عشر [12] بيتاً، والعين في سبعة أبيات، والفاء في ستة أبيات، والهاء في خمسة أبيات، والطاء في خمسة أبيات، والواو في أربعة أبيات، والثاء في ثلاثة أبيات، والضاد في بيتين.

ولم يستخدم الشاعر الأصوات التالية روياً: الجيم، والخاء، والذال، والزاي، والظاء، والغين، والصاد، فهو يسير في هذا على ما سار عليه الشعراء العرب، إذ يتوسط شيوع الجيم في الشعر العربي، كما يندر مجيء الخاء والذال والزاي والظاء والغين روياً كذلك، أما الصاد فهو قليل الشيوع عادة(([76].

ولم يخالف الشاعر إلا في أحوال ضيّقة، تمثلت في استخدامه صوتي الشين والواو، وهما نادرا الشيوع عند العرب، ومع ذلك ظلّ استخدامه لهما محدوداً في الرويّ، قد لا يبعد عن حدود استخدامهما في الشعر العربي.

لكن الملاحظ الأبرز هو استخدامه للتّاء بكثرة رغم قلة شيوعها روياً في الشعر العربي، فقد جاءت عند الحلاج في المنزلة الثالثة بعد النون والراء اللذين يكثر مجيئهما روياً في الشعر العربي، وبنسبة (10.06%) من شعره مما يعدّ ملمحاً أسلوبياً من هذه الناحية عند الشاعر.

وجاءت التاء روياً في خمس مقطوعات، لم يخرج الشاعر في جلّها عن قواعد القوافي والرويّ في الشعر؛ إلا أنه في واحدة من هذه المقطوعات أتى في أبياتها كلها بتاء تأنيث ساكنة، مع أنّ أهل العروض يرون أنه يحسن في حال مجيء التاء روياً "ألاّ تكون تاء تأنيث، وذلك بأن تكون أصلاً من أصول الكلمة، أو جزءاً من بنيتها لا تفترق عنها"(([77].

يقول في هذه المقطوعة(([78]:


أنا الذي نفسه تشوّقه



 

لحتفه عنوة وقد علقتْ




أنا الذي في الهموم مهجته



 

تصيح من وحشة وقد غرقتْ



أنا حزين معذّب قلقٌ



 

روحي من أسر حبّها أبقتْ



كيف بقائي وقد رمى كبدي



 

بأسهم من لحاظه رشقتْ



فلو لفطم تعرضت كبدي



 

ذابت بحرّ الهموم واحترقتْ



باحت بما في الضمير يكتمــــــــــه

 

دموع بثّ بسرّه نطقتْ


 
ولأن تاء التأنيث التي لا تسبق بألف مدّ تعدّ روياً ضعيفاً بنفسه "لا بدّ من تقويته بإشراك حرف آخر مع التاء حتى لا يكون ما يتكرر في أواخر الأبيات مقصوراً عليها"(([79]. فقد التزم الحلاج في هذه المقطوعة بالقاف قبل التاء.

ولعلّ مجيء التاء هنا تاء تأنيث ساكنة لا محلّ لها من الإعراب، ينسجم مع تعبير الشاعر عن الألم الذي يعانيه، فقد غرق في الهموم والحزن والعذاب، وتشوّقت نفسه لحتفه عنوةً بعد أن رمي بسهام العشق ـ عشق الذات العليا ـ دون أن يتحصّل على قليل من البسط أو التجلّي، فكأن لا محلّ له في عين محبوبه؛ فتلتقي التاء هنا إذن مع معنى الإهمال والترك، خصوصاً وأن التاء صوت مهموس(([80] يخلو من الصوت العالي، والنبرة المرتفعة مما يدلّل على الشكوى والألم والاستسلام. فحسبه أن عرض ما يعانيه من جوى وعذاب تعززهما الضربة الإيقاعية لروي التاء بعد عدد محدد من التفعيلات في كل بيت من هذه المقطوعة.

وتدل التاء في قوافي المقطوعة جميعها على متعلّقات بالشاعر هي: النفس، والمهجة، والروح، والكبد، والدموع. وهي التي يعبّر الشاعر من خلالها عن نفسه وحاله.

كما أن جميع كلمات القافية جاءت أفعالاً ماضية، [علقت، غرقت، أبقتْ، رشقتْ، احترقت، نطقت] فكأن الحاضر لا يوسع للشاعر مكاناً ولا يمنحه أملاً.

وقد استساغ الشعراء "وقوع تاء التأنيث روياً حين تسبق بألف مدّ"(([81]، وقد تحقق ذلك عند الحلاج في قصيدة ومقطوعتين رويّها التاء، وجميعها مصرّعة ومطالعها هي:


أ. اقتلونـي يـا ثقاتـي



 

إنّ في قتلي حياتي(([82]



ب. سرّ السرائر مطويٌّ بإثبات



 

في جانب الأفْق من نور بطياتِ(([83]

 

 





جـ. لي حبيبٌ أزور في الخلواتِ



 

حاضرٌ غائبٌ عن اللحظاتِ(([84]


 
ولا يخرج الحلاج هنا عن شروط الرويّ، إلا أن رويّ التاء ساهم في المقطوعات الثلاثة بتحقيق قدر من الإيقاع، ضاعفه اشتمالها على التصريع، فضلاً عن صوت الألف وهو المقطع الطويل الذي يمتد الصوت عند النطق به بما يتناسب مع الدلالات التي تضمنتها المقطوعات، إضافة إلى المد بعدها بالوصل ـ الياء.

أما القصيدة الأخيرة ومطلعها(([85].


رأيت ربّي بعين قلبي



 

فقلتُ مَنْ أنتَ؟ قال: أنتَ



 
فبناها الشاعر على قافية (أنتَ) مكررة في سائر أبيات القصيدة، وسيرد الكلام عليها في مبحث تكرار القافية.

ب‌.    القوافي المردوفة 
الردف(([86]: حرف مدّ أو لين ساكن يأتي قبل الرويّ مباشرة، وقد كثرت القوافي المردوفة عند الحلاج بشكل لافت، وفي أشكال عديدة منها تجيء ألفاً يلزم بها الشاعر على مدار القصيدة كقوله(([87]:


قد تصبّرتُ  وهل يصـ



 

بر قلبي عن فؤادي




مازجتْ روحك روحي



 

في دنوّي وبعادي



فأنا أنتَ كما أنـ



 

ـنك أُنسي(([88] ومُرادي


 
فالألف التي جاءت قبل الرويّ (الدال) هي ما يسمى الردف.

كما راوح  الحلاج ـ في شكل آخر من القوافي المردوفة ـ بين حرفي المدّ (الواو والياء) في قصيدة مؤلفة من ثلاثة عشر بيتاً، منها قوله(([89]:


للعلم أهلٌ وللإيمان ترتيبُ



 

وللعلوم وأهليها تجاريبُ




والعلم علمان: مطبوعٌ(([90] ومكتسبٌ



 

والبحر بحران: مركوبٌ ومرهوبُ


 
كما ورد عند الحلاج شكل ثالث من القوافي المردوفة، هي القوافي المردوفة  بياء ساكنة (حرف لين)، تمثلت في خمس مقطوعات مجموع أبياتها خمسة عشر بيتاً، وخلا الديوان من ردف الواو الساكنة.

ومن قوافيه المردوفة بياء ساكنة قوله(([91]:


فيكَ معنى يدعو النّفوس إليكا



 

ودليلٌ يدلّ منكَ عليْكا



ليَ قلبٌ له إليكَ عيونٌ



 

ناظراتٌ وكلّه في يديْكا


 
ويبلغ عدد الأبيات المشتملة على قوافٍ مردوفة بأشكالها الثلاثة خمسة وعشرين ومائتي [225] بيتٍ، ما نسبته (45.2%) من أبيات الديوان، وإذا استثنينا الردف المؤلف من ياء ساكنة تظل النسبة مرتفعة.

ورغم أن الحلاج لا يختلف في استخدامه للقوافي المردوفة عن شكل استخدامها في الشعر العربي، إلا أن قوافيه المردوفة تسهم في تعزيز المستوى الإيقاعي لديه، وتصبّ في السياق الصوتي الخاص بشعره، وهو سياق الأصوات التي يحتاج النطق بها إلى زمن أطول من غيرها (الحركات الطويلة)، ولا تخرج عن كونها أصواتاً فيها قدر من المدّ (الألف، الواو، الياء). ولعلها تعزّز نداء الشاعر المستمر للذات العليا (المعشوقة)، التي يتشوّق إلى الاتصال بها والعروج في معارجها بما في النداء من أنين وحرقة وألم؛ إذ إن "الهواء حال النطق بحروف المدّ الثلاثة يمتد خلال مجراه ويستمر في الامتداد. لا يقطعه شيء ولا يمنع استمراره أي عارض، ولا ينتهي هذا الهواء إلا بانتهاء نطق الصوت نفسه"(([92] وهذا يتواءم مع صوت الآه والأنين، مع ما يشيع في شعره من معان تفيض بهما.

  
ج. القوافي المؤسسة 
أورد الشاعر ستة وعشرين بيتاً، جاءت قوافيها مؤسسة(([93] ـ والتأسيس في القافية هو أن تأتي ألف بينها وبين الروي حرف متحرك ـ وقد خلت جميعها من سناد التأسيس(([94] (تأسيس قافية وترك أخرى)، فجاءت المقطوعات المؤسسة عند الحلاج ذات تماثل صوتي واضح أكسبها عمقاً دلالياً.

ومنها قوله(([95]:


كفى حزناً أنّي أناديك دائباً



 

كأني بعيدٌ أو كأنك غائبُ



وأطلبُ منك الفضل من غير رغبةٍ



 

فلم أرَ قبلي زاهداً وهو راغبُ


 
فالباء هي رويّ هذه المقطوعة، وقد تحقق فيها التأسيس بمجيء ألفٍ بينها وبين الروي (الباء) حرفٌ متحرك، وهذا الحرف المتحرك في لفظة (غائب) هو الهمزة، وفي لفظة (راغب) هو الغين، وقد أضفت القافيةُ المؤسسةُ إيقاعاً فيه امتدادٌ للصوت يتواءم مع دلالة المقطوعة التي يعبّر فيها الشاعر عن حزنه وألمه.

والتأسيس في المواضع الأخرى من شعره يؤدي غاية مقاربة، إذ إن الألف المتكررة تشكل نمطاً إيقاعياً صريحاً، يضاعف من قيمة الإيقاع ووضوحه، إلى جانب الروي المتكرر على مسافة عروضية ثابتة.

كما أن الألف بما فيها من طاقة صوت المد، تتواءم مع الطبيعة الدلالية في شعر الحلاج، وتبدو امتداداً لما ينطوي عليه من آهاتٍ ونداءات.

 

  
د. توافق العروض والضرب 
حاول الحلاج في كثير من مقطوعاته تحقيق التوافق الصوتي بين صورتي العروض والضرب بإشراكهما في قافية واحدة؛ سواء في الأبيات الأولى من بعض المقطوعات، أو في البيتين الأول والثاني من مقطوعات أخرى، أو في مجموعة أبيات متتالية ثم متباعدة في بعض آخر منها، أو في البيت الأول ثم في أبيات متباعدة في غيرها من المقطوعات.

ومن أمثلة توافق قوافي العروض والضرب في البيت الأول من مقطوعاته قوله(([96]:


حقيقةُ الحقِّ تستنيرُ



 

صارخةً بالنبا خبيرُ



حقيقةٌ فيه قد تجلّت



 

مطلبُ مَنْ رامها عسيرُ


 
وافق الشاعر في هذه المقطوعة بين صورتي العروض والضرب من خلال اتفاق قافيتي الصدر (تستنير)، والعجز (خبير) في البيت الأول فقط.

وهذا النوع من التوافقات يذكر بظاهرة "التصريع"(([97] التي تعدّ من ظواهر الإيقاع في الشعر العربي، ويقصد بها الشعراء التأسيس لقافية القصيدة في ذهن المتلقي وحسّه الموسيقي، ولذا كثر عندهم في مطالع القصائد وخصوصاً في القصائد الطويلة. ويضفي هذا ـ وإن لم يلتزم الشاعر بطول القصيدة عند الإتيان بها ـ قدراً من الإيقاع من خلال اتفاق التركيب المقطعي الصوتي لعروض البيت وضربه.

أما تكرار الشاعر لقافية العروض والضرب في بيتين متتاليين فيأتي على شكلين:

إما أن يكرر التوافق في بيتين متتاليين مع تكرار لفظة العروض ذاتها، مثل قوله(([98]:


أنتم ملكتم فؤادي



 

فهِمْتُ في كلّ وادي



رُدّوا عليَّ فؤادي



 

فقد عَدِمْتُ رُقادي


 
فقد جاءت قافية عروض البيت الأول (فؤادي) موافقة إيقاعياً لقافية الضرب (وادي)، ثم عادت لفظة العروض ذاتها لتتكرر في الشطر الثالث، منسجمة في الآن نفسه مع ضرب البيت الثاني (رقادي). وهذا يوضّح الإيقاع في المقطوعة، ويقوّي رغبته في الضرب على نغمة إيقاعية معيّنة، يحاول إبرازها مؤشراً إلى الكلمة المفتاح (فؤادي) التي يسعى الشاعر من خلالها إلى إبراز الدلالة المرادة.

والشكل الثاني من أشكال التكرار هو أن يوافق بين قافيتي الضرب والعروض في بيتين متتاليين دون تكرار لفظة العروض نفسها في صدري البيتين، مثل قوله: (([99]


الصّبُّ، ربّ(([100]، محبُّ



 

نَواله منكَ عُجبُ؟



عذابه فيكَ عذبٌ



 

وبعده عنك قربُ


 
حيث اتفقت لديه صورة قافيتي الصدر والعجز في البيت الأول (محبّ، عجب)، وكذلك في البيت الثاني (عذب، قرب).

ويبدو هذا الشكل من التوافقات أكثر بروزاً من الأشكال الأخرى عند الشاعر، فمثل هذا النموذج يتكرر في مقطوعات عديدة خصوصاً المقطوعات القصيرة الأوزان مما يوضح  الإيقاع ويكثّفه.

وقد يرد التوافق عند الشاعر مكرراً في مجموعة أبيات متتالية ثم متفرقة، مثلما يأتي في قصيدة تتألف من عشرين بيتاً، يقول فيها(([101]:


اقتلوني يا ثقاتي



 

إنّ في قتلي حياتي



ومماتي في حياتي



 

وحياتي في مماتي



أنا عندي مَحْو ذاتي



 

مِن أجَلِّ المَكْرُماتِ



وبقائي في صفاتي



 

من قبيح السيئاتِ



سئمت روحي حياتي



 

في الرّسوم البالياتِ



فاقتلوني واحرقوني



 

بعظامي الفانياتِ



ثم مُروا برفاتي



 

في القبور الدارسات



................

 

................

من جوار ساقيات



 

وسواق جاريات


 
يأتي الشاعر في البيت الأول من هذه القصيدة بلفظة العروض (ثقاتي) لتتواءم صوتياً مع لفظة الضرب (حياتي)، وفي البيت الثاني يأتي بلفظة (حياتي) لتتوافق مع لفظة (مماتي)، وفي الثالث (ذاتي) تقابل (المكرمات)، وفي البيت الرابع لفظة (صفاتي) تنسجم مع (السيئات)، وفي الخامس تأتي لفظة (حياتي) لتتوائم مع (الباليات)، ثم يتوقف الشاعر عن الإتيان بمثل هذه التوافقات بين صورتي الضرب والعروض ليعود إليها بعد بيت واحد موافقاً بين (رفاتي) و (الدراساتِ) ليتوقف ثانية ويعود بعد أبيات عديدة بلفظة (ساقيات) مقابل (جاريات).

ويحقق الشاعر بذلك إيقاعية عالية تتآزر مع الإيقاعية القادمة من كون القصيدة ذات وزن قصير [مجزوء الرمل]، فالشاعر هنا رام عدداً من التوافقات بين صورتي العروض والضرْب ثم تركه ليعود إليه بعد بيت، ثم تركه ليعود إليه بعد أبيات، مما جعل الأثر الإيقاعي لهذه التوافقات أكثر جلاء ووضوحاً.

وقد يرد التوافق عند الشاعر في البيت الأول ومن ثمّ في أبيات متفرقة، كقوله(([102]:


إنّ كتابي يا أنا



 

عن فَرْط سُقمٍ وضنى



..............

 

..............

ما لي رُميتُ بالضنى



 

وبالصّدود والونا



..............

 

..............

فلِمْ جرى ذا يا أنا



 

بحقِّ حقَّ الأُمنا



.................



 

.................

إلى متى أبقى أنا



 

كعابدٍ ترهبنا


 
فالشاعر يوافق هنا بين صورتي العروض والضرب في أبيات متفرقة، فقد جاءت (أنا) لتتوافق صوتياً مع ضنى، ولفظة (بالضنى) لتتوافق مع (والونا)، و (يا أنا) لتتوافق مع (الأمنا)، و(أنا) لتتوافق مع (ترهبنا)، وهذه العودة المستمرة لهذا الشكل من التوافقات الإيقاعية في هذا المثال تمنح القصيدة إيقاعاً نابعاً من الضربة الآتية بين حين وآخر، مع عدم إغفال أن القصيدة من الأوزان القصيرة فهي من مجزوء الرمل.

يسهم جلّ ما تقدم إذن في تتميم الإيقاع العام والمستوى الموسيقي في كثير من شعر الحلاج، وذلك من خلال تحقيقه التوافق بين صورتي العروض والضرب باتفاق قافيتي الصدر والعجز، مما يؤدي إلى اتفاق التركيب المقطعي الصوتي لهما.

ومما يدل على أن هذه التوافقات مقصودة لقيمتها الإيقاعية أنه لا يتوقف فيها عند البيت الأول، وإنما يتوسع في استخدامها في أبيات متتابعة في أول القصيدة أو في مواقع أخرى منها، وهذا الملمح الإيقاعي يؤكد أن عنصر الإيقاع مما يلفت في شعر الحلاج وفي طريقته الشعرية، ولعله يلتقي مع طبيعة الدلالات والمواقف التي يعبّر عنها، تلك الحالات التي تستلزم ذاتية وغنائية ينسجم معها الإيقاع الواضح المتأتي بصور شتى منها هذا الملمح.

 

  
هـ. تكرار القافية 
مما يبدو ملمحاً أسلوبياً عند الحلاج لجوؤه إلى تكرار القافية نفسها في كثير من مقطوعاته، ولم يتوقف هذا التكرار على شكل واحد عنده، بل ظهر في أشكال متعددة تمكّن من استنباط نظام معين لطريقته في ترتيب القافية المكررة.

فقد كرر القافية في بعض المقطوعات في بيتين متتاليين؛ وجاء هذا النوع على أشكال: فقد وردت اللفظة المكررة دون أدنى تغيير في بعض المقطوعات، وجاءت في مقطوعات أخرى بإضافة  أل التعريف إلى قافية دون الأخرى، أو بإضافة حرف الجّر إلى قافية دون الأخرى كذلك، وقد أوردها الشاعر مع تغيير أزمنة الفعل المكرر في غيرها من المقطوعات.

وقد يكرر الحلاج القافية في أول بيت وآخر بيت (في أول قافية وآخر قافية) أي في المطالع والخواتيم؛ وقد جاء هذا النوع على شكلين: إما أن يتكرر اللفظ نفسه في أول بيت وآخر بيت دون أدنى تغيير، وإما أن يراوح بين مشتقات صيغة واحدة.

وقد يكرر الشاعر القافية تكراراً تاماً أي تتكرر اللفظة ذاتها على مدار المقطوعة.

ويأتي هذا التكرار عند الحلاج تعميقاً للتعبير الذي هو بصدده وتأكيداً للمعنى الذي يريده دون أن يكون عجزاً عن الإتيان بقافية جديدة؛ فهو يترنّم بألفاظ بعينها، لها وقعها الخاص في نفسه، تنثر جواً إيقاعياً على المقطوعات بل تحيل التكرار إلى ضربات موقّعة صوتياً ودلالياً.

ويرى العروضيون أن تكرار اللفظة التي فيها رويّ القصيدة (تكرار القافية) بمعنى واحد دون أن يكون ثمة فاصل بينها، هو عيب من عيوب القافية، ويسمونها الإيطاء(([103]، بل يعدّون تكرار القافية في بيتين مجاورين من أقبح الإيطاء، وينعتون الشاعر الذي يلجأ إلى تكرار القافية بالعجز عن الإتيان بمفردات جديدة، وهم بذلك يركزون جلّ اهتمامهم على حصيلة الثروة اللغوية عند الشاعر غافلين عما ينتجه التكرار في أحايين كثيرة من قيمة إيقاعية، فضلاً عن كون تكرار اللفظة ذاتها يؤشر إلى الكلمة المفتاح التي "لها ثقل تكراري وتوزيعي في النص بشكل يفتح مغاليقه ويبدد غموضه"(([104] يعزز ذلك ما يتجلى في معرض الحديث عن تكرار الألفاظ.

يتبدى ما تقدم عند الحلاج في النماذج التالية:

فمن أمثلة تكرار القافية في بيتين متتاليين دون أي تغيير قوله(([105]:


فما ليَ بُعْدٌ بَعدَ بُعدكَ بعدما



 

تيقّنتُ أنّ القربَ والبعدَ واحدُ



وإني ـ وإن أُهْجرتُ ـ فالهجر صاحبي



 

وكيف يصحّ الهجر والحبّ واحدُ



لك الحمدُ في التوفيق في بعض خالصٍ



 

لِعَبْدٍ زكيٍّ ما لغيركَ ساجدُ


 
تتألف هذه المقطوعة من ثلاثة أبيات منها بيتان بقافية واحدة هي لفظة (واحد) التي تتكرر في نهاية البيتين دون إضافات أو تغييرات، ويخرج تكرار (واحد) هنا كونه عيباً من عيوب القافية عند العروضيين لتؤول إلى وسيلة لتعميق المعنى الذي يعبّر عنه الحلاج، خصوصاً وأنه يختار كلمة (واحد) ليكررها، فهذه الكلمة (المفتاح) هي أشبه بكلمة سحرية تتغلب عليه، وتسيطر على حاله، فيكررها بلا ملل مبرزاً ضربة إيقاعية معينة، بما تحمله هذه الضربة من أبعاد ودلالات للتأكيد على واحدية الله عند الحلاج مقابل ما اتهم به من مروق ديني، فكأنها ردّ ضمني على ما اتهم به.

ومن أمثلة تكرار الشاعر للقافية في بيتين متتاليين مع إضافة أل التعريف في واحدة وحذفها من الأخرى قوله(([106]:


سرائر سرّي ترجمانٌ إلى سرّي



 

إذا ما التقى سرّي وسرّك في السرِّ



وما أمرُ سرِّ السرّ منّي، وإنما



 

أهيم بسرّ السرّ منه إلى سرّي


 
يورد الحلاج القافية هنا معرفة بأل التعريف في البيت الأول (السرّ) ومحذوفة منها في البيت الثاني (سرّي)، وقد تألفت هذه المقطوعة من أربعة أبيات منها بيتان تكررت فيهما قافية (السرّ) إضافة إلى تكرارها بتنويعاتها في الحشو تسع مرات، وتؤشر كثافة التكرار إحدى عشرة مرة في بيتين متتاليين إلى المبالغة في تأكيد غموض الحالة الصوفية التي يعيشها الشاعر، ورغبته في الاقتراب من هذا السر، واختراقه، وكشف حجبه، مثلما هي تعبير عن انشغاله به، فقد غلب عليه، فلم يعد يرى سواه، إنه الحاجز الذي يقف عنده، فالسرّ عند الصوفية "ما لا يملك الإنسان له رقابة أو إشراف فهو ألطف من الروح، كما أن الروح ألطف من القلب، وأما سر السر فهو ما لا يجوز أن يعلمه غير الله أو يطلع عليه غيره، لأنه سبحانه انفرد به دون الخلق"(([107].

والسر أيضاً وفق ما فسّره ابن هوازن القشيري بقوله "يحتمل أنها لطيفة مودعة في القالب كالأرواح، وأصولهم تقتضي أنها محل المشاهدة كما أن الأرواح محل للمحبة والقلوب محل للمعارف، وقالوا السر ما لك عليه إشراف، وسر السر ما لا اطلاع عليه لغير الحق وعند القوم على موجب مواضعاتهم ومقتضى أصولهم، السر ألطف من الروح والروح أشرف من القلب. ويقولون الأسرار معتقة عن رق الأغيار من الآثار والإطلاق، ويطلق لفظ السر على ما يكون مصوناً مكتوماً بين العبد والحق سبحانه في الأحوال، وعليه يحمل قول من قال أسرارنا بكر لم يفتضها وهم  واهم"(([108]

وقد يكرر الحلاج القافية في بيتين من المقطوعة مع إضافة حرف الجر في قافية دون الأخرى، كقوله(([109]:


لبّيك، لبّيك، يا سرّي ونجوائي



 

لّبّيك، لبّيك، يا قصدي ومعنائي



.............................

 

.............................

يا كلّ كلّي، وكلّ الكلّ ملتبسٌ



 

وكلّ كلّك ملبوس بمعنائي


 
فقد وردت (معنائي) قافية للبيتين مع اتصالها بحرف الجر في البيت الثاني، وتكرارها يفضي إلى إيقاع يعزّز سلسلة النداءات المتتالية للذات العليا، فالشاعر يناجي معشوقه ويناديه، مضيفاً المنادى إلى ياء المتكلم في (يا سرّي)، (يا قصدي)، وتوابعها (نجوائي، معنائي) في البيت الأول، ومضيفاً المنادى إلى اسم متصل بياء المتكلم (يا كلّ كلّي) في البيت الثاني، ساعياً بذلك إلى استعطاف الحبيب الذي بات قصده مقصده ومعناه فهو يلبّيه مراراً علّه يعرج إلى المراتب العليا ويحقق رغبته بالاتصال والفناء. ويأتي تكرار القافية هنا لتحقّق في الآن ذاته الأثر الإيقاعي والدلالة المرجوة.

ومن أمثلة تكرار الحلاج للقافية في بيتين مع تغيير أزمنة الفعل المكرر، قوله(([110]:


لما اجتباني وأدناني وشرّفني



 

والكلّ بالكلّ أوصاني وعرّفني



لم يُبق في القلب والأحشاء



 

جارحةً إلاّ وأعرفه فيها ويعرفني


 
تكررت القافية في بيتين متتاليين مع تغيير زمن الفعل فقد ورد في البيت الأول فعلاً ماضياً (عرّفني) مع التشديد، وورد في البيت الثاني فعلاً مضارعاً (يعرفني) دون التشديد، وهذا التكرار حمل معنى التكرار التأكيدي، إذ يؤكد الشاعر على موقف العارف الذي استوفى أحكام المقامات بالمجاهدات والرياضات والعبادات حتى ارتقى في علاقته مع الذات العليا إلى مرتبة العارف "الذي محيت رسومه وفنيت هويته بهوية غيره وغيبت آثاره بآثار غيره"(([111] كما يعبّر أبو يزيد البسطامي.

فاختلاف زمن الفعلين هنا إضافة إلى الإيقاع الذي أوحى به في المقطوعة، يؤشر إلى علاقة الشاعر مع معشوقه (الذات العليا) تلك العلاقة التي كانت دائمة الحركة والتبدّل؛ فاجتباه المعشوق وقرّبه وشرّفه وأعطاه موقع الوصاية كالأنبياء حتى تتحقق له المعرفة بالله و"هي تحقيق العلم بإثبات الوحدانية ويقال نسيان غير الله"(([112].

ومن أمثلة تكرار القافية في المطالع والخواتيم دون تغييرات قوله(([113]:


أنا مَن أهوى ومَن أهوى أنا



 

نحن روحان حللنا بَدَنا



نحن مذ كنّا على عهد الهوى



 

تُضرَب الأمثال للناس بنا



فإذا أبصرتني أبصرتَهُ



 

وإذا أبصرته أبصرتنا



أيها السائل عن قصتنا



 

لو ترانا لم تفرّق بيننا



روحُهُ روحي وروحي روحُهُ



 

مَنْ رأى روحين حلّتْ بَدَنا


 
جاءت في هذه المقطوعة لفظة القافية (بدنا) في البيت الأول (مفتتح المقطوعة)، وفي البيت الأخير (ختام المقطوعة). فكأن المقطوعة دائرة ابتدأت واختتمت بالنقطة ذاتها، وهذا يوحي بأن الشاعر يدور في فلك معنى ولا يخرج عليه بل يعزّزه كلما أتيح له ذلك. فهو يدور في فلك من يحّب (الذات العليا) بحيث تصبح المسافة بينه وبين هذه الذات (مركز الدائرة) ثابتة عند جميع النقاط التي يقف عندها، ويصبح هذا المركز متعيناً له من أي جهة نظر إليه، فشدة الحب والتعلّق تخرجه عن المنطق فيلجأ إلى الشطح. فكأن المحب العاشق يشتطّ في التعبير عن حبه وتعلقه، ويبالغ في اقترابه، فيغترب عن نفسه أحياناً ليصل إلى حالة أقرب إلى الجنون والغياب عن الوعي والخروج عن المألوف.

وهذا التكرار يمنح المقطوعة إيقاعاً موسيقياً يشبه القطعة الموسيقية التي يشابه استهلالها قفلتها؛  فلفظة (بدنا) في مطلع المقطوعة توحي بضربة إيقاعية معينة تعلن ابتداء الدلالة التي يؤشر فيها إلى علاقته مع الذات العليا، تلك العلاقة الخاصة التي يسعى فيها الحلاج إلى اجتياز مقامات وأحوال كي يصل إلى معشوقه ويفنى فيه فناءً مطلقاً حتى يصبح هو (هو). ويختتم المقطوعة بتأكيد نفس الدلالة التي أوحى بها في البيت الأول ونفس الضربة الإيقاعية الأولى (بدنا).

ومن تكراره القافية في المطالع والخواتيم مع المراوحة بين مشتقات صيغة واحدة، قوله(([114]:


عجبتُ منكَ ومنّي



 

يا مُنية المتمنّي



أدنيتني منك حتى



 

ظننتُ أنّك أنّي



وغبتُ في الوَجدْ حتى



 

أفنيتني بكَ عنّي



يا نعمتي في حياتي



 

وراحتي بعد دفني



ما لي بغيرك أنسٌ



 

إذ كنتَ خوفي وأمني



يا مَنْ رياض معانيـ



 

ـه قد حوتْ كلّ فنّ



وإن تمنيتُ شيئاً



 

فأنتَ كلّ التمنّي


 
جاءت القافية الأولى المكررة في مطلع المقطوعة اسم فاعل (المتمني)، واختتمت المقطوعة بمصدر (التمني)، والقافيتان تشتركان في الفعل (تمنّى) وتوحيان بفكرة التدوير التي أشير إليها في المثال السابق، فالشاعر هنا ينادي معشوقه بأنه منية المتمني، ثم يسرد المقامات والأحوال التي عبرها في عروجه إلى الذات العليا: الدنوّ والغياب في الوجد والفناء والأنس...، ثم يعود فيؤكد أن أمنيته هي الذات العليا، ويبدو الإيقاع واضحاً من خلال هذا التكرار الذي تعزّز بلفظة (منية) في البيت الأول، وبالفعل (تمنيت) في البيت الأخير.

ومن أمثلة تكرار القافية عند الحلاج تكراراً تاماً قوله(([115]:


رأيتُ ربّي بعين قلبي



 

فقلتُ: مَنْ أنتَ؟ قال: أنتَ



فليس للأيْنِ منكَ أينٌ



 

وليس أينٌ بحيث أنتَ



أنت الذي حزتَ كلّ أينٍ



 

بنحو لا أيْنٍ، فأين أنتَ؟



وليس للوهم منك وهم



 

فيعلم الوهم أين أنتَ؟!



وحزتَ حدّ الدنوّ حتى



 

لم يعلم الأين أينَ أنتَ



ففي فنائي فنا فنائي



 

وفي فنائي وجدتُ أنتَ



في محو اسمي ورسم جسمي



 

سألتُ عنّي فقلتُ: أنتَ



أشار سرّي إليكَ حتى



 

فنيتُ عني ودمتَ أنتَ



وغاب عني حفيظُ قلبي



 

عرفْتُ سرّي فأين أنتَ



أنت حياتي وسرّ قلبي



 

فحيثما كنتُ كنتَ أنتَ



أحطتُ علماً بكلّ شيءٍ



 

فكلّ شيءٍ أراه أنتَ



فمُنَّ بالعفو يا إلهي



 

فليس أرجو سواك أنتَ


 
يبدو تكرار القافية في هذه القصيدة لافتاً، فقد كرر الشاعر الضمير المنفصل (أنت) في قافية اثني عشر بيتاً هي عدد أبيات القصيدة، وخمس عشر مرة مع الحشو، وقد عدّ القدماء استخدام الكلمة نفسها في القافية مرتين عيباً، فكيف يكون الحال مع تكرارها طوال القصيدة؟ كما يفعل الحلاج هنا، إذ يكررها بشكل يخالف فيه تلك الضوابط، بل يعدل فيه عن السائد؛ فمن النادر أن يكرر شاعر القافية ذاتها بهذا الكّم، بل لعل هذا النمط مما يعدل فيه عن الشعر العربي، ووروده بهذا الجلاء يجعله ملمحاً يميز الحلاج، ويفترق به عن غيره.

فإيراد (أنت) هنا بهذا التكثيف يؤكد إلحاحها عليه وسيطرتها على فكره بشكل كبير جداً، فقد تلبّسته حتى بات عاجزاً عن التفلُّت منها، فهو هنا خارج عن الإحساس الطبيعي بالأشياء، ولأن الحالة التي تسكنه هنا ـ الوجد الصوفي والرغبة بالوصول إلى الذات العليا ـ حالة تخرج عن المستوى الطبيعي نجده لا واعيا ـ ربما ـ يلجأ إلى مستوى من تكرار القافية يخالف فيه الضوابط ـ كما ورد ـ ليتناسب مع تعبيره عن حالته الوجدانية، وتوحي القافية المكثفة بقدر عالٍ من اللهاث والتعب وشدة التعلق والموقع الشعوري الخاص للمخاطب إذ ملك عليه كل الآفاق حتى لم يعد يرى سواه، ويؤكد بهذا التكرار واحدية الله عند الحلاج وهو معنى ألحّ عليه في غير مقطوعة، لكن طريقته في التعبير عن حبه وتنزيهه قد تبدو غريبة وغير مألوفة فتؤدي إلى معان ظاهرية لا يريدها الشاعر ولا يقصدها.

ويضفي التكرار ضربات إيقاعية مميزة لا تحسّ بها الأذن فقط، بل ينفعل معها الوجدان كله، مما ينفي أن يكون هذا التكرار ضعفاً في طبع الشاعر أو نقصاً في أدواته الفنية، فهو نمط أسلوبيّ له ما يسنده في إطار الدلالة الحلاجية.

 

  
و. ختام القافية 
 

لعل ختام القافية إضافة إلى الرويّ، مما يعلق بوعي المتلقي وسمعه، ولذلك يمكن الاهتمام به في إطار التحليل الصوتي من خلال محورين هما:

أ ـ القافية المطلقة: وتضم الوصل المكسور والوصل المضموم والوصل المفتوح.

ب ـ والقافية المقّيدة.

 

أ‌. القافية المطلقة:

 

الوصل المكسور

غلبت الكسرة (الوصل المكسور) على نهايات قوافي الحلاج، فالرويّ عنده يرد مكسوراً في نصف أشعاره تقريباً، فقد بلغت نسبة استخدامه له خمسة وعشرين ومائتي [225] بيتٍ أي ما نسبته (45.27%)، وهي نسبة عالية يمكن أن تكون مؤشراً على علوّ انفعال الشاعر، كما تتناسب مع المضمون الصوفي العام الذي يتحرك فيه الحلاج وخصوصية التجربة التي يحاول تمثلها في شعره.

ومن أمثلة ذلك قوله(([116]:


لبّيك، لبّيك، يا سرّي ونجوائي



لبّيك، لبّيك، يا قصدي ومعنائي



أدعوكَ بل أنتَ تدعوني إليك فهل



ناديتُ إياك أم ناديتَ إيّائي



يا عينَ عينِ وجودي يا مدى هممي



يا منطقي وعباراتي وإيمائي



يا كلًّ كلّي ويا سمعي ويا بصري



يا جملتي وتباعيضي وأجزائي



.................................

.................................
 
تتألف هذه القصيدة من تسعة عشر بيتاً جاء رويها مكسوراً، وأضفى هذا الصوت المكسور إيقاعاً خاصاً انسجم مع إيقاع الحشو الذي تكرر فيه الكسر مراراً، ولعل الصوت المنخفض (المكسور) يدل على "الانهيار والبثّ والحزن والحرقة"(([117]، كما أن "الصوت المخفوض أو المنكسر أو الوطيء هو أليق بالذات وأولى بحميميتها من سواه في هذا المقام، وذلك على أساس أنه يتلاءم في اللغة العربية، مع ياء الاحتياز (ياء المتكلم) الدالّة على الامتلاك والأحقية"(([118].

وفي هذه القصيدة يقف الحلاج مناجياً الذات العليا، محاوراً إياها عبر النداء المتضمن في معنى المفعول المطلق [لبيك]، والفعل [ناديت]، وأداة النداء [يا] كما في قوله من القصيدة [يا عين عين وجودي، يا مدى هممي، يا منطقي وعباراتي وإيمائي، يا كلَّ كلّي (مكررة)، يا بصري، يا جملتي وتباعيضي وأجزائي، يا مَنْ به علقت روحي، يا قوم هل يتداو الداء بالداء، يا ويح روحي من روحي، يا سكني، يا عيش روحي، يا ديني ودنيائي] (([119] حيث يبث همهُ وحزنه من شدة حبّه للذات العليا ورغبته في الوصول إليها.

ولعلّ توسط الكسرة بين الفتحة والضمة داخل الجهاز النطقي من الناحية البيولوجية، يُلمح إلى حالة الصوفي، فهو في حالة انتقال دائم إذ يعبر من حال إلى حال، وكثيراً ما يتوسط بين ما هو مادي محسوس وما هو معنوي روحي، وبين ما هو جزئيّ وما هو كلّي، وبين حضور وغياب، وقرب وبعد، ووصل وافتراق، وترح وسرور.. الخ، يتجلّى بعض من هذا في قوله(([120]:


غبتَ وما غبتَ عن ضميري



 

فمازجتْ ترحتي سروري



واتّصل الوصلُ  بافتراق



 

فصار في غيْبتي حضوري



فأنت في سرّ غيب همّي



 

أخفى من الوهم في ضميري



تؤنسني بالنهار حقاً



 

وأنتَ عند الدُّجى سميري


 
فوصل هذه المقطوعة مكسور، وجلّ معانيها تدور حول حال الحلاج المتقلّب بين الأضداد، فترحته تمازج سروره، ووصله يتصل بافتراقه، وفي غيبته صار حضوره.. الخ.

 

 

 

 

الوصل المضموم

عند استعراض القوافي التي ختمت بضمة (وصلها مضموم)، يتبين أنها وردت في ما يقارب ربع الديوان، إذ وقعت في تسعة وعشرين ومائة [129] بيتٍ، ونسبتها (25.95%).

ومن أمثلتها قول الشاعر(([121]:


كفرتُ بدين الله والكفر واجبٌ



 

عَلَيَّ وعند المسلمين قبيحُ


 
وقوله(([122]:


وحرمةِ الودّ الذي لم يكن



 

يطمع في إفساده الدهرُ



ما نالني عند هجوم البَلا



 

بأس ولا مسّني الضرُّ



ما قُدَّ لي عضوٌ ولا مفصل



 

إلا وفيه لكم ذكرُ


 
وقوله(([123]:


جحودي(([124] لك تقديس



 

وظني فيك تهويسُ



وقد حيّرني حبٌّ



 

وطَرْفٌ فيه تقويسُ



وقد دلّ دليل الحـ



 

ـبِّ أن القرب تلبيسُ



ومــا آدم إلاّك



 

ومَنْ في البَيْنِ إبليسُ


 
جاء وصل المقطوعات المتقدمة مضموماً، ويبدو الشاعر فيها متظاهراً بالقوة، محاولاً التماسك ومجاهدة النفس على المواجهة والجلد، فيُظهر شيئاً من العزّة والأنفة ويبطن تواضعاً وعشقاً للذات العليا، ولعلّ الصوت المضموم "يجسّد الفخر والاعتزاز والشموخ والتعالي"(([125] وهو معنى يبدو في ظاهر ما تقدم من أمثلة.

 

الوصل المفتوح

أما الأبيات التي جاء وصل قافيتها مفتوحاً فاثنان وتسعون [92] بيتاً ونسبتها (18.5%)، وهي نسبة أدنى من الكسر والضم، ويمتاز الفتح عند النطق به بانعدام "أنواع الاعتراضات أو العقبات من طريق الهواء، وينشأ عن انعدام الاعتراضات أن ينعدمَ وجود أي احتكاك يصاحب النطق"(([126]، ولذا فإنها تسمع بوضوح من مسافة أبعد كثيراً مما يسمع غيرها من الأصوات، ولما كانت أصوات اللين ذات نسب مختلفة في الوضوح السمعي ـ فأصوات اللين المتسعة أوضح من الضيقة ـ فإن الفتحة أوضح من الضمة والكسرة(([127]، ولعل الفتح ينسجم مع الوضوح والكشف.

يتمثل ما تقدّم في قوله(([128]:


فإنْ جاءك الهجرُ في ظلمةٍ



 

فسِرْ في مشاعل نور الصفا



وقل للحبيب ترى ذلّتي؟!



 

فجُدْ لي بعفوك قبل الّلقا



فو الحبّ لا تنثني راجعاً



 

عن الحب إلا بعوْضِ المُنى


 
وقوله(([129]:


تفكرت في الأديان جدَّ مُحقَّقٍ



 

فألفيتُها أصلاً له شعبٌ جمّا



فلا تَطْلُبَنْ للمرء ديناً، فإنه



 

يصدُّ عن الأصل الوثيق، وإنّما



يطالبه أصْلٌ يُعَبِّرُ عنده



 

جميعَ المعالي والمعاني فيَفْهما


 
ارتبط صوت الفتحة فيما تقدم بدلالة المقطوعتين، ففيهما يحاول الشاعر أن يوصل رسالة تعبر عن فكره وطريقته، ويرغب أن يكون تعبيره واضحاً ورسالته جلية؛ فيلجأ إلى الفتح المتمثل في وصل المقطوعتين، وهو ما يتناسب مع المعنى الصريح الذي قصد إليه في نظرته إلى الأصل الواحد للأديان، ولم يتبع الحلاج مبدأ التُقية (الحذر)، ولم يحذر من أن تنكشف أسراره وطريقته ومبادئه.

ب‌.               القافية المقيّدة:

أما القوافي ذات الرويّ الساكن (القافية مقيّدة)، فقد جاءت في واحد وخمسين [51] بيتاً، بنسبة (10.26%).

كما في قوله(([130]:


طلعتْ شمسُ من أحبّ بليل



 

فاستنارت فما لها من غروبْ



إنّ شمس النهار تغرب بالليـ



 

ـل، وشمس القلوب ليس تغيبْ



مَن أحبّ الحبيبَ طار إليه



 

اشتياقاً إلى لقاء الحبيبْ


 
وقوله(([131]:


مُزِجتْ روحُكَ في روحي كما



 

تُمزج الخمرةُ بالماء الزلالْ



فإذا مسّك شيءٌ مسّني



 

فإذا أنتَ أنا في كل حالْ


 
يبدو استخدام الشاعر للرويّ الساكن قليلاً، ولعل هذا يؤشر إلى حالة التوتر والاضطراب والحركة الدائمة عند الحلاج، وانخفاض الهدوء والسكون والاتزان، فقد كانت حياته حركة دائمة وصراعاً مع السلطة ورحلات ودعوة؛ وانسجاماً مع هذه الحركة وعدم الثبات في الصوفية، لجأ الحلاج لا واعياً إلى الإكثار من الخاتمة المتحركة لقصائده ومقطوعاته تعبيراً عن مشاعره وأفكاره ورغبته بالعروج.

ورغم أن الرويّ في المثالين المذكورين جاء ساكناً، إلا أن التذييل في قافيتيهما قد أغنى عن الوصل، فضلاً عن كثافة الألفاظ المتضمنة معنىً فيه حركة مثل: [طلعت، تغرب، تغيب، فاستنارت، طار، لقاء] في المقطوعة الأولى، و[مزجت، تمزج، مسّك، مسّني] في المقطوعة الثانية، فمن خلال المعنى المتحرك في هذه الألفاظ بث الاضطراب ونفى السكون.

 

 

  
  
  
  
  
  
الإيقاع الداخلي 
  
أولا: التكرار الكمّي للأصوات 
  
التفت الشعراء إلى ظاهرة التكرار من خلال إعادة وحدات صوتية معينة تجعل النص الشعري يحفل بالإيقاعات المنوعة، التي تغني الجانب الإيحائي والتعبيري فيه.

ومما يلاحظ على شعر الحلاج استخدامه لحروف معينة بكثافة تفوق حروفاً أخرى: فقد يعزّز حرف القافية بتكثيف الحرف ذاته في حشو الأبيات، أو يكثف استخدام حروف معينة في حشو الأبيات مع اختلاف حرف القافية، أو يقوم بتكثيف حرف معين في بعض الأشطر وتكثيف حروف أخرى في الأشطر المقابلة لها.

 

‌أ-    الأصوات المهموسة:

يبدو استخدام الحلاج للأصوات المهموسة لافتاً جداً، والصوت المهموس هو "الصوت الذي لا تتذبذب الأوتار الصوتية حال النطق به"(([132]، وتتألف من الأصوات التالية: التاء، الثاء، الحاء، الخاء، السين، الشين، الصاد، الطاء، الفاء، القاف، الكاف، الهاء.

وبيان ذلك تمثيلاً قول الحلاج في قصيدة تألفت من عشرين بيتاً(([133]:


اقتلوني يا ثقاتي



إنّ في قتلي حياتي



ومماتي في حياتي



وحياتي في مماتي



أنا عندي محو ذاتي



من أجَلّ المَكْرُماتِ



وبقائي في صفاتي



من قبيح السيئاتِ



سئمتْ روحي حياتي



في الرّسوم البالياتِ



فاقتلوني واحرقوني



بعظامي الفانياتِ



.............................

.............................
 
 

يلجأ الحلاج في هذه القصيدة إلى تكرار حرف القاف في ثلاث عشرة لفظة هي [اقتلوني، ثقاتي، قتلي، بقائي، قبيح، فاقتلوني، احرقوني، القبور، الباقيات، قبر، سقي، ساقيات، سواق]، وحرف القاف في ذاته يحمل قدراً من القوة والقسوة والخشونة، وهو "صوت وقفيّ لهوي مهموس فيه بعض القيمة التفخيمية"(([134] وللنطق به "يندفع الهواء من الرئتين مارّاً بالحنجرة فلا يحرك الوترين الصوتيين، ثم يتخذ مجراه في الحلق حتى يصل إلى أدنى الحلق من الفم، وهناك ينحبس الهواء باتصال أدنى الحلق (بما في ذلك اللهاة) بأقصى اللسان، ثم ينفصل العضوان انفصالاً مفاجئاً فيحدث الهواء صوتاً انفجارياً شديداً"(([135].

ولعل تكرار القاف إلى جوار ما يحمله من دلالة صوتية، ينسجم مع الدلالة التي يحملها النص ويعمقها ويؤكدها؛ فعشق الحلاج للذات الإلهية، ورغبته بالوصل يدفعه نحو الموت الذي لا بد ـ في نظره ـ من اجتيازه كي ينتقل من الجزئي إلى الكلي، الذي يعدّه الحياة الحقيقية، وكي يحقق ذلك يستدرج الناس إلى قتله، وهي قسوة على ذاته ما بعدها قسوة.

فكأن رحلة عبور القاف من أقصى الحنك إلى أدناه ـ وهي رحلة فيها مشقة ـ أشْبَهُ برحلة الانتقال التي يسعى إليها الحلاج من الحياة إلى الموت ـ الحياة الحقيقية في نظره ـ بما فيها من مجاهدة ورياضات حتى يتحقق له الوصول. كما أن بعض الألفاظ التي وردت فيها القاف تحمل ذاتها دلالة تؤشر إلى الفناء، مثل: [اقتلوني، احرقوني، القبور، قبر].

وفي القصيدة نفسها تتبدّى الكثافة الشديدة لصوت التاء، فإلى جوار مجيئه روياً، يتكرر في الحشو بشكل لافت، والتاء "صوت شديد مهموس"(([136] وفي تكونه "لا يتحرك الوتران الصوتيان، بل يتخذ الهواء مجراه في الحلق والفم حتى ينحبس بالتقاء طرف اللسان بأصوات الثنايا العليا، فإذا انفصلا انفصالاً فجائياً سمع ذلك الصوت الانفجاري"(([137]، فالتاء صوت انفجاري "تضطر معه لإخراج الهواء كأنه آهة حبيسة ذبيحة"(([138].

وهكذا يجمع الحلاج في هذه القصيدة بين حرفين مهموسين هما (القاف والتاء) أحدهما فيه قيمة تفخيمية (القاف)، والثاني يميل إلى الترقيق (التاء).

وربما يستدل بالهمس إلى طريقة الصوفية التي تميل إلى مناجاة الذات العليا استعطافاً وطلباً للوصول، ولذلك جمع بين حرف مفخم يوحي بدلالة الخشونة والقسوة التي تناسب دعوة القتل، وحرف مرقق يوحي بالجانب العاطفي الوجداني في علاقته مع الذات العليا (معشوقه)، مع العلم أن الأصوات المهموسة مجهدة للتنفس إذ يحتاج النطق بها إلى قدر أكبر من هواء الرئتين مما تتطلبه نظائرها المجهورة(([139].

لذا تكاد هذه الأصوات (صوت التاء والقاف) تحمل حقيقة الألم والأنين المتولد عن حالة الوجد التي يعانيها الشاعر، والتكرار الكمي لهذه الأصوات التي أوحت بموسيقية معينة وأضفت ضربات إيقاعية بارزة تشعر بحال الشاعر وما ألمّ به.

 

ب. أصوات الصفير:

اعتنى الحلاج بتكرار كثير من الأصوات الاحتكاكية التي تنتمي إلى مجموعة الأصوات الصفيرية؛ إذ تبدو كثافة استخدامه بعض الأصوات الصفيرية كالثاء والسين والشين والصاد والفاء سمة في شعره مع اختلاف هذه الأصوات في نسبة وضوح صفيرها، فأعلاه صفيراً هو السين والصاد(([140].

فلم يقتصر في كثير من نماذجه على صوت السين حين يكون روياً فقط، بل تكررت أصوات الصفير الأخرى في حشو مقطوعاته وقصائده بشكل لافت، مما أكد القيمة التعبيرية لها ولم تقتصر على كونها أصواتاً وقف عليها الشاعر واقتضاها الروي عند تناغم الوزن والنحو والمعنى.

ومن أبرز الأمثلة على ما تقدم، قوله(([141]:


سكوتٌ ثم صمتٌ ثم خرسُ



 

وعلمٌ ثمّ وجدٌ ثم رمسُ



وطينٌ ثم نارٌ ثم نـورٌ



 

وبردٌ ثم ظلٌ ثم شمسُ



وحزنٌ ثم سهلٌ ثم قفرٌ



 

ونهرٌ ثم بحرٌ ثم يبسُ



وسكرٌ ثم صحوٌ ثم شوقٌ



 

وقربٌ ثم وصلٌ ثم أنسُ



وقبضٌ ثم بسطٌ ثم محوٌ



 

وفرقٌ ثم جمعٌ ثم طمسُ



عباراتٌ لأقوامٍ تساوت



 

لديهم هذه الدنيا وفَلْسُ



وأصوات وراء الباب لكنْ



 

عبارات الورى في القرب همسُ



وآخر ما يؤول إليه عبدٌ



 

إذا بلغ المدى حظّ ونفسُ



لأن الخلق خدّام الأماني



 

وحقّ الحقّ في التقديس قدسُ


 
يكرر الحلاج في هذه القصيدة المؤلفة من تسعة أبيات صوت السين ست عشرة (16) مرة في الرويّ والحشو [سكوت، خرس، رمس، شمس، سهل، يبس، سكر، أنس، بسط، طمس، تساوت، فلس، همس، نفس، التقديس، قدس]، إضافة إلى تكرار صوت الصاد [صمت، صحو، وصل، أصوات]، ويمتاز هذان الصوتان بصفيرهما العالي، إذ إنّ مجرى هذه الأصوات "يضيق جداً عند مخرجها، فتحدث عند النطق بها صفيراً عالياً لا يشركها في نسبة علوّ هذا الصفير غيرها من الأصوات"(([142]، وفضلاً عن تكرار الشاعر صوتي السين والصّاد، فإنه يكرر أصواتاً صفيرية أخرى مثل صوت الثاء ذي الصفير المنخفض الذي يتكرر في القصيدة عشرين مرة عبر تكرار حرف العطف (ثمّ)، كما يكرر صوت الفاء ذات الصفير المنخفض أيضاً [قفز، فرق، فلس، نفس].

يلاحظ هنا أن الحلاج يجمع بين الأصوات العالية الصفير والمنخفضة الصفير، وتتمايز هذه الأصوات على "قدر ضيق المجرى عند المخرج"(([143].

ولتكرار الأصوات الصفيرية أولاً، وتوازيها بين صوت ذي صفير عال وآخر ذي صفير منخفض ثانياً، وما يوحي به هذا الارتفاع والانخفاض في الصفير من حركة تنفس مضطربة، وقلقة غير مستقرة، دلالة على نفسية الشاعر التي تحمل قدراً من الأسى والحرقة والحسرات تتخللها الحيرة والإنهاك المعنوي والجسدي من الرياضات والمجاهدات، فهو لا يثبت في مقام، ولا يستقر على حال، فأحوال الصوفية في حركة دائمة بين ارتفاع وانحدار، بين سكر وصحو، بين قبض وبسط، بين برد وظلّ.. الخ.

فإذا أضيف إلى ما تقدم تكراره للقاف في القصيدة ذاتها كما في [قفر، شوق، قرب، قبض، فرق، القرب، الخلق، حقّ، الحقّ، التقديس] بما يحمله القاف ـ وهو الصوت اللهوي المهموس المفخم ـ من دلالات، يكتمل المعنى الذي يوحي به النص، وكأن الحلاج يعلو بصوته، ويكشف ما يكنّه من أسرار وعبارات بينما يلجأ الآخرون إلى الهمس بها همساً أو كتمانها.

ويعزّز ما تقدم من عدم قدرة الحلاج على الاستسرار، وما ينتج عن ذلك من كشف وجدانه، ورغبته في الاتصال، ما يقوله في المقطوعة التالية(([144]:


حَوَيْتُ بكلّي كلّ كلك يا قدسي



 

تكاشفني حتى كأنكَ في نفسي



أقلّب قلبي في سِواك فلا أرى



 

سوى وحشتي منه وأنتَ به أُنسي



فها أنا في حبس الحياة مُمَنّعٌ



 

من الأُنس فاقبضني إليك من الحبسِ


 
وتشيع في هذه المقطوعة الأصوات المهموسة؛ فقد جمع بين صوتين شديدين مهموسين هما القاف والكاف، وبين صوتين رخوين مهموسين عاليي الصفير هما السين والشين(([145]، وينسجم هذا المناخ من الأصوات مع رؤية الحلاج للحياة بوصفها مسيرة حبس، بينما الموت (القبض) سبيل للحرية والنجاة.

وفي المقطوعة التالية يكثّف الحلاج تكرار حرفي السين والشين بشكل يزيد من حضور هذه الظاهرة بوصفها ملمحاً أسلوبياً عنده، يقول(([146]:


مَنْ سارروه فأبدى كلّ ما ستروا



 

ولم يراع اتصالاً كان غشّاشا



إذا النفوس أذاعت سرّ ما علمت



 

فكلّ ما حملت من عقلها(([147] حاشا



مَنْ لم يصن سرّ مولاه وسيّده



 

لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا



..........................

 

..........................
 
تتألف هذه القصيدة من عشرة أبيات، كرر الشاعر فيها صوت السين ست عشرة مرة، وصوت الشين أربع عشرة مرة، وصوت الصاد خمس مرات، فالحروف الصفيرية تكررت إذن خمساً وثلاثين مرة، بشكل يتواءم وينسجم مع موضوع المقطوعة ودلالتها المتعلقة بكشف الأسرار الصوفية وسترها وموقف الشاعر منها.

وفي مقطوعة أخرى تتألف من ثلاثة أبيات يورد الحلاج صوت الشين عشر مرات ما بين حشو ورويّ، ويقول(([148]:


نسمات الريح(([149] قولي للرشا



 

لم يزدني الوِرْدُ إلا عطشا



لي حبيبٌ حبه وسْطَ الحشا



 

إنْ يشا يمشي على خدي مشى



روحُه روحي وروحي روحه



 

إن يشا شئتُ وإن شئتُ يشا


 
اتبع الحلاج في هذه المقطوعة طريقة الشعراء العذريين في التعبير عن الحب، إذ تعرض "لوصف دقائق المشاعر الإنسانية مع بداية انزياحه نحو الأسلوب الرمزي في التعبير"(([150].

يشيع صوت الشين في هذه المقطوعة في جميع الأشطر عدا الشطر الخامس حيث تسيطر على الشاعر لفظتا [روحه، روحي] فيكررهما مضيفاً بهما إيقاعاً صوتياً ناتجاً عن تكرار الصوت المهموس (الحاء)، والجناس الصوتي بين روحه وروحي، ثم يعود صوت الشين إلى الظهور بعد انقطاع من شطر كامل فيعود الإيقاع الذي لمس من أول المقطوعة، فمجيء الشطر الخامس مخالفاً للأشطر الأخرى صنع انزياحاً صوتياً عما اعتادته الأذن على مدار أربعة أشطر لكنه يعود في الشطر الأخير إلى ما شاع من إيقاع منذ بداية المقطوعة.

وهذه المقطوعة تتوفر على ملامح إيقاعية متنوعة؛ تتمثل في الجناس الاشتقاقي عبر تقليبات الكلمة ومشتقاتها كما في (حبيب/ حبّه)، (يمشي/ مشى)، (يشاء / شئت)، (روحه / روحي) وهذا يؤدي إلى تماثلات وتشابهات صوتية في كلمات متقاربة.

كما يتمثل في هذه المقطوعة توافق صورة العروض والضرب في بيتين متتاليين؛ ففي البيت الأول جاءت قافية الصدر (للرشا) موافقة لصورة قافية العجز (عطشا)، وفي البيت الثاني جاءت قافية الصدر (الحشا) موافقة لقافية العجز (مشى)، وتضفي هذه التوافقات ضربات إيقاعية غنية.

كما يتمثل في هذه المقطوعة قلب الشاعر للتراكيب أو الجمل ذات الإيقاع الواحد والتركيب المتقارب، كما في (روحه روحي / روحي روحه)، و(إن يشا شئت / إن شئت يشا).

 

جـ. صوت الهاء:

كما يكرر الحلاج صوت (الهاء)، وهو أيضاً صوت مهموس في كثير من المواضع، ومن ذلك ما جاء في قوله(([151]:


دنيا تخادعني كأنــ



 

ني لست أعرف حالها



حظر الإله حرامها



 

وأنا اجتنبت حلالها



مدّتْ إليّ يمينها



 

فرددتُها وشمالها



ورأيتها محتاجةً



 

فوهبت جُملتها لها



ومتى عرفتُ وصالها



 

حتى أخافَ ملالها


 
يكرر الشاعر صوت الهاء في هذه المقطوعة المؤلفة من خمسة أبيات إحدى عشرة مرة، تتوفر عشر مرات منها على توافق صوتي قادم من اتصالها بالألف، كما في: [حالها، حرامها، حلالها، يمينها، فرددتها، شمالها، رأيتها، لها، وصالها، ملالها]، ومرتين دون اتصال بالألف كما في [الإله، فوهبت]، والهاء "صوت رخو مهموس، عند النطق به يظل المزمار منبسطاً دون أن يتحرك الوتران الصوتيان، ولكن اندفاع الهواء يحدث نوعاً من الحفيف يسمع في أقصى الحلق أو داخل المزمار"(([152].

وردت الهاء في الروي والحشو، وتوزعت في أكثر المواضع بشكل يحقق توافق صور العروض والضرب (توافق القوافي)، وجاءت قافية البيت الثاني [حرامها] موافقة لقافية ضربه [حلالها]، وقافية عروض البيت الثالث [يمينها]، موافقة لقافية ضربه [شمالها]، وقافية عروض البيت الخامس [وصالها] موافقة لقافية ضربه [ملالها]، مما منح المقطوعة إيقاعاً وجناساً صوتياً يؤازره الطباق الواضح بينها فهي كلمات متشابهة صوتياً متنافرة معنوياً؛ فالحرام ضد الحلال، واليمين ضد الشمال، والوصال ضد الملال [أحدث الشاعر فضلاً عن التجانس الصوتي تضاداً دلالياً عبر الطباق بين الألفاظ الآنفة الذكر].

وقد وردت الهاء في أغلب الألفاظ ضميراً يعود على غائب هو الدنيا، ويوحي تكرارها بهذه الكثافة بشيء من اللهاث والضيق والتعب الذي يبدو على الحلاج، إذ "يتخذ الفم عند النطق بالهاء وضعاً يشبه الوضع الذي يتخذه عند النطق بأصوات اللين"(([153] التي ترتبط بنفس عميق يوحي بالتأوّه، ولما كانت الألف تتلو الهاء في معظم الألفاظ، فقد تأكد المعنى المشار إليه.

ويعزز هذه الدلالة تكرار صوت الحاء الذي يشارك الهاء في كونهما من الأصوات الحلقية والمهموسة(([154]، فعند النطق بالحاء "يندفع الهواء ماراً بالحنجرة، فيحرك الوترين الصوتيين حتى إذا وصل إلى وسط الحلق ضاق المجرى"(([155]، وقد جاءت الحاء في الألفاظ التالية [حالها، حظر، حرامها، حلالها، محتاجة، حتى].

 

د.النون أو الصوت النوّاح

أكثر ما مرّ فيما سبق يتصل بشيوع الأصوات المهموسة عند الحلاج، ولا يعني ذلك أنه اكتفى بها، بل يبدو ذلك مظهراً من مظاهر انسجام الصوت مع المعنى وشدة ارتباطها عنده، ولعلها تكون أصوات النجوى، والحوار الوجداني، والكشف عن الوجدان، لكنه خرج أحياناً عن هذا الشيوع إلى أصوات مجهورة تنسجم  مع الدلالة التي يقصدها، مثلما تكمل الدور الذي اضطلعت به الأصوات المهموسة.

ولعل صوت النون أوضح الأصوات المجهورة التي شاعت في شعره، وأول ما يُعرف من أمرها أنها تسمى "الحرف النوّاح"(([156] أي أنها ترتبط بالبكاء، وما يسبب البكاء، مثلما أنها تتناسب من حيث قيمتها الإيقاعية مع التعبير عن هذا المعنى وآدائه.

ومما يمثل شيوع صوت النون عنده، ما ورد في أطول قصائده التي تتكون من أربعة وثلاثين بيتاً بناها على رويّ النون ومنها(([157]:


إنّ كتابي يا أنا



عن فرطٍ سقم وضنى



وعن فؤادٍ هائمٍ



وعن سقام وعنا



وعن بكاءٍ دائمٍ



جرى فأجرى السّفنا



وعن جفونٍ أرقت



فما تذوق الوسنا



وعن نحولٍ ساقني



طوعاً إلى فنا الفنا


 
والنون "صوت مجهور متوسط بين الشدّة والرخاوة، ففي النطق به يندفع الهواء من الرئتين محركاً الوترين الصوتيين، ثم يتخذ مجراه في الحلق أولاً، حتى إذا وصل إلى الحلق هبط أقصى الحنك الأعلى فيسدّ بهبوطه فتحة الفم ويتسرب الهواء من التجويف الأنفي محدثاً في مروره نوعاً من الحفيف لا يكاد يسمع"(([158].

وقد استأثر هذا الصوت بالقافية، كما تكرر في الحشو مراراً إلى جوار تكرار التنوين الذي يعطي صوت النون الساكنة، وإضافة إلى صوت النون الذي يوحي بموسيقى حزينة وبمسحة أنين، تتوفر القصيدة على مجموعة ألفاظ وتراكيب تتضمن دلالة الألم والضعف والحزن [سقم، ضنى، فؤاد، هائم، سقام، عنا، بكاء، دائم، جفون، أرقت، ما تذوق الوسنا، نحول، فنا، الفنا، فقد السكنا، أدمعي، غاب، أتلفت مهجتي، شوقي، الصدود، الونا، والهٍ، هجر، القُرنا، عابدٍ، ترهبنا، النوى، الجفا، شجنا].

فالشاعر على مدار  أبياته يصف حالته التي تعجّ بالشكوى والعتاب والألم والحرقة والحسرة، لما يتعرض له من صدود من معشوقه ـ الذات العليا ـ فهو باكٍ، هائم الفؤاد، غارق بالدموع، لا يأتيه النوم، وهي معانٍ يفيض بها كل بيت، وينسجم فيها مع صوت النون. ولعل هذا المعنى ما دفعهم لتسميته بالحرف النوّاح، وهو ذاته ما هيأ للحلاج الإتيان به انسجاماً مع دلالات قصيدته.

 

 

  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
ثانيا: التماثل الصوتي 
 

أ‌.         حروف اللين:

تكثر في شعر الحلاج المقاطع الصوتية الطويلة المؤلفة من صامت وصائت طويل (ب -)، سواء أكان الصائت الطويل ألفاً أم واواً أم ياء، وهي ظاهرة شديدة الجلاء في شعره، إذ تشيع في سائر مقطوعاته وقصائده.

ولحروف المد والحركات وظيفة فنية صوتية إذ تؤدي في كثير من الأحيان إلى تنوع النغمة الموسيقية للفظة أو الجملة فهي ذات مرونة عالية وذات سعة في إمكانياتها الصوتية، فتضفي موسيقى خاصة ذات تأثير نفسي يشبه ذلك التأثير الذي يحققه اللحن الموسيقي.

وتمتاز أصوات المد بوضوحها في السمع إذا قيست بالأصوات الساكنة(([159]، فهي أصوات يحتاج النطق بها إلى زمن طويل يتناسب دلالياً مع الصوت المصاحب للنداء، أو المخاطبة عن بعد، فكثير منها يوحي بنداء ضمني يتمثل في مناجاة الشاعر للذات العليا التي يتعلق بها ويخاطبها طلباً للوصل أو شرحاً لحاله الذي يعاني فيه الألم والحزن والحسرة أو البثّ والشكوى والأنين وطلب المواساة.

ومما يمثل ما تقدم قوله(([160]:


وما وجدتُ لقلبي راحةً أبداً



وكيف ذاك، وقد هُيّئتُ للكدرِ؟



 ما بي را



ذا  ري



لقد ركبتُ على التغرير واعجبا



ممّن يريد النجا في المسلك الخطرِ



ري وا    با



      ري  جا              ري



كأنني بين أمواجٍ تقلبني



مُقلَّباً بين إصعادٍ ومنحدرِ



ني            وا        ني



عـا         ري



الحزن في مهجتي والنار في كبدي



والدمع يشهد لي فاستشهدوا بصري



في   تي   نا  في  دي



لي       دو     ري


 

 

يتمثل امتداد الصوت الآتي من المقاطع الطويلة في الألفاظ [ماء، لقلبي، راحة، ذاك، التغرير، واعجبا، يريد، النجا، كأنني، أمواج، تقلبني، إصعاد، في مهجتي، والنار، في، كبدي، لي، فاستشهدوا] إضافة إلى الوصل المكسور في روي الأبيات. وينسجم هذا التماثل  الصوتي مع دلالة المقطوعة التي يعبّر فيها الشاعر عن بثه وشكواه، فضلاً عما تحتاجه المقاطع الطويلة من صوت ممتد، إذ النطق بها يحتاج إلى زمن أطول من نطق المقاطع القصيرة مما يستدعي إيقاع الحزن وأصوات التألم.

كما تبدّى هذا الملمح في مقطوعة أخرى يقول فيها(([161]:


إذا ذكرتكَ كاد الشوقُ يُتلفني



وغفلتي عنك أحزانٌ وأوجاعُ



 ذا كا ني



تي زا جاعو



وصار كلّي قلوباً فيك واعيةً



للسّقم فيها وللآلام إسراع



صا      لي   لو     في   وا



في ها      آ لا       راعو



فإذا نطقتُ فكلّي فيك ألسنةٌ



وإن سمعتُ فكلي فيك أسماعُ



لي  في



لي   في    ماعو


 
يتمثل امتداد الصوت في الألفاظ [إذا، كاد، يتلفني، غفلتي]، أحزان، أوجاع، صار، كلّي، قلوباً، فيك، واعية، فيها، للآلام، إسراع، فكلي، فيك، فكلّي، فيك، أسماع].

ينسجم التماثل الصوتي في هذه المقطوعة مع دلالتها، ويضفي هذا التماثل أصواتاً مساوية إيقاعياً لصوت النداء، نداء الشاعر الواجد العاشق للذات العليا، الراغب أبداً بالوصول.

 

 

ب. التماثل الصوتي والنداء:

يبدو موقف النداء من المواقف الواضحة في شعر الحلاج؛ وعند الحديث عن التماثل الصوتي عنده، يبرز ملمح مميز بشعره يتعلق بتكثيفه المقاطع الطويلة في الأبيات التي فيها أداة نداء، فكأن الشاعر يعزز هذا النداء الذي يحمل أصواتاً إيقاعية فيها قدر من الامتداد، بمقاطع مساوية أيضاً لصوت النداء.

إلا أن البروز الأكبر في هذا الموقف يتمثل في تكراره لصيغة نداء تتبعها مقاطع طويلة، الصوت الثاني منها صوت الألف؛ وكأنها امتدادات للصوت ونداءات متتالية تعزز المعنى الذي يريد التعبير عنه.

ويمتاز صوت الألف فضلاً عن كون أصوات اللين كلها مجهورة، و "أن مجرى الهواء معها لا تعترضه حوائل في مروره بل يندفع في الحلق والفم حرّاً طليقاً"(([162] ـ يمتاز بأن اللسان معه "يبلغ أقصى ما يمكن أن يصل إليه من هبوط في قاع الفم والفراغ بين اللسان والحنك حينئذٍ يكون أوسع ما يمكن في هذا الوضع(([163]، ولعل "ظاهرة حرية مرور الهواء وانطلاقه من خلال الفم إنما تتحقق بصورة أوضح في نطق الألف، فهي على حدّ تعبير ابن جنّي "أوسع حروف المد وألينها"(([164]. فالألف مقارنة بالياء والواو "أمدّهنّ صوتاً، وأنداهنّ، وأشدّهنّ إبعاداً وأنآهنّ"(([165].

وهذا التوصيف لصوت الألف ينسجم ويتحقق مع لفظ (الآه) المرتبط بالتأوه والأنين والرجاء والحسرة، وهو دلالة يمكن تلمسها في الأبيات التي جمعت بين أداة النداء (يا) وأشكال أخرى منها وبين صوت المد (الألف).

يتمثل هذا في قول الشاعر(([166]:


يا معين الضنى عليـ




 

ـي أعنّي على الضنى




يا                        نى



 

نى


 
وفي قوله(([167]:


يا موضع الناظر من ناظري




 

ويا مكان السرّ من خاطري




يا نا نا



 

   يا     كا                  خا
 
وفي قوله(([168]:


يا غافلاً لجهالةٍ عن شاني




 

هلاّ عرفتَ حقيقتي وبياني




يا     غا      ها
              شا


 

    لا
                             يا

 
وفي قوله(([169]:


أيا مولاي، دعوة مستجيرٍ




 

بقربك في بعادك والتسلّي




   يا       لا



 

    عا


 
وفي قوله(([170]:


يا معين الضنى على جسدي




 

يا معين الضنى عليه أعنّي




يا                 نى   لى



 

يا                  نى


 
يتبدّى في الأمثلة وغيرها أن الشاعر إضافة إلى النداء الصريح، يستبطن معنى النداء وصيغته الصوتية في صور مقاطع مساوية إيقاعياً لما تؤديه أداة النداء الصريحة، وينسجم مع ما يشبه الصيحة أو الاستغاثة من خلال التركيز على صوت الألف المطلقة (المقطع الطويل المبدوء بصامت يليه ألف الإطلاق)، وهذا التكرار يعبّر عن إلحاحه في مخاطبة معشوقه لتحقيق رغبته بالوصال والتجلي، كما يوحي تكرار هذا المقطع الصوتي برجع الصدى أو تردده، أو الصدى الذي ينتشر في المسافة بين الشاعر (المنادِي)، والمنادَى (الذات العليا)، وهي مسافة غير واقعية وغير ممكنة الاختصار تسهم في تأكيد موقف النداء، ومحافظة الشاعر عليه صوتياً وارتباطه مع الدلالة التي تحملها الأبيات.

ولعل الهيمنة النسبية للصوت المفتوح تدل "على أن حال الشاعر كانت تستدعي البث والشكوى والحنين والبكاء، لأن الذي يشكو أو يبكي مضطر في مألوف العادة إلى أن يرفع عقيرته كيما يسمعه الناس ويلتفتوا إليه"(([171]، ولذا نجد أنه  "لأمر ما كانت حروف النداء في اللغة العربية مفتوحة كلها [أ ـ أيْ ـ يا- أيا ـ هيا..] ولعل ذلك من أجل أن يُسمِع المنادي حاجته، ويبلّغ رسالته، ويستبين مما في نفسه من كوامن الأسرار، ومكنون الأخبار؛ الدعاء مدّ للصوت، والشكوى مدّ أيضاً لهذا الصوت، والحنين من بعض الوجوه مدّ للصوت، ويكون الصوت في مثل هذه الأطوار مفتوحاً لينفتح به الفم ولتنطق به الحنجرة، حال كونها مفتوحة، ولتنادي به العقيرة في الهواء، ولترتفع به في الفضاء"(([172].

 

 

 

  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
  
تكرار الألفاظ 
 

تبرز في شعر الحلاج ظاهرة أخرى هي تكرار الألفاظ التي تشتمل على قيمة إيقاعية تترك أثرها في المتلقي، مثلما يعني قيمة هذه اللفظة أو الألفاظ عند مستخدمها، إذ إنها من أنماط الكلمة، المفتاح أو الكلمة السحرية التي يمكن أن تشكل مدخلاً إلى عالم الشاعر، ومميزاً واضحاً له.

وفي ديوان الحلاج جملة واسعة من الألفاظ المتكررة، سواء في البيت الواحد أو في مقطوعة بعينها أو في الديوان كله، وهي عبر هذا التكرار والحضور تحقق قيمة إيقاعية واضحة من خلال ضرباتها المتكررة التي تثير التأمّل، وتعدّ مدخلاً لرصد معجمه الشعري، ولدخول عالمه الدلالي.

ومما يمكن أن يوضح هذا المنحى الأسلوبي قوله في مقطوعة مؤلفة من أربعة أبيات(([173]:


بيانُ بيان الحقّ أنتَ بيانه



 

وكل بيانٍ أنتَ فيه لسانه



أشرتَ إلى حقٍّ بحقٍّ وكل مَنْ



 

أشار إلى حقٍّ فأنتَ أمانه



تشيرُ بحقٍّ الحقِّ والحقُّ ناطقٌ



 

وكل لسانٍ قد أتاك أوانه



إذا كان نَعْتُ الحقِّ للحق بيّناً



 

فما باله في الناس يخفى مكانه


 
فواضح أن الشاعر يكرر هنا ألفاظاً ثلاثاً تعدّ مفتاحاً لمقطوعته، وأولاها: لفظة (الحق) التي وردت تسع مرات، وثانيتها: لفظة (أشار) بصيغها المختلفة [أشرت، أشار، تشير]، وثالثتها: لفظة (بيان) التي وردت أربع مرات.

وأكتفي في هذا الموضع بهذه الإشارة السريعة إلى ما في هذا الضرب من التكرار من قيمة إيقاعية، وما يشيعه من مناخ صوتي مؤثر، لأترك استكماله إلى موضعه في التحليل الدلالي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


البحر

عدد المقطوعات أو القصائد

نسبتها إلى الديوان

عدد الأبيات تامة ومجزوءة

نسبتها إلى الديوان

عدد أبيات التام منه

نسبتها إلى الديوان

عدد الأبيات المجزوءة

نسبتها إلى الديوان

1- البسيط
37 
33.9% 
195 
39.2% 
138 
27.7% 
57 (بيتاً مخلّعاً) 
11.4% 

2- الطويل
16 
14.6% 
49 
9.8% 
49 
9.8% 
- 
- 

3- الرمل
11 
10.0% 
48 
9.6% 
15 
3.0% 
33 
6.6% 

4- الرجز
2 
1.8% 
37 
7.4% 
3 
0.6% 
34 
6.8% 

5- الوافر
8 
7.3% 
37 
7.4% 
37 
7.4% 
- 
- 

6- المجتث
6 
5.5% 
30 
6.0% 
30 
6.0% 
- 
- 

7- السريع
7 
6.4% 
28 
5.6% 
28 
5.6% 
- 
- 

8- الخفيف
9 
8.2% 
27 
5.4% 
25 
5.0% 
2 
0.4% 

9- المتقارب
3 
2.7% 
21 
4.2% 
21 
4.2% 
- 
- 

10- الكامل
5 
4.5% 
21 
4.2% 
10 
2.0% 
11 
2.2% 

11- الهزج
2 
1.8% 
8 
1.6% 
8 
1.6% 
- 
- 

12- المنسرح
2 
1.8% 
7 
1.4% 
2 
1.4% 
- 
- 
 
 

(جدول يوضح عدد المقطوعات والأبيات التامة والمجزوءة ونسبتها إلى الديوان)

 

 

 


 

 

الفصل الثاني

التحليل التركيبي



 

 

مدخل

 

ترى الأسلوبية في دراسة التركيب وسيلة ضرورية لبحث الخصائص المميزة لمؤلف معين؛ بل تعدّه أحد مستويات التحليل اللغوي للنص الأدبي. ويتخذ الدارس الأسلوبي في تحليله التركيبي جملة من المسائل تنطلق من النص نفسه، فالمدخل الأسلوبي لفهم أي قصيدة هو لغتها(([174].

ومن هذه المسائل: دراسة أطوال الجمل وقصرها، ودراسة أركان التركيب من مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، وإضافة، وصفة وموصوف وغيرها، ودراسة ترتيب التركيب من تقديم وتأخير، إضافة إلى دراسة استعمال الكاتب للروابط المختلفة والضمائر وأنماط التوكيد، فضلاً عن دراسة الصيغ الفعلية وأزمانها، والمبني للمجهول والمبني للمعلوم، ودراسة حالات النفي والإثبات وتتابع عناصر الجمل ومبادئ الاختيار فيها ودلالة كل ذلك على خصائص الأسلوب(([175].

وتنطلق الأسلوبية في التحليل التركيبي من دراسة جزء من الجملة أو الجملة كاملة، إلى دراسة الفقرة ومن ثم النص بأكمله؛ "فنقطة البدء ترتكز على الجزئيات وصولاً إلى كلية العمل الأدبي"(([176].

ولا بد أن يكون تكرار الظاهرة المدروسة بادياً في جزء من النص أو فيه كله. أو أن تشتمل على انزياح عن مألوف التراكيب في تلك الظاهرة. أو أن تكون أحد خيارات التعبير.

يلاحظ عند دراسة الحلاج أنه يعبّر عن تجربة لها من الخصوصية ما يدفع به إلى اختيار التراكيب اللغوية التي بمقدورها إبراز الطاقات الإيحائية لمفرداته، بل يحوّر في بعضها بما يخرجها عن المألوف في التراكيب اللغوية، ويصاحب هذا الخروج خروج مواز له في المنظور الدلالي، وهذا مقصد الحلاج الذي يحاول أن يعبّر عن المعنى الكلي أو "الأفق الأخير الذي تنتهي إليه الدلالات اللغوية في السياق"(([177].

ويكشف شعر الحلاج عن مجموعة من الظواهر التركيبية، التي تتوسع من الناحية الإحصائية، فضلاً عن الطريقة الخاصة التي ترد عليها، بسبب من الدلالات المختلفة التي تتأتى من التجربة الصوفية، وكأن الرؤية الخاصة للحلاج هي التي تدفعه للاختيار العفوي لأنماط التركيب والتعبير على مستوى الكلمة والجملة والأداة.

 

  
  
  
  
  
  
نظام الجملة 
أ‌.                   تركيب الجملة الاسمية:

جاءت الجملة الاسمية في شعر الحلاج على أنماط متعددة، إذ كثيراً ما انتقل المبتدأ والخبر من شكلهما البسيط إلى أنماط متعددة من التحوير والتغيير، ومن ذلك أنه يعمد إلى فصل المبتدأ عن الخبر بجمل معترضة أو جمل معطوفة أو مما يقع في باب الزيادة، وقد يقدم الخبر على المبتدأ أو الاسم في النواسخ في أحيان أخرى.

فإذا كان النمط الأساسي معبّراً عن حالة استقرار المعنى فإن تجربة الحلاج لا تجد ضالتها في هذا النمط، وإنما تحتاج إلى الأنماط المواربة لعلها تظفر بالمعنى الذي تفتش عنه وتحاول أن تتلاءم معه.

ولأن الاسم "يخلو من الزمن ويصلح للدلالة على عدم تجدد الحدث وإعطائه لوناً من الثبات"(([178] فإن الشاعر يلجأ إليه في التعبير عن الحالات التي تحتاج إلى توصيف وتثبيت، ومن ذلك الأبيات التالية التي يبدو فيها استخدام الاسم واسعاً، بوصفه الأساس التركيبي لقوله الشعري، يقول(([179]:


سكوتٌ ثم صمتٌ ثم خرس



 

وعلمٌ ثم وجدٌ ثم رمسُ



وطينٌ ثم نارٌ ثم نورٌ



 

وبردٌ ثم ظلّ ثم شمسُ



وحزنٌ ثم سهلٌ ثم قفرٌ



 

ونهرٌ ثم بحرٌ ثم يبسُ



وسكرٌ ثم صحوٌ ثم شوقٌ



 

وقربٌ ثم وصلٌ ثم أنسُ



وقبضٌ ثمَّ بسطٌ ثم محوٌ



 

وفرقٌ ثم جمعٌ ثم طمسُ



عباراتٌ لأقوام تساوت



 

لديهم هذه الدنيا وفَلْسُ


 
فقد ابتدأت  هذه الأبيات بالاسم (سكوتٌ) وتلته سلسلة من الأسماء المعطوفة بحرفي العطف (ثم، واو) واستمر هذا النمط في خمسة أبيات، مما يوسّع من أفق الانتظار بسبب إرجاء الخبر، إذ لا يعرف المتلقي ما شأن هذه الحالات المتتالية حتى يصل إلى البيت السادس (عباراتٌ...) وهذا الإرجاء يسهم في التركيز على الحالات التي عدّدها بسبب عدم التعجل في الكشف عن أمرها، مثلما يسهم في تأكيد الخبر بوصفه إنهاءً لموقف التوقع والانتظار. أي أن هذا النمط في التركيب يبرز أطراف الجملة جميعاً، بسبب ما يتيحه من تأمل يتكئ على المباعدة بين أجزاء الكلام، والمبالغة في استخدام روابط العطف في ألفاظ متتابعة.

ولما كان التقديم والتأخير من أهم التغيرات التي تصيب بناء الجملة وتؤدي في العادة إلى "إبراز الدلالة بتقديم جزء على آخر أو تأخيره عنه"(([180]. فقد جاء عند الحلاج بأنماط شتى منها قوله(([181]:


لأنوار نور النور في الخلق أنوارُ



 

وللسر في سر المسرّين أسرارُ



وللكون في الأكوان كونٌ مكوّنٌ



 

يُكنُّ له قلبي ويهدي ويختارُ



تأمَّلْ بعين العقل ما أنا واصفٌ



 

فللعقل أسماعٌ وعاةٌ وأبصارُ


 
فقد ضمت هذه المقطوعة أربع جمل اسمية حدث فيها تغيير في ترتيب الجملة، وهي الجمل التالية:

·          لأنوار نور النور في الخلق أنوار.

·          وللسر في سر المسرين أسرار.

·          وللكون في الأكوان كون مكوّن.

·          فللعقل أسماع وعاة وأبصار.

وجاءت هذه الجمل على نمط متقارب فقد ابتدأت جميعها بأشباه جمل مؤلفة من جار ومجرور في موقع الخبر المقدم، واختتمت بأسماء جاءت بصيغة النكرة في موقع المبتدأ المؤخر.

والأصل في المبتدأ أن يكون مُعَرَّفاً، لكنه ورد في الجمل السابقة منكّراً وهذا ما سوّغ تأخيره مع تقديم الخبر (شبه جملة)، والحلاج في ذلك يسير وفق نمط مستخدم من أنماط المبتدأ والخبر، لكن اختياره لهذا النمط وبالتكرار الذي ورد فيه يشكل قيمة أسلوبية اختيارية، لا تميل إلى التحديد والضبط بل تميل إلى تنكير المبتدأ، وفي المستوى الدلالي يؤدي التنكير إلى الحد من التخصيص، مما يؤدي إلى توسع الدلالة وامتداد حدودها، من غير أن يحد التعريف من امتدادها، عندما يضعها في حيز معروف مخصص.

 

ب‌.   تركيب الجملة الفعلية:

استخدم الحلاج أنماطاً مختلفة من الجملة الفعلية، بما يناسب الدلالات التي عبر عنها، من خلال المراوحة بين الأفعال المضارعة تارة والماضية تارة أخرى، فالفعل دعامة أساسية من دعامات الجملة إذ إنّ "غياب الفعل خاصة يجرّد الصرح اللغوي من الأساس الذي يدعمه"(([182].

ولأن الصوفية يعبرون عن أحوال ومقامات تتنوع بين ثبات وحركة، وتوقف وتجدد، فإنهم يلجأون في وصفهم لها إلى الأفعال، ذلك أن "القيمة المعنوية للفعل تنبعث من كونه كلمة يدخل فيها عنصر الزمن والحدث بخلاف الاسم الذي يخلو من عنصر الزمن، ولأن (هذا العنصر) داخل في الفعل، فهو ينبعث في الذهن عند النطق بالفعل، وليس كذلك الاسم الذي يعطي معنى جامداً ثابتاً، لا تتحدد خلاله الصيغة المراد إثباتها"(([183].

ويمكن التمثيل على استخدام الشاعر للأفعال، والاعتماد عليها في تركيب الجملة بالأبيات التالية(([184]:


أبدى الحجابَ فذلّ في سلطانِه



 

عِزُّ الرسوم وكلّ معنى يخطُر



هيهات يُدرَك ما الوجود وإنما



 

لهبُ التواجدِ رمزُ عجزٍ يقهرُ



لا الوجدُ يُدرك غير رسمٍ داثرٍ



 

والوجدُ يدثرُ حين يبدو المنظرُ



قد كنتُ أطربُ للوجودِ مروّعاً



 

طوْراً يغيّبني وطوراً أُحضرُ



أفنى الوجودَ بشاهدٍ مشهوده



 

أفنى الوجودَ وكلّ معنى يُذكَرُ


 
أول ما يلفت في القراءة الأولى للمقطوعة أنها تشتمل على جملة واسعة من الأفعال منحتها مقداراً كبيراً من الحيوية والحركة، وأوحت بسياق من الأحداث المتحركة المتتالية.

وقد ضمّت خمسة عشر فعلاً، منها عشرة أفعال مضارعة منها ستة أفعال بصيغة المبني للمجهول، وخمسة أفعال ماضية واحد منها بصيغة الماضي الناقص.

وواضح أن للزمن دوراً رئيسياً في تشكيل هذه المقطوعة وإيضاح تركيبها، كما أن التركيز على الزمن المضارع ليس كمياً وحسب، وإنما يتأكد التشديد عليه في مجيئه لفظة للقافية في أربعة أبيات منها.

ويؤشر هذا الاختيار إلى نمط التركيب المعقد في المقطوعة واعتماده على الفعل أساساً بما يوحيه من دلالات وإشارات.

ويمكن تبيّن دور الفعل في المستوى التركيبي من خلال تحليل هذه المقطوعة مع التركيز على الأفعال ودورها البنائي.

ففي هذه المقطوعة يتبّدى اعتماد الشاعر على الصيغ الفعلية فقد وردت الجمل التالية:

-         وكل معنى يَخْطرُ

-         هيهات يُدْرَك ما الوجود

-         لهب التواجد، رمز عجز يُقهرُ

-         لا الوجدُ يُدرك غير رسم داثر

-         والوجد يدثرُ حين يبدو المنظرُ

-         قد كنتُ أطربُ للوجود مروّعاً

-         طوراً يغيبني وطوراً أُحضرُ

-         وكلّ معنى يذكَرُ

وورود الأفعال على هذا النحو من التعدد والتركيز؛ يظهر التجدد في الحدث الصوفي، مع الإشارة إلى استمرارية هذا الحدث، إذ إنّ الفعل المضارع يفيد معنى الاستمرار والامتداد، وبذلك ينفذ الشاعر للتعبير عن الزمن الإلهي الممتد، خلافاً للزمن البشري المحدود المتغير "ويستطيع الشاعر إذا أجاد استغلال الفعل المضارع في نظم عباراته أن ينقل جو الحدث والتصور المتجدد به"(([185].

كما تكشف الأبيات عن انفعال الشاعر، وتعقيد مشاعره وغموضها واستمرارها، خصوصاً أنه لم يلجأ إلى الفعل الماضي ـ الذي يعبر عن زمن وحدث ثَبَتا في الماضي ـ إلا في مواطن محددة هي:

-         أبدى الحجاب فذلّ في سلطانه.

-         أفنى الوجود.

-         قد كنتُ أطربُ.

وكأنه في هذه الصيغ يعبر عن رغبته باستعادة ما فات، أو ما انقضى، لكن دور الفعل الماضي يظل محدوداً أمام اتساع المضارع وسطوته، فالزمن ـ عند الصوفية ـ زمن مفتوح ممتد، ولذلك يركز على استخدام المضارع الذي يدل على زمن أزلي سرمديّ يرغب الشاعر أن يحل فيه، متخلصاً من الزمن الأرضي المحدود.

 

جـ. أسلوب النفي:

يلجأ الشاعر إلى أسلوب النفي بوصفه أحد خيارات التركيب الذي يظهر في شعره، ويسهم في تعقيد الجملة ويحوّلها من بسيطة إلى مركبة.

وقد كثر استخدامه لأسلوب النفي فورد فيما يقارب أربعة وتسعين بيتاً ورد النفي في بعضها أكثر من مرة. ويستخدم من أدوات النفي: لا، لم، ليس، غير، ما.

توسع الحلاج في مفهوم النفي في شعره، فتجاوز "معنى الطرح والإخراج والاقتطاع"(([186]، وقدم طرائق تعبيرية شتى من الناحية التركيبية والأسلوبية تتواءم مع عمق تجربته الصوفية ودلالاته الخاصة.

يأتي الحلاج بالنفي في كثير من المواضع ليعزز معنى ذَكَره في البيت، فيكون النفي تأكيدياً، كأن يقول(([187]:


تراهم ينظرون إليك جهراً



 

وهم لا يبصرون من العماء!


 
فجاء بأداة النفي (لا) سابقة للفعل (يبصرون) في الشطر ليؤدي معنى يتضاد مع المعنى في الشطر الأول فيقول: تراهم ينظرون، والنظر يتأتّى لمن يملك البصر، ثم يعود وينفي هذا النظر بقوله: لا يبصرون، إذن هو يرنو إلى بصر من نوع خاص لا تؤديه العينان وهو ما يحتاج الصوفي ويسعى إلى امتلاكه عبر المجاهدات والرياضات.

وفي نمط آخر يأتي الحلاج بشيء ثم يعود فينفي الشيء نفسه يقول(([188]:


ففي  بقائي ولا بقائي



 

وفي فنائي وجدتُ أنت


 
فهو يثبت في المرة الأولى بقاءه والبقاء عند الصوفية هو "قيام الصفات المحمودة"(([189]، ويبين أنه وجد معشوقه وعرج إليه في هذا البقاء، فهي حالة تفرح الصوفي. ثم يعود الحلاج فينفي عنه البقاء، ويظل المعنى يؤشر إلى معشوقه، فهو يريد أن يوضح أنه في حالتي بقائه أو عدمها يجد الذات العليا، يؤكد ذلك بقوله (وفي فنائي) فهذه العبارة تماثل بشكل أو بآخر عبارته (ولا بقائي)، فهو في كل أحواله مع الحق في بقاء من نوع خاص يلتقي تماماً مع الفناء، فهذان الضدان يؤولان إذن إلى معنى كلّي واحد فيفترفان ظاهراً ويأتلفان في باطن دلالتهما خصوصاً أن الفناء عند الصوفية هو "سقوط الأوصاف المذمومة"(([190].

ويتكرر هذا النمط بقوله(([191]:


غبتَ وما غبتَ عن ضميري



 

فمازجَتْ ترحتي سروري


 
فهو يثبت غياب معشوقه ثم يعود فينفي هذا الغياب باستخدام أداة النفي (ما) لأنه في محصلة الأمر مع الحق سواء أتحقق له الوصول إليه أم لم يتحقق، ذلك أن وجود معشوقه في ضميره هو وجود سرمدي لا يعتريه الزوال، إلا أن الغياب هو عدم وصول العاشق الصوفي إلى مرتبة يصل فيها إلى أن يتحقق له الكشف والتجلي، ولذا فإن سروره بالكشف يمازج حزنه بالاحتجاب، ويأتي هذا النمط من نفي الفعل ليعمق أبعاد الدلالة ويوسعها.

ويمثل هذا النمط من النفي حيرة الصوفي العاشق ووقوفه متردداً بين نفي الشيء وإثباته، فهو يريد أن يوصل فكرته، ويرغب أن تصل بالعمق الذي يوازي عمقها في تجربته، فيجرب وسيلة لغوية ثم يقوم بنفي هذه الوسيلة بحثاً عن أخرى، ففي البيت الأول أشار إلى البقاء ثم نفى هذا البقاء ثم أشار إلى الفناء. وفي البيت الثاني أشار إلى الغياب ثم نفى هذا الغياب لكن حزنه ظل يمازج فرحه.

وفي نمط آخر يلجأ الحلاج إلى نفي عبارات بشكل متوال متسارع، يقول(([192]:


شيء بقلبي وفيه منك أسماء



 

لا النور يدري به كلا ولا الظُّلَمُ



فخذ حديثي حبّي أنت تعلمه



 

لا اللوح يعلمه كلا ولا القلمُ


 
ففي هذا النمط من النفي تتلاحق العبارات المنفية، وكأن الشاعر يستدرك ما استشعر أن اللغة لا تحيط به، فيلجأ إلى النفي ليؤدي هذا المعنى الفائض عن التحديد، فيأتي النفي هنا بديلاً تعبيرياً يعوّض عن حالات مثبتة غائبة، لم يجد الشاعر الصوفي ما يستخدمه للتعبير عنها. فلجأ إلى النفي المكثف كما في البيتين السابقين.

كما يلجأ الحلاج إلى نفي عبارات تتضمن المعنى نفسه في محاولة للتأكيد والتشديد على رفضه وتركه.

      يقول(([193]:


لا يقبلون مذيعاً في مجالسهم



 

ولا يحبون ستراً كان وشواشا



لا يصطفون مذيعاً بعض سرّهمُ



 

حاشا جلالهم عن ذلكم حاشا


 
فيأتي بثلاثة جمل منفية تؤشر إلى نفس الدلالة:

·          لا يقبلون مذيعاً في مجالسهم.

·          ولا يحبون ستراً كان وشواشاً.

·          لا يصطفون مذيعاً بعض سرّهم.

      فالحلاج يشير هنا إلى مبدأ من مبادئ الصوفية هو ضرورة كتمان السر وعدم إذاعته، لأنه سر رباني خاص بهم، وكي لا يتعرضوا للإيذاء ممن هم خارج الصوفية.

والجمل الثلاث التي وردت منفية، تؤدي في مجملها دلالة واحدة، تتصل بهذه القاعدة الصوفية، لكن الحلاج- نفسه- خرج عليها ولم يلزم نفسه بالحذر والتكتم، وإنما باح بما اطلع عليه، إذ يقول بعد البيتين السابقين:


من أطلعوه على سرٍّ فنمّ به



 

فذاك مثلي بين الناس قد طاشا


 
ويبدو تشديد الحلاج على قاعدة الكتمان من خلال استخدام صيغ النفي المكررة التي تفيد التوكيد الدلالي، وورودها بصيغة النفي، يمنحها معنى أدق من ورود المعنى المراد بصيغة الإثبات.





(*) شرح ديوان الحلاج، ص12.



(*) معلوم أن الشيبي واحد من العارفين بالشعر، ومن المجانب للمنطق أن يكون قد أخطأ فيها، والمرجح أنه لم يراجع هذه الطبعة بنفسه، مما أحدث فيها اختلاطاً واختلالاً سبّبا هذا التشويه.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref3([1]) انظر في سيرته وأخباره:

السلمي، طبقات الصوفية، ط2، تحقيق نور الدين شريبة، دار الكتاب النفيس، حلب، 1986، ص307. مسكويه، تجارب الأمم، ج1، اعتنى بنسخه وتحقيقه هـ. ف. آمدروز، دار الكتاب الإسلامي، ص 76. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ط1، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ج8، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997، ص112. ابن الجوزي، المنتظم، ط1، تحقيق د. سهيل زكار، ج8، دار الفكر، بيروت، 1995، ص 3764. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مج8، دار صادر ودار بيروت، بيروت، 1966، ص77. ابن خلكان، وفيات الأعيان، تحقيق د. إحسان عباس، مج2، دار الثقافة، بيروت، ص140. الذهبي، تاريخ الإسلام، ط1، تحقيق د.عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، 1992، ص33. الذهبي، العبر في خبر من غبر، ط1، تحقيق أبو هاجر محمد السعيد زغلول، ج1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985، ص 454. الذهبي، ميزان الاعتدال، تحقيق علي عمر البجاوي، مج1، دار المعرفة، بيروت، ص 548. اليافعي، مرآة الجنان وعبرة اليقظان، ط1، وضع حواشيه خليل المنصور، ج2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997، ص 189. ابن كثير، البداية والنهاية، ط3، تحقيق د. أحمد أبو ملحم ورفاقه، مج6، ج11، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987، ص 141. ابن الملقن، طبقات الأولياء، ط2، تحقيق نور الدين شريبة، دار المعرفة، 1986، ص187. الشعراني، الطبقات الكبرى، ط1، ضبطه وصححه خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997، ص154. ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب، ط1، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ج2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998، ص442. ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، ط1، دراسة وتحقيق عادل أحمد عبد الموجود ورفاقه، ج2، دارالكتب العلمية، بيروت، 1996، ص359. الخوانسارني الأصبهاني، روضات الجنات، تحقيق أسد الله اسماعيليان، ج3 مكتبة اسماعيليان، طهران، 1970، ص107. عريب القرطبي، صلة تاريخ الطبري، مطبعة بريل، ليدن، 1897، ص85. ابن العبري، تاريخ مختصر الدول، دار المسيرة، بيروت، ص 156. الديار بكري، تاريخ الخميس، ج2، دار صادر، بيروت، ص 347. مؤلف مجهول، العيون الحدائق في أخبار الحقائق، تحقيق نبيلة عبد المنعم داود، ج4، القسم الأول، مطبعة النعمان، 1972، ص294.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref4([2]) انظر في رحلاته وأسفاره:

-                   الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج8، ص 112ـ 113.

-                   ابن الجوزي، المنتظم، ج8، ص 3746.

-                   الذهبي، تاريخ الإسلام، ص 34.

-                   الذهبي، العبر في خبر من غبر، ج1، ص 455.

-                   الخوانساري الأصبهاني، روضات الجنات، ج3، ص 107.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref5([3]) انظر: ابن النديم، الفهرست، ط1، تحقيق د. ناهد عباس عثمان، دار قطري بن الفجاءة، 1985، ص 403 ـ 404.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref6([4]) انظر في الحياة السياسية والاجتماعية في العصر العباسي: د. شوقي ضيف، العصر العباسي الثاني، ط2، دار المعارف، القاهرة، د. ت، ص9 وما بعدها.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref7([5]) الذهبي، تاريخ الإسلام، ص34. وانظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ص 142. ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب، ج2، ص442.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref8([6]) الخوانساري الأصبهاني، روضات الجنات، ج3، ص110.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref9([7]) ابن النديم، الفهرست، ص42.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref10([8]) ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب، ج2، ص442. وانظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، ص34.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref11([9]) ابن الجوزي، المنتظم، ج8، ص 3764.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref12([10]) عريب القرطبي، صلة تاريخ الطبري، ص85.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref13([11]) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج8، ص112. وانظر: عريب القرطبي، صلة تاريخ الطبري، ص101.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref14([12]) انظر في ذلك:

ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مج8، ص 127. ابن الجوزي، المنتظم، ج8، ص 3749. الذهبي، تاريخ الإسلام، ص37. الذهبي، العبر في خبر من غبر، ج1، ص 457. ابن كثير، البداية والنهاية، مج6، ص151.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref15([13]) عريب القرطبي، صلة تاريخ الطبري، ص87.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref16([14]) عريب القرطبي، المصدر السابق، ص93-94. وانظر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مج8، ص127.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref17([15]) الذهبي، العبر في خبر من غبر، ج1، ص457، وانظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، مج2، ص 145. ابن الجوزي، المنتظم، ج8، ص 3749.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref18([16]) الشعراني، الطبقات الكبرى، ص154. وانظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، ص38.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref19([17]) الخوانساري الأصبهاني، روضات الجنات، ص 136.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref20([18]) اليافعي، مرآة الجنان، ص194.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref21([19]) ابن كثير، البداية والنهاية، مج6، ص148.



http://sidihamza-ch.xooit.com/images/wysiwyg.html?5#_ftnref22([20]) انظر: ماسينيون، حياة الحلاج بعد موته، ترجمة أكرم فاضل، مجلة المورد، مج1، العددان 3-4، بغداد، 1972، ص55، وانظر كتاب ك