tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum tariqa qadiriya boudchichiya.ch
sidihamza.sidijamal.sidimounir-ch
 
 FAQFAQ   RechercherRechercher   MembresMembres   GroupesGroupes   S’enregistrerS’enregistrer 
 ProfilProfil   Se connecter pour vérifier ses messages privésSe connecter pour vérifier ses messages privés   ConnexionConnexion 

كتب و ملفّات خاصّة عن الحسين بن منصور الحــــــلاج نادرة

 
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية حية قادرية النسب تيجانية المشربCatégorie >>> تحميل الكتب والمخطوطات - مكتبة ضخمة للكتب Sous forum
Sujet précédent :: Sujet suivant  
Auteur Message
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Sam 29 Juin - 20:57 (2013)    Sujet du message: كتب و ملفّات خاصّة عن الحسين بن منصور الحــــــلاج نادرة Répondre en citant








بسم الله الرحمن الرحيم

ملفّات خاصّة عن الحسين بن منصور الحــــــلاج 
هذه محاولة منا لعمل ملفات خاصة .. يمكن أن تكون جامعة شاملة عن أي موضوع يراه أحدنا أو مجتمعين ...
وهذه محاولة منا وأرجو المساعدة في لن يشتات ما تناثر من أشلاء الحلاج من فوق صليبه من أعماله والدراسات التي كتبت عنه والله المستعان .

ويمكن أن أفهرس ما هو تحت يدي حتى الآن :

1 ـ الأعمال الكاملة للحلاج .

2 ـ ديوان الحلاج .( يزيد عليه شرح الديوان للدكتور كامل مصطفى الشيبي )

3 ـ أقوال الحلاج من الموسوعة .

4 ـ ما كتب عن الحلاج في الموسوعة الحرة ويكبيديا .

5 ـ الحلاج في كتب التاريخ والسير والتراجم .

6 ـ بعض الكتب التي كتبت عن الحلاج : وهنا تكمن المعاناة : فمعظم ما كتب عن الحلاج لمستشرقين غربيين أمثال لوي ماسينيون وهنري كوربان ونيكلسون .

نسأل الله أن ييسرها لنا .. ومن أمثلة ما أتيح لنا مما كتب بالعربية :

أ ـ كتاب أخبار الحلاج لإبن الساعي .

ب ـ السيرة الشعبية للحلاج مجهول المؤلف ( دراسة وتحقيق رضوان السح ) .

ج ـ الحلاج الثائر الروحي في الإسلام ( الدكتور محمد جلال شرف ) .

وإن شاء الله أنذر من الوقت الكثير لهذا العمل لإكمال هذا الملف بما يجعلنا جميعا راضين عنه ...

ولعل غيري من يتجرأ على فتح ملفات ابن عربي والبسطامي والرومي وغيرهم من أفذاذ العباقرة الإسلاميين ..

ولعل الملف القادم في الشعر الصوفي أو دراسات في التصوف ما له وما عليه أو أي ملف يراه الآخرون هاما ...




بسم الله الرحمن الرحيم

هذه بعض الروابط للتحميل المباشر من مكتبة المصطفى الالكترونية

1- الحلاج: الاعمال الكاملة المؤلف قاسم محمد عباس

http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=011508.pdf

http://www.sendspace.com/file/qa6hia


2-كتاب اخبار الحلاج من اندر النصوص المخطوطه في سيرة الحلاج المؤلف تاج الدين ابو طالب علي ابن أنجب بن عثمان بن عبد الله ابن الساعي البغدادي

http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=003206.pdf

http://www.sendspace.com/file/bakjs8

3- الحلاج الثائر الروحي في الاسلام المؤلف محمد جلال شرف

http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=010786.pdf

http://www.sendspace.com/file/kko8ye

4- الحلاج او صوت الضمير المؤلف ابكار السقاف

http://al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=001587.pdf

http://www.sendspace.com/file/6ux7qs


5- اخبار الحلاج المؤلف ابن الساعي

http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot/gap.php?file=001309-www.al-mostafa.com.pdf

http://www.sendspace.com/file/wkgv6t

6- السيرة الشعبية للحلاج المؤلف رضوان السح

http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=004256.pdf

http://www.sendspace.com/file/iyhdgd

وهناك ماساة الحلاج للشاعر صلاح عبد الصبور

http://al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=016984.pdf

http://www.sendspace.com/file/jdpdsj

وفي المكتبة العربية هناك شعر لفائز حجو بعنوان الصعود الى دم الحلاج

http://www.arabjava.com/adtc/lp031.rar


http://www.sendspace.com/file/xfflpf

ملف مضغوط كلمة السر لفتحه
 tipsclub = PassWord

الصعود إلى دم الحلاّج
فوّاز حجّو


طَالِعاً مثلَ زنبقةِ الحُلْمِ‏

مِنْ دَمهِ‏

ناشِراً ظِلَّهُ في الجهاتِ البعيدةِ‏

فزّاعةً للطّغاةْ‏

أَهْوَ في مَعجمِ العِشقِ أُمْثُوْلَةٌ؟‏

أَمْ هُوَ القُطْبُ يمشي برجليهِ فوقَ الهواءْ؟!‏

رُبَّما كانتِ الأرضُ تجهلُهُ‏

رُبَّما صارتِ الأرضُ فيهِ تُفَاخِرُ‏

حتَى السّماءْ‏

* * *‏

إنَّه يَنْهضُ الآنَ مِن جانبِ "الطُّورِ"‏

يأْخذُ شيئاً عزيزاً عليهِ،‏

ويمضي على عَجَلٍ‏

دونَ أن يَلتفِتْ‏

وكانَ بِوُدِّ الحبيبةِ في "وَاسِطٍ"‏

أنْ يَمُرَّ بها، مثلما عَهِدَتْهُ،‏

ويُلقي عليها جميلَ السَّلامْ‏

وكيفَ يَمرُّ... وفي القلبِ "بُوْصِلَةٌ"‏

أصبحتْ لا تُشيرُ إلى جهةٍ يَمَّمَتْها السٌّرَاةْ؟!‏

* * *‏

إنَّه الآنَ يمشي... ويمشي‏

ويَكفيهِ أَنْ يَتَحَرَّكَ فيهِ جديدُ الدّماء‏

ويكفيهِ أَنْ يتحرّكَ، إِذْ يَتَحَرَّكُ، نَبْضُ الهواء‏

ويكفيهِ أَنْ يتحرّكَ، حولَ خُطاهُ، سُكونُ المكان‏

ويكفيهِ أَن تَتَحَرَّكَ، حينَ يَسيرُ، عَطَالةُ هذا الزّمان‏

ويكفيهِ في مَشْيهِ أَنْ يُشِيعَ قليلاً من الأُنْسِ‏

في وَحْشَةِ الدّرْبِ للعَابرين‏

ويكفيه أَنْ يَتَبَادَلَ نَخبَ المَسيرِ معَ السَّائرين‏

ويَكفيهِ أَنْ يَتَطَلَّعَ نحوَ ابتكارِ طريقٍ‏

يَجُوزُ بها موْمِياءَ الثَّبَات‏

ويكفيه أنْ يُسْمِعَ الكونَ إيقاعَ أَقدامِهِ‏

وَهو يُسْهِمَ في عَزْفِ لحنِ الحياةْ‏

* * *‏

إنَّه الآنَ يمضي إلى حيثُ يَسْتَوْطنُ الرَّهَبُوتُ‏

ويُلقي عَصَاهُ اختياراً‏

ومِنْ تَوِّهِ قامَ يَحْمِلُ أُتْرُجَّةَ الوَحيِ‏

ثُمَّ يَطُوفُ بها في البلاد‏

وكلُّ العُيُونِ تلاحقُهُ،‏

وتَشُمُّ خَطَاهُ‏

-إلى أينَ جِئْتَ؟! وماذا تُرِيد؟‏

دعِ الفقراءَ، وكُلَّ الدراويشِ في غَفلةٍ يَعْمَهُوْنْ‏

لا تُؤَلِّبْ علينا الرَّعَاع‏

فَلو شِئْتَ سُقْنا إليكَ نَخِيلَ العراقِ قَطِيعاً‏

وَدَعْ ما لِكِسْرى لِكسْرى‏

وإنْ شِئْتَ أَنْ تَتَعَبَّدَ قُلْنا لِكُلِّ شِعَاب الجبالِ:‏

هَلُمِّي إليهِ وكُوني له مَعْبَدَاً في الخَلاَءْ‏

بَعيداً عنِ السَّابِلَةْ‏

أَنتَ لَسْتَ وَزِيراً لِتَحْشُرَ أَنفك في كلِّ شَيء‏

و مَالَكَ أَنتَ وما لِلرَّعيةِ؟!‏

مَالكَ أَنتَ وما للخَليفةِ؟!‏

ما أَنتَ إِلاَّ غريبُ الدِّيار‏

فَفيمَ تَجُوْسُ خِلالَ البلادِ وَتَجْتَرِحُ المنكَراتْ؟!‏

و مَنْ أَنتَ حتى تَشُقَّ عصا الانقياد؟!‏

* * *‏

-أَنا ابنُ التُّرابِ!‏

ولستُ أرَى ما على الأَرضِ إلا خَسِيْسَ التُّرابْ‏

-خُذُوهُ، لِيَعْرِفَ كيف يُسَوَّى عليهِ التُّرابْ‏

-لكَ الحمدُ يا ربِّ.. أَنْتَ جَدِيرٌ بكُلِّ ثَنَاءْ‏

* * *‏

إنّه الآنَ يَصْعَدُ في مَلَكُوتِ البَهَاءِ‏

إلى سِدْرَةِ النُّورِ‏

مُستبشراً باللِّقاءْ‏

أَهْوَ في غَفْلةٍ عن طُقوسِ الجريمةِ‏

أَمْ هُوَ مُسْتغرقٌ في الصّلاة؟!‏

رُبَّما كانَ في غَمْرَةِ الحُلْمِ‏

أو أَنَّهُ مَمْعِنٌ في الدُّعاءْ‏

رُبَّما... رُبَّما...‏

والعُيونُ تُلاحِقُهُ في ذُهُولْ‏

إنَّهُ يَصْعَدُ الآنَ فَوقَ القُضَاةِ..‏

وفَوقَ الجُنَاةِ.. وفَوقَ عَرُوشِ الوُلاَةِ‏

ليَلقَى الحبيبْ‏

إنَّهُ الآنَ يَصْعَدُ... يَصْعَدُ...‏



ثُمَّ يَغِيبْ!!!‏

فوّاز حجّو و(الصّعود إلى دَمِ الحلاّج



ناهض حسن  
 
 
لكي تصعد إلى "دمِ" الحلاّج وعوالمِهِ ينبغي لكَ أن تكون مُحيطاً بعالمِ المُثُلِ والقيمِ الساميةِ المتجردة عن كلّ ما هو نفعيّ وعابر، ينبغي لكَ أن تمتلك الوسائط والطرق العرفانية التي تساعدك في الولوج إلى العالم الصوفي المُبهِر بروحانيته، والحلاج رمز التضحية والفداء في الشعر العربي: "اقتلوني يا ثقاتي/ إن في موتي حياتي" وهو رمز للثورة الاجتماعية ضدّ الطغاة في الأرض لذلك فهو جمع بين البعدين الصوفيين: المثالي وهو الاتحاد بالمطلق السماوي الذي هو الله، والاجتماعي الذي هو الزهد والدفاع عن الحق والعدل والمضطهدين في ال أرض، كان مؤمناً بما آل إليه مصيره لأنه آثر الاتحاد بالمثال والمطلق على أن يستغرقه عالم التشيؤ والقيم المادية الزائلة، بل إن الشاعر الذي فضَّل الموتَ على أن يخضع لعالم الطغاة، بل لقد سعى إليه سعياً حينما صعد إلى الدرجة القصوى في تجلّياته الصوفية الإشراقية، ولم يعد قادراً على الانسجام مع الواقع الأرضي الذي هو ليس من برهة الروح: "اقتلوني تؤجروا"... هكذا فكّ لجام السرّ وانطلق في شوارع بغداد صارخاً، فكان شنقه لحظة انطلاق الروح من سجن الجسد، ولحظة التماهي مع عالم المثال، التماهي والتوحّد والحلول في الذات الإلهية والمطلق باعتباره الهدف الأسمى للشاعر المتصوف.‏   
وحسب اعتقادي أن شاعرنا فوّاز حجّو في مجموعته الشعرية الثانية "الصعود إلى دم الحلاّج" حاول امتلاك ما يؤهله للصعود إلى قداسة وسرّ ذلك "الدم" الحلاجي، أي امتلاك الجِدّة لمثل هذا الصعود، وأنه نجح في مسعاه هذا:‏   
"طالعاً م ثل زنبقة الحلم‏   
من دمه‏   
ناشراً ظله في الجهات البعيدة‏   
فزاعة للطغاة‏   
أهوَ في معجم العشق أمثولة؟‏   
أم هو القطب يمشي برجليه فوق الهواء؟!"‏   
(من قصيدة الصعود إلى دم الحلاج ص 5)‏   
والشاعر فوّاز حجّو كشف لنا البعد الصوفي الاجتماعي للحلاّج في نصّه المذكور: لم يهادن، ولم يساوم الطغاة، بل انحاز بشكل مطلق لعالم العدل والفقراء، وهو في الوقت نفسه كشف لنا البعد المأساوي التراجيدي في هذه الشخصية العظيمة والمركبة، مستخدماً تقنية "الحوار":‏   
إلى أين جئتَ؟!ّ‏   
وماذا تريد؟‏   
دَعِ الفقراءَ وكلَّ الدراويشِ في غفلة يَعْمَهونْ‏   
لا تؤلّبْ علينا الرّعاع‏   
فلو شئتَ سُقنا إليكَ نخيلَ العراق قطيعاً‏   
ودعْ ما لكسرى لكسرى‏   
وإن شئتَ أن تتعبَّدَ قلنا لكلّ شعابِ الجبال:‏   
هلمّي إليه وكوني له معبداً في الخلاء‏   
بعيداً عن السابلة‏   
أنت لست وزيراً لتحشر أنفك في كل شيء‏   
وما لك وأنت وما للرعية‏   
[color=#0f0f0:5365c510bc] ما لك أنت وما للخليفة؟!.....‏   
[color=#0f0f0:5365c510bc]
[color=#0f0f0:5365c510bc]
أنا ابن التراب‏   
ولست أرى ما على الأرض إلا خسيسَ التراب‏   
خذوه ليعرف كيف يسوّى عليه التراب...‏   
لك الحمد يا رب.. أنت جدير بكل ثناء...‏   
(من قصيدة الصعود إلى دم الحلاّج ص 8)‏   
يستخدم فوّاز حجّو في مجموعته: "الص عود إلى دم الحلاّج "غالبية الأساليب الفنية التي عرفتها الحداثة الشعرية: "التناص، الحوار، الانزياح الدلالي، المونولوج، التلوين، التكرار التبئير ـ التشظية، القناع الفني، والصورة الفنية".‏   
وإذ يدخل الشاعر من بوابة الحداثة على مستوى التخييل والتصوير وانتقاء المفردة، والرؤية، والرؤيا، فإنه يجمع ويوازن بين التراث والمعاصرة، أي إنّ حداثويته لا تقوده إلى الموقف العدمي من التراثي، بل إلى تأصيل الحداثة والارتباط بالجذور والكينونة الأولى.‏   
وبالمناسبة فإنّ الشاعر فوّاز يكتب الأنماط الشعرية الثلاثة المعروفة: العمودي، والتفعيلة، والقصيدة الحرة التي أُطلق عليها تسمية: "قصيدة النثر".‏   
ففي قصيدته: "قمر البهاء" نقرأ تناصّه مع التراث الديني الشهير:‏   
"طلع البدر علينا‏   
وجب الشكر علينا‏   
من ثنيّات الوداع‏   
ما دعا لله داع"‏   
أما التحوّل أو التداخل النصّي مع النصّ المذكور لدى فوّاز فيصبح:‏   
أقبل البدر علينا‏   
وجب الحبّ علين ا‏   
يتهادى كالشراع‏   
ما دعا لله داع‏   
كما نقرأ في قصديته "نهلة من ماء العرفان" هذا التناصّ الجميل متكئاً على نصوص الشاعر عبد القادر الحصني في ديوانيهِ: "ماء الياقوت" و"الشجرة وعشق آخر" يقول الحصني:‏   
".... لكل قصيدة أغنية ووجه كتاب‏   
لكل قصيدة قلب وشباك على الأحباب...(ص17).‏   
مفردة (ا لشباك) وما توحيه من دلالات قادتْ شاعرنا فواز إلى هذا التناصّ أو التداخل النصي:‏   
"ومن شباكها المفتوح‏   
أُطلّ على فضاء الروح‏   
وأرسل نظرةً ولهى‏   
إلى ملكوتها الأنور"‏   
(من قصيدة: نهلة من ماء العرفان ص 17 ـ 18)‏   
ومن تقنية "الحوار" نقرأ له:‏   
"ـ إلى أين جئتَ؟، وماذا تريد؟‏   
ـ أنا ابن التراب"‏   
(من قصيدة: الصعود إلى دم الحلاج ص 7 ـ 8).‏   
أما أسلوب المونولوج، فنقرأ:‏   
"لماذا لم أساعدها على...‏   
قطع الطريق؟!‏   
هل كان قلبي من حجر؟!‏   
(من ومضة: قسوة ص32).‏   
كما نقرأ بعض الانزياحات الدلالية المدهشة:‏   
"فسقط مضرّجاً بالنور"‏   
(من ومضة: تضحية ص 68)‏   
وبالرغم من أن شاعرنا فوّاز لا يتكئ أحياناً على الصورة في بناء قصائده ـ وعندنا أن جوهر الشعرية يكمن في التخييل والتصوير ـ إلا أننا نقرأ له بعض الصور التشبيهية والاستعارية الطازجة والقادرة على الإدهاش، لنقرأ له هذه الصورة الاستعارية المشرقة:‏   
"أم هو القُطْبُ يمشي برجليهِ فوق الهواء" (ص5).‏   
وهذه الصورة الاستعارية المركبة التي تزاوج بين المجرد والمحسوس، مع غلبة للطابع الحسّي:‏   
"قمر يتوضأ بالنور الأخضر‏   
... وأنا أتوضأ بالغبطة والتهيام"‏   
(من قصيدة: قمر البهاء ص10)‏   
فالقمر والوضوء والنور والأخضر ظواهر حسّية، أما الغبطة والتهيام فهما ظاهرتان مجردتان.  
ونقرأ أسلوب التلوين، بقوله:‏  
ما لونها حبيبتي؟‏   
ما لونها؟‏   
شقراءُ...‏   
أم بيضاءُ...‏   
أم سمراءُ...‏   
أم بلونِ الحنطة؟‏   
(من ومضة: لو حبيبتي ص41)‏   
ويتقنّع الشاعر بقناع الحلاّج مستخدما تقنية "القناع الفني" محاولاً إسقاط رؤياه على واقعنا من خلال عملية التقنّع هذه بما يكسب الواقع المعاصر دلالات جديدة، فيقول بلسان الحلاّج:‏   
"يا ربّاه‏   
فؤادي يعاقرُ آلامَهُ‏   
في مقام الهوى‏   
وليل المدينة يمتصّ روحي‏   
وينبذني في العراء‏   
وها أنا لهفان‏   
أعزف لحن الصبابة‏   
بين الجوانح‏   
واللحنُ يحرق أوتار قلبي‏   
وفي التيه آوي..."‏   
(من قصيدة: قمر البهاء ص 11).‏   
لغة الشاعر فوّاز لغة فنية، مجازية، موحية وشفافة ـ في الأغلب الأعمّ ـ تنتابها أحياناً بعض الاستطرادات والتقريرية المباشرة، وهي عموماً لغة صافية، سهلة، مشرقة، قريبة من لغة الحياة اليومية، مع بعض الاستخدامات للمفردات التراثية، لكن دونما غوص في المفردات القاموسية المُحنّطة، وهو ينجح في المزاوجة بين عنصري التراث والمعاصرة على صعيد الاستخدام اللغوي. وللمفردات الصوفيّة دور في تشكيل قاموسه الشّعري في هذه المجموعة، أي في القصائد ذات الاتجاه الفنّي الصوفي، فنقرأ المفردات الصوفية التالية:‏   
"صلاة الوجد، الله، الصبابة، (ص 11), ومئذنة، عشق، شوق، استسقي النور (ص 12)، والشيخ الأكبر، جبّته الصّوفية (ص 13)، والوصال، الأشواق، الحنين (ص 14).. وشمس العرفان، ولحناً صوفياً، الكأس، الندمان (ص21)، والجنة، الحُور، جنان (ص22)."‏   
كما نقرأ في مستوى فني آخر بعض القصائد أو المقاطع الشعرية التي يخبو فيها ألق الشعر ووهجه الفني، إلا أنها قليلة في الديوان، كقوله:‏   
"والحلم يأخذُ شكلَ الرغيفِ‏   
المغمَّسِ بالدمِ‏   
تحملهُ للعيالِ الجياعِ...‏   
بكلتا يديكَ المشقّقتينِ‏   
وتعلمُ أنَّ البيادرَ‏   
يسطو عليها‏   
دهاةُ اللصوصِ‏   
وأنَّ سنابلَ قمحكَ تُشحَنُ‏   
في الليلِ‏   
ثم تعودُ إليهم...‏   
على شكلِ سيارةٍ فارهة"‏   
(من قصيدة: تحولات بيدر القمح ص 26 ـ 27).‏   
الشاعر فوّاز حجّو يفضح هنا جوهر الاستغلال الطبقي، وهو يعبر عن أفكار نب يلة نتفق معه فيها، ولا أحد منا ينكر أن الفكر هو أحد العناصر الفاعلة والمكونة للبنية العامة لأية قصيدة ـ أستثني من كلامي هذا دعاة الموقف العدمي، وحتى هؤلاء يُعبّرون عنَ فكرةٍ ما في أشعارهم مهما كانت غامضة أو موغلة في عدميتها ـ ولكن المسألة في الشعر هو كيفية التعبير عن هذه الأفكار بأدوات الشعر الفنية ذاتها، كالتخييل، والتصوير، والمجاز، والاستعارة، واللغة الفنية المتوهجة والمجازية، وهذه الأدوات هي التي تُشكّل المستوى الفني ـ الجمال والأدبي للنص في نهاية المطاف، وليس الاتكاء على الفكرة المباشرة والتقريرية. هذا هو الاستثناء، أما القاعدة في مجموعة فوّاز حجّو هذه فهي تمكّنهُ من أدواته الفنية ـ بشكل عام ـ وقدرته على إنتاج القصائد المبدعة والمشرقة فنيّاً.‏   
أما قصائد "الومضة" أو "البرقية" أو "التوقيعة" نسبة إلى تواقيع الخلفاء التي كانت تتسم بالإيجاز والبلاغة، فإنّ فوّاز مولع باستخدام هذا النمط الشعري الذي يأخذ حيّزاً كبيراً من مساحة هذه المجموعة، والذي يعتمد على شدّة التكثيف والاختزال، والاقتصاد اللغوي. والتوهّج الإشراقي، والدهشة المباغتة والسريعة في قفلة القصيدة.‏   
في أغلب قصائد "الومضة" يبدو لنا فوّاز شاعراً مبدعاً ومتميزاً في كتابة هذه النمط الشعري، كقوله في قصيدته "طقوس الحرب":‏   
"إنها الحربُ تعلنُ عن طقسِها‏   
والمصابيحُ في الليلِ تلهثُ‏   
والنورُ خلفَ الزجاجِ المُموّهِ...‏   
بات ينوسُ ويخفي أشعّتَهُ الراعِفة‏   
لا تطلّي بوجهكِ في الليل يوماً‏   
فكلّ القناديل مُستهدفة" (ص 35).‏   
ونقرأ في قصيدة أخرى "قسوة" ما يكشف عن شدة رهافة وحساسية شاعرنا فوّاز، وصدقه في نقده لذاته بشجاعة نادرة، في تعامله مع الكائنات والأشياء، وهي لقطة تكشف عن الجوهر الإنساني النبيل والمشعّ:‏   
"مطرٌ... مطر‏   
وأنا أحثُّ الخطو‏   
نحو لقائها‏   
والقلب يوشك أن يطيرَ‏   
... إلى اللقاء المنتظرْ‏   
وتَنُدُّ منّي نظرةٌ‏   
فأرى بدربي نملةً‏   
في الماء تلهثُ كالغريق!‏   
فتركتُها‏   
ومضيتُ أعدو‏   
ويحي...‏   
لماذا لم أساعدْها على ...‏   
قطع الطريق‏   
هل كان قلبي من حجرْ؟!!!‏   
(ص 31 ـ 32).‏   
وقد لا يعتمد الشاعر ـ أحياناً ـ في بعض ومضاته على التخييل والتصوير بوصفهما عنصرين حاسمين في جوهر البناء الشعري، إلا أنه يبرع حقاً في ابتكاره لبعض المعاني الجديدة، وفي زاوية الرؤية التي ينفذ من خلالها لاستبطان واستكناه جوهر الأشياء والصيرورة الإنسانية في تحوّلاتها المرتقبة والمحتملة ، لنقرأ له هذه الرؤية الحادة والناقدة لعالم الديناصورات الجديد حسب تنبؤات الشاعر:‏   
"قبل أن يلفظ آخر ديناصور أنفاسَهُ الأخيرة‏   
كان قد كتبَ مذكراتِهِ على ضلوعِ الصخر‏   
وأودعها بطونَ الكهوف‏   
وبعد أنْ قرأتُ مذكراتِهِ مؤخّراً‏   
تبيّن لي أنّ إحدى العرّافات أنبأتْهُ‏   
أنَّ ثمّةَ سُلالةً م ن الديناصورات الجديدةِ‏   
في طريقها إلى الظهورِ في قابلِ الأيامِ‏   
وعندئذٍ قرَّرَ الانقراضَ، وهو يقولُ:‏   
لا.... لن أستطيع التكيّفَ معها"‏   
(ومضة: قراءة في مذكرات ديناصور ص72).‏   
بهذه (الومضة ـ الكشف) نختم دراستنا لهذه المجموعة، ونصرخ مع الشاعر بلوعة، ولكن دون رفع شارة الاستسلام: سُحقاً للديناصورات التي أكلتنا وما أكلتنا!!!،‏   
سُحقاً لها حين لم تتمكن من التهامِ آخرِ ما تبقى منا: أشعارنا!!!‏   
 
_____المصدر
فوّاز حجّو و(الصّعود إلى دَمِ الحلاّج

 
 
فوّاز حجّو و(الصّعود إلى دَمِ الحلاّج  
   
ناهض حسن  
 
لكي تصعد إلى "دمِ" الحلاّج وعوالمِهِ ينبغي لكَ أن تكون مُحيطاً بعالمِ المُثُلِ والقيمِ الساميةِ المتجردة عن كلّ ما هو نفعيّ وعابر، ينبغي لكَ أن تمتلك الوسائط والطرق العرفانية التي تساعدك في الولوج إلى العالم الصوفي المُبهِر بروحانيته، والحلاج رمز التضحية والفداء في الشعر العربي: "اقتلوني يا ثقاتي/ إن في موتي حياتي" وهو رمز للثورة الاجتماعية ضدّ الطغاة في الأرض لذلك فهو جمع بين البعدين الصوفيين: المثالي وهو الاتحاد بالمطلق السماوي الذي هو الله، والاجتماعي الذي هو الزهد والدفاع عن الحق والعدل والمضطهدين في الأرض، كان مؤمناً بما آل إليه مصيره لأنه آثر الاتحاد بالمثال والمطلق على أن يستغرقه عالم التشيؤ والقيم المادية الزائلة، بل إن الشاعر الذي فضَّل الموتَ على أن يخضع لعالم الطغاة، بل لقد سعى إليه سعياً حينما صعد إلى الدرجة القصوى في تجلّياته الصوفية الإشراقية، ولم يعد قادراً على الانسجام مع الواقع الأرضي الذي هو ليس من برهة الروح: "اقتلوني تؤجروا"... هكذا فكّ لجام السرّ وانطلق في شوارع بغداد صارخاً، فكان شنقه لحظة انطلاق الروح من سجن الجسد، ولحظة التماهي مع عالم المثال، التماهي والتوحّد والحلول في الذات الإلهية والمطلق باعتباره الهدف الأسمى للشاعر المتصوف.‏   
وحسب اعتقادي أن شاعرنا فوّاز حجّو في مجموعته الشعرية الثانية "الصعود إلى دم الحلاّج" حاول امتلاك ما يؤهله للصعود إلى قداسة وسرّ ذلك "الدم" الحلاجي، أي امتلاك الجِدّة لمثل هذا الصعود، وأنه نجح في مسعاه هذا:‏   
"طالعاً مثل زنبقة الحلم‏   
من دمه‏   
ناشراً ظله في الجهات البعيدة‏   
فزاعة للطغاة‏   
أهوَ في معجم العشق أمثولة؟‏   
أم هو القطب يمشي برجليه فوق الهواء؟!"‏   
(من قصيدة الصعود إلى دم الحلاج ص 5)‏   
والشاعر فوّاز حجّو كشف لنا البعد الصوفي الاجتماعي للحلاّج في نصّه المذكور: لم يهادن، ولم يساوم الطغاة، بل انحاز بشكل مطلق لعالم العدل والفقراء، وهو في الوقت نفسه كشف لنا البعد المأساوي التراجيدي في هذه الشخصية العظيمة والمركبة، مستخدماً تقنية "الحوار":‏   
إلى أين جئتَ؟!ّ‏   
وماذا تريد؟‏   
دَعِ الفقراءَ وكلَّ الدراويشِ في غفلة يَعْمَهونْ‏   
لا تؤلّبْ علينا الرّعاع‏   
فلو شئتَ سُقنا إليكَ نخيلَ العراق قطيعاً‏   
ودعْ ما لكسرى لكسرى‏   
وإن شئتَ أن تتعبَّدَ قلنا لكلّ شعابِ الجبال:‏   
هلمّي إليه وكوني له معبداً في الخلاء‏   
بعيداً عن السابلة‏   
أنت لست وزيراً لتحشر أنفك في كل شيء‏   
وما لك وأنت وما للرعية‏   
ما لك أنت وما للخليفة؟!.....‏   
أنا ابن التراب‏   
ولست أرى ما على الأرض إلا خسيسَ التراب‏   
خذوه ليعرف كيف يسوّى عليه التراب...‏   
لك الحمد يا رب.. أنت جدير بكل ثناء...‏   
(من قصيدة الصعود إلى دم الحلاّج ص 8)‏   
يستخدم فوّاز حجّو في مجموعته: "الصعود إلى دم الحلاّج "غالبية الأساليب الفنية التي عرفتها الحداثة الشعرية: "التناص، الحوار، الانزياح الدلالي، المونولوج، التلوين، التكرار التبئير ـ التشظية، القناع الفني، والصورة الفنية".‏   
وإذ يدخل الشاعر من بوابة الحداثة على مستوى التخييل والتصوير وانتقاء المفردة، والرؤية، والرؤيا، فإنه يجمع ويوازن بين التراث والمعاصرة، أي إنّ حداثويته لا تقوده إلى الموقف العدمي من التراثي، بل إلى تأصيل الحداثة والارتباط بالجذور والكينونة الأولى.‏   
وبالمناسبة فإنّ الشاعر فوّاز يكتب الأنماط الشعرية الثلاثة المعروفة: العمودي، والتفعيلة، والقصيدة الحرة التي أُطلق عليها تسمية: "قصيدة النثر".‏   
ففي قصيدته: "قمر البهاء" نقرأ تناصّه مع التراث الديني الشهير:‏   
"طلع البدر علينا‏   
وجب الشكر علينا‏   
من ثنيّات الوداع‏   
ما دعا لله داع"‏   
أما التحوّل أو التداخل النصّي مع النصّ المذكور لدى فوّاز فيصبح:‏   
أقبل البدر علينا‏   
وجب الحبّ علينا‏   
يتهادى كالشراع‏   
ما دعا لله داع‏   
كما نقرأ في قصديته "نهلة من ماء العرفان" هذا التناصّ الجميل متكئاً على نصوص الشاعر عبد القادر الحصني في ديوانيهِ: "ماء الياقوت" و"الشجرة وعشق آخر" يقول الحصني:‏   
".... لكل قصيدة أغنية ووجه كتاب‏   
لكل قصيدة قلب وشباك على الأحباب...(ص17).‏   
مفردة (الشباك) وما توحيه من دلالات قادتْ شاعرنا فواز إلى هذا التناصّ أو التداخل النصي:‏   
"ومن شباكها المفتوح‏   
أُطلّ على فضاء الروح‏   
وأرسل نظرةً ولهى‏   
إلى ملكوتها الأنور"‏   
(من قصيدة: نهلة من ماء العرفان ص 17 ـ 18)‏   
ومن تقنية "الحوار" نقرأ له:‏   
"ـ إلى أين جئتَ؟، وماذا تريد؟‏   
ـ أنا ابن التراب"‏   
(من قصيدة: الصعود إلى دم الحلاج ص 7 ـ 8).‏   
أما أسلوب المونولوج، فنقرأ:‏   
"لماذا لم أساعدها على...‏   
قطع الطريق؟!‏   
هل كان قلبي من حجر؟!‏   
(من ومضة: قسوة ص32).‏   
كما نقرأ بعض الانزياحات الدلالية المدهشة:‏   
"فسقط مضرّجاً بالنور"‏   
(من ومضة: تضحية ص 68)‏   
وبالرغم من أن شاعرنا فوّاز لا يتكئ أحياناً على الصورة في بناء قصائده ـ وعندنا أن جوهر الشعرية يكمن في التخييل والتصوير ـ إلا أننا نقرأ له بعض الصور التشبيهية والاستعارية الطازجة والقادرة على الإدهاش، لنقرأ له هذه الصورة الاستعارية المشرقة:‏   
"أم هو القُطْبُ يمشي برجليهِ فوق الهواء" (ص5).‏   
وهذه الصورة الاستعارية المركبة التي تزاوج بين المجرد والمحسوس، مع غلبة للطابع الحسّي:‏   
"قمر يتوضأ بالنور الأخضر‏   
... وأنا أتوضأ بالغبطة والتهيام"‏   
(من قصيدة: قمر البهاء ص10)‏   
فالقمر والوضوء والنور والأخضر ظواهر حسّية، أما الغبطة والتهيام فهما ظاهرتان مجردتان.‏   
ونقرأ أسلوب التلوين، بقوله:‏   
ما لونها حبيبتي؟‏   
ما لونها؟‏   
شقراءُ...‏   
أم بيضاءُ...‏   
أم سمراءُ...‏   
أم بلونِ الحنطة؟‏   
(من ومضة: لو حبيبتي ص41)‏   
ويتقنّع الشاعر بقناع الحلاّج مستخدما تقنية "القناع الفني" محاولاً إسقاط رؤياه على واقعنا من خلال عملية التقنّع هذه بما يكسب الواقع المعاصر دلالات جديدة، فيقول بلسان الحلاّج:‏   
"يا ربّاه‏   
فؤادي يعاقرُ آلامَهُ‏   
في مقام الهوى‏   
وليل المدينة يمتصّ روحي‏   
وينبذني في العراء‏   
وها أنا لهفان‏   
أعزف لحن الصبابة‏   
بين الجوانح‏   
واللحنُ يحرق أوتار قلبي‏   
وفي التيه آوي..."‏   
(من قصيدة: قمر البهاء ص 11).‏   
لغة الشاعر فوّاز لغة فنية، مجازية، موحية وشفافة ـ في الأغلب الأعمّ ـ تنتابها أحياناً بعض الاستطرادات والتقريرية المباشرة، وهي عموماً لغة صافية، سهلة، مشرقة، قريبة من لغة الحياة اليومية، مع بعض الاستخدامات للمفردات التراثية، لكن دونما غوص في المفردات القاموسية المُحنّطة، وهو ينجح في المزاوجة بين عنصري التراث والمعاصرة على صعيد الاستخدام اللغوي. وللمفردات الصوفيّة دور في تشكيل قاموسه الشّعري في هذه المجموعة، أي في القصائد ذات الاتجاه الفنّي الصوفي، فنقرأ المفردات الصوفية التالية:‏   
"صلاة الوجد، الله، الصبابة، (ص 11), ومئذنة، عشق، شوق، استسقي النور (ص 12)، والشيخ الأكبر، جبّته الصّوفية (ص 13)، والوصال، الأشواق، الحنين (ص 14).. وشمس العرفان، ولحناً صوفياً، الكأس، الندمان (ص21)، والجنة، الحُور، جنان (ص22)."‏   
كما نقرأ في مستوى فني آخر بعض القصائد أو المقاطع الشعرية التي يخبو فيها ألق الشعر ووهجه الفني، إلا أنها قليلة في الديوان، كقوله:‏   
"والحلم يأخذُ شكلَ الرغيفِ‏   
المغمَّسِ بالدمِ‏   
تحملهُ للعيالِ الجياعِ...‏   
بكلتا يديكَ المشقّقتينِ‏   
وتعلمُ أنَّ البيادرَ‏   
يسطو عليها‏   
دهاةُ اللصوصِ‏   
وأنَّ سنابلَ قمحكَ تُشحَنُ‏   
في الليلِ‏   
ثم تعودُ إليهم...‏   
على شكلِ سيارةٍ فارهة"‏   
(من قصيدة: تحولات بيدر القمح ص 26 ـ 27).‏   
الشاعر فوّاز حجّو يفضح هنا جوهر الاستغلال الطبقي، وهو يعبر عن أفكار نبيلة نتفق معه فيها، ولا أحد منا ينكر أن الفكر هو أحد العناصر الفاعلة والمكونة للبنية العامة لأية قصيدة ـ أستثني من كلامي هذا دعاة الموقف العدمي، وحتى هؤلاء يُعبّرون عنَ فكرةٍ ما في أشعارهم مهما كانت غامضة أو موغلة في عدميتها ـ ولكن المسألة في الشعر هو كيفية التعبير عن هذه الأفكار بأدوات الشعر الفنية ذاتها، كالتخييل، والتصوير، والمجاز، والاستعارة، واللغة الفنية المتوهجة والمجازية، وهذه الأدوات هي التي تُشكّل المستوى الفني ـ الجمال والأدبي للنص في نهاية المطاف، وليس الاتكاء على الفكرة المباشرة والتقريرية. هذا هو الاستثناء، أما القاعدة في مجموعة فوّاز حجّو هذه فهي تمكّنهُ من أدواته الفنية ـ بشكل عام ـ وقدرته على إنتاج القصائد المبدعة والمشرقة فنيّاً.‏   
أما قصائد "الومضة" أو "البرقية" أو "التوقيعة" نسبة إلى تواقيع الخلفاء التي كانت تتسم بالإيجاز والبلاغة، فإنّ فوّاز مولع باستخدام هذا النمط الشعري الذي يأخذ حيّزاً كبيراً من مساحة هذه المجموعة، والذي يعتمد على شدّة التكثيف والاختزال، والاقتصاد اللغوي. والتوهّج الإشراقي، والدهشة المباغتة والسريعة في قفلة القصيدة.‏   
في أغلب قصائد "الومضة" يبدو لنا فوّاز شاعراً مبدعاً ومتميزاً في كتابة هذه النمط الشعري، كقوله في قصيدته "طقوس الحرب":‏   
"إنها الحربُ تعلنُ عن طقسِها‏   
والمصابيحُ في الليلِ تلهثُ‏   
والنورُ خلفَ الزجاجِ المُموّهِ...‏   
بات ينوسُ ويخفي أشعّتَهُ الراعِفة‏   
لا تطلّي بوجهكِ في الليل يوماً‏   
فكلّ القناديل مُستهدفة" (ص 35).‏   
ونقرأ في قصيدة أخرى "قسوة" ما يكشف عن شدة رهافة وحساسية شاعرنا فوّاز، وصدقه في نقده لذاته بشجاعة نادرة، في تعامله مع الكائنات والأشياء، وهي لقطة تكشف عن الجوهر الإنساني النبيل والمشعّ:‏   
"مطرٌ... مطر‏   
وأنا أحثُّ الخطو‏   
نحو لقائها‏   
والقلب يوشك أن يطيرَ‏   
... إلى اللقاء المنتظرْ‏   
وتَنُدُّ منّي نظرةٌ‏   
فأرى بدربي نملةً‏   
في الماء تلهثُ كالغريق!‏   
فتركتُها‏   
ومضيتُ أعدو‏   
ويحي...‏   
لماذا لم أساعدْها على ...‏   
قطع الطريق‏   
هل كان قلبي من حجرْ؟!!!‏   
(ص 31 ـ 32).‏   
وقد لا يعتمد الشاعر ـ أحياناً ـ في بعض ومضاته على التخييل والتصوير بوصفهما عنصرين حاسمين في جوهر البناء الشعري، إلا أنه يبرع حقاً في ابتكاره لبعض المعاني الجديدة، وفي زاوية الرؤية التي ينفذ من خلالها لاستبطان واستكناه جوهر الأشياء والصيرورة الإنسانية في تحوّلاتها المرتقبة والمحتملة، لنقرأ له هذه الرؤية الحادة والناقدة لعالم الديناصورات الجديد حسب تنبؤات الشاعر:‏   
"قبل أن يلفظ آخر ديناصور أنفاسَهُ الأخيرة‏   
كان قد كتبَ مذكراتِهِ على ضلوعِ الصخر‏   
وأودعها بطونَ الكهوف‏   
وبعد أنْ قرأتُ مذكراتِهِ مؤخّراً‏   
تبيّن لي أنّ إحدى العرّافات أنبأتْهُ‏   
أنَّ ثمّةَ سُلالةً من الديناصورات الجديدةِ‏   
في طريقها إلى الظهورِ في قابلِ الأيامِ‏   
وعندئذٍ قرَّرَ الانقراضَ، وهو يقولُ:‏   
لا.... لن أستطيع التكيّفَ معها"‏   
(ومضة: قراءة في مذكرات ديناصور ص72).‏   
بهذه (الومضة ـ الكشف) نختم دراستنا لهذه المجموعة، ونصرخ مع الشاعر بلوعة، ولكن دون رفع شارة الاستسلام: سُحقاً للديناصورات التي أكلتنا وما أكلتنا!!!،‏   
سُحقاً لها حين لم تتمكن من التهامِ آخرِ ما تبقى منا: أشعارنا!!!   
 
 

  







رُبَّما كانتِ الأرضُ تجهلُهُ

رُبَّما صارتِ الأرضُ فيهِ تُفَاخِرُ‏

حتَى السّماءْ‏


هنالك رائعة صلاح عبد الصبور ....مسرحيه شعرية جذابة سماها" مأساة الحلاج" يحكي فيها بأسلوب مميز انجذاب الشاعر و محاكمته

لم يختار الله شخوصا من خلقه
ليفرق فيهم أقباسا من نوره
هذا، ليكونوا ميزان الكون المعتل
و يفيضوا نور الله علي فقراء القلب
و كما لا ينقص نور الله إذا ما فاض علي أهل النعمه
لا ينقص نور ألله إذا ما فاض علي الفقراء



تحياتي للجميع .. ولا تنسونا من صالح الدعاء ...
الحلاج ( قد يولد الحب بكلمة ولكنه لا يمكن أبداً أن يموت بكلمة    
  
الولادة 
ولد الحسين بن منصور الحلاج مطلع عام 244هجرية الموافق 858 ميلادية
في بلدة ( تور ) في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء
والبيضاء مدينة مشهورة بفارس
وسميت بهذه الاسم لوجود قلعة ترى من بعيد ويرى بياضها .
كان مكان للجند الاسلامي .
ومن أبنائها العلامة النحوي ( سيبويه )
دائرة المعارف الاسلامية ... تقدم لنا روايتين متناقضتين عن نسبه
الرواية الاولى تصعد به الى ابي أيوب الانصاري ( الصحابي الجليل )
وهذا الامر عربيا خالصا .
الرواية الثانية ..... انه حفيد مجوسي من ابناء فارس .
الاولى لم تثبت تاريخيا
وكان الاجماع متفق على انه فارسي الاصل ... كما هو فارسي المولد
يقول ابن كثير
(( هو الحسين بن منصور بن محمى الحلاج أبو مغيث
ويقال أبو عبد الله .... كان جده مجوسيا من أهل فارس من بلدة البيضاء ))

بعد ولادة الحسين الحلاج .. اضطربت أحوال والده المادية
فرحل من بلدة تور الى مدينة ( واسط ) في العراق
وهي مدينة بناها الحجاج الثقفي
ينشد العمل في ميادينها الاقتصادية الشهيرة
يقول المستشرق ( ماسنيون )
(( أن البقعة التي ولد فيها كانت من أعظم مناطق النسيج
في الامبراطورية الاسلامية .
وان والده كان من عمال النسيج ولهذا سمي حلاجا ))
وهو استنتاج فكري ...
لعدم وجود الشاهد والدليل
وهناك رواية ابن خلكان في وفيات الأعيان
انه ساعد رجل من واسط ... ( قطان ) في حلج قطنه
وعندما عاد الرجل وجد أن كل قطنه محلوجا وكان 24 ألف رطل !!!
ذهل الرجل ... وأطلق اسم الحلاج على الحسين بن منصور
ولازمته هذه الكنية طول حياته
وأورد ابن كثير الرواية نفسها .........
لكنه أضاف رواية أخرى تقول ...
أن أهل الأهواز أطلقوا عليه هذه التسمية لأنه كان يكاشفهم بما في قلوبهم فسموه
( حلاج الأسرار ) .
نشأ الحلاج في واسط ... وكانت هذه المدينة
مركزا من مراكز الاشعاع الفكري والروحي ... أسس بها الأشاعرة مدرستهم الكبرى وفيها نشاط ثقافي وتيار علمي حر .
وأقام الحنابلة مدرسة القراء ... ومعهد للحديث
وكانت المساجد مقاعد للبحث والدرس والجدل والحوار .
في هذا الجو العلمي نشأ الحلاج
ولفت أليه الأنظار منذ طفولته بذكائه المتوثب اللماح وشفافية روحه
وتفتح قلبه وحبه للعلم والمعرفة
وحفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره
وتعمق في فهم معانيه ... تعمقا ليس من طبيعة الطفولة الغضة .
اشتهر بالارادة القوية الموجهة والرياضات والمجاهدات الروحية
ونسي لهو الطفولة .. كثير الصلاة والتأمل .
وتعلق كثيرا بالدراسات التي تتناول المعرفة الروحية
وأقبل على علوم عصره من فقه وتوحيد وتفسير وحديث وحكمة وتصوف
أراد أن يعرف المعنى الرمزي ..............
الذي يرفع دعاء الروح إلى الله .
تعلق قلبه بالوجد الإلهي والحب الرباني
أنقطع عن دروسه .. وأقبل على ملكوت السماء والأرض .
يقلب الأفاق ويتأمل أسرارها
يبحث عن أسرار وأسرار .... ونذر نفسه لربه سبحانه
وأقبل عليه بكل ذاته .... والتهبت عواطفه بالحب والوجد
يستهدف ارتباط قلبه بالله وقرب روحه منه
(( قربا يفني فيه عن كل شئ ليبقى له بعد ذلك كل شئ ))
انه فناء الخالدين بربهم .. فناء وخلود
وأخذ الحلاج نفسه بهذا النهج ... عنيفا قاسيا
وألزم نفسه به طول حياته
يقول الحلاج
(( كلمة التوحيد ... هي السطر الأول في كتاب الإسلام لا تكون صدقا وحقا
إلا إذا عشنا وتذوقناها وفنينا في معناها .. حتى كأننا ننطقها
نسمعها من الله جل جلاله وحينئذ تنبثق في شغاف القلوب
وعين الوجدان
ويموج كل شئ بالجلال والنور والمعرفة
والقرآن الكريم ..... كلام الله فيجب على المؤمن أن يتذوق حقائقه تذوقا روحيا
وأن تتمثل فيه هذه الحقائق تمثلا عمليا إيجابيا ))


ألم تقل السيدة الزّهراء (ص) وهي تصف الرسول المصطفى
(( كان خلقه القرآن ))
ويمشي خطوات بهذا الفهم حتى يقول
إن المؤمن الصادق يصل به الأمر حتى تكون (( بسم الله ))
منه بمنزلة (( كن )) من الله سبحانه
أي أن (( بسم الله )) إن نطق بها من تحقق بحقائق القرآن ؟
وتذوقها وعاش بها تكون (( بسم الله )) منه
لها من القوة والأثر ما لكلمة (( كن )) من الله سبحانه .
ومن كلمات شبابه الغر
(( حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك والاتصاف بأوصافه ))
أنها البذرة التي ستخرج منها فلسفة الحلاج في مقام الفناء !!؟
ويستمر في المثالية السامية
(( من لاحظ الأعمال حجب من المعمول له ...
ومن لاحظ المعمول له حجب عن رؤية الأعمال ))
وكان يقصد بقوله المعمول له ... الله جل وعلى
هذه هي خواطر الحلاج القلبية والروحية وهو في مطلع شبابه
قبل أن يسلك المنهج الصوفي
قبل أن ينظم إلى مدرسة التصوف
التي كانت تهيمن على العراق وفارس خلال القرن الثالث الهجري .



لما بلغ الحجاج الثامنة عشر من عمره .........
أتصل بالإمام الصوفي ( سهل ابن عبد الله التستري )
وتلقى على يديه آداب الطريق ومنهجه .
وأعجب بشخصية سهل وبادله شيخه الإعجاب والتقدير .
لما بلغ الحجاج العشرين من عمره
أعتزم أن يخرج من مدينة واسط الصغيرة إلى العالم الفسيح .
فرحل البصرة ... وفيها تتلمذ على شيخ من شيوخ التصوف
هو ( عمر المكي )
الذي سيكون له أبعد الأثر في حياته .
وفي نكبته .... ومنه تلقى الصوفية وعاش حياتهم .
وتزوج ( بأم الحسين بنت أبي يعقوب الأقطع )
والأقطع كان من زعماء البصرة
ورزق منها ثلاثة أبناء .
ثم دخل الحلاج في خصومة مع شيخه المكي
فانقطع ما بينهما من مودة ... وحلت محلها خصومة حادة
حتى ضاق صدر الحلاج بالبصرة
فارتحل إلى بغداد .
يقول صاحب العبر ( تصوف الحلاج ثم قدم بغداد فصحب الجنيد والثوري
وتعبد وبالغ في العبادة )

تتلمذ على الجنيد .................
والمعروف أن ( أبي القاسم الجنيد ) هو سيد الطائفة وشيخها الكبير .
وتوثقت الصلة بين الرجلين
واشتكى إليه من شيخه المكي فأمره الجنيد بالصبر ومراعاة حق شيخه .
ثم أخذ ما بين الجنيد والحلاج يفتر
فلكل منها شخصيته ومنهجه وباعادت بينهما أحداث
سنأتي على ذكرها فيما بعد
ويرى عن الجنيد قوله .......
(( إنني أرى كثيرا من فضول الكلام فيما يقوله الحسين بن منصور ))

ثم أتصل الحلاج برجال مدرسة ( رسالة القشيري )
والتقى بصديق عمره ( الشبلي )
كما اتصل بمدارس التصوف وأعلامه ......
اتصالا لم يطل أجله !! ؟
والسبب في اعتقادي ان الحلاج أخذ يكون لنفسه منهجا ومدرسة وزعامة .
ذات أهداف دينية ودنيوية معا .
لان بغداد في ذلك الزمن عاصمة الدنيا
حضارة وثقافة
وكانت تقدم للحلاج الكثير من المعرفة
والكثير من الروحية ..........
الحركة والنشاط والجهاد


لتلاقي الثقافات العالمية كما تلاقت المذاهب والملل والنحل المختلفة .
كل هذه الالوان الفكرية تصارعت في عقل الحلاج
رأى الحجاج في بغداد ( الصراع الفكري )

والعصبيات بين العرب والفرس والترك
وبين القبائل العربية المختلفة
رأى ترفا ماجنا .....
نظام فاسد وظالم وخلافة متكبرة

تأمل الحلاج ما يدور من حوله باحثا عن حل
واعتبر أن بمقدور ( التصوف ) احتواء المذاهب الفكرية المتعارضة .
ويوحدها في منهجه الإيماني

ومحو العصبيات الجامحة بروحانيته العالية
وما تشع من اخوة ... وما تلهم من محبة !!!!!
وفوق هذا وذاك ....
(( فان التصوف يستطيع بطبيعته النقية المترفعة أن يحارب الترف والفساد والتأله الذي فرضته الخلافة العباسية على المجتمع الاسلامي ))

أخذ الحلاج يفكر في ايجاد كتلة شعبية ..
تدعو الى أخوة روحية في الله
وهدفه ( وحدة العالم الاسلامي ) والنهوض به
لكي يعود الى منهج الصدر الاول وقوته
الروحانية والايمان
الوحدة الكاملة .. ومنها الشعور والمثل العليا
المناهج والغايات

ما يجمع المسلمون .. كتاب الله
ورسولهم واحد

والعبادة قامت على النظام والوحدة .
الصلاة موقوته .. وصفوف متراصة لها قبلة واحدة
تفنى أحاسيسهم في استغراق تعبدي مشترك

والصيام يبدأ بأذن الفجر
وينتهي بأذان الغروب
مثل النفير العام .. تحشيد للجنود
جنود الروحانية الاسلامية
النظام
القوة
الوحدة الكاملة

والحج مؤتمر المسلمين الاكبر .. من كل بقاع الارض
شعائر مفروضة مشتركة
كلها ترمي الجمرات الى رمز عدوهم المشترك
ومع هذا اختلفوا وتمزقوا
كان الحلاج يراقب ما يدور من حوله
تحركت قواه فأخذ يلقي بنفسه في تيار الحياة
أتصل مع الناس والجماهير .. بل وثق صلاته بجمع كثير من المتنفذين
جند وقادة وامراء وزعماء
وكان على المحك
لا شيوخ  من المتزمتين رضيت عنه
ولا دار الخلافة رضيت عنه
ولا القوى السرية التي تحرك بغداد ...
التي تهمين على العالم الاسلامي رضيت عنه


( مجاهداته الروحية )

هل كان الحلاج رجل الاصلاح الديني والاجتماعي والسياسي !!!؟
لم تكن كل حياة الحلاج
ولا كل جهاده
ولا يمكن لهذا الصورة ان تمثله تمثيلا كاملا
الحلاج كان ينقلب في حياتين
يعمل في حقلين
كان يمتلك القدرة على المزج بينهما
كما يملك الطاقة على النهوض بهما معا .
خلال معركته الاصلاحية .. ودعوته الشعبية


سلك طريق الصوفي
وسلكه في عنف وقوة

انفصم ما بينه وبين شيوخه
فلم يتم تدريبه ولم يكتمل اعداده
ولم تمهد له الايدي المدربة ... المربين طريق الكمال الروحي
والطريق الصوفي ( طريق وعر وشائك )
تمتزج فيه البروق الخادعة بالانوار الهادية .. والخواطر المضلله بالهامات المشرقة

فيه الاستدراج الخفي والامتحان الرباني
وفيه العوائق النفسية ... والتيه القلبي
والخداع الذوقي

ولهذا اشترط الصوفية جميعا
واتفقوا على أن الشيخ ضرورة في الطريق ... لا غنى عنه للسالك
مثل الطبيب للمريض .. وتلك قصة طويلة

الحلاج .. استقل بنفسه وأخذ يسلك الطريق لوحده
وأخذ يجاهد نفسه ويدربها ويكلفها أشق ما في التصوف من تكاليف

بل فرض عليها اقسى ما في المنهج الروحي من وسائل التجرد والزهد وغيرها
وابتدع لنفسه طريقا حلاجيا .. استهدف به الكمال
واتصال روحه بربه .. اتصال حب وشوق وفناء
كان الحلاج في جهاده الروحي وفي النضال الشعبي

سريع التقلب والحركة
في قلبه أهواء متعددة
في وجدانه وأحلامه استشراف ... يحسها ويدركها
واضحة حينا .. غامضة احيانا !!؟


روحه لم تظفر بعد وقلبه لم يصل بعد الى مقام الثبات والتمكين
من هنا جاء التلون في السلوك الذي اتسمت به حياة الحلاج في دورها الاول
يقول ابن كثير في كتابه ( البداية والنهاية ) الصفحة 134 ج 11


(( وقد كان الحلاج يتلون في ملابسه .. فتارة يلبس لباس الصوفية
وتاره يتجرد في ملابس رزية .. وتارة يلبس لباس الاجناد
ويعاشر أبناء الاغنياء والملوك والقواد .. وقد رآه بعض أصحابه في ثياب رثة
قيل له ما هذه الحالة يا حلاج ؟ ))


أنشد قائلا

لان أمسيت في ثوبي عديم ..... لقد بليا على حر كريم
فلا يغررك ان أبصرك حالا ..... مغيرة عن الحال القديم
فلي نفس ستتلف أو سترمى ...... لعمرك بي الى أمر جسيم

كان الحلاج يتلمس طريقه الى امر عظيم جسيم
الصوفي والاصلاحي


وقد أعتزم في اصرار حاسم
أن يبلغه أو يهلك دونه

المنهج والرسالة

آمن الحلاج ....
أن هناك صلات لا تنفصم بين الكمال الروحي الذي ينشده
والاصلاح الايماني الذي يستهدفه .
في اعماقه قوى ضخمة ... تفور وتتصارع
ويشعر بأن هناك في أبعد عمق من نفسه وقلبه ووجدانه ... تنفجر ينابيع
وتتدافع تيارات وثورات
يرى بعين خياله وبصيرة احلامه
(( انها ستغير وجه الحياة ))

حياته ... وحياة الناس
على العالم الاسلامي أن يبعث من جديد
على نور من كتاب الله وحبه .. وشعاع من حياة الرسول الكريم وهديه
فتشهد الدنيا أمة قرآنية
يحبون الله ويحبهم
ويحملون الناس على الجاده والطريق الذي اصطفاه الله وارتضاه
فلا تفترق السياسة عن الصلاة
ولا الحكم عن الحب
ولا العمل عن العبادة
فتتحول الدنيا من غاية للشهوات والصراع ... ولهو الشياطين
الى مساجد للحب والسلام .. ونجوى الساجدين

هي احلام الحلاج


التي تعيش في اعماقه
وتبعث الحركة والاضطراب في حياته .. ونرى هل هو أهل لها بعد ؟
هل يستطيع النهوض بها ؟
فتتحول الاحلام والاماني الى حقيقة حية .. تسعى وتعيش وتخلد ؟
وهل تستطيع الصوفية ... والمنهج الصوفي ان يقدم له القاعدة الصلبة التي يرتكز عليها
حتى يثب من فوقها ؟
لقد جاهد الصوفيه أنفسهم في سبيل التصفية والتحلية والتطهر ... جهادا خالدا

فلم تعرف صحف الجهاد النفسي مثيلا له من قبل
فرضوا على انفسهم مناهج في السلوك
وادابا في الطريق
واجبات في العبادات .. واخلاقا في الحياة
هي اسمى تصورات الكمال التي عرفها هذا الوجود
وكانت الثروة هائلة .. ضخمة
في سبيل الوصول الى أفق الحب الالهي ... وسموات الالهام والنجوى
تركوا للانسانية
زادا صالحا .. زكي بعطره
الحلاج عاش الصوفية ... بل حياتهم داخل أنفسهم
حلقات دروسهم ووجد انهم لم يمدا أعينهم الى ساحة الحياة الكبرى .. وميادين جهادها الاخرى
وجد في المنهج الصوفي ... في اخلاقه وعباداته وجهادهم الروحي
أنما يمثل وجها واحدا من الدعوة الاسلامية
ووجه واحدا من حياة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام
يمثل مرحلة الاعداد فحسب
ثم تأتي في أعقابها ... مرحلة الكمال
مرحلة الجهاد العام لتبليغ الدعوى
وحمل الناس عليها
والدفاع عنها
فلو اكتفى الانبياء والاولياء والصالحون المصلحون والزعماء بأنفسهم
ولم يحملوا ما تلقوه وما تعلموه وآمنوا به الى الناس
ولم يجاهدوا في سبيله .. حتى تعلو كلمات الله
وتسود تعاليمه ورسلاته لفسدت الارض .
وامتطها شياطين الجن والانس .. يوحي بعضهم لبعض زخرف الارض غرور .
لقد فسد عصر الحلاج فسادا كبيرا اختلف الناس وتفرقت بهم السبل
أغرقوا في الشهوات
والملذات ............. والترف

وكانت قمة الفساد قصور الخلفاء والامراء
مسرحا لعبث الجواري والاماء
مرتعا للمرتشين والمقامرين والملحدين !!!!

بغداد .. عاصمة الخلافة
اذا في البصرة 4 الاف من العارفين ... كم اذن في بغداد
هو كلام المتصوف سهل بن عبدالله التستري
كان في بغداد عاصمة الخلافة انحلال ديني وفساد اجتماعي
ماذا فعل اصحاب المنهج الصوفي ؟
ولهم المكانة ........ والجاه
فكر الحلاج في كل هذا .. لم يرضى عنه
وعبر عن سخطه بكلمات .. فيها لهيب وبرق

(( ان الله سبحانه لن يقبل من الناس عبادتهم اذا اختلت سياستهم
وفسدت أخلاقهم .. ثم استكانوا للبغي والفساد ))

كان ينتظر منهم .. تقديم دمائهم في ساحة الاستشهاد والفداء
حان الوقت .. لكي يرفع صوتهخالي من تردد او ضعف .. ان يطمئن على عدته
هل نضجت مجاهداته ... هل خلص له قلبه ؟
ان قلبه لينازع عقله فيما يريد والوجدان فيما يحب
ورصد كل قواه منذ صباه لحب الله وعبادته .. والجهاد في مرضاته
حتى يصل الى فناء كامل .. تفنى فيه ارادته في ارادة الله
هذا الحب والتفاني في الحب .. عاصفة من التفكير المزلزل
كان في حاجة الى خلوة كاملة .. يعيشها متحنثا متطهرا ذاكرا قانتا
خلوة في أرض الوحي والالهام
بيت الله
الحلاج في بيت الله

ترك الحلاج بغداد فجأة .. صوب مكة المكرمة .
طاف في البيت الحرام وفي داخله دموع سبقت عينيه .. يسترجع جهاد خاتم الانبياء والرسل .
كان معتمرا .. ونذر لعمرته سنة في حرم هذا البيت المبارك للتطهر والنسك

سنة كاملة عاشها في وحدانية مع الله جل وعلا .. في صمت تام مطلق
عبادة ونجوى ... الطارق والسماء
لا يستظل تحت سقف
لا شتاء ولا صيف

عن أبي يعقوب التهرجوري قال
(( دخل الحلاج مكة أول دخلة وجلس في صحن المسجد سنة لم يبرح من موضعه
الا للطهارة والطواف ولم يحترز من الشمس ولا من المطر
وكان يحمل اليه في كل عشية
كوز ماء وقرص من اقراص مكة
وكان عند الصباح يرى القرص على رأس الكوز
وقد عض منه ثلاث عضات او اربعة فيحمل من عنده ))

المصدر كتاب اخبار الحلاج صفحة 26 وصفحة 27
وكاتبه ( علي بن أنجب الساعي )


عاما كاملا ... اي عزيمة يحملها هذا الرجل ؟
ماهي خواطره ... كيف كان يفكر !!!!!
تأمل ..... ما هو الزاد الذي تزود به ؟


والغريب ان اغلب كتب التاريخ ...
لزمت الصمت


خصوصا هذه الفترة من حياة الحلاج


وبعد السنة ... خرج الحلاج من عزلته
تلقاه اتباعه ... يسألونه عن شأنه ؟
قال لهم
(( لو ألقى مما في قلبي ذرة على الجبال لذابت ))
والمعنى هو معنى اخر ... ثائر وعابد تعطي له الطابع الخاص
اجتمعت في روحه طهارة العابدين وصلابة المصلحين

ثم غادر مكة الى الاحواز

توجه بدعوته الى طبقة المثقفين من الكتاب .. رجال الاعمال
الجنود والقادة
قسم الحلاج منهجه الى خطوط رئيسية
دينية صوفية .. جوهرها عبادة الله وحبه

اصلاح الاداة الحكومية الغارقة في الترف والشهوات والانحراف .. حتى يستقيم الميزان

وحدة الامة الاسلامية ... التي مزقتها العصبيات والفلسفات حتى تنهض برسالتها ...
وتكتسب ملامح قوتها للحفاظ عليها .
الحلاج تجنب في دعوته ... الفرق الدينية
وكان ذكي .. حتى لا يظن احد انه يجنح لها
هي العقبة الكبرى في وجه كل دعاة الاصلاح
صرخة الحلاج كانت مدوية
(( ان يعود الناس الى الاساس الاول .. الاسلام ))
توحيدا صافيا .. عمل خالص لوجه الله تعالى
(( ان يتخلى الناس عن المذاهب ))
لانها حجبتهم عن الجوهر

يقول ابن كثير .. في البداية والنهاية

(( كان الحلاج في عبارته حلو المنطق .. فيه تعبد وسلوك
غضب المتزمتون من رجال التصوف لاندفع الحلاج في التيار السياسي
وقابل الحلاج غضبتهم بأعنف منها ))


وعظم أمر الحلاج في الاحواز .. فتنت به الجماهير
ونسبت له العجائب والغرائب
وتلونت في خيال العوام .. حتى غدت ضربا خارقا لقدرة الانسان

يقول الاصطخري

(( باهر الشخصية .. ساحر الكلمة
رائع السمت محببا الى القلوب ))

شخصية جماهيرية
أرتحل الى خراسان من اجل توسيع قاعدته الجماهيرية
ومعه العشرات من الاتباع
يدعو الناس الى حب الله عزوجل
خمس سنوات تجوال قبل ان يعود الى الاحواز وترك صدى مدوي في خراسان .
تلقى دعوة من من تلميذه الواسع النفوذ في بغداد ( حمد القنائي ) للاقامة في بغداد
وتوجه الى بغداد مع اهله وطائفة كبيرة من اتباعه ودخلها
بعد ان سبقته شهرته وعجائبه الذي تضخمت بفعل ( الخيال الشعبي )
وكان دخوله بغداد هزة تردد صداها في اوساط الطبقة المتعلمة والدينية
في قصور بغداد ... حتى في اكواخها
عاد الى مكة المكرمة مرة اخرى مع 400 من اتباعه
وعاود الاختلاء بنفسه معتصما بقمة جبل ( ابى قبيس ) وانقطع عن الناس
وقيل كما اتهمه خصومه بأنه يقوم بأعمال السحر والشعوذة وتحضير الجن ....
ومن مكة المكرمة خرج الى رحلته الكبرى في سبيل الدعوى
الى تركستان والهند ... واعتنق الاسلام على يديه خلق كبير جدا .
وصل السند وكشمير ... الى طرقان
وعظم امر الحلاج في بلاد ما وراء النهر والهند والصين ..

فكانوا يكاتبونه من الهند ( المغيث )

المصدر ( البداية والنهاية ) ابن كثير
وخراسان ( ابي عبدالله الزاهد )

ومن حورستان ( الشيخ حلاج الاسرار )

وفي بغداد ( المصطلم )
وفي البصرة ( المحير )
وبلاد الترك ( المقيت )
تردد احاديثه وعن قواه الخارقة وكراماته
يقول صاحب ( شذورانت الذهب ) ج2 ص 254
(( وبلغ من شأنه أن كان يخرج الاطعمة في غير اوقاتها ... والدراهم من الهواء
ويسميها دراهم القدرة .. ويعرف الكيمياء والطب ...... ))


ونشر الحلاج رسائله الكبرى
عن السياسة وواجبات الوزراء .. مطالبا باقامة حكومة اسلامية
ووزارة تحكم بالعدل بين الناس .
خلافة شاعرة بمسئوليات وظيفتها امام الله ...
مما يجعل الله يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم
( شخصيات قلقة في الاسلام )
عاد الحلاج الى مكة المكرمة مرة ثالثة .. يدفعه ود صوفي وحنين
الى خلوته العنيفة القاسية
ليتزود بقوة ايمانية ... قوة لمواجهة الحياة في معركة بطولية حاسمة في بغداد
حيث الصراع الفكري والديني
والترف والفساد
بغداد .. هي معركة الحلاج الكبرى الى بغداد يعود الحلاج ليشعل فيها كل شئ
وليحترق في أتونها

( الحلاج في عاصمة الخلافة )


في كتابه ( الحلاج شهيد التصوف الاسلامي )
للاستاذ القدير طه عبدالباقي سرور نعيم
ص 55 و56 و57 و 58 يقدم الحلاج في عاصمة الخلافة
وهو اول كتاب صدر عن الحلاج لكاتب عربي .. وله نسخ قليلة جدا .
ويمكنكم الاطلاع على سيرته في النت .

يقول الاستاذ طه

(( وخفق قلب بغداد !! جاء الحلاج اليها تسبقه عواصف مذهلة
جاء اليها بعد طواف بالارض فملأ افاقها دويا وأسمع اذانها عجبا ..
فقد ترك الحلاج في كل بقعة رن فيها خطوه
ما يختلف فيه الناس وما يتخاصمون في أمره
فما رأى الناس من قبل رجلا له سمته وشخصيته وقواه وروحانيته
رجلا يتصدى لهداية الانسانية كافة
فيطرق ابواب العالم شرقا وغربا ... مبشرا وداعيا الى الله سبحانه
دعوة اساسها وروحها حب الله
حبا تذوب فيه شهوات الدنيا وينطفئ لهيبها
وتتضاءل فيه أهواؤها وسحرها فاذ بكل ما فيها قبض الريح ))

(( واذا تاجها ونعيمها وفوزها الاكبر في الاتصال بواجب الوجود ومبدعه
اتصالا ينير الروح ويشعل القلب ويوقظ الحس
فاذا بالانسان في تجل عظيم مشرق !!!!
قوة ربانية تملك اسرار الكون
كما تملك معارج الصعود الى حياة النور والخلود
وتملك فوق هذا وذاك القدرة على تحقيق رسالة الانسان الكامل
خليفة الله الذي اصطفى منه كليمه وخليله وحبيبه ))

كانت دعوته الاصلاحية ضد المفسدين في الارض من الملوك والامراء
ومن يمشي في مواكبهم من محترفي الدين والدنيا
يطالب بخلافة مؤمنة ... تحمل الناس على الصرط المستقيم
الحلاج ينشد حكومة قرآنية تشعر بواجبها حيال الله
شعورها بواجبها حيال الانسان

ضد المفسدين في الروح والفكر والقلب من علماء الكلام والمنطق والتوحيد
ومحترفي الجدل الديني والحوار اللفظي

(( الذين مزقوا دينهم شيعا وأحالوه عوجا ... بعد ان كان شريعة محكمة
لا تعرف جدلا ولا حوارا وانما تعرف عملا وايمانا ))


تمتزج شخصية الحلاج بجوهر رسالته ... كلاهما يؤثر في الاخر
تأثيرا ... هو السر الذي يضطرب فيه الناس من امره
وما يتجادلون حيال سيرته وحقيقة دعوته

(( كان الحلاج متوهج النفس .. مشتعل الحس وجياش القلب
رهيف العاطفة .... يملك قوى خارقة من المغناطيسية الروحية التي تؤثر في كل يتصل به
او يدنو منه ))

واسع الخيال ... ساحر البيان
رائع التصوير وصادق الشعور
اخلاقه الزهد


يقول المستشرق نيكلسون عنه
(( امتاز الحلاج بأنه عاش في صوفيته تماما .. عاش في كل لفظ قاله
وفي كل خاطر مر به ... حتى لقب بمسيح الاسلام ))


ويقول العلامة الفرنسي ماسنيون
(( انه حي ما قال .. وقال ما حي ))
وعندما قارن بين محي الدين والحلاج قال :

(( انا اعتقد ان ابن عربي معرفته اكبر من روحه
وان روح الحلاج اكبر من معرفته ))


يقول علي بن أنجب الساعي ......
(( لقد بلغ من صفاء روحه انه كان يستشف الغيب من ستر رقيق
ولقد عزيت اليه نبوءات صادقة .. استرعت انظار الناس ))

يقول الاستاذ طه عبد الباقي

(( صفات فيها اغراء وفيها استهواء .. حتى فتن بسحر الحلاج الروحي
قوم ملأوا الدنيا حوله بالاساطير الملونة
ودقوا طبول الدعوة العالية لخوارقه المذهلة حتى جعلوه عليما بالغيب
قادرا على احياء الموتى مسخرا لعناصر الطبيعة وجواهرها
وهي صفات تترك حولها حقد غليظ وحسد مسموم وجحيما مشتعلا بالبغضاء ))

بتلك الهالة وعلى قرع تلك الطبول ...
دخل الحلاج بغداد
وكانت بغداد في عصره هي الدنيا
يحمل اليها خراج الارض
وفيها الترف وما يتبعه من فسق ونفاق وفجور
وكان يلتقي فيها تراث الفكر العالمي بمواريث الحضارة الاسلامية
فيها الماديون على اختلاف مناهجم ومللهم
من الفلاسفة العقليين الى المتمردين الملحدين
العباد المتصوفين الى المنجمين والسحرة


يقول الاستاذ طه
(( تحولت مساجد بغداد ومدارسها وندواتها الى ساحات للحرب الفكرية
بين فرق والوان ومذاهب لا حصر لها ))

دخل الحلاج بغداد تحيط به حاشيته وتسبقه دعوته
اهتزت عمائم العلماء في مجالسهم الفكرية
(( تطلعت حلقات الصوفية وأرهفت سمعها وترددت همسات في قصر الخلافة
وتخاطفت الجماهير الاحاديث عن الرجل المبارك
صانع المعجزة والكرامة ))

الشيوخ الكبار من البيئة الصوفية والبيئة الفقهية
واساتذة الكلام والتوحيد والفلسفة
كلها سعت لكي تلتمس لقاءه والتحدث اليه

(( في شهواتهم جدل عنيف وفي عقولهم تحد غليظ وفي قلوبهم تلهف حار
يحاول ان يتعمق فهم رسالة الداعية الذي تحيط به الرعود والبروق ))

عقدت اجتماعات وندوات
طال الجدل والحوار
اختصمت العقول ... وتفرقت القلوب
وأصبحت الخصومة سافرة جاء الحلاج الى بغداد يحمل منهجا ورسالة


ولم تكن البيئات العلمية في بغداد على استعداد عقلي لان تسلم للحلاج بمنهجه الصوفي

(( لم تكن المجتمعات الصوفية في بغداد على استعداد نفسي
يؤهلها لان تسهم مع الحلاج في دعوته الاصلاحية
واهدافه الثورية ))

حفظ لنا تاريخ الحلاج ...
رغم غموضه وتمزقه
المناظرات الجدلية مع مفكري عصره وعلمائه ومتصوفيه
وكان تراثا يشكل منهج فكريا له طابعه العلمي ..
اضافة الى الخصائص الروحية
اساسه الوجد والحب الالهي

(( الحلاج وعلماء الكلام ))

كان هناك حوار مع علماء الكلام
في الامر والارادة والمشيئة الالهية .. وافعال العباد وتعلقها بالقضاء والقدر .
الحلاج اختار التجربة الصوفية المباشرة
لحل هذه المعضلة
بين اللطف الالهي والقضاء والقدر
الصراع بين الخير والشر
الخير الذي يأمر به الله وبين الشر الذي يتنبأ بوقوعه
والخير هو الامر .. والشر هي الارادة


الحلاج .. رضي بهذا النزاع
ولم يكن يخيفه

ليست المعرفة الفكرية للقضاء الالهي هي التي تقربنا من الله
بل ان الطريق ...
هو الحب هو انسب طريق للوصول اليه
بمعنى ..
خضوع القلب للأمر الالهي في كل لحظة وهو الدعاء

لان الامر غير مخلوق .. بينما الارادة مخلوقة
الدعاء من قلب صادق
وبهذا وضع حد لنقاش متكلمي عصره
( الأمر عين الجمع )

و ( الارادة عين العلم )
فكل قلب اذا .. يشغله السعي وراء الجزاء عن حرمة الامر هو مرتزق
وليس بخادم حق الله

وكانت الوصية لمن يتبع المنهج الحلاجي
( ان يكون مع الحق )

ويتردد قوله:

(( من لم يؤمن بالقدر فقد كفر
ومن أحال المعاصي الى الله فقد فجر ))

وأسماء الله الحسنى عند الحلاج ..
من حيث الادراك ( اسماء )
ومن حيث الحق حقيقة
كان يقول :

(( لا يجوز لمن يريد غير الله .. أو يذكر غير الله
أن يقول عرفت الله .
ومن عبد الله لنفسه فانما يعبد نفسه
ومن استصحب كل نسك في الدنيا
والاخرة وهو جاهل لا يقرب من الله ابدا ))

الصلاة عند الحلاج ... هي المعراج
الذي يصل النفس مباشرة مع الله
وقراءة القرآن عنده انما تكون باحساس ومشاهدة
فكأن الله جل وعلا يتلو على لسان القارئ
أو كأن القارئ يستمع الى الله سبحانه جل وعلا

هذه هي حالات الوجد العظمى ..

التي عرف بها الحلاج عند السماع
والكون عنده مادي وروحي كالانسان
والعبادة تخلق وعيا كوني
والايمان ... قول وتصديق وعمل

وبذلك وضع الحلاج أول مذهب كلامي فلسفي للصوفية
والمدرسة ( السالمية ) تلقت من الحلاج فلسفتها الكلامية
كما هو موجود في تفسير السلمي

للحلاج تفسيرات تناولت آيات الذكر الحكيم
وهي تفسيرات أصابها ما أصاب تاريخ الحلاج كله
من تمزيق وتبديد
وما بقي من تفسيرات الحلاج .. الا مصدرين
الاول ( ابو عبد الرحمن السلمي ) ويدور في تفسيره الصوفي حول نظرات الحلاج في التفسير
وحفظ لنا العلامة ( روربهان البقلي ) في تفسيره ( عرائس البيان ) شذرات
فيها اقتباس لهذا المنحى من التفسير والتفكير

(( الحلاج و تفسيره القرآن ))

قال الله تعالى
(( أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ))


العبد مبتلى بالأمر والنهي
ولله ..... في قلبه أسرار تخطر دائما
فكلما خطر خاطر عرضه على الكتاب فهو طاعة الله ( القرآن الكريم )
فان وجد له شفاء .. الحمد لله
وان لم يجد ... عرضه على السنة النبوية ( طاعة الرسول )
فان وجد له شفاء .. الحمد لله
وان لم يجد .. سير السلف الصالح ( طاعة أولى الأمر )

قال تعالى (( ألست بربكم ؟ قالوا بلى ))

حينما سأل الأرواح في عالم الذرة ..... لا يعلم أحد من الملائكة المقربين
لماذا أظهر الحق الخلق ؟
وكيف الابتداء والانتهاء ؟
اذ الألسن ما نطقت .. والأعين ما أبصرت والأذن ما سمعت .
كيف أجاب من هو عن الحقائق غائب واليه آيب .
في قوله (( ألست بربكم )) ؟
فهو المخاطب والمجيب
قالوا ... بلا ؟ القائل عنكم سواكم والمجيب عنكم غيركم فسقطتم أنتم
او بقي من لا يزل كما لم يزل .

قال تعالى (( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ))
نفوس المؤمنين غالية .. لا تباع ولا تشترى ولا تذل
فلا يملكها سواه


قال الله تعالى
(( فذلكم الله ربكم الحق ))


الحق .. المقصود العبادات
الطاعات .. لا يشهد بغيره ولا يدرك بسواه

قال أبو عبد الرحمن السلمي
سئل الحسين بن منصور : من هو الحق الذي تشيرون اليه ؟
قال : معل الأنام ولا يعتل


قال الله تعالى
(( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ))

المحنة لخواص أوليائه ..... والفتنة لعامة الناس
ثم يقول : أبدي الله الأكوان كلها بقوله : ( كن ) إهانة لها وتصغيرا
ليعرف الخلق إهانتها .. فلا يركنوا إليها
ويرجعون الى مبدئها ومنشئها
فاشتغل الخلق بزينة الكون فتركهم معه .. واختار من خواصه خصوصا أعتقهم من رق الكون
فأحياهم به فلم يجعل للعلل عليهم سبيلا .. ولا للآثار فيهم طريقا .

قال تعالى
(( وهو معكم أينما كنتم ))
ما فارق الاكون الحق ولا قارنها .... كيف يفارقها وهو موجودها وحافظها ؟!
بل كيف يقارن الحدث بالقدم ؟
قوام الكل .... وهو بائن عن الكل .


وهناك المزيد .........

الحلاج يرى أن في القرآن الكريم علم كل شئ
وعلم القرآن في الاحرف التي في أوائل السور .. يقول الحلاج

(( إن كل هذه العلوم القرآنية قد أحاط بها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه
وهي للعارفين بحكم الميراث المحمدي وهي سر الحكمة والجلال
الذي يشرق في أقوال العارفين من الصوفية ))

وهو يقصد في ذلك ..
(( اسم الله الاعظم ))


( الحلاج وأداب السلوك الصوفي )

كان الحلاج فوق رسالته الاصلاحية ..
مربيا واستاذا صوفيا
سلوكا ومعرفة
ولقد ألتفت حول الحلاج في حياته اكبر مجموعة صوفية
( في تاريخ القرن الهجري )
وهو عصر التصوف الذهبي
يقول العلامة ابن كثير

(( إنه كان يلازمه في سفره الشاق الطويل أكثر من أربعمائة من صفوة المريدين السالكين ))

من بغداد الى أعالي الهند .. تكونت مجموعات حلاجية
ثم تحولت الى جامعات صوفية
دانت بالزعامة والولاية للحلاج
واتخذت منهجه
تربية أوجدت روحا صوفيا ... أوجدت بعزيمة
لانهم أخذوا دينهم بقوة
هم الذين عاشوا في كل حرف من القرآن
قال صوفي لمتحدث
(( اخرجوا زكاة الحديث !!
قال : وما زكاة الحديث ؟
قال : اعملوا بخمس أحاديثه من كل مائة حديث تحفضونها ))

الحلاج لم يستكمل تربيته الصوفية على أيدي المشايخ الكبار
لقد أنفصم ما بينه وبينهم مبكرا
حلق منفردا في القمم العالية
وكانت تجربته مع نفسه قاسية وصارمة !!
في حب الله
من هنا جاءت تلك الصلة الكبرى بين الحلاج وربه
رجل يعيش انفاسه مع مولاه
فهو أنيسه وجليسه


ولو اني لم أود ذكر ماسنيون في مقدمة الطواسين
لكن الكلمات المعبرة
(( وليس هناك من متصوف في التاريخ أكثر
(عشرة مع الله ) من الحلاج
الذي يتصل في حديثه معه ( أنا ) و ( انت ) و ( نحن )
وليس هناك من شعر صوفي أشد حرارة وأكثر بعدا عم المادة من شعر الحلاج ))


يقول الحلاج معبرا عن منهجه في السلوك
(( إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك وهو بعد في السلوك غير واصل ))

ويقول ايضا
(( من صدق مع الله في أحواله
فهم عنه كل شئ وفهم عن كل شئ ))


الصوفي
(( يكون مع الله تعالى بحكم ما وجب ))
وجداني الذات
لم يشهد الحق غيره .. هو اعمى عن الكون
(( ويكون له مع الحق نسب ))

يحمل به الواردات
ولا يذكر برؤية الكون غير الحق

هذا هو المنهج الحلاجي


بل هو الحلاج الصوفي
إنه مع الله بحكم ما أوجب ... مع إرادة الله بحكم ما قضت
لا أثر للتأثر بقلبه اثر الاكوان
وجداني الذات
لا يبصر الكون
بل إن الكون لا يرى فيه غير الحق
.................... ...
ثم إن مع الحق لصلة من الحب والوجد
تعينه على تحمل الواردات
وحسن التذوق ... الالهام
والقيام بالواجبات
العلامة ( الكلاباذي ) في التعرف لمذهب أهل التصوف
قال :
(( قال بعض الكبراء ...
لقد كانت محنة الحلاج الهائلة ترهب الكتاب
وترهب رجال التاريخ
فتصرفهم عن اسمه وعن تراثه )) !!


يقول ( أبو عبدالله السلمي ) المؤرخ الصوفي
(( من آدابهم ترك التدبير والرجوع الى حال التسليم ))

من آدابهم ( دوام التوبة مما عملوا ومما لم يعملوا مما جرى عليهم من الغفلات )

يقول الحلاج :
(( التوبة مما لا تعلم تبعثك على التوبة مما تعلم والشكر على ما لا تعلم يبعثك على الشكر على ما تعلم ... لانه حرام على العبد الحركة والسكون إلا بأمر يؤديه الى أمر الشكر ))


من آدابهم ( الحضور في وقت الذكر )
وايضا ... ترك التدبير والسعي في طلب الرزق
والسكون في كل الاصول الى مسوق القضاء وضمان الحق
والمنازل ثلاث
اما ان يكون كما في بطن امه مدبرا غير مدبر مرزوقا من حيث لا يعلم
أو كما يكون في قبره
او كما يكون يوم القيامة

من آدابهم ( العمل في الوقوف على ما يرد عليهم من الاحوال )
وترك لفظ ( انا ) و ( نحن ) و (لى )
ومعرفة الدواعي
قال الحلاج .............
(( داعي الايمان يدعو الى الرشد
و داعي الاسلام يدعو الى الاطلاق
و داعي الاحسان يدعو الى المشاهدة
و داعي الفهم يدعو الى الزيادة
و داعي العقل يدعو الى المذاق
و داعي العلم يدعو الى السماع
و داعي المعرفة يدعو الى الروح والراحة
و داعي التوكل يدعو الى الثقة
و داعي الخوف يدعو الى الارتفاع
و داعي الرجاء يدعو الى الطمأنينة
و داعي المحبة يدعو الى الشوق
و داعي الشوق يدعو الى الوله
و داعي الوله يدعو الى الله

خاب من لم يكن له داعية من هذه الدواعي
أولئك من الذي أهملوا في مفارز التحير
وممن لا يبالى الله بهم ))


( الحلاج والتصوف )


حياة الحلاج وما انبثق منها ... إشعاعات وإشراقات
في التأمل والروحانيات
اعتبرها نيكلسون ( لحظة جوهرية في تاريخ التصوف الاسلامي )
كانت حياته ..
من نقاط التحول والتطور في الافق الصوفي
ومن مطالع النماء والخصوبة في التفكير الروحي
والى الحلاج ترجع الاصول الكبرى
لذلك التراث الاسلامي العالمي
في محيط الفكر الصوفي
شكل أعظم القوى الروحية الايمانية التي عرفها تاريخ الانسان


التصوف عند الحلاج ... هو انتساب الانسان الى الله سبحانه
لا الى العالم المادي الحيواني
سفر طويل هائل .... عزيمة وانتقاء
سفر تنتهي به الصفات البشرية في الصفات الالهية
ويعتبرها الرحلات الاربعة
انتهاء طاعة وعبودية وحب ووجد ... وذوق وشوق

الاولى
المعرفة وتنتهي بالفناء
والثانية
تبدأ انوارها والهاماتها حينما يعقب الفناء البقاء
الثالثة
الارشاد والهداية .. في حسن التوجيه
الرابعة ...
هي خلاصة العبادة الخالصة لوجه الله
هي القمة القصوى ..تتجلى فيها حقائق الكون واسراره
يقول محيي الدين ابن عربي
(( ليس في مستطاع أهل المعرفة إيصال شعورهم الى غيرهم
وغاية ما في هذا المستطاع هو الرمز عن تلك الظواهر
لاولئك الذين أخذوا في ممارستها ))


في الطواسين.. ص 93 يقول الحلاج
(( من صدق مع الله في احواله .. فهم عنه كل شئ
وفهم عن كل شئ ))


قال الشبلي للجنيد البغدادي ..
(( ما رأيك .. في من الحق نعته حالا ومقاما ؟ ))
فقال هيهات يا ابا بكر
(( بينك وبين أكابر الطبقة ألف طبقة في أولها ذهب الاسم ))
ويعني ... لا يوجد أنا ابدا

يقول الاستاذ طه عبد الباقي ( الحلاج شهيد التصوف الاسلامي ) ص 71
(( ولقد حمل الحلاج امانة المعرفة الصوفية العليا
وعاشها بروحه وقلبه وحسه
وقدم دمه فداء لها بطولة اسطورية
لا يزال شعاعها يومض عبر التاريخ ))


من ديوان الحلاج

مصورا حبه ووجده لله

الله يعلم ما في النفس جارحـــــة الا وذكرك فيها نيل ما فيهـــــــــــا
ولا تنفست الا كنت في نفســـــي تجري بك الروح مني في مجاريها
إذ كانت العين مذ فارقتها نظرت الى سواك فخانتها مآقيهـــــــــــــــ ـا
أو كانـــــت النفس بعد البعد آلفة خلفا عداك فلا نالت أمانيهـــــــــــــ

ثم يهتف بحبه العلوي ... وقد برح به الهوى

أباحت دمي إذ باح قلبي بحبهــــــا وحل لها في حكمها ما استحـــلت
وما كنت ممن يظهر السر إنمـــــا عروس هواها في ضميري تجلت
فألقت على سري أشعة نورهــــــا فلاحت لجلاسى خفايا طويـــــــت
فإن كنت في سكري شطحت فإنني حكمت بتمزيق الفؤاد المفتــــــــت
ومن عجب أن الذين أحبهــــــــــم وقد أعلقوا أيدى الهــــــوى بأعنة
سقوني وقالوا لا تفنى ولو ســــقوا جبال حنين ما سقونـــــــــي لفنت


عن ابن الحداد المصري ( أخبار الحلاج ) ص14 وص15

خرجت في ليلة مقمرة الى قبر احمد بن حنبل رحمه الله
فرأيت هناك من بعيد رجلا قائما مستقبلا القبلة ...
فدنوت منه من غير ان يعلم ... فإذا هو الحسين بن منصور
وهو يبكي ويقول

((يا من أسكرني بحبه وحيرني في ميادين قربه .. أنت المنفرد بالقدم
والمتوحد بالقيام على مقعد الصدق ... قيامك بالعدل لا بالاعتدال
وبعدك بالعزل لا بالاعتزال
وحضورك بالعلم لا بالانتقال
وغيبتك بالاحتجاب لا بالارتجال ... فلا شئ فوقك فيظلك
ولا شئ تحتك فيقلك
ولا امامك شئ يحدك ولا ورائك شئ فيدركك
أسلك بحرمة هذه الترب المقبولة والمراتب المسئولة
ألا لا تردني الى بعد ما خطفتني مني
ولا تريني نفسي بعد ما حجبتها عني
وأكثر أعدائي في بلادك
والقائمين لقتلي من عبادك ))


والله ما طلعت شمس ولا غربـــت إلا وحبك مقرون بأنفاسي
ولا خلوات الى قوم أحدثهم والا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا ذكرتك محزونا ولا فرحا إلا وأنت بقلبي بين وسواسـي
ولا هممت بشرب الماء من عطــش إلا رأيت خيالا منك في الكاسـي
ولو قدرت على الاتيان جئتكـم سعيا على الوجه أو مشيا على الراسي
مالي وللناس كم يلحقوني سفها ديني لنفسي ودين الناس للناسـي



( صلة الحلاج مع الله )




هو العابد المثالي
ملأ الدنيا وشغل الناس بضجيج التضرع الى الله
يقول الاستاذ طه عبد الباقي :


(( قد امتلأت صحف التاريخ بالتهويل والاباطيل ...
حول حبه وعقيدته
وحول إيمانه وصلته بربه !! ؟ ))
شهيد التصوف الاسلامي صفحة 75



وصفوه بأنه حلولي ينادي بالحلول ...
يتخذ الحب وصولا لغايته
وقالوا انه اتحادي
يحاول ان يتحد بموجده في تجربة مهمة غامضة ؟!!!
حتى أصبح يقول دعاوى عريضة .....
أنا عوضا عن هو !!!!!
تأليها لنفسه وللانسان المجتبى ..
الذي يجد في ذاته حقيقة صورة الله !!! ؟


فهل كان الحلاج كما قالوا ؟


يقول احمد بن فاتك ......
قال الحلاج (( من ظن أن الالوهية تمتزج بالبشرية ..
أو البشرية تمتزج بالالوهية فقد كفر
فإن الله تفرد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم
فلا يشبهم بوجه من الوجوه
ولا يشبهونه بشئ من الاشياء
وكيف يتصور الشبه بين القديم والمحدث
ومن زعم أن الباري في مكان ... أو على مكان
أو متصل بمكان
أو يتصور على الضمير ... أو يتخايل في الأوهام
أو يدخل تحت الصفة والنعت فقد أشرك ))

اخبار الحلاج ( طبع القاهرة ) ص28 وص29

ويضيف احمد بن فاتك
(( قصدت الحلاج ليلة فرأيته يصلي فقمت خلفه فلما سلم قال :


اللهم آنت المأمول بكل خير
والمسئول عن كل مهم
والمرجو منك قضاء كل حاجة
والمطلوب من فضلك الواسع كل عفو ورحمة .
وأنت تعلم ولا تعلم وترى ولا ترى
وتخبر عن كوامن أسرار ضمائر خلقك
وأنت على كل شئ قدير
وأنا بما وجدت من روائح نسيم حبك
وعواطر قربك
أستحقر الراسبات
واستخف الأرضين والسموات
وبحقك لو بعت مني الجنة بلمحة من وقتي
أو بطرفة من أحر أنفاسي لما اشتريتها
ولو عرضت علي النار
بما فيها من ألوان عذابك
لاستهونتها في مقابلة ما أنا فيه
من حال استتارك مني ...
فاعف عن الخلق ولا تعف عني
وأرحهمهم
ولا ترحمني
فلا أخاصمك لنفسي .. ولا أسألك بحقي
فافعل بي ما تريد ))

نفس المصدر السابق ص44

(( العقل قطرة من قطرات بحار ملكوتك
والنفس شعلة من شعلات جبروتك
ذاتك ذات فياضة تفيض منها جواهر روحانية
لا متمكنة ولا متحيزه ...
لا متصلة ولا منفصلة مبرأة من الأحياز والأين
معراة عن الوصل والبين ...
فسبحان الذي لا تدركه الأبصار
ولا تمثله الأفكار .. لك الحمد والثناء
ومنك المنع والعطاء ....
ولك الجود والبقاء
فسبحان الذي في يده ملكوت كل شئ واليه ترجعون ))


قال ابن سودكين راويا عن شيخه :
رأيت الحلاج في هذا التجلي


(( فقلت له يا حلاج :
هل تصح عندك عليه له واشرت
فتبسم وقال لي :
أتريد قول القائل :
يا علة العلل ؟ ويا قديم لم يزل ؟
قلت له نعم
قال : هذه قولة جاهل ....
أعلم أن الله تعالى يخلق العلل وليس بعلة
كيف يقبل العلية من كان ولا شئ معه وأوجد من لا شئ
وهو الان كما كان ولا شئ جل وتعالى .
لو كان علة لارتبط ولو ارتبط لم يصح له الكمال
تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا !!!!!!
قلت له هكذا أعرفه
قال : هكذا ينبغي أن يعرف فاثبت ))


قال ابن سوكين : سمعت شيخي يقول في أثناء شرحه لهذا التجلي

(( لما اجتمعت بالحلاج رحمه الله في هذا التجلي
وسألته عن العلية ... هل تصح عنده أم لا
فقال : هي قولة جاهل ... يعني أرسطوا ))

المصدر اخبار الحلاج طبع باريس

يقول الاستاذ طه عبد الباقي
ومن الكلم الطيب ... قول الحلاج

(( من عرفه ما وصفه
ومن وصفه ما عرفه
عنت الوجوه لعظمة الله كبريائه في أرضه وسمائه
وأنست قلوب أوليائه بشهود جلاله
وجماله وبهائه
وكلت المقاول عن شكر آلائه وأفضاله ونعمائه
وقصرت المعارف عن ذاته وصفاته وأسمائه
وحارت العقول في نزوله وارتفاعه واستوائه ....
فقوم جحدوا و ألحدوا .... وقوم أشركوا وعددوا
وقوم أنكروا الصفات
فعطلوا وبطلوا
وقوم أثبتوها ولك شبهوا وشكوا
ولم يصب شاكلة الحق الا من آمن بالذات والصفات
وكفر بالات والآلات
ولازم التوحيد
والتنزيه
وأثبت الصفة
ونفى التعطيل والتشبيه ))


الحق تعالى عن الأين والمكان
وتفرد عن الوقت والزمان وتنزه عن القلب والجنان
واحتجب عن الكشف والبيان
وتقدس عن ادراك العيون
وعما تحيط به أوهام الظنون
تفرد عن الخلق بالقدم كما تفردوا عنه بالحدوث
فمن كانت هذه صفته
كيف يطلب السبيل اليه !!!!

فقلت أخلائي هي الشمس ضوؤها قريب ولكن في تناولها بعد

( صلته القوية بالله )


يقول الاستاذ طه عبد الباقي ص80
(( وصلة الحلاج بالله سبحانه ... تدور على قطبين
الحب القوي الغلاب والفناء في هذا الحب
يذوب كل شئ مادي دنيوي ويحترق ليخلد ))

تأتي بعدها مرحلة المسير .. درجة درجه .
للوصول الى المعرفة العليا

يقول الشيخ ابن عربي

(( إذا كان وجود الخالق ووجود المخلوق واحدا .. فلا معنى لقيام حوار العشق
بينه وبين الله ))

هذا الكلام يعني
نفي الوحدة ونفي الحلول في المنهج الصوفي ... الحب الالهي
يقول الحلاج
(( ان شهادة الحمد هي شهادة الحب
وإن القلب الذي يعرف الحب لا يموت ابدا ))

انها لمواجيد حق وصدق وإن عجزت عنها فهوم الأكابر

مواجيد حق أوجد الحق كلها ...... وإن عجزت عنها فهوم الأكابر
وما الوجد إلا خطرة ثم نظرة ........ تنشئ لهيبا بين تلك السرائر
إذا سكن الحق السريرة ضوعفت ..... ثلاثة أحوال لأهل البصائر

الوجد والعذاب .. فيض رباني على المصطفين الاحبة

أنت الموله لي لا الذكر ولهني ...... حاشا لقلبي أن يعلق به ذكرى
الذكر واسطة تخفيك عن نظري ..... إذا توشحه من خاطر فكري

كل شئ في الوجود مادي أو معنوي ... هو حجاب دون رؤية الله سبحانه

وأنت حجاب القلب عن سر غيبه ....... ولولاك لم يطبع عليك ختامه


يقول ابن الخطيب في تاريخ بغداد

إن ابن عطاء لما سمع هذا الشعر

اريدك لا أريدك للثواب .... ولكني أريدك للعقاب
فكل مآربي قد نلت منها .... سوى ملذوذ وجدي بالعذاب


(( قال : هذا مما يتزايد به عذاب الشغف
وهيام الكلف واحتراق الاسف
وشغف الحب .. فإذا صفا ووفا علا الى مشرب عذب
وهطل من الحق دائم سكب ))


وأي ارض تخلو منك حتى ..... تعالوا يطلبونك من السماء
تراهم ينظرون إليك جهرا ..... وهم لا يبصرون من العماء

ويعلق المستشرق ( دي يور )
يحاول أن يتذوق بروحه ما يحاول المتكلمون والفلاسفة ن يصلوا إليه بالنظر العقلي

وانه للحب العالي .. الحب الذي تعجز الكلمات عن تصويره

لي حبيب أزور في الخلوات ... حاضر غائب عن اللحظات
ما تراني أصغي إليه يسمع ...... كي أعي ما يقول من كلمات
كلمات من غير شكل ولا نطق .. ولا مثل نغمة الاصوات
فكأني مخاطب كنت اياه ..... على خاطري بذاتي لذاتي
حاضر غائب قريب بعيد ... وهو لم تحوه رسوم الصفات

في الطواسين ص71 وص72 وص73


(( من قال عرفته بفقدي ... فالمفقود كيف يعرف الموجود
ومن قال عرفته بوجودي .. فقديمان لا يكونان
ومن قال عرفته حين جهلته .. فالجهل حجاب
والمعرفة وراء الحجاب لا حقيقة لها
ومن قال عرفته بالاسم ... فالاسم لا يفارق المسمى لانه ليس بمخلوق
ومن قال عرفته به فقد أشار الى معروفين
ومن قال عرفته بصفته فقد اكتفى بالصنع دون الصانع
ومن قال عرفته بالعجز عن معرفته
العاجز منقطع
والمنقطع كيف يدرك المعروف ......
ومن قال كما عرفني عرفته ... فقد أشار الى العلم فرجع الى المعلوم
والمعلوم يفارق الذات
ومن فارق الذات كيف يدرك الذات
ومن قال عرفته كما وصف نفسه ... فقد قنع بالخبر دون الاثر
ومن قال عرفته على حدين ... فالمعروف شئ واحد
ومن لا يعرف المجمل والمفصل .. ولا يعرف الآخر من الاول
والتصاريف والعلل ... الحقائق والحيل
لاتصح له معرفة من لم يزل ))

سبحان من حجبهم بالاسم والرسم والوسم
حجبهم بالقال
والحال
والكمال والاجلال
عن الذي لم يزل ولا يزال

(( الحلاج وأعلام التصوف في عصره ))


موقف أعلام التصوف الاسلامي في عصر الحلاج ؟
وموقف الحلاج منهم .

يقول المستشرق الفرد فون كريمر

(( فالكل مجمعون على أنه كان على رأس فرقة كبيرة وانه كان له أتباع كثيرون ...
أعجبوا به واتخذوه اماما ومرشدا ))
المصدر في التصوف الاسلامي وتاريخه
نيكلسون ص130

ويذكر ماسنيون ............
(( أن كثيرا من الامراء وقواد الجيش وعظماء الدولة العباسية
وأعلام المعزلة وفقهاء الحنابلة ... وصفوة من المفكرين والمصلحين
وجمهرة كبيرة من الناس ... كانوا جميعا من أتباع الحلاج
ومن تلاميذه ومن المؤمنين بدعوته الاصلاحية ))

المصدر شخصيات قلقة في الاسلام

ومع هذا كله
فان عددا من أعلام التصوف الاسلامي في عصره .....
قد خاصمه ولم يناصره في أهدافه
ولم يسانده في محنته واستشهاده

يقول الاستاذ طه عبد الباقي

(( لقد جاء الحلاج ليضيف جديدا الى التصوف الاسلامي
في صلته بالله وفي صلاته بالحياة
جاء الحلاج لا ليكون ضورة مكررة من الناس او العلماء
او سطورا متلألئة في كتب التاريخ
بجانب السطور التي خطها المفكرون أو العابدون
جاء ليكون كتابا وأمة ...
جاء ليقيم منهجا
ويرسم طريقا
كان الحلاج ينشد في المعرفة ان يظفر بحظ من الفيض الالهي
ليعبر دائما عن الارادة الالهية
فأصبح قوله
صورة ايمانه في دنياه ودينه
ومن هنا جاءت عظمة العقيدة الحلاجية
التي اخذت كل شئ بقوة وعزم
ولم تقبل أبدا تساهلا أو ترددا او تقية ))

المصدر الحلاج شهيد التصوف الاسلامي ص88

يقول الحلاج
(( الواجب على اولياء الله أن يتوجهوا الى الله ويطيعوا أمره
مهما كلفهم ذلك من عنت وشقاء ))

الصوفي المحب
هو الذي وهب نفسه لله
وصبر على ابتلائه في دنياه وصبر على أمتحانه في حبه وايمانه

يقول الكلاباذي
سمعت بعض مشايخنا يقول :
سمعت محمد بن سعيد يقول : (( خدمت الحلاج عشرين سنة
فما رأيته اسف على شئ فاته أو طلب شيئا فقده ))

ويقول ايضا:
(( كان الحلاج لا يستند ولا ينام على جنبه
وكان يقوم الليل واذا غلبته عينه
قعد ووضع جبينه على ركبته فيغفو غفوة
فقيل له أرفق بنفسك !!!!
فقال : والله ما رفق الرفيق بي رفقا فرحت به
أما سمعت سيد المرسلين يقول : أشد الناس بلاء الانبياء
ثم الأمثل فالأمثل ))


الحب الحقيقي .. وليس المزيف
يعني التضحية الخالصة ... دون غرض مسبق
ولا انتظار للجائزة .
المحبة الخالصة ... تضحيتها خالصة

عندما يضحي الاخ بنفسه من اجل اخيه
قولي هذا .. ربما صعب في هذا الزمن الى درجة كبيرة
ان يذكر ... والله يعلم وانتم لا تعلمون
الحلاج كان يرى .... ان معنى الحب هو التضحية
ويعني الجهاد حتى تعلو كلمة الحق
وتمشي الانسانية على السراط المستقيم
لم يكن زهد البسطامي ولا تقية الجنيد البغدادي ولا سلبية المكي
ولا تردد الشبل ... مما يرضى عنه الحلاج

ثورة الحلاج كانت عنيفة
على ولاة عهده وفساد عصره

ثورته على السلبية الزاهدة التي عاشها كبار المتصوفة من معاصريه
الذين قنعوا بعبادة الله وحبه .... ونسوا الرعية

(( الحلاج وأعلام التصوف في عصره ))


موقف أعلام التصوف الاسلامي في عصر الحلاج ؟
وموقف الحلاج منهم .

يقول المستشرق الفرد فون كريمر

(( فالكل مجمعون على أنه كان على رأس فرقة كبيرة وانه كان له أتباع كثيرون ...
أعجبوا به واتخذوه اماما ومرشدا ))
المصدر في التصوف الاسلامي وتاريخه
نيكلسون ص130

ويذكر ماسنيون ............
(( أن كثيرا من الامراء وقواد الجيش وعظماء الدولة العباسية
وأعلام المعزلة وفقهاء الحنابلة ... وصفوة من المفكرين والمصلحين
وجمهرة كبيرة من الناس ... كانوا جميعا من أتباع الحلاج
ومن تلاميذه ومن المؤمنين بدعوته الاصلاحية ))

المصدر شخصيات قلقة في الاسلام

ومع هذا كله
فان عددا من أعلام التصوف الاسلامي في عصره .....
قد خاصمه ولم يناصره في أهدافه
ولم يسانده في محنته واستشهاده

يقول الاستاذ طه عبد الباقي

(( لقد جاء الحلاج ليضيف جديدا الى التصوف الاسلامي
في صلته بالله وفي صلاته بالحياة
جاء الحلاج لا ليكون صورة مكررة من الناس او العلماء
او سطورا متلألئة في كتب التاريخ
بجانب السطور التي خطها المفكرون أو العابدون
جاء ليكون كتابا وأمة ...
جاء ليقيم منهجا
ويرسم طريقا
كان الحلاج ينشد في المعرفة ان يظفر بحظ من الفيض الالهي
ليعبر دائما عن الارادة الالهية
فأصبح قوله
صورة ايمانه في دنياه ودينه
ومن هنا جاءت عظمة العقيدة الحلاجية
التي اخذت كل شئ بقوة وعزم
ولم تقبل أبدا تساهلا أو ترددا او تقية ))

المصدر الحلاج شهيد التصوف الاسلامي ص88

يقول الحلاج
(( الواجب على اولياء الله أن يتوجهوا الى الله ويطيعوا أمره
مهما كلفهم ذلك من عنت وشقاء ))

الصوفي المحب
هو الذي وهب نفسه لله
وصبر على ابتلائه في دنياه وصبر على أمتحانه في حبه وايمانه

يقول الكلاباذي
سمعت بعض مشايخنا يقول :
سمعت محمد بن سعيد يقول : (( خدمت الحلاج عشرين سنة
فما رأيته اسف على شئ فاته أو طلب شيئا فقده ))

ويقول ايضا:
(( كان الحلاج لا يستند ولا ينام على جنبه
وكان يقوم الليل واذا غلبته عينه
قعد ووضع جبينه على ركبته فيغفو غفوة
فقيل له أرفق بنفسك !!!!
فقال : والله ما رفق الرفيق بي رفقا فرحت به
أما سمعت سيد المرسلين يقول : أشد الناس بلاء الانبياء
ثم الأمثل فالأمثل ))


الحب الحقيقي .. وليس المزيف
يعني التضحية الخالصة ... دون غرض مسبق
ولا انتظار للجائزة .
المحبة الخالصة ... تضحيتها خالصة

عندما يضحي الاخ بنفسه من اجل اخيه
قولي هذا .. ربما صعب في هذا الزمن الى درجة كبيرة
ان يذكر ... والله يعلم وانتم لا تعلمون
الحلاج كان يرى .... ان معنى الحب هو التضحية
ويعني الجهاد حتى تعلو كلمة الحق
وتمشي الانسانية على السراط المستقيم
لم يكن زهد البسطامي ولا تقية الجنيد البغدادي ولا سلبية المكي
ولا تردد الشبل ... مما يرضى عنه الحلاج

ثورة الحلاج كانت عنيفة
على ولاة عهده وفساد عصره


ثورته على السلبية الزاهدة التي عاشها كبار المتصوفة من معاصريه
الذين قنعوا بعبادة الله وحبه .... ونسوا الرعية



عاب الحلاج على أبي يزيد البسطامي ... الزهد المفرط

يروي علي بن أنجب الساعي
عن أبي محمد الجسري .. وهذا الرجل كان معاصر للحلاج
يروي قصة تاريخية .. توضح خصومة الحلاج مع صوفية عصره
وكيف بدأت الخصومة

قال الرجل
(( رأيت الجنيد البغدادي ينكر على الحلاج وكذلك عمرا بن عثمان المكي
وأبا يعقوب النهروجورى ... وعلي ابن سهل الأصبهاني ومحمد بن داود الأصبهاني

أما أبو يعقوب فقد رجع عن إنكاره في آواخر عمره
وأما عمرا بن عثمان فكان علة إنكاره أن الحلاج دخل مكة ولقى عمرا
ولما دخل عليه قال له : الفتى من أين ؟
فقال الحلاج : لو كانت رؤيتك بالله لرأيت كل شئ مكانه
(( فإن الله تعالى يرى كل شئ ))
فخجل عمرو ... وغضب عليه
ولم يظهر وحشته حتى مضت مدة ... ثم أشاع عنه
أنه قال : يمكنني أن أتكلم بمثل هذا القرآن ! ؟

وأما علي بن أبي سهل
فدخل الحلاج اصفهان وكان علي بن سهلا مقبولا عند أهلها
فأخذ علي أبن سهل يتكلم في المعرفة
فقال الحسين بن منصور : يا دسوقي تتكلم في المعرفة وانا حي ؟
فقال علي بن سهل : هذا زنديق ؟

واما الجنيد البغدادي فكنت عنده
إذ دخل شاب حسن الوجه والمنظر وعليه قميصان
وجلس سويعة ثم قال للشيخ جنيد البغدادي

(( ما الذي يصد الخلق عن رسوم الطبيعة ؟
فقال الجنيد : أرى في كلامك فضولا !!!!! أي خشية تفسدها
فخرج الشاب حزينا وخرجت على أثره
وقلت : رجل غريب قد أوحشه الشيخ
فدخل المقابر وجلس في زاوية .. ووضع رأسه على ركبتيه
فأتيت الشاب وجلست بين يديه ألاطفه
وقلت له : الفتى من أين ؟
قال من بيضاء فارس .. إلا أنني ربيت في البصرة
فاعتذرت لديه للجنيد
فقال : ليس له إلا الشيخوخة .. وإنما منزلة الرجال تعطى ولا تتعاطى ))

كلما اندفع الحلاج الى الثورة على فساد عصره ... تكبر الخصومة
وصل الحال ... ان الحلاج اصبح يتحدى اعلام المتصوفة في عصره

رجل عقائدي ... فلا مجاملة عنده فيما يعتقد انه الحق .

روى الكلاباذي في التعرف
(( أن الحلاج حفر حفرة وأوقد فيها النار ووضع هاوون حتى صار كالجمر
وقال لمن يجادله من الصوفية
ومن كبار العارفيين

( من كان صادقا بالله فليتقدم ويقف على الهاوون داخل النار )
فلم يستطع على ذلك احد .
ثم أنه تقدم ووقف عليه فذاب تحت أقدامه ..
حتى صار كالماء ))

يروي القشيري في رسالته
(( قال الحلاج لابراهيم الخواص : ماذا صنعت في هذه الاسفار
وقطع هذه المفاوز ؟
قال بقيت في التوكل ... أصحح نفسي عليه ؟
فقال الحلاج : أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد

الرسالة القشيرية ص66

هي السلبية عند غيره ... والايجابية عنده

قال الشبلي (( كنت انا والحسين بن منصور شيئا واحدا
إلا أنه أظهر وكتمت ))

والايجابية الحلاجية ... التي تجعل الحلاج يدخل مسجد بغداد
وأبو القاسم الجنيد البغدادي يتكلم على المنبر
والجنيد هو الجنيد مكانة وعلما
هتف الحلاج امام الجميع
(( يا أبا القاسم إن الله لا يرضى من العالم بالعلم حتى يجده في العلم
فإن كنت في العلم فالزم مكانك وإلا فانزل ))

نزل الجنيد ... ولم يتكلم مع الناس شهر كامل

يقول الحلاج في عزة الواثق من نفسه
(( من تكلم عن غيره معناه .. فقد تحمر في دعواه ))
هو قوله تبارك وعلى
(( كمثل الحمار يحمل أسفارا ))
اذن هي أمانة الرسالة الصوفية ...

وازداد تحدي الحلاج للجنيد البغدادي ... بصورة خاصة

ما قيمة الإلهام الباطني

ويرفض الشيخ الجنيد الاجابة
ويكرر الحلاج السؤال
فيرد عليه الشيخ الجنيد
(( رجل المطامع ))

وبدأ صراع عنيف بين الرجلين
وكان لهذا الصراع صدى عميق في بغداد
الشيخ الجنيد البغدادي ... هاجم الحلاج جهارا وفي غضب
ويرميه بالسحر والشعوذه

في اخبار الحلاج ص 92
قال احمد بن يونس
(( كنا في ضيافة بغداد فأطال الجنيد اللسان في الحلاج
ونسبه الى السحر والشعوذة والنيرنج !!!
وكان مجلسنا غاصا في المشايخ .. فلم يتكلم أحد احترامه للجنيد
فقال ابن خفيف : يا شيخ لا تطول
ليس إجابة الدعاء والاخبار عن الاسرار .. سحر او شعوذة
واتفق القوم على تصديق ابن خفيف ))

فلما خرجنا أخبرت الحلاج ... ضحك

واستمر التحدي
الحلاج يطالب الجنيد ان يتخلى عن سلبيته
حتى ضجت مساجد بغداد

وفي لحظة غضب ...
قال الجنيد البغدادي للحلاج ..... ستقتل ؟
ويضحك الحلاج ويقول

(( نعم .... وستمضي على قتلي ))


وتحققت نبوءة الطرفين
رجلان لكل منهما عقيدة ومنهج
اختلفا
ولو اتفقا لتغير وجه التاريخ


( الزعيم الثائر )

وكما اصطدم الحلاج بالشيخ الجنيد البغدادي ومدرسته
اخذ ايضا يصطدم
ويصارع كافة القوى التي تهيمن على بغداد .
صداما وصراعا
اساسه الاختلاف الجذري
في فهم رسالة الاصلاح السياسي والاجتماعي للعالم الاسلامي .
وكما قلنا في السابق
ان الحلاج دخل بغداد في نهاية 296هجرية

بعد ان طاف في مشارق الارض ومغاربها .
دخلها فوجدها تمر بأيام حاسمة في تاريخها
وفي تاريخ الامة الاسلامية كافة
حملت الى بغداد كنوز الارض وخراجها
وتدفقت عليها ثروات الدنيا ومتاعها
هرع اليها اصحاب العقول والمطامع والاهواء
من كل حدب صوب
من كل لون وجنس وملة !!! ؟
وتدفق اليها سيل لا ينقطع من الجواري والإماء والعبيد والمغامرين
والمنجمين والمارقين والمبتدعين

حتى أخذت الصلابة العربية تضعف
والفكرة الاسلامية تلين ...........
وانطلقت بغداد وقد غدت عاصمة الدنيا مرتع للفساد
وابتتدع الوانا من التفكير ... وفنونا من القول
لا تعرف القيود ولا الحدود !!!

أسرفت بغداد في الابتداع المذهبي وفي الجدل العقلي
حتى أصبحت أنديتها أورقة للسفسطة والحوار
وغدت مساجدها ساحات للقتال بين الحنابلة والأشاعرة والمعتزلة
والصوفية والمنجمون والسحرة والفلاسفة
وفي النهاية تمزقت وحدتها الفكرية
وتبددت ثروتها الأخلاقية ؟
وأسرفت في السياسة ... فنجمت الأحزاب والشيع والفرق
مقنعة وسافرة
عربية وأعجمية ... مؤمنة وملحدة
ثائرة ورجعية !!!
أحزاب للعسكرية التركية المغامرة .. تثير الفتن والقلاقل
و أحزاب للفرس والشيعة تتربص بالخلافة الدوائر
وأحزاب للرجعية الدينية ... تثير الشغب
أحزب روؤس الاموال الاحتكارية .. التي كانت تمتص دماء الناس
وأحزاب القصر تهيمن عليها الجواري
وفي قمة هذا المجتمع الكبير والعجيب
الخليفة المقتدر

يقول عنه المؤرخ الكبير الطبري وهو معاصر له

(( وأما المقتدر فرقيق ركيك ...
. لاه بما هو فيه من اللعب والسرف والتبذير ...
أحب جارية رومية حسناء
أسلمها الدولة وأهدى لها فصا من الياقوت
بثلاثمائة ألف دينار ))

ويقول المؤرخ ابن الأثير

(( كان المقتدر الطفل الخليفة لا هم له إلا أن يلهو في قصره
بين عشر آلاف خصي من الصقالبة والجواري والغلمان
ومن فوق هذا الخليفة الطفل
والدته السيدة ( شغب ) ...............
التي أحالت الخليفة إلى العوبة في يدها
وبلغ من نفوذها وأستهتارها
أن أمت قهرمانتها ( أم موسى ) أن تجلس في مجلس القضاء للمظالم

ومن نفوذ هذه القهرمانة
أنها كانت تصدر أوامر المصادرات وإحصاء الأموال والتركات ))

ويقول الدميري في كتاب الحيوان

(( وانطلقت الألسن في المقتدر وأمه ووزرائه وعماله وقضائه
وكثر السبي والقتل ......
ودخل المنجمون والمتخرصون على الرؤساء والنساء
وقعد الدجالون للناس في الطرقات .... ))

ويقول العلامة السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء ص152

(( إن محمد بن جرير الطبري لما علم بخلع المقتدر ومبايعة أبن المعتز
قال : ما الخبر ؟
قيل : بويع أبن المعتز
قال : فمن رشح للوزارة ؟
قيل : محمد بن داود
قال : فمن ذكر للقضاء ؟
قيل : أبو المثنى
فأطرق ثم قال : هذا الأمر لا يتم !
فقيل له : وكيف ؟
قال : كل واحد ممن سميتم متقدم في معناه ... عالي الرتبة
والزمان مدبر وما أرى هذا إلا الى اضمحلال
وما أرى لمدته طولا ))


ومن قلب هذا التداعي ... وسط التيارات المتصارعة
ظهرت شخصية الحلاج
وهي الشخصية القوية الصلبة الفولاذية
وما يتمتع به من جاذبية ومغناطيسية مؤثرة في عقول الجماهير
ما يملك من قوى خارقة من الله جل وعلا
شخصية فدائية لا تلين ولا تهادن

يقول الاستاذ طه عبد الباقي

(( كانت شخصية تملأ عين من يراها سحرا
وتملأ قلب من يشاهدها إجلالا .. وتملك فوق هذا وذاك قدرة الإيحاء
الذي يطلق الأمل الحي في قلوب الدعاة المؤمنين ))
شهيد التصوف الاسلامي ص97



يقول المستشرق ماسنيون

(( يهدف الى قيام خلافة ليس بينها وبين الجمهور نفور سياسي
ويعمل كي يزيل من شعوب الدولة ما بينها من نفور اجتماعي
ويزيل ما بين الفرق من نفور ديني
ويحطم ما بين الطبقات ... من تفاوت مادي ))

اذن منهج الحلاج ... منهج للإصلاح السياسي والاجتماعي

يقول الحلاج

(( خلافة ربانية تشعر بمسئوليتها أمام الله
مما يجعل الله يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم
من صيام وصلاة وحج وزكاة ))

وبهذا ربط الحلاج بين صلاح الحكم وقبول الله سبحانه للعبادة

(( لن يقبل الله عبادة عابد ... تحت ظل حكم فاسد ))

هذا الكلام الخطير ... هو إيمان الحلاج
وتلك هي دعوته
(( اما أن يستشهدوا أو ينتصروا ))

لا حلول وسط
هذا الأمر سبب انقسام الناس حياله
كما يقول المستشرق نيكلسون

(( إلى حلاجية وخصوم للحلاجية ))

يقول ما سنيون

(( إن الحلاج أحيا بمنهجه هذا وبحميته الثائرة وبشخصيته الباهرة
الآمال العريضة والأحلام الجميلة
التي كانت تعيش في أعماق الأمة الإسلامية .....
فالتفت حوله الجماهير
وأندفع في تياره كثير من الأمراء والوزراء والقادة ))

وفي الجانب الأخر .... أحاطت بالحلاج الأحقاد والخصومات
ليس الأمر سهلا أن يدعو رجل إلى إسقاط خلافة بكل جبروتها !!!!
لا والأكثر ينتزع الزعامة الفكرية والروحية
من كبار العلماء والمشايخ ورجال الدين !!!!!!
شنو هذا الرجل !!!!؟

لقد لقبه الشيخ الإمام الجنيد من أجل هذا المنهج ( رجل المطامع )
وهي كلمة لها معناها ودلالتها وهدفها

لو كان الحلاج شخصية غير مؤثرة .. ما كان الجنيد ذكر كلمته !!!
وهذا يعني .. إن مكانة الحلاج هي مكانة رفيعة
في قلوب الناس
بل أصبح تهديدا مباشرا .. للسلطة السياسية والدينية
سلطة الخلافة الإسلامية


يقول الاصطخرى

(( إن كثيرا من علية القوم .. رأوا حينئذ في الحلاج أنه الرئيس القطب ))

معنى هذا أن رجل المطامع .... ينشد الخلافة الإسلامية لنفسه !!!!!
وهذا يعني عدواة مع كافة القوى المنتفعة .
وما يحيط بها وما يدور في فلكها
والذي يعني في النهاية ... ان المعركة ستكون قاسية ومريرة
وبما أن الحلاج شخصية لا تهادن
ستكون المعركة عنيفة بلا أدنى شك
طبيعته الثورية ... جعلته مهاجما قاسيا
( لا يعترف بالتقية )
شخصية مندفعة ... بكل عنفوانها

هاجم الروافض
وطالب بعزلهم عن الخراج
وإبعادهم عن بيت المال
بسبب انهم ارهقوا الناس وأفسدوا الضمائر
واختلسوا المال ... واحتكروا الأرزاق

هاجم المعتزلة .. لأنهم حصروا أنفسهم في قوالب فلسفية

حارب الوزراء الذين تخرجوا من المدارس النسطورية
وكانوا من أصول نصرانية
مثل ابن وهب وابن نوبخت
لأن في قلوبهم بقية ملحدة تحارب الإسلام ولا تؤمن بدعوته .

هاجم الخلافة وأحزابها وقوادها وحجابها ..
بسبب الترف وانحرافهم عن رسالة الإسلام !!!!! ؟

ماذا بقي من قوة للحلاج ؟

لم يبقى للحلاج ما يدعم معركته .. سوى رسائله السياسية
وهي رسائل لا تزال مخطوطة متفرقة في مكتبات العالم
يتحدث فيها عن منهجه في الاصلاح العام
واجبات الوزراء .. وحقوق الرعية
وشروط الخلافة الاسلامية
تحدث عن الحرية الفردية والحقوق الاجتماعية
المثالية الخلقية .. والسياسة المالية في الخراج والضرائب
وغيرها ..........

ومن أشهر هذه الرسائل .. الرسائل الثلاث
التي أهداها الى أصدقائه من الوزراء
حسين بن حمدان
وابن عيسى
ونصر القشورى


( ثورة أبن المعتز )

صدى كلمات الحلاج المدوية
جعلت العناصر الطامعة في الخلافة ... من بني العباس
رفعت رأسها مستفيدة من الحملة الحلاجية ... لتنتزع عرش الخلافة لنفسها
وأبن المعتز شاعر عباسي كبير من أبناء الخلفاء
وكان يرى نفسه أحق بالخلافة من المقتدر

ومصدر قوته طائفة لا يستهان بها من البيت العباسي ... غضبوا من المقتدر

لم يعجبهم عبثه ومجونه ... وهيمنة النساء
اعتبروا الامر .. بداية النهاية للخلافة العباسية
والنهاية تعني ...... الزوال

وبما أن ابن المعتز شاعرا له وزنه .....
تمتع بتأييد شعراء وادباء بغداد
والحنابلة وجدوا في أبن المعتز متنفسا لحقدهم على الخليفة
كانوا يسمونه ( الطفل العابث )


والنفاق السياسي جعلهم يحيطون ابن المعتز بهالة من بريق القداسة بالتدين والورع
والامر الملفت للنظر .. ان بعض تلاميذ الحلاج من الوزراء والقواد
انضموا الى ابن المعتز سرا
ليس حبا في ابن المعتز
بل سبيلا الى وصول الحلاج !!!

و أكبر هولاء التلاميذ الأمير الحسين بن حمدان
الذي تولى القيادة العسكرية للثورة

وأنفجرت المؤامرة الاصلاحية .. قامت خلافة تحت رعاية الحلاج
تولاها ابن المعتز .... أستمرت يوما واحدا وفشلت
والسبب ...
كان اليهود

لانها لم تستطع الحصول على الاموال
لان اليهود كانوا متواطئين مع عمال الخراج الشيعة
فأعيدت الخلافة الى المقتدر
بمساعدة الشرطة وابن الفرات الذي تولى الوزارة
وكان أول أمر اصداره خطاب القاء .....


القبض على الحلاج وأتباعه
نجى الحلاج
واختفى لدى الحنابلة في بلدة سوس من الاهواز
وبعد ثلاث سنوات ... من الاختفاء والاختباء
وبخيانة والي مدينة واسط حامد ... قبض على الحلاج
وجىء الى بغداد ... لكن الحلاج نجا مما أعد له

مكانته الشعبية حمته من غضب الخليفة ...
وتأثير أنصاره من الامراء والوزراء
وكبار رجال القصر
جعلتهم ينتزعون من الخليفة المقتدر ...
أمرا بالعفو عن الحلاج
وأكتفى الخليفة المقتدر بتحديد إقامته
في دار حاجب الخليفة ( نصر القشورى )
تلميذ الحلاج المخلص

يقول صاحب تاريخ بغداد ...
(( فأقام عند نصر القشورى ..
في سعة وودعة يزوره من يشاء ))

تاريخ بغداد الجزء 8 ص124

( الحلاج في قصر الخليفة )


تم رفع الاقامة الجبرية عن الحلاج
وكان من المفترض ان يتخلى عن منهجه ورسالته
ولكن العكس حصل
يقول ولده احمد ابن الحسين الحلاج
حسب الرواية التي ذكرها صاحب تاريخ بغداد ج8 ص113

(( ان والده وقع له عند الناس قبول عظيم
حتى حسده جميع من في وقته ....
ثم بنى دارا ببغداد واتخذ قرارا
ودعا الناس الى فكرته فأجابه الخلق ...
وخرج عليه محمد بن داود الظاهري وجماعة من أهل العلم وقبحوا صورته ...
ووقع بينه وبين الوزير علي بن عيسى عداوة من أجل نصر القشورى
ووقع بينه وبين الشبلى وغيره من مشايخ الصوفية
وأختلفت الألسن في أمره ))


وهذا يعنى ان فترة الاقامة الجبرية حدت من دعوته
ولكن مواصلته لدعوته
ثارت حوله الخصومات من جديد
وخاصمه ابن داود الظاهري .. ويقال انه فقيه متعصب دينيا
كان السبب مع بعض الفقهاء في نشر الشائعات
حول الحلاج وعقيدته ودعوته
ممكن ان نسمي هذا الصراع ... صراع ديني
او خصومة دينية او غيرها من المسميات
طيب ......هذا شي طبيعي

ولكن ما سر خصومة الوزير علي بن عيسى
هي سياسية حتما ... بسبب نصر القشورى حاجب الخليفة
ثم حدثت انعطافة حادة بعيدة المدى في حياة الحلاج ودعوته

يقول البغدادي

(( إن علة عرضت للمقتدر بالله في جوفه
ووقف نصر القشورى على خبرها .... فحدث الخليفة عن الحلاج
ووصفه بأنه الرجل الصالح
واستأذنه في إدخاله إليه فأذن له
وجاء الحلاج فوضع يده على الموضع الذي كانت العلة فيه
وقرأ عليه فاتفق أن زالت العلة ))

ثم يقول
(( ولحق والدة المقتدر بالله مثل تلك العلة وفعل بها ذلك
فزال ما وجدته ... فقام للحلاج بذلك سوق في الدار
وعند والدة المقتدر والخدم والحاشية ))
تاريخ بغداد ج8 ص124

وفي شي أخر غريب .......
ذكره عريب القرطبي في كتابه ( صلة تاريخ الطبري )
ويقول
(( أحيا الحلاج ببغاء ولي العهد الراضي محمد بن جعفر المقتدر
فأحدث ذلك دويا في القصر وفي بغداد ) !!!! ؟

ويذكر البغدادي (( أن ابنة الحلاج قد أقامت معه في دار الخلافة ))
ج8 ص125

أصبح الحلاج سيدا مطاعا مرهوب الجانب
مسموع الصوت في قصر الخليفة
حتى أن والدة الخليفة .... السيدة ( شغب ) أصبحت
بسلطانها ونفوذها من أخلص تلاميذ الحلاج
المؤمنين به والمدافعين عنه
ومشى كثير من الوزراء والقواد والأمراء في موكبه

(( واعتنقوا منهجه إما عن اقتناع به ...
وإما افتتانا بشخصيته الساحرة وإما تزلفا وتقربا لرجل .......
أصبحت الأسرة الحاكمة ترعاه وتجله
وتؤمن به وتقدره ))


وامتلأ قصر الخليفة الكبير .. بالحديث عن كراماته
وما تصنع يداه من عجائب وغرائب ...
أنتقلت الى الشارع البغدادي .... النار في الهشيم
وكالعادة الناس تضيف وتزوق
والخيال الشعبي أخذ مداه في الإسراف والحديث عن مكانة الرجل

حتى وصل الأمر ... أنه أصبح أكثر من أسطورة
وأكبر من ولي في أفق بغداد

وهنا فقد خصوم الحلاج أعصابهم
وهم يرون غريمهم وقد وصل الى هذه المكانة الرفيعة
هاج غضبهم وصراخهم حول الحلاج
الدعي الساحر الدجال حينا
وحين اخر عقيدته الدينية
وأتهم بالكفر والفسوق والاتحاد والحلول .
يقول طه عبد الباقي سرور

(( والحلاج في آفاقه بعيدا ... بعيدا عن هذا الدوى
لقد ملكت عليه رسالته الإصلاحية أقطار تفكيره ...
وملك عليه حبه لربه ... وجدانه وقلبه
فراح يجاهد في الميدانين
بما أثر عنه من حماس ملتهب
وما عرف به من عزيمة لا تلين ))
ص105


أكثر شي سبب الألم والاسى للحلاج ...
موقف أحبابه وتلاميذه من الصوفية .. من أبناء مدرسة الجنيد
وهذا الموقف العدائي من الامام الجنيد ومدرسته ...
حرق قلبه حرق قلبه بشدة ...
وزرع في قلبه الهم والكدر والحزن العميق

وأثر هذا الموقف بشكل كبير في نفسية الحلاج
أخذت ابتهالاته .. كلمات باكية حزينة
وعلى أثر المواقف الحزينة المتتالية .. أخذ فكر الحلاج منحى اخر
سيطرة عليه فكرة الاستشهاد في سبيل حبه لله
وفي سبيل عقيدته ......

أخذ يؤمن بأن الاستشهاد هو طريقه إلى النصر

نصرا لفكره ومنهجه
وان استشهاده في سبيل ذلك ... علامة قبوله عند ربه
بل ان الحال وصل به ان
( يتنبأ بمصرعه ) 

 
 
 
 
 
  
  






jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
Publicité







MessagePosté le: Sam 29 Juin - 20:57 (2013)    Sujet du message: Publicité

PublicitéSupprimer les publicités ?
Revenir en haut
Montrer les messages depuis:   
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية حية قادرية النسب تيجانية المشربCatégorie >>> تحميل الكتب والمخطوطات - مكتبة ضخمة للكتب Sous forum Toutes les heures sont au format GMT + 1 Heure
Page 1 sur 1

 
Sauter vers:  

Index | creer un forum | Forum gratuit d’entraide | Annuaire des forums gratuits | Signaler une violation | Conditions générales d'utilisation
Powered by phpBB © 2001, 2005 phpBB Group
Traduction par : phpBB-fr.com
Thème réalisé par SGo