tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum tariqa qadiriya boudchichiya.ch
sidihamza.sidijamal.sidimounir-ch
 
 FAQFAQ   RechercherRechercher   MembresMembres   GroupesGroupes   S’enregistrerS’enregistrer 
 ProfilProfil   Se connecter pour vérifier ses messages privésSe connecter pour vérifier ses messages privés   ConnexionConnexion 

ديوان سيدي العارف بالله الإمام محمد مهدي الرواس الرفاعي رضي الله عنه - ديوان مشكاة اليقين لسيدي محمد بهاء الدين الرواس رضي الله عنه - كتاب الدّرة البيضاء للإمام الرواس

 
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> la voie qadiriya boudchichiya >>> Sالسماع الصوفي اناشيد صوفية روحيةous forum
Sujet précédent :: Sujet suivant  
Auteur Message
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Lun 13 Jan - 15:29 (2014)    Sujet du message: ديوان سيدي العارف بالله الإمام محمد مهدي الرواس الرفاعي رضي الله عنه - ديوان مشكاة اليقين لسيدي محمد بهاء الدين الرواس رضي الله عنه - كتاب الدّرة البيضاء للإمام الرواس Répondre en citant














ديوان سيدي العارف بالله الإمام محمد مهدي الرواس الرفاعي رضي الله عنه

 



http://www.sendspace.com/file/z9kqos









ديوان مشكاة اليقين لسيدي محمد بهاء الدين الرواس رضي الله عنه




بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمد لله حمداً تفرح به قلوب العارفين ، وتطير به أسرار الصدقين إلى فضاء القدس الأمين ، حمداً يأتي مع تكفل الشؤونات ، وتقلب الأوقات ، وترادف الحركات والسكنات ، بعوارف نعم الله الجديدة ، وعناياته السرمدية المديدة ، حمداً يوافي نعمه ، ويكافيء مزيده ، والصلاة والسلام أبداً وسرمداً على سلطان دوائر الحضرات الربانية ، وسيد سادات المرسلين أولي المشاهد القدسية ، وعين أعيان النبيين أرباب المراتب الشامخة العلية ، سيدنا وسندنا ومولانا محمد الذي هو محمد دولة الوجودات ، واحمد كتائب الكائنات ، وعلى آله أقمار سماوات المفاخر ، وأصحابه نجوم المحافل والمحاضر ، وأتباعهم وأشياعهم الآخذين بآثارهم ، والمندرجين في سلك محبيهم وأنصارهم ، إلى يوم الدين . آمين .
أما بعد : فالعبد الذي إذا غاب لا يذكر ، وإذا حضر لا يوقر ، خويدم الفقراء ، وغريب الغرباء ، محمد مهدي ، وينعت ببهاء الدين ، ابن علي محمد الرفاعي الحسيني ، أيده الله ووالديه والمسلمين ، بما أيد به عباده الصالحين ، إنه البر المعين ، قد جمعت بإشارة سماوية ، وبشارة مدنية ، كلمات لخصتها من منظوماتي التي وردت بالإلهام عليّ ، وهبطت من سرادقات الغيب إلي ، سميتها

(مشكاة اليقين ، ومحجة المتقين) قد أمرت بالحضرة بتقيد شواردها ، وإبراز فوائدها ، لتنشط إلى الله قلوب أقعدها عقال العوائق الدنيوية ، عن السير إليه ، ولتعلو في الله همم من يريد بهم الخير فتتجرد له وتتوكل عليه ، وها هي ملخصة من نظيم دريّ ، ونسيق جوهري ، تدل الموفقين على الله ، وتذكر المتعظمين بالله ، وتأخذ عن الله ، وتعطي من مكواهب الله ، ولبا حول ولا قوة إلا بالله .
(حرف الألف المهموزة)
ها هنا همزية نشأت عن هزة أمر
صرفت حضرة القلب إلى الإنمحاق بمراقبة الرب ([1])



يتبع إن شاء الله تعالى
**********************
([1]) مشكاة اليقين ص 4 ، معراج القلوب ص 42 ، الباب الأول ، وقال: وهنا إبان التكلم على دواعي مافتح به نظماً ، وأول الأبواب باب الإلهيَّات ، وأوله هذه الهمزية ، وداعيها هزة أمر صرفت حضرة القلب إلى ساحة المراقبة ، وأخذت بالروح إلى حضيرة الإتباع المحمدي ، على المشرب الأسعد الأحمدي ، فقلت وبالله المستعان ، وعليه التكلان ، مشكاة اليقين ص 4 ، وهي في بوارق الحقائق ص 195 .


هذا الوجودُ على مجلاكَ إيماءُ



هذا الوجودُ على مجلاكَ إيماءُ ... وفي العَمَا مِنْ سَنَا مَعْنَاكَ أَضْوَاءُ
قَامَتْ بِسِرِّكَ مِنْ آَيَاتِ أَمْرِكَ فِي ... عَوَالِمِ الْكَوْنِ أَسْرَارٌ وَآَلاءُ

ما مسَّ قابِسةَ الأنوارِ بارِقةٌ ... إِلاَّ ومنكَ لها شأنٌ وإبْداءُ

ولا تلجْلَجَتِ الأجسادُ في نَفَسٍ ... إِلاَّ وأٌفرِغَ فيه منكَ إحياءُ

مظاهِرُ الحَضَراتِ انْجابَ حُنْدُسُها ... بشمسِ قدسِكَ عنها فهي بلْجاءُ

سِرَّانِ ما أعجبَ التَّفريقُ بينهما ... هُما دَليلانِ إحياءٌ وإفْناءُ

كَشْفٌ وطَمْسٌ بمِعراجِ التَّدَبُّرِ مِنْ ... كَوْنَيْهِما قامَ إبرازٌ وإمْحاءُ

والقَبْضُ والبَسْطُ من تصريفِ طَوْرِهِما ... في عالمِ الخَلْقِ منعٌ ثمًّ إِعطاءُ

والخَلْقُ والأمرُ قاما والمَدارُ على ... ما دارَ بينَهُما وضعٌ وإِعلاءُ

سُرادِقٌ في قَجاجِ العِلْمِ قَدْ نُصِبتْ ... وَسَارَ في كلِّهِنَّ السِّينُ والرَّاءُ

حتَّى إذا شَمختْ بالأُفقِ قُبَّتُهُ ... وكفْكَفَ الأرضَ تَكْويرٌ وادْحاءُ

وصِيغَ آدمُ بالصُّنْعِ القَديمِ كمَا ... أُقيمَ وازْداجَ منهُ الطِّينُ والماءُ

تَعَلَّقَ النُّورُ فيه من طُوَى جبلٍ ... ما مَسَّ موسى به في الطُّورِ إِغشاءُ

مُقدَّسٌ صِينَ في كَنْزِيَّةٍ سَبحتْ ... ببحرِ نورٍ إذِ الآثارُ ظَلماءُ

ومذْ جرَى ضمنَ ذاك الهَيْكل انْبَجستْ ... له علومٌ وأفْهامٌ وأسماءُ

فكانَ مضْمونَ كنزٍ من تشعُّبِهِ ... قامَتْ شؤونٌ وقالَ الناسُ مَا شَاءُوا

جهلٌ وعلمٌ وكلُّ الناسِ طائفَةٌ ... بالجهلِ والعلمِ أمواتٌ وأحياءُ

تنوَّعَتْ من نِكاتِ الكونِ أقضِيةً ... والحكمُ فيها أفانينٌ وآراءُ

هذا إلى الحقِّ يمْشي لا على مَهَلٍ ... وذاكَ بالزُّورِ والبُهْتانِ مَشَّاءُ

يا حَيْرَةً غلبتْ قوماً وغِيلَ بهم ... وفي العُقولِ دواءُ الدَّاءِ والدَّاءُ

نَعَمْ عُقولُ الورَى في الوضْعِ عاجزَةٌ ... ففي نِقابَيْهِ إِضْلالٌ وإِهداءُ

وفي رقيقِ نسيجِ الإخْتِيارِ على ... نولِ المواهبِ حُكمُ العدلِ قَضَّاءُ

لذا إليكَ صدورُ الرُّسْلِ أجمعهم ... بما عَرَفْناكَ يا ربَّ العُلى باءوا

موجٌ تدفَّقَ من نشإِ البُروزِ إلى ... ألْبابِ قومٍ فإلْهامٌ وإِيحاءُ

فشقَّ صخرَ قلوبٍ حينَ فاضَ لها ... وما خَلاها بِبَحْتِ الوضعِ صمَّاءُ

فدقَّها وارِدُ الإنْذارِ فانْكشفتْ ... بالقبضَتَيْنِ فَخُلاَّنٌ وأَعداءُ

حنَّتْ لوارِدِها من حيثُ مَوْرِدِها ... قلوبُ سُفَّارِ قومٍ بعدَ ما جاءوا

طريقتانِ انْجَلى مضمارُ حالِهِما ... فتلكَ سوْداءُ والأُخرى فبيضاءُ

هذا الكتابِ الذي جاءَ البشيرُ به ... مَحَحَّةٌ في طريقِ الله سمْحاءُ

أبْدى رُموزاً من الأسرارِ غامِضَةً ... ما فكَّ مِغلاقَها إِلاَّ الألِبَّاءُ

طَوَتْ خوارِقِهُ آياتِ معرفةٍ ... من نشرِها لقبابِ الغيبِ إسراءُ

جَلَتْ فُنوناً فأدلتْ من تَنَزُّلِها ... ضوءاً به مُقلةُ المَبْعودِ عَمْياءُ

ما بين أحرُفِهِ في نظمِ سبكَتِها ... ووصلِها الأشْطَبُ الصَّمْصامُ فَرَّاءُ

تضمَّنَ العلمَ تفْصيلاً وأجملَهُ ... كما تضمَّنَ عينَ النُّقْطةِ الباءُ

وغاصَ طَمْطامَهُ عِلماً وفسَّرَهُ ... محمَّدٌ وأتانا عنه إنْباءُ

كأنَّ دنيا الوَرى أعوامُها سَنَةٌ ... وكلُّها بعد ما قدْ جاءَ شهباءُ

أفْنى جُمُوعاً بسيفِ العدلِ وهو إذاً ... إِفناءُ ظُلمٍ به للعدلِ إِبقاءُ

أدارَ من كأسِ {ح ... م} الغُيوبِ على ... أهلِ الرِّضا ما حَمَاهُ الميمُ والحاءُ

مُعَتَّقٌ من زوايا القُدْسِ تعصُرُهُ ... يدُ الرِّسالةِ ما شابَتْهُ صَهْباءُ

بورْدِهِ والتَّنحِّي عنه طالِعةٌ ... فيها من الأمرِ إِسعادٌ وإِشقاءُ

إذا روَى نقلَها المَنْصوصَ راوِيةٌ ... أعانَهُ من شُرُوقِ الفتحِ إِلقاءُ

يطوفُ من حالِهِ في قلبِ عارِفِهِ ... رُوحٌ ووجهُ الجَحُودِ الخِبْلِ حِرباءُ

في الدَّهر من شأنِهِ شأنٌ يحوِّلُهُ ... وعن ضِياءِ الضُّحى للعُمْشِ إِغْضاءُ

معنى نهارٍ وليلٍ بين دَوْرِهِما ... من قابِضِ الحُكْمِ أطْرافٌ وآناءُ

توالَجا فأقامَ السِّرُّ بينهما ... فَوَاصِلاً هي إِظلامٌ وإِيضاءُ

ما جاءَ في نشأةِ الإِثباتِ آدمُها ... إِلاَّ لها ولهذا السِّرِّ حَوَّاءُ

بيانُ غمضٍ بممتَدِّ الرَّقائقِ من ... علمِ الرَّسولِ وهل للسَّطرِ قرَّاءُ

يا أُمَّةً جحدتْ برهانَ حُجَّتِهِ ... كأنَّها أُمَّةٌ بَكْماءُ صَمَّاءُ

هذا هو الحقُّ لا ندٌّ يعدِّده ... وفي التَّعدُّدِ عُدْوانٌ وإِجفاءُ

يعدِّدُ الحقَّ بُهْتاناً أخُو سَفَهٍ ... وعيْنُهُ بانْحِرافِ المَسِّ حولاءُ

لو ناصفتْ سِمَةُ الإِنصافِ أفئدةً ... منهم لما غالَها جحدٌ وبغضاءُ

إنَّ البراهينَّ لا تَخْفى على دَرِبٍ ... إنْ لم يُخَطِّئْهُ في مَسراه أقْذاءُ

سِمْطُ المعاني على مَنْظومِ جوهَرهِ ... تخالفتْ باختلافِ الفهمِ أهواءُ

وقائِلُ الحقِّ لم تُقْلَبْ حقيقتُهُ ... وإنْ ترنَّمَ بالتَّبديلِ وَرْقاءُ

سرٌّ تَكاتَمَهُ أهلُ القُلوبِ فخذْ ... منه الرُّموزَ وما للسِّرِّ إِفْشاءُ

الفرقُ بينَ نِماطِ الجمعِ متَّسِقٌ ... والجمعُ يشهدُهُ لُطْفٌ وإِنْطاءُ

يسِفُّهُ الحقُّ سفًّا ثمَّ يُرجعُهُ ... فرْقاً وفي الأمرِ تجريدٌ وإِكساءُ

وأين تجتَمِعُ الأحداثُ في قِدَمٍ ... من ذاتِهِ فيه تنزيهٌ وإِعْلاءُ

قامتْ على صُوَرِ الآثارِ حاكِمَةً ... من قُدْسِهِ غارَةٌ للفرقِ شعْواءُ

تباركَ الله لا عهدٌ يغيِّرهُ ... ولا يُماثلُهُ في الوصفِ أشياءُ

فَرْدٌ قَديمٌ عَظِيمٌ وَاحِدٌ أحَدٌ ... لهُ صِفاتٌ قَديماتٌ وأَسْماءُ

منزَّهٌ عن سِماتِ الحادِثاتِ ففي ... طَوْرِ الحُدوثِ انْتِقالاتٌ وإِبلاءُ

وفي الجهاتِ انْحيازٌ وهو جلَّ فلا ... ينحازُ والحَيْثُ للمُنْحازِ أرْجاءُ

تدبُّرُ الأمرِ والتكييفِ مَزْلَقَةٌ ... ملساءُ فيها من الشَّيطانِ إِغْواءُ

فَدِنْ بدينِ تُهامِيٍّ شريعَتُهُ ... نورٌ وليس لنورِ اللهِ إِطْفاءُ

وازْوِ الهوَى عنكَ مغْموساً بسُنَّتِهِ ... فللهوَى من بني الدُّنيا أرِقَّاءُ

وذِلَّ للهِ إنْ تسلُكْ طريقتَهُ ... ففي الحُضورِ الأذِلاَّءُ الأعِزَّاءُ

وجِدَّ واجْهد ولا تنظرْ لماشيةٍ ... في الدَّربِ حَذْفُ كِراعَيْها المُطَيْطاءُ

فأُمَّهاتُ الفِعالِ السَّيِّئاتِ لها ... من عبْءِ أبنائِها الأخلاطِ آباءُ

وخذْ إذا ما توسَّدْتَ الثَّرى عملاً ... يكون خلاًّ إذا انْحازَ الأخِلاَّءُ

وقفْ على البابِ مخفوضَ الجناحِ وكنْ ... عبداً ومنكَ لقلبِ الوَهْمِ إِدْماءُ

قد حاوَلَ الجمعَ أقوامٌ فأرْجَعَهُمْ ... موتَى وهم بطَنينِ الظَّنِّ أحياءُ

فالعارِفونَ ببابِ الفرقِ موقِفُهمْ ... والأنْبياءُ العرانينُ الأجِلاَّءُ

قالَ اتِّحاداً أُناسٌ والحُلولَ حكَوْا ... والكلُّ صَدْمَتُهُمْ في الدِّينِ دَهماءُ

لو حلَّ فيهم علة فرضِ المُحالِ لما ... منهم تحَلَّلَ بالتَّحويلِ أجزاءُ

رواشِقُ الجهلِ من شيطانِ أنفسِهِمْ ... للصَّدِّ منهم تلَقَّتْها السُّويداءُ

قالوا سلكْنا طريقاً لا اعْوِجاجَ به ... وفيه قَنْطَرَةٌ بالشِّرْكِ حدباءُ

دعْ عنك ما انْتحلوهُ من زَخارِفِهِمْ ... وافْطنْ فسانِحَةُ التَّوفيقِ خلْصاءُ

يَلِبُّ منها بعُنْقِ العبدِ جوهرَةٌ ... يتيمةٌ من عُقودِ الفتحِ عصْماءُ

واسْلكْ طريقَ الرِّفاعيِّ الإِمامِ فقدْ ... وافَى به حضرَةَ القُربِ الأحبَّاءُ

مهذَّبٌ مَذْهَبُ الحَقِّ استقرَّ به ... وكادَ يهدِمُهُ القومُ الأشِرَّاءُ

دَعا إلى الله عن علمٍ فجاوَبَهُ ... بقِسْمَةِ الغيبِ آباءٌ وأَبْناءُ

وسدَّ كلَّ طريقٍ لا دُخولَ له ... على الرَّسولِ فأُمُّ الغيِّ خنساءُ

وكم قُلوبٍ طمتْ فيها الكُدورَةُ مذْ ... أمَّتْهُ أَمَّ بها للهِ إِصفاءُ

قد قوَّمَ الله عوْجاءَ الطَّريقِ بهم ... وليس في طُرُقِ السَّاداتِ عَوِجاءُ

أجلْ تدلَّسَ بُطلاناً بموكبِهم ... قومٌ وأهلُ الحِمَى زُهرٌ أحِقَّاءُ

وأَحمَدُ الأوْلِياءِ الغُرِّ أحمَدُهُمْ ... وفحلُهُمْ إنْ ثنَى الأبطالَ هَيْجاءُ

شقَّ القُلوبَ بمُوسِ الشَّرعِ فانبجَسَتْ ... دُرًّا وها هي قبلَ الشَّقِّ حصْباءُ

طاشَ العَقَنْقَلُ في ميدانِ حكمتِهِ ... على أولِي الزُّورِ حتَّى رَهبةً فاءوا

وجاءهُمْ ببراهينٍ خوارِقُها ... كالمُعجِزاتِ لها في الكونِ إِمْضاءُ

لكلِّ شأنٍ من التَّحقيقِ عن جسَدٍ ... تقليدُ نَمْطٍ وللتَّحقيقِ ضوْضاءُ

قد أمطَرَ الخِبُّ للرَّائينَ سابِحَةً ... وهلْ لهل من رقيقِ الأُفقِ أَنْواءُ

شأنُ الرِّفاعِيِّ في مِعراجِ مظهَرِهِ ... له سُمُوٌّ وللأتباعِ أسْماءُ

تحتَ العَجاجِ مَكيناً إذ كثُرَتْ ... للطَّارقينَ يقفْرِ الحَيِّ غَوْغاءُ

كالطَّوْدِ ما هزَّهُ الإدلالُ في زمنٍ ... وللفُحُولِ مع الإدْلالِ إِرْغاءُ

ضاهَى نَسيمَ الصَّبا لُطفاً ومُهْجَتُهُ ... في اللهِ من طارِقِ الأحْوالِ حَرَّاءُ

كأنَّه أعْجزَ الرُّكْبانَ حينَ يُرى ... وكم به سَبَقَ السُّبَّاقَ عَرْجاءُ

أبوهُ من مشرِقِ الزَّوْراءِ شمسُ هدًى ... جرتْ لمغرِبِها والسَّيرُ إِسراءُ

حتَّى استقرَّتْ بكِنِّ الكاظميَّةِ في ... مِضمارِ نورٍ جَلَتْهُ قبلُ أَبْواءُ

قد قوَّما قوسَ بغدادٍ أَجلْ فهما ... لولاهُما مقلةُ الزَّوْراءِ زَوْراءُ

وعنهما من أبي العبَّاسِ قامَ فتًى ... هو الضَّميرُ الذي يُعنى له الهاءُ

فاضتْ عوارِفُهُ في المُلكِ فابْتهجَتْ ... بفيضِهِ الجَمِّ أقْطارٌ وأَنْحاءُ

روحُ البَتولِ طوتْ في نشرِ هيكَلِهِ ... حالاً علامَتُهُ في الآلِ زهراءُ

وعاهدَتْهُ يدُ الهادي على سَنَنٍ ... زِمامُهُ ما به للكونِ إِرخاءُ

فكم به سُترتْ في الكونِ فادِحَةٌ ... وكم به كُشفتْ بالله جُلاَّءُ

جَحاجِحُ السَّادةِ الأقطابِ غايَتُهُمْ ... لها لدى بَدئِهِ في السَّيرِ إِبْداءُ

خلِّ الدَّعاوى على حرفٍ تجدْ بهِمُ ... شمساً كواكِبُها هم أينَما ضاءوا

بُرهانُهُ حُجَّةٌ في السِّلكِ قاطِعَةٌ ... فيها من القطعِ والإِبْعادِ إِبقاءُ

طريقُ من حادَ عنها كُلُّهُ غُصَصٌ ... بها العُوَيْصاءُ تتلوها العُوَيْصاءُ

رُموزُ عِلمٍ جَلاها بعد أنْ كُسيتْ ... طَمساً ودَلَّتْ بمجْلاها الأدِلاَّءُ

أقلامُ حِكمتِهِ في جِفْرِها نَقَشَتْ ... كشفاً له من مِدادِ القُدْسِ إِجراءُ

تغلغَلَتْ في كُنوزِ السِّرِّ فانْكشفتْ ... بها فُنونٌ لها الأهلُ الأقِلاَّءُ

سَرى بها واحداً فَرْداً ورايَتُهُ ... في أوَّلِ الموكبِ القُدسِيِّ خضراءُ

وجابَ ظُلمةَ أوهامِ الشُّكوكِ وما ... لحِزْبِ أتباعِهِ في القومِ أكْفاءُ

وبيَّضَتْ جُبْهَةَ الدُّنيا مناقِبُهُ ... وما لها إِن يُرامُ العَدُّ إِحصاءُ

رقائِقُ السِّرِّ من آياتِ همَّتِهِ ... لها ببطْنِ ضميرِ الكونِ إِدلاءُ

كأنَّما دارُهُ في كلِّ باديةٍ ... ومن جَلالتِهِ في الحيِّ فَيْفاءُ

تُجلى لأهلِ المَعاني من حقائقِهِ ... عَروسُ حالٍ من العِرْفانِ عَذْراءُ

عليه رُضوانُ ربِّ العرشِ ما لَمَعَتْ ... شمسٌ وما عاقَبَ الإِصْباحُ إِمْساءُ

ما للقُلوبِ عن الحبيبِ غِطاءُ (1) ... إِلاَّ إذا سكَنَتْ بها الأشياءُ 
يبدو الحِجابُ عن الحبيبِ بنظرةٍ ... لسِواهُ إنَّ الحادِثاتُ عَمَاءُ

من كان يقصُدُ حُبَّهُ لم يلتفِتْ ... للفانِياتِ إذِ الجميعُ هَباءُ

مزِّقْ إذْاً حُجْبَ الوُجودِ بهمَّةٍ ... من دونِها الغَبْراءُ والخَضْراءُ

واهْجُرْ أناساً قَيْدُ دِينهمِ الهَوى ... دهراً فهم والميِّتونَ سَواءُ

فَالْعَبْدُ سيِّدُهُ مُناهُ وقصدُهُ ... لم تُلْهِهِ النَّعماءُ والآلاءُ

وانْهَجْ على أَثرِ النَّبيِّينَ الأُولى ... فهُمُ يَنابيعُ الهُدى العُقَلاءُ

لَفَتُوا عَنِ الأَغْيَارِ عَزْمَ قُلوبِهِمْ ... ولأمرِهِ بصَحيحِ حالٍ فاءوا

تَبِعَتْهُمُ السَّاداتُ ساداتُ الوَرَى ... العارِفونَ الخُلَّصُ النُّجَباءُ

وأقامَ دولَتَهُمْ وأَكْمَلَ شَأنَهُمْ ... طهَ الذي ضاءتْ يه الظَّلْماءُ

أَحْيَى قُلوبَ المؤمنينَ بنورِهِ ... فانْجابَ عنها ساتِرٌ وغِشاءُ

عمَّتْ هدايَتُهُ وضاءتْ شمسُهُ ... فلها إلى يومِ القيامِ ضياءُ

أخذتْ مُزَمْزِمَةً على منهاجِهِ ... آلٌ وصَحبٌ سادَةٌ حُنَفاءُ

هامُوا بذكرِ اللهِ جلَّ جلالُهُ ... وقُلوبُ أَصحابِ الجُحودِ هَواءُ

قومٌ إمامُهُمُ الرَّسولُ المُصطفى ... من تستَظِلُّ بظلِّهِ الشُّفَعاءُ

روحُ الوُجودِ مَنارُ كُلَّ حقيقةٍ ... سامي الجَنابِ اللَّمْعَةُ البيضاءُ

المُنْتقى من لُبِّ عُنصُرِ هاشمٍ ... إِبناً سمتْ بفَخارِهِ الآباءُ

هو نورُهمْ في كَنْزِ نشأَةِ كونِهِمْ ... والطِّينُ لم يُعجَنْ لهم والماءُ

وافَى بدينٍ قيِّمٍ ذلَّتْ به ... ضِمنَ العُقولِ بطبعِها العَوْجاءُ

وبدَتْ لنا من برجِ طالِعِ بدْرِهِ ... رغمَ العُماةِ محجَّةٌ سمْحاءُ

شهِدَ العِدى طوعاً بعزَّةِ أمرِهِ ... والفضلُ ما شهِدَتْ به الأَعداءُ

نسخَ الشَّرائعَ كلَّها بشريعَةٍ ... خضعتْ لحكمَةِ نصِّها الحُكَماءُ

واتَى بتوْحيدٍ فنزَّهَ رَبَّهُ ... وهو المُنَزَّهُ ما له شُرَكاءُ

العقلُ يشهدُ أنَّ فوقَ فُهومِهِ ... معنًى عليه من الوُجودِ رِداءُ

وحِّدْ بذوقِكَ ذاتَ ربِّكَ عارفاً ... فالشِّرْكُ وصفاً نقطةٌ سوْداءُ

يحتاطُ منكَ الرَّأيُ فيكَ ولم تكنْ ... تفقَهْ فكيف تصَرَّفُ الآراءُ

من أيِّ زاوِيَةٍ أتاكَ خيالُهُ ... أو أيُّ ظرفٍ للخيالِ وِعاءُ

إنْ كان مرئيًّا يكونُ مُجسَّماً ... أوْ كان مطموساً فذاكَ خَفاءُ

هذا الحُدوثُ به خَفِيٌّ ظاهِرٌ ... وبسرِّهِ قد حارَتِ البُلَغاءُ

وحَفِظْتَ أخْباراً بسرِّكَ كلُّها ... منها صُفوفٌ ضِمنَهُ وبِناءُ

وتظلُّ مُزْواةً فإنْ راجعتَها ... كرَّتْ عليكَ هُنالِكَ الأَنباءُ

ووصفْتَ أشكالاً وطبعُكَ شاهِدٌ ... وذكرْتَ ألواناً ولا اسْتِجْلاءُ

فكأَنَّ فيك خِزانَةً لجميعِها ... ولها صَحائفُ ضِمنَها قُرَّاءُ

هذانِ موجودٌ ومفقودٌ فقِفْ ... خجِلاً هناكَ تُجَهَّلُ العُلماءُ

جلَّ المُهَيْمِنُ حاضرٌ هو غائبٌ ... عن دَرْكِ عينِكَ ذاتُهُ علياءُ

ورَقائقُ الأَشياءِ إنْ سَلْسَلْتَها ... رجعَتْ لدولةِ أمرِهِ الأَشْياءُ

ودواءُ سِرِّ العارفينَ يقينُهُمْ ... والجهلُ في عينِ الحقيقةِ داءُ

خذْ إثْرَ سِرِّ الكائناتِ محمَّدٍ ... من شرِّفَتْ بجنانِهِ الأَسماءُ

وافْتحْ عُيونَ السَّالكينَ بهمَّةٍ ... فيها لنورِ جَنابِهِ إِيماءُ

واترُكْ صُنوفَ الحاسِدينَ بدائِهِمْ ... ما للحواسِدِ يا بنيَّ دواءُ

يتلَوَّنونَ مع الهَوى لضلالِهِمْ ... طَيْشاً كما تتلَوَّنُ الحِرْباءُ

عقدَ العِنادُ غُبارَهُمْ فتوسَّدوا ... لُجَجَ العِنادِ وكلُّهُمْ سُفَهاءُ

غَمَزوا الشَّريعةَ يا لسقْمِ عُقولِهِمْ ... وبزَعمِهِمْ جَهلاً همُ العُرَفاءُ

وتبجَّحوا واسْتنتَجَتْ آراؤُهُمْ ... زوراً ومُقلةُ عقلِهِمْ زَوراءُ

فكأنَّما الأَمْواهَ جمرٌ لاهبٌ ... وكأنَّما النِّيرانُ فيها الماءُ

هاتوا مَزالِقَكُمْ وقُبْحَ فُهومِكُمْ ... لنقيسَها يا أيُّها السُّقَماءُ

الحقُّ يُجلى من خلالِ حُروفِهِ ... نورٌ تُضيءُ بشَعِّهِ الأَرْجاءُ

رُحتمْ على طيشٍ إذا انْكشفَ الغِطا ... ءُ يحُفُّكُمْ بالدَّاهياتِ غِطاءُ

فرأيْتُموا الإِبْداءَ يُمكِنُ ظاهِراً ... وكذلك الإِرْجاعُ والإِبْداءُ

صُنُعٌ تجلَّى من قديمٍ فاعلٍ م ... من شأنِهِ الإِبْداءُ والإِخْفاءُ

والطَّيُّ والنَّشرُ المُقيمُ لخلقِهِ ... وإِماتَةُ الأَحداثِ والإِحْياءُ

يا من نراكَ بفهمِ كونِكَ عاجِزاً ... وبشأنِ ذاتِكَ ما لَكَ اسْتيفاءُ

عن كلِّ شخصِكَ في شُؤُنِكَ قاصِرٌ ... فاقْصِرْ فزَعْمُكَ فوقَ ذاك عَناءُ

هذا الوُجودُ وأنت تشهَدُ شكلَهُ ... منه بعينِكَ بُرْدَةٌ طَمْساءُ

تُمضي الزمانَ بعقْرِ بيتِكَ كلَّهُ ... وتُماطُ عنك بكلِّهِ أَجْزاءُ

بجدارِ بيتِكَ مثلُ شخْصِكَ جاهِلٌ ... إِخْرَس فقولُكَ في الإِلهِ بَلاءُ

أنتَ اسْتَحَيْتَ إذا أساءَكَ شاتِمٌ ... من شتْمِ نفسِكَ ما لديكَ حَياءُ

وَحِّدْ ورُحْ في حَيْرَةٍ شرعِيَّةٍ ... الأَنْبياءُ بمثلِها قدْ جاءوا

حِرْنا وما حِرْنا وحَيْرَتُنا به ... علمٌ وجَلْجَلَةُ الظُّهورِ خَفاءُ

سبحانَهُ قَدِّسْهُ واذْكُرْ إسمهُ ... ما ثَمَّ أرضٌ غيرَهُ وسَماءُ

سلِّمْ له كلَّ الشُؤُنِ تَبَتُّلاً ... فلهُ عَزيزُ الأمرِ والإِقْضاءُ

في كلِّ حالٍ للعِبادِ ونَشْأَةٌ ... لله سِينٌ في الشُؤُنِ وراءُ

وهو العَليمُ وكلُّ علمٍ قاصِرٌ ... وهو الغنيُّ وكُلُّنا فُقَراءُ

*****************

(1) معراج القلوب ص 49 ، الباب الأول ، مشكاة اليقين ص 11 ، وقال وهذه همزية أخرى نسقها حال أحدي انبجس منه طور محمدي .

ما للقلوب عن الحبيب غطاء [ص

1


كتاب الدّرة البيضاء للإمام الرواس





http://www.sendspace.com/file/1gh1ln



الــدّرَّة الــبـَـيـْـضـَـاء 


لـلـعـالـم الـعـلامـة و الـبـحـر الـخـضـم الـفـهـامـة

الـعـارف الـكـبـيـر الـوارث الـمـحـمـدي

فـلـذة الـبـضـعـة الـطـاهـرة الـبـتـول

و بـعـلـهـا الأمـيـر وصـيِّ الـرســول

صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم
 

الـســيـد مـحـمـد مـهـدي بـهـاء الـديـن

آل خـزام الـصـيـادي الـرفـاعـي

الـشــهـيـر بـالـرواس
 
رضـي الله عـنـه و قــدس ســره


( 1220 _ 1287 هـ )


Code:

[size=48] [/size]

قد دمَجْنا في الدرَّة البيضاءِ

 

باهراتٍ من واردات السماءِ

 


فاتَّخِذها يا صاحبي لك وِرْداً

 

فهي من فيض سيِّد الأنبياءِ

 


طِبْ بها و ابتهجْ و رُحْ بأمانٍ

 

كلَّ آنٍ من صادمات القضاءِ

 


و توكَّل على المهيمنِ و اربِضْ

 

بحِمَى قلبِ أكرمِ الشفعاءِ

 


فهو قلبٌ حوى صنوفَ المعاني

 

قبل تنسيقِ عالمِ الأسماءِ

 
 


بسم الله الرحمن الرحيم 



الـحـمـد لله الـذي لـيـس الـحـمـد إلا لـه, حـمـداً يـوافـي نـعـمـه و يـكـافـي مـزيـده. و يـســتـدرُّ لـنـا فـضـلـه و نـوالـه, و الـصـلاة و الـسـلام عـلـى عـبـده و نـبـيـِّه و حـبـيـبـه و رســولـه, شــمـس ســمـاءِ الـنـبـوة , و زعـيـمِ مـوكـبِ الـرســالـة, و عـلـى آلـه الـذيـن ورَّثـهـم الله كـمـالـه و جـمـالـه و جـلالـه, و عـلـى وُرَّاثـه و نـوَّبـه و خـلـفـائـه و رجـال دولـتـه و خـُـدَّام سُــنـتـه مـا الـتـوى غـصـنُ الـبـرق و طـلـعـت الـغـزالـَه, و صـحَّـح مـعـوجٌّ عـزيـمـتـه بـسُــنـَّة أهـل الـعـزائـم و أحـوالـَهْ.

أمـا بـعـد, فـيـقـول الـعـبـد الـمـتـوكـِّل عـلـى الله الـلائـذ بـبـاب ســيـد الـوجـودات رســولِ الله, عـلـيـه أفـضـل صـلـوات الله, ألا و هـو الـمُـسَــيـكـيـن الـذي إذا غـاب لا يُـذكـر, و إذا حـضـرَ لا يُـعـرف و لا يُـوَقــَّر غـريـبُ الـغـربـاء, و أضـعـفُ الـفـقـراء و الـعـلـمـاء, بـهـاء الـديـن مـحـمـد مـهـدي آل خـزام الـصـيـادي الـرفـاعـي ثـم الـرديـنـي الـحـســيـنـي غـفـر الله لـه و لـوالـديـه, و أحـســن بـفـضـلـه يـوم الـنـشــور قـدومَـهـم عـلـيـه, و رحِـمَ لـهـم بـمـحـض كـرمـه و لـطـفـه وقـوفـَهـم بـيـن يـديـه, و الـمـسـلـمـيـن أجـمـعـيـن, إنـه الـوالـي الـمـعـيـن.

هـذه رســالـة مـبـاركـة ســمـيـتـهـا " الـدرة الـبـيـضـاء " جَـمَـعـت – و الـحـمـد لله – لـُبـاب أســرارِ الـشــريـعـة الـســمـحـاء, و الـطـريـقـةِ الـغـراء, يـُبـهـج بـهـا الـصـالـحـون, و يـهـرع لـهـا طـلاب الـحـق الـمـرضـيُّـون, و يـصـدُّ عـنـهـا الـمـخـذولـون, و مـا هـي إلا آيــة حـق, مـقـتـبـســة مـن كـتـاب الله, و ســنـة رســول الله, عـلـيـه أتـم و أعـم صـلـوات الله, خـلـصَـتْ نـقـيـَّة كـاســمـهـا, فـاغـتـنِـمْـهـا أيـهـا الـمـحـب الـلـبـيـب, فـإنـهـا مـن لـطـائـف الـنـفـحـات الـنـبـويـة, و مـن عـوارف الـبـركـات الـمـصـطـفـويـة, أمـرنـي بـكـتـابـتـهـا و إذاعـتـهـا – لـمـن يـريـد الله بـه الـخـيـر – حـبـيـبـي صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم, مـنـصـوصـة مـخـصـوصـة, جُـمَـلـُهـا جـمـيـلـة، و كـلـمـاتـهـا جـلـيـلـة, و بـركـاتـهـا جـزيـلـة، و ســجـلـَّهـا كـنـزُ فـضـيـلـة، و هـا هـي فـي مـجـلاهـا درة بـيـضـاء، و يـهـدي الله لـنـوره مـن يـشــاء، و الـحـمـد لله و كـفـى، و ســلام عـلـى عـبـاده الـذيـن اصـطـفـى.

بـَابٌ


في التوحِيْدِ وَحَقيْقَةِ المعْرفَةِ باللهِ تعَالى
 

قـال تـعـالـى: ( فـاعْـلـَمْ أنـَّهُ لا إلـه إلا الله ) و قـال ســبـحـانـه: ( قـُلِ الله ثـُمَّ ذرْهُـمْ فـي خـَوضِـهـِمْ يَـلـْعَـبُـونَ ) أمـرَ اللهُ حـبـيـبـه صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم بـالـعـلـم الـجـامـع الـمـحـيـط الأتــم، لـيـتـحـقـق انـه لا إلـه إلا الله بـعـلـمـه الـذي لا يُـشــاب بـجـهـل، و هـنـاك يـفـقـه عـن عـلـم مـســتـجـمـع لـجـمـيـعِ رقـائـق الـفـهـم، و طـرائـق الـعـقـل و حـقـائـق الإذعـان، بـالـدلـيـل و الـبـرهـان، و الـكـشــف و الـعـيـان، و الآثـار و الأخـبـار، ثـم يـتـرقـى إلـى ذروة الـعـلـم الـجـامـع فـيـعـلـم بـنـور الـمـؤثـر لا بـمـواد الآثـار، و بـإفـاضـة الـمـعـلـم لا بـتـرادُف الأخـبـار، و تـدرِكُ كـلُّ ذرَّةٍ مـنـه، فـيـمـا ظـهـر لـه و غـاب عـنـه، أنـه لا إلـه إلا الله، و حـيـنـئـذٍ يـقـول: الله، و يـذرُ كـلَّ ذي خـوضٍ فـي لـُجَّـةِ عـمـاه، و لا حـول و لا قـوة إلا بـالله، و يـنـتـهـض لاطـمـئـنـان قـلـبـه فـي مـشــهـده الإبـراهـيـمـي، و جـدَلِـه الـبـشــري، بـمـا اســتـودعـه خـالـقـُه فـي نـفـســه، فـيـســتـدلُّ عـلـى عـظـمـةِ بـارئِـه و ســلـطـانِ قـدســه، و يـرى الـغـائـب عـنـه كـالـحـاضـر مـعـه، لـلأدلـة الـتـي لا تـُنـقـض، و الـبـراهـيـن الـتـي لا تـرفـض، خـاطـره يـتـنـزَّل إلـيـه مـن لا مـكـان، و عـقـلـه يـأخـذ وارداتِ الـخـاطـر فـتـنـطـبـع فـيـه صـريـحـةَ الـبـيـان، و بـعـد أن تـُحـفـظ فـي لـوحـهـا، و تـعـيـهـا أذن الـفـكـر يـقـدر عـلـى تـرجـمـتـهـا الـلـســان، قـلـمٌ خـطـَّاط و لـوح مـحـفـوظ، و شــئُ غـائـب و كـأنـه مـشــهـودٌ مـلـحـوظ، و هـذه الـكـوامـن كـالـســمـع، و الـبـصـر، و الـحـسِّ، و الـشــم، و الـطـعـم، و الـكـلام، و الـمـنـبـعـثـات بـالأســبـاب مـنـهـا، كـالـغـضـب و الـرضـاء، و الـحـزن و الـســرور، و الـضـجَـر و الـنـشــاط، و الـهـمّ و ريـاضـة الـخـاطـر، و مـا يـمـاثـل كـلَّ ذلـك مـمـا هـنـالـك، تـُفـصِـحُ عـن مـوجـود، بـطـرْزٍ مـفـقـود، لـيـقـول لـعـقـل الـعـاقـل، لـســان الـحـكـمـة الـقـائـل: هـذه كـلـُّهـا عـلـى وجـود مـوجـودك بـراهـيـن، فـلا تـكـن مـن الـضـالـيـن، و قـل: ( إنَّ وَلِـيـِّيَ اللهُ الـذي نـزَّلَ الـكـتـابَ وَ هُـوَ يـتـوَلـى الـصَّـالـحـيـنَ ). و مـتـى عـرف الـمـرءُ نـفـســه بـمـا اســتـُودع فـيـهـا مـن الأســرار، عـرَف ربـَّـه فـآمــن بـه و أقـلـع عـن الأغـيـار، و اكـتـفـى بـتـعـظـيـم صـفـاتـه، عـن خـطـر الـخـَوْض بـكـُـنـْـهِ ذاتــه، لـعـجـزه بـحـدثـه عـن الـوصـول إلـى جـلال ســلـطـانـه الـقـديـم، و قـال لـعـقـلـه الـنـيِّـر عـنـد هـجـوم جـنـود الـشـُّـبـهـات: تــثــَّـبــتْ بـالله ( فـسَــيَـكْـفِـيـكـَهُـمُ اللهُ و هُـوَ الـسَّــمـيـعُ الـعَـلِـيـمُ ) و بـهـذا الـخـط يـرتـقـي فـي رتـبـة الإســلام إلـى رتـبـة الإيــمـان، ثـم إلـى رتـبـة الإحـســان، و يـفـهـم بـعـلـمـه قـول ســيـدِ خـلـقِ الله – عـلـيـه أجــلُّ و أشــرف صـلـوات الله – :" اعْـبُـدِ اللهَ كـأنـَّكَ تـراه " و مـن عـطـَّـل فـقـد ضـلّ، و مـن ازدلـف بـالـقـول إلـى الـوحـدةِ الـمـطـلـقـة فـقـد أشــرك و زلّ، و لـيـس لـلـنـجـاة مـن ســبـيـل، ســوى مـا أتـى بـه الـنـبـيَّ صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم، و هـذا هـو كـمـا رأيـت، فـتـمـسَّــك بـه أيـهـا الـمـحـبُّ و أنـت مـن الـنـاجـيـن، و الله ولـيُّ الـمـتـقـيـن.

بـَابٌ


في واجبات التوحيد
 





أشــرف واجـبـات الـتـوحـيـد الـخـوف مـن الله تـعـالي، فـالـذي يـوحـده ســبـحـانـه و يـخـاف مـنـه يـنـهـى الـنـفـس عـن الـهـوى، فـلا يـظـلـم أحـداً، و لا يـحـقـر أحـداً، و لا يـتـكـبـر عـلـى أحـد، و لا يـطـغـى بـالـفـانـيـات، و لا يـطـيـش بـالـمـســتـعـارات، يـدور مـع الـحـق حـيـث دار، و يـذكـر الله فـي الـحـركـة و الـقـرار، و يـقـوم مـظـهـراً لـلـخـيـر، نـافـعـاً لـخـلـق الله، ذا شــفـقـةٍ عـلـيـهـم، جـالـبـاً – حـســبـمـا يـمـكـنـه – صـنـوف الـنـفـع إلـيـهـم، يـرى الـبـعـيـد و الـقـريـب فـي الله ســواء، لا يـســتـخـفـه الـزمـان، و لا يـخـدعـه بـالـزائـلات الـشــيـطـان، واقـفـاً تـحـت لـواء نـص ( إنَّ عِـبَـادِي لـيـسَ لـكَ عـلـيـهـِم سُــلـْطـانٌ ) إن غـفـل نـدم و تـذكـر، و إن هـفـا لـعـدم الـعـصـمـة أنـاب و اســتـغـفـر، يـعـفـو إن تـمـكـن مـن نـفـســه عـمَّـن ظـلـمـه، و يُـحـســن إلـى مـن أســاء إلـيـه، و إذا لـم يـقـدِر عـلـى قـهـر نـفـســه وقــف فـي بُـحْـبـوحـة الـعـدل عـامـلاً بـحـكـم قـولـه تـعـالـي: ( فـمـنِ اعْـتـَدَى عـلـيـكـُمْ فـاعْـتـَدُوا عـلـيـهِ بـمـثـلِ مـا اعْـتـَدَى عـلـيـكـُمْ و اتـَّـقـُوا اللهَ ) أي تـحـقـقـوا بـالـخـوف مـن الله، فـلا تـتـعـدو الـمِـثـْـلـيَّـة، بـل لـيـكـن مـا اعـتـديـتـم بـه عـلـى مـن اعـتـدى عـلـيـكـم مـثـل مـا صـدر مـنـه، و مـن زاد فـقـد حـاد، و كـان مـن الـظـالـمـيـن ( و مـا لـلـظـالـمـيـن مـن أنـصـار ).

يتبع
 
 
 
 


 
و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
الانـتـصـار لله، و ذلـك هـو الانـتـصـار لأوامـره و نـواهـيـه، و مـعـنـى ذلـك هـو الأمـر بـالـمـعـروف و الـنـهـي عـن الـمـنـكـر، و مـتـى انـتـصـر الـعـبـد لله ، و قـام بـذلـك خـالـصـاً لـوجـه الله، يـنـصُـرْه الله، كـفِـل ذلـك الـقـرآن، و نـص عـلـيـه حـبـيـب الـرحـمـن صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :

الأخـذ بـمـا أتـى بـه رســول الله صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم و الانـتـهـاء عـمـا نـهـى عـنـه عـمـلاً بـقـولـه تـعـالـى: ( و مـا آتـاكـمُ الـرســولُ فـخـُـذوهُ و مـا نـَهَـاكـُمْ عَـنـْهُ فـانـْتـَهَـوا ).

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
الـشــفـقـة عـلـى خـلـق الله كـلـهـم، الـنـاطـق و الـصـامـت، الـعـلـوي و الـســفـلـي، لـيـتـحـقـق قـلـب الـعـبـد بـالـشــفـقـة، حـتـى عـلـى الـحـيـوانـات و الـنـبـاتـات و الـمـيـاه الـجـاريـة و الـنـســمـات الـســاريـة، فـلا يـرد لـذرة كـونـيـة إلا الـخـيـر إعـظـامـاً لـســلـطـان خـالـقـهـا جـلَّ و عـلا.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :

أن تـسُــرَّ الـعـبـد حـســنـتـه، و تـُســيـئـه ســيـئـتـة، فـرحـاً بـالله و خـوفـاً مـن الله.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :

أن تـضـمـحـل مـقـاصـد الـنـفـس و عـوائـق الـهـوى تـجـاه أمـر الله تـعـالـى.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
ســعـي الـمـرء بـإكـثـار الـحـســنـات، و إقـلال الـســيـئـات، طـمـعـاً بـكـرم الله و رهـبـاً مـن عـظـيـم ســلـطـانـه.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
الـتـأهـب دائـمـاً فـي كـل لـحـظـة لـلـقـاء الله بـالـعـمـل الـصـالـح، و تـنـزيـه قـدس الله عـن الـشــرك, تـحـقـقـاً بـســر قـولـه تعالى: ( فـمَـنْ كـان يَـرْجُـو لِـقـَاءَ رَبِّـهِ فـَلـْيـَعْـمَـلْ عـمـلاً صـالـحـاً و لا يُـشـْـرِكْ بـِعِـبـادة رَبِّـه أحَـداً ).

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
حـســن الـظـن بـالله تـعـالـى فـي كـل حـال، فـقـد جـاء فـي الـحـديـث الـقـدســي " أنـا عـنـد ظـن عـبـدي بـي ".

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :

مـوالاة مـن والـى الله، و مـعـاداة مـن عـادى الله، و مـن فـروع هـذا الأصـل الـتـبـاعـد عـن الـمـبـتـدعـة و أهـل الـزيـغ فـي الـمـعـتـقـدات، و الـقـائـلـيـن بـمـا لـم يـقـبـل الـتـأويـل مـن الـشــطـوحـات، و مـنـهـا أيـضـاً هـجـر أهـل الـحـط ِّعـلـى الأولـيـاء و الـصـالـحـيـن و الـعـلـمـاء الـعـامـلـيـن، و الـبـعـد عـن الـخـوَّاضـيـن بـالـمـســلـمـيـن، و الـمـفـســديـن الـذيـن دأبـهـم شــق عـصـا الأمـة، و الـمـفـرقـيـن بـيـن الأصـحـاب، و الـنـاقـمـيـن حـســداَ عـلـى الـنـاس، و الـمـتـهـاجـريـن بـالـمـعـاصـي،و الـغـمَّـازيـن و الـلـمَّـازيـن و الـكـذابـيـن و أهـل الـدعـوى، و الـمـنـتـصـريـن لأنـفـســهـم عـلـى الـحـق، و أربـاب الأغـراض، الـمـمـتـلـئـة قـلـوبـهـم بـالأمـراض، و الـنـاقـضـيـن عـهـودهـم، و الـقـاطـعـيـن مـا أمـر الله بـه أن يـوصـل، و طـوائـف أهـل الأهـواء.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
الـنـصـحـيـة لله تـعـالـى و لـكـتـابـه و لـرســولـه و لأئـمـة الـمـسـلـمـيـن و عـامـتـهـم، و الـقـيـام بـإرشــاد كـل مـن الـمـخـلـوقـيـن، بـكـل مـا يـمـكـن مـن بـذل الـنـصـحـيـة و الـبـر و الـقـول الـحـســن.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :

الـوقـوف عـنـد الـحـدود فـي الأقـوال و الأفـعـال و الأحـوال، و الـســيـر الـوســط فـي مـعـيـشــة الـنـفـس و الأهـل و الـعـيـال، و مـن يـؤول أمـرهـم إلـى الـمـرء، فـلا يـبـســط يـده فـيـضـجـر، و لا يَـغـلـُـلـهـا فـيُـقــَتــِّر، و لا يـبـخـل و لا يـبـذر، و يـكـون فـي شــؤونـه وســطـاً لـيـأخـذ مـن الـســنـة الأدب الـواجـب عـلـيـه، و لـكـيـلا يـســلـِّط مـؤاخـذة الـشــرع الـشــريـف عـلـيـه، و يـجـلـب أنـكـاد الـمـعـيـشــة إلـيـه.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
الاقـتـصـاد الـشــرعـي لـكـيـلا يـنـســخ بـالـتـبـذيـر و الـقـلـَّـة حـســن حـالـه مـع ربـه، و الـمـقـتـصـد أدبـه أدبٌ شــرعـي، فـيـه مـن الـبـركـة الـنـجـاح الـخـالـص، فـي الـحـال و الـمـآل، و الله الـولـي بـكـل الأحـوال.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
شــد مـئـزر الـعـزم بـإقـامـة أركـان الـديـن، بـالـصـدق و صـحـيـح الـيـقـيـن.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
حـســن الـتـوكـل عـلـى الله تـعـالـى، فـإنـه أعـطـى كـل شــي خـلـقـه، فـالاعـتـمـاد عـلـى الأســبـاب فـشــل، و الإهـمـال لـهـا خـلـل، و الـصـواب الأخـذ بـهـا أدبـاً، و الـنـظـر إلـى خـالـقـهـا ديـنـاً، و الـتـوكـل عـلـيـه إيــمـانـاً و يـقـيـنـاً.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
الـرضـا عـن الله تـعـالـى فـي كـل حـالـة، مـع الانـتـهـاض لـلأخـذ بـواجـبـات الـشــرع الـمـنـافـيـة لـلـكـســل و الـبـطـالـة، فـإن الله تـعـالـى يـكـره الـعـبـد الـبـطـَّـال، و مـن الـعـون فـي الأقـوال و الأفـعـال.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
هـزُّ هِـمـم الـمـسـلـمـيـن لـصـيـانـة أحـكـام الـديـن، فـإن الـنـبـي صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم أنـبـأنـا أن الله يـحـب الـمـؤمـن الـقـوي أكـثـر مـن الـمـؤمـن الـضـعـيـف، و ذلـك لأن الـمـؤمـن الـقـوي يـقـدر عـلـى نـصـر ديـن الله، و إعـلاء كـلـمـة الله، و الـضـعـيـف لا يـقـدر إلا خـويـصـة نـفـســه، و بـمـثـلـه لا تـقـول حـفـلـة الـديـن فـي الأرض، و قـد يـرحـم الله الـبـعـض بـالـبـعـض.

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
الـعـزم الـصـالـح فـي الأمـور كـلـهـا، لـتـكـون أعـمـال الـمـرء كـلـهـا نـاشــئـة عـن عـزم صـالـح, زبـدتـه الإخـلاص ( ألا اللهِ الـديـنُ الـخـالـص ).

و مـن واجـبـات الـتـوحـيـد :
الأخـذ بـالـعـدل فـي أمـر الـنـفـس و الـغـيـر أدبـاً مـع الله تـعـالـى ( ألا لـَهُ الـخـَـلـْقُ و الأمْـر ).



و فـي هـذا الـمـقـدار مـن هـذا الـبـاب كـفـايـة و الـتـوفـيـق مـن الله

بـَـابٌ


في مَـعْـرفــَةِ شــَـأنِ الـنـَّـبـِّـي

صلى الله عليه وسلم
 

هـو مـحـمـدٌ رسـولُ الله صـلـى الله تـعـالـى عـلـيـه و سـلـم ابـن عـبـد الله بـن عـبـد الـمـطـلـب ابـن هـاشــم بـن عـبـدِ مَـنـَـاف الـقـرشــيُّ الـعـربـيَّ الـمـكـيَّ الـمـدنـيُّ الأمـيُّ عـلـيـه أفـضـلُ الـصـلاةِ و أشــرفُ الـتـســلـيـمـات، اخـتـارهُ اللهُ مـن خـلـقـه، و أيـَّـدَهُ بـعـلـمـه، و اصـطـفـاهُ لـذاتـه، و صـوَّره مـن نـوره، و بـعـثـهُ هـاديـاً لـخـلـقـه، فـهـو عـبـدهُ و حـبـيـبـهُ و نـبـيـُّه و رســولـُه، و الـرحـمـة الـمـرســلـة، و الـبـركـة الـمـنـزلـة، و الـنـور الـدائـم، و الـنـوال الـســاجـم، جـاء لـيـتـمـم مـكـارم الأخـلاق، و لـيـمـحـقَ ســوءَ الإغـلاق، و مـثـالـب الـشــقـاق و الـنـفـاق، و لـيـدلَّ الـخـلـق عـلـى الـخـلاق، و لـيـوقـف كـل الـمـخـلـوقـيـن فـي حـضـرة الإطـلاق، و قـد أيـَّـدَهُ الله فـأظـهـر ديـنـه عـلـى الـدِّيـن كـلـه، و أوصـل بـه الـحـقَّ إلـى أهـلـه، فـلـن تـضـلَّ الأمـة مـا إنْ تـمـسَّــكـَتْ بـسُــنـتِـه، و لـن تـخـزَى مـا دامَـتْ فـي ســيـرِهـا و سِــيـرتـهـا عـلـى قـويـم مـحـجَّـتـه، لـم يـتـجـاوزْ رتـبـة الـعـبـديـة، و لـم يـطـمَـحْ إلـى الالـتـبـاس بـكـلِّ وصـفٍ لـه يُـوصـف مـن أوصـاف الـربـوبـيـة، نـزَّهَ اللهَ عـن مـجـانـســةِ الـحـادثـات و مـشــاكـلـةِ الـمـخـلـوقـات، و أحـكـم حـكـمـة الأدب مـع الـذرات، و ألـزم بـالـشــفـقـة فـي جـمـيـع شــؤونـات الـكـائـنـات، و وســعَ الـنـاسَ بـأخـلاقـه الـشــريـفـة، و هَـدَمَ صـوامـع الـغـرور و الـدعـاوي الـكـثـيـفـة، و أفـاض نـورَ الله إلـى الـعـامـلـيـن، و أفـرغ ســرَّ الـعـلـم الإلـهـي فـي طـبـقـات الأمـة، فـهـي تـتـقـلـَّب فـي مـوج بـحـر عـلـمـه إلـى يـوم الـديـن، و ســاوى بـشــرعـه بـيـن الأمـيـر و الـمـأمـور، و أوقـف صـنـوف أمـتـه مـع الـحـقّ، لا مـع الـغـرض فـي جـمـيـع الأمـور، و تـكـلـم بـلـســانِ الـحـقّ فـأقـنـع و أســمـع، و قـال : " لـن تـُـقــدَّس أمـة ٌلا يـؤخـذ فـيـهـا لـلـضـعـيـف حــقــُّـه مـن الـقـوي غـيـر مُـتـعْـتـع " و هـذ َّب بـالـعـلـم الإلـهـي كـل مـن تـحـت الـســمـاء، و وقـف تـحـت لـواء عَـدْلـه الـذئـب و الـشــاة فـي حـظـيـرة الأمـن ســواء، فـهـو أعـقـل الأنـبـيـاء و الـمـرسـلـيـن، و أعـلـم كـبـارهـم أجـمـعـيـن، و نـبـيُّـهـم فـي الـطـيِّ و الـنـشــر، فـهـو نـبـيٌّ و آدمُـهـم بـيـن الـمـاءِ و الـطـيـن صـلـوات الله عـلـيـه و عـلـيـهـم أجـمـعـيـن. إلـى أن يـرث الله الأرض و مـن عـلـيـهـا و هـو خـيـر الـوارثـيـن، فـالأنـبـيـاء و الـمـرســلـون عـلـيـهـم الـصـلاة و الـســلام كـلـهـم إخـوانـه، ألـزم بـإجـلالـهـم و إعـظـامـهـم و إكـرامـهـم و احـتـرامـهـم، و الإيـمـان بـهـم و بـكـل مـا أتــوا بـه عـن الله، و أمـرنـا عـلـيـه الـصـلاة و الـســلام أن لا نـفـرق بـيـن أحـدٍ مـنـهـم، غـيـر أن شــريـعـتـهُ صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم لـمَّـا كـانـتِ الـشــريـعـة الـجـامـعـة لـجـمـيـع فـهـومـهـم، الـمـحـيـطـة بـجـمـيـع عـلـومـهـم، الـتـي لـم تـبـدَّل و لـم تـحـرَّف، و لـم يُـغـيَّـر مـنـهـا نـصّ، و لـم يَـمَـسَّ أســاســهـا الـفـرقـانـي شــيـنٌ و لا نـقـص، فـلـذلـك كـانـت نـاســخـة لـلـشــرائـع لاســتـجـمـاعـهـا حـقـائـقـهـا و رقـائـقـهـا و دقـائـقـهـا مـن كـل عـبـادةٍ صـالـحـة و كـل حـكـمـة نـاجـجـة، لا يـشــكُّ بـذلـك إلا الـجـاهـلُ و الـمـكـابـرُ و الـغـافـل، و لـلـحـق مـن الـحـق بـراهـيـنُ و دلائـل، يـعـرفـهـا الـعـاقـل، و يُـذعِـن لـهـا الـعـالـم الـفـاضـل، فـقـلْ أيـهـا الـمـحـبُّ الـلـبـيـب بـعِـظـَمِ شــأن الـحـبـيـب صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم و لا تـنـدفـعْ بـه إلـى مـا قـالـه جـمـاهـيـرُ الأمـم الـمـعـلـومـة بـأنـبـيـائـهـم، فـجـعـلـوهـم لله أبـنـاء، و هـدمـوا مـن أركـان الـتـوحـيـد بـنـاء، و انـحـرفـوا عـن طـريـق الـصـواب، و فـتـحـوا مـن الأغـلاط فـي مـعـتـقـداتـهـم أوســع بـاب، و الـعـقـل يـردُّ مـا انـتـحـلـوه، و الـحـكـمـة تـصـدُّ مـا قـالـوه، إنـمـا أنـبـيـاؤهـم عـلـيـهـم الـصـلاة و الـســلام إخـوانُ نـبـيـنـا صـلـى الله تـعـالـى عـلـيـه و سـلـم فـي مـرتـبـتـه، و أشــبـاهُـهُ فـي مـنـزلـةِ عـبـوديـتـه، كـلـهـم عـبـيـدٌ لله، و لا إلـه إلا الله، هـذا هـو الـحـدُّ فـي هـذا الـمـقـام، و كـلـهـم خـاصـة الـنـوع الإنـســانـي و ســاداتـه و كـُبـراؤه الأجـلاء الـعـظـام، أعـطـاهـم الله الـحـظ الأوفـر، و جـلالـة الـقـدر و الـمـظـهـر، و أفـرغ فـي شــريـف قـوالـبـهـم و لـطـيـف قـلـوبـهـم قـدرة مـن قـدرتـه، فـيـهـا صَـدَرَتْ عـنـهـم الـمـعـجـزات، و ســرَتْ مـنـهـم إلـى أولـيـاء أمـمـهـم الـوارثـيـن لـهـم الـكـرامـات، و أجـلـُّهـم مـظـهـراً و حـظـاً، و أفـصـحـهـم نـطـقـاً و أعـذبـهـم لـفـظـاً، ســيـدنـا و ســنـدنـا و نـبـيـنـا مـحـمـدٌ الـمـصـطـفـى الـمـكـرَّم صـلـى الله عـلـيـه و عـلـيـهـم و سـلـم.

بـَـابٌ
في مَـعْـرفــَةِ شــَـأنِ الـنـَّـبـِّـي
صلى الله عليه وسلم
 




يتبع
قـال شــيـخُ مـشــايـخِـنـا الـجـدُّ الأمـجـد، الـغـوث الـمـفـرد، مـولانـا الـســيـد أحـمـد، الـكـبـيـرُ الـرفـاعـي الـحُـســيـنـي رضـى الله عـنـه و عـنـا بـه :


Code:
[size=48] [/size]



لم يخلقِ الرحمنُ في العالمِ كنورِ عينَيْ أبي القاسِمِ

 

من آدم جاء و من هاشِمٍ فخر لجنس العالم الآدمي

 
 

فـالـكـرامـات مـن مـعـجـزاتـه الـسـاريـة الـدائـمـة فـي أولـيـاء أمـتـه لـم تـزل إلـى يـوم الـقـيـامـة، و هـو حـيِّ فـي قـبـره، مـنـعـمٌ فـي مـرقـده الأنـور الأطـهـر، و قـد تـقـلـَّـب فـي الـسـاجـديـن، و أتـى نـقـيـاً مـن الأمـهـات الـطـاهـرات و الآبـاء الـطـاهـريـن، كـلـُّـهـم تـنـسَّـلـوا حُـرمـة لـجـنـابـه الـكـريـم بـمـحـض الـصَّـون الـربَّـانـي عـلـى نـكـاح الإسـلام، لـم يـشِـنـهـم نـكـاح الـجـاهـلـيـة، و هـذا الـقـول هـو الـراجـحُ أيـضـاً بـشـأن إخـوانـه الـنـبـيـيـن و الـمـرسـلـيـن، أهـل الـمـقـامـات الـعـلـيـة، و كـلـهـم وسـائـل إلـى الله، لـهـم شـفـاعـة مـقـبـولـة عـنـد الله، و أعـظـمـهـم وسـيـلـة و أجـلـهـم قـبـولاً نـبـيـنـا صـاحـب الـشـفـاعـة الـعـظـمـى فـي الـمـوقـف الـقـدسـي، إذ يـقـول : ( أمـتـي أمـتـي ) و يـقـول كـلُّ مـن الأنـبـيـاء : نـفـسـي نـفـسـي. و لأجـل وجـهـه الـكـريـم فـلـصـلـحـاء أمـتـه و أولـيـائـهـا شـفـاعـة مـنـصـوصـة، و بـركـة قـبـول ٍ مـخـصـوصـة، و هـم الـمـنـصـورون بـبـركـة جـاهِ رسـول الله صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم فـي الـدنـيـا و يـوم يـقـوم الأشـهـاد، و لـهـم بـه- عـلـيـه الـصـلاة و الـسـلام – هـذه الـمـنـزلـة عـطـاء كـريـم مـنـه الإمـداد، و بـيـده الإسـعـاد، جـلـَّـتْ قـدرتـه، و تـعـالـتْ عـظـمـتـه، إلـيـه الـمـصـيـر، و هـو عـلـى كـل شـيء قـديـر.
و فـي قـولـنـا: " مـنـه " أي: مـن الله تـعـالـى الإمـداد إلـى آخـر الـجـمـلـة
.
فـائِـدَة تـظـهـَـرُ لِـلـمُـتـَـدَبّـر 


و تـلـك أن الأمـة الـمـحـمـديـة تـقـول كـلـهـم : بـأحـقـيـة صـدور الـمـعـجـزات عـن الأنـبـيـاء صـلـواتُ الله و تـسـلـيـمـاتـُـه عـلـيـهـم أجـمـعـيـن، و جـمـاهـيـر أهـل الـسـنـة و الـجـمـاعـة يـقـولـون بـأحـقـيـة صـدورِ الـكـرامـات عـن الأولـيـاء رضـي الله تـعـالـى عـنـهـم، غـيـر أنـهـم لا يـثـبـتـون لـلـكـلِّ فـعـلاً يـصـدر عـنـهـم بـاسـتـبـداد مـنـهـم، إنـمـا أفـعـالـهـم تـصـدرُ عـنـهـم بـإمـداد الله تـعـالـى لـهـم، و هـو الـفـعَّـال الـحـقـيـقـي، و هـو مُـظـهـر تـلـك الأفـعـال، و مُـهـبـط تـلـك الأسـرار، كـالـشـمـس اسـتـودعـهـا الـضـوء، و كـالـلـيـل اسـتودعـه الـظـلـمـة، و كـالـنـار اسـتـودعـهـا الإحـراق، و كـالـمـاء اسـتودعـه الـرَّيّ ، فـصـدور الـضـوء عـن الـشـمـس، و الـظـلام عـن الـلـيـل، و الإحـراق عـن الـنـار، و الـرَّيّ عـن الـمـاء، لا يـمـكـن جـحـوده، و لـكـن لا يـنـبـغـي لـلـمـسـلـم الـعـاقـل إلا أن يـقـول: إن الله سـبـحـانـه و تـعـالـى أعـطـى الـشـمـسَ الـضـوء فـأضـاءت، و أعـطـى الـلـيـل الـظـلام فـأظـلـم، و أعـطـى الـنـار الإحـراق فـأحـرقـت، و أعـطـى الـمـاء الـرِّيَّ فـأروى، و كـذلـك كـلُّ الـمـسـتـودعـات عـلـويِّـهـا و سُـفـْـلـيِّـهـا مـن مـضـمـون خـبـر ( إن الله أنـزلَ الـداءَ و الـدواءَ فـَـتـداوواْ )، فـالـتدواي بـالـسـر الـمـسـتـودع مـن قِـبَـلِـهِ تـعـالـى فـي الـدواء لا بـذات الـدواء، و كـذلـك فـالاســتـمـداد و طـلـب الإغـاثـة و الإعـانـة فـي مـهـمـات الأمـور، و حـوادث الـدهـور مـن الأنـبـيـاء عـلـيـهـم الـصـلاة والـسـلام ، أو مـن الأولـيـاء عـلـيـهـم الرضـوان ، هـو لـلـسـر الـمـسـتـودع فـيـهـم مـن الله سـبـحـانـه و تـعـالـى، فـإنـه أعـزهـم و أعـطـاهـم مـكـرمـة، و قـَـبـِـلـَـهـم و تـولاهـم فـذواتـُـهـم لـهـذا الاخـتـصـاص مـحـتـرمـة، و هـمـمـهـم لـهــذا الإيـداع مـطـلـوبـة مـؤمـلـة، و الله سـبـحـانـه و تـعـالـى يـخـتـصُّ بـرحـمـتـه مـن يـشـاء. و قـد يُـرى الـرجـل الـعـالـم الـمـتـشـرع يـأتـي إلـى الـصـراف الـذي هـو مـن غـيـر مِـلـَّـة، و عـلـى غـيـر شـريـعـة، و يـقـتــرض مـنـه شـيـئـاً مـن الـدراهـم لـقـضـاء حـاجـتـه، فـهـل ذلـك الـعـالـم اسـترزق الـصـرَّاف؟ و اعـتـقـد أنـه يـرزقـه و يـقـضـي لـه بـمـا يـرزقـه إيـاه حـاجـة؟ فـلـيـس لـك أيـهـا الـعـاقـل إلا أن تـقـول: كـلُّ ذلـك لـم يـكـن ، و لـكـن الـعـالـم عَـلِـمَ أنَّ الله تـعـالـى تـصـرَّفـَـتْ قـدرتـُـه فـاسـتـودعـت الـدراهـم الـتـي تـُـقـضـي بـهـا الـحـاجـات عـنـد ذلـك الـصـرَّاف، فـذهـب ذلـك الـعـالـم لـلـمـحـل الـمـسـتـودع فـيـه الـدراهـم مـوافـقـاً لـلـفـعـل الإلـهـي مـسـتـرزِقـاً الـرازق الـحـقـيـقـي فـي الأخـذ مـن الـصـرَّاف، و مـسـتـمـنـحـاً الـكـرم الـربـانـي بـردِّ مـا أخـذ و قـضـائـه عـنـه، و حـيـث إن بـضـاعـة الـصـرَّاف الـمـسـتـودعـة عـنـده لـم تـسـوَ عـنـد الله جـنـاحَ بـعـوضـة فـلا حـرمـة و لا تـكـرمـة لـه فـي نـفـس ذلـك الـعـالـم، و أمـا الـمـسـتـودعـون عـلـوم الله و أسـراره و أنـواره و آثـار قـوتـه الـقـدسـيـة و بـراهـيـن آيـاتـه الـربـانـيـة فـهـم مُـكـرمـون مـعـظـَّـمـون مـحـتـرمـون، لإعـظـام شـان مـا اسـتـُـودعـوه عـلـى أنـهـم مــظـاهـر مـحـبـة الله تـعـالـى، و مـن يـحـبـه الله تـعـالـى يـجـب عـلـى عـبـاده إجـلالـه و إعـظـامـه حـيـاً و مـيـتـاً، فـإنـه مـحـلُّ الـسـرِّ الـمـسـتـودع الإلـهـي، و مـظـهـر الـمـحـبـة الـربـانـيـة، و هـاتــان صـفـتـان قـدسـيـتـان، و حـبـل الـصـفـة الـقـدسـيـة، لا يـنـقـطـع لا بـحـيـاة و لا يـمـوت، و إن الله حـيِّ لا يـمـوت لـه الـحـكـم و إلـيـه تـرجـعـون.


يتبع
فـتـشـبـثْ أيـهـا الـمـحـبُّ بـأذيـال مـن أحـبـهــم الله و اسـتـودعـهـم أسـراره، و تـوسَّـلْ بـمـحـبـة الله تـعـالـى لـهـم، و اتـخِـذهـم أبـوابـاً فـي شـؤونـك إلـى ربـك، و بـهـداهـم اقـتـده، و لـك الـفـوزُ فـي الأخـرى و الأولـى، و الـسـعـادة فـي الـدنـيـا و الـعُـقـْـبـى، و هـنـا سِـرُّ لـطـيـف، فـإنَّ الله سـبـحـانـه ابـتـلـى الأنـبـيـاء و الأولـيـاءَ بـمـا ابـتـلاهـم بـه، لـيـنـفـيَ لأولـي الـعـقـول مـا يُـخـامـر زُعـومَ الـبـعـض مـنـهـم مـن الـحـلـول و الاتـحـاد، تـعـالـى الله عـمـا يـقـولُ الـظـالـمـون عـلـواً كـبـيـراً.

و ذلـك كـمـا يـقـع لـبـعـض الأولـيـاء مـن الـسـقـوط فـي وَهـْدَة الـمـعـصـيـة، لـيـنـفـيَ عـن الـولـيِّ زعـمَ الـعِـصْـمـة الـتـي هـي لـلأنـبـيـاء و الـمـرسـلـيـن عـلـيـهـم الـصـلاة و الـسـلام، و فـي الـخـبـر ( أشـدُّ الـنـاس بـلاءً الأنـبـيـاء ثـم الـصـالـحـون ). كـل ذلـك لأسـرار ربـانـيـة قـامـتْ بـهـا الـحـكـمـة الإلـهـيـة، ظـاهـرهـا ابـتـلاء، و بـاطـنـهـا اعـتـنـاء، و لـه سـبـحـانـه الـتـصـرف الـمـطـلـق فـي مـلـكـه كـيـف يـشـاء، فـاعـلـم هـذا الـسـرَّ وقـفْ عـنـده، فـأكـمـل أهـل الـعـرفـان مَـنْ عـرف طـور هـُو لـم يـتـعـدَّ حـدَّه، و خـذِ الـعـبـوديـة الـمـحـمـديـة مـنـهـاجـاً، و الـطـريـقـة الـنـبـويـة مـعـراجـاً، و لا تـنـحـرف، و لا تـمـرُقْ و لـك الإطـلاق فـي الـمـبـاحـات، و أنـت مـقـيَّـد بـالـمـأمـورات ( فـاسـتـقـمْ كـمـا أمـرت ) 112سـورة هـود. و هـذه أثـقـلُ حـمـلـةٍ كـُـلـِّـف بـهـا روح الـوجـود، حـتـى قـال: ( شـيَّـبَـتـْـنـي هـود )، و صـلِّ عـلـيـه فـي كـلِّ آن و زمـان بـصـدق الـجـنـان و طـاهـر الـلـسـان، و أنـت حـيـنـئـذ فـي أمـورك كـلـهـا إن شـاء الله فـي بـحـبـوحـة الأمـان، و الله الـمـسـتعـان و عـلـيـه الـتـكـلان.


بـَابٌ


فـي وُجُـوبِ الـتـَّـمـسّـكِ بـالـسّـنـَّـةِ الـسّـنـَـيّـةِ

و الـتـَّـبـاعُـدِ عَـنِ الـبـِـدْعَـةِ الـسَّـيـئـّـة الـرَّدِيَـةِ
 

قـال الله تـعـالـى ( فـلـْـيَـحْـذرِ الـذيـن يُـخـالـفـونَ عـن أمـرِهِ أنْ تـُـصِـيـبَـهـُـمْ فـتـنـةٌ أو يُـصِـيـبَـهـُـمْ عـذابٌ ألـيـم ) 63 سـورة الـنـور، و الـفـتـنـة قـد تـكـون فـي الأمـر الـدنـيـوي، و قـد تـكـون – و الـعـيـاذ بـالله – فـي الأمـر الـدِّيـنـي، و لـذلـك حـذر الـقـرآنُ مـن مـخـالـفـة أمْـرِ الـنـبـيِّ صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم. و الـتمـسـكُ بـسُـنـَّـتـه صـلـى عـلـيـه ربُّـه فـيـه نـجـاحٌ دنـيـوي، و فـلاحٌ ديـنـي قـامـت عـلـى ذلـك الأدلـة الـعـقـلـيـة، و أتـتْ بـه الـبـراهـيـنُ الـنـقـلـيـة، و مـا فـشـلُ أمـرِ الـمـسـلـمـيـن فـي وقـتٍ إلا لـمـخـالـفـتـهـم الأوامـر الـنـبـويـَّـة، و إهـمـالـهـم شـدة الإعـتـصـاب لإحـيـاء الـسـنـَّـة الـسـنـيَّـة، و لـذلـك فـإذا كـثـر الـشـقـاق، و فـسـدتِ الأخـلاق، فـالـداعـي إلـى سـنـَّـة سـيـد الأنـام كـالـقـائـم بـإحـيـاء ذاتـه عـلـيـه الـصـلـوات و الـسـلام، و فـي الـخـبـر { مـن أحـيـا سُـنـَّـتـي فـكـأنـمـا أحـيـانـي }. و ورد أيـضـاً: { مـن تـمـسَّـك بـسُـنـَّـتـي عـنـد فـسـادِ أمـتـي فـلـه أجْـرُ مـئـة شـهـيـد}. و قـد زلَّ عـن طـريـق الـصـواب أنـاسٌ فـي هـذا الـبـاب، فـأرادوا الـعـمـل بـمـا يـقـرؤون فـي كـتـب الأحـاديـث و الأخـبـار، يـزعـمـون رفـضَ الـتـقـلـيـد لـلأئـمـة – أعـنـي الأربـعـة الـذيـن جـمـع الله كـلـمـة الـمـسـلـمـيـن عـلـى الـقـول بـمـذاهـبـهـم – و هـذا مـنـتـهـى الـخـطـأ، عـلـى أنَّ إجـمـاع أهـلِ الـسـنـة عـلـى الأخـذ بـمـذاهـب هـؤلاء الأئـمـة الأربـعـة، أعـنـي الإمـام الـشـافـعـيَّ و الإمـام أبـا حـنـيـفـة و الإمـامَ مـالـكـاً و الإمـام أحـمـد رضـي الله عـنـهـم أجـمـعـيـن، و ذلـك لأنـهـم اسـتـجـمـعـوا دقـائـق الـعـلـم بـالـسـنـة، و أخـبـارهـا و آثـارهـا و رواتـهـا و طـُـرُق أسـانـيـدهـا، و انـتـهـى لـهـم إذ ذاك الـعـلـم بـكـتـابِ الله تـعـالـى و تـفـسـيـرهُ و تـأويـلـه، مـع الـفـقـه الأجـمـع الأتـمّ بـأعـمـال رسـول الله صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، و بـأعـمـال الـصـحـابـة و الـفـقـهـاء مـن الـتـابـعـيـن و تـابـعـيـهـم، و الاطـلاع الـوثـيـق عـلـى حِـكـَـم اجـتـهـاداتـهـم و أسـبـابـهـا، و كـان اخـتـلافـُـهـم لـذلـك رحـمـة لـلأمـة فـإنـه مـا هـو خـلاف، فـمـن أخـذ بـقـولِ واحـدٍ مـنـهـم فـقـد وُفـِّـق، إذ كـلـهـُّـم عـلـى هـُـدى، و لـقـائـلِ أن يـقـول: الـحـقُّ لا يـتـعـدَّد. قـلـنـا: نـعـم، و لـكـنَّ اخـتـلافَ أولـئـك لـم يـكـنْ مـن هـذا الـقـبـيـل، بـل هـو اجـتـهـادٌ فـي الـحـق، اخـتـلـفَ الـطـريـق و لـم يـخـتـلـف الـمـقـصـد، فـالـحـق لـم يـزل لـدى كـلِّ واحـدٍ مـنـهـم، قـَـصْـداً يـذهـب إلـيـه، و يـعـوّلُ فـي الـعـمـل عـلـيـه، و كـلُّ واحـدٍ مـنـهـم اســـنـد فـيـمـا ذهـب إلـيـه إلـى عـمـل صـحـيـح، صـدر عـن الـنـبـيِّ صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، أو عـمـل أحـدِ الآلِ، أو أحـد الـصـحـابـة، أو أحـد الـتـابـعـيـن. و أعـمـالـُهـم و أعـمـالُ مـن قـال بـأقـوالـهـم، مـن عـلـمـاءِ الـديـن لـصـادقـيـن، لابـدَّ و أنْ يـسـتـنـد إلـى نـصِّ قـولـي، أو عـمـل جـلِـيّ، صـدر مـن الـمـصـطـفـى صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم و هـو أعـلـم مـنـَّـا بـذلـك، و أخـبـرُ بـحـقـائـق كـلِّ مـا هـنـالـك، فـالـقـول بـأقـوالـهـم و الأخـذ بـهـا لـم يـكـن تـقـلـيـداً لـهـم، إنـمـا هـو مـوافـقـة لـهـم فـي الـقـول، و تـقـلـيـدٌ لـلـمـعـصـوم الـكـريـم – صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم – فـي الـعـمـل.
و مـثـال ذلـك أنَّ الـعـامـل يـأمـرُ بـالأمـر فـتـطـيـعُـه فـيـه الـعـامَّـة، و كـلِّ مـنـهـم يـعـلـم أنَّ الـطـاعـة لـلـعـامـل فـي ذلـك الأمـر لـم تـكـن لـه، و إنـمـا هـي لـصـاحـب الأمـر، أعـنـي الـخـلـيـفـة فـي الـعـصـر عـن الــنـبـيِّ صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، و عـلـى هـذا فـالـتمـسُّـك بـقـول أحـدِ هـؤلاء الأئـمـة الأربـعـة الـكـرام هـو تـمـسُّـكٌ بـسُـنـَّـتـه صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، و مـن الـبـِـدْعَـةِ الانـحـرافُ عـن طـُـرُقـهـم أخـذاً بـالـرَّأي الـمـجـرَّد، و مـع ذلـك فـلا نـكـفـِّـرُ أهـل الأهـواء إلا بـمـا فـيـه نـفـيُ الـصـانـع، أو بـجـحـود مـا جـاء بـه الـرسـولُ صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، فـإن تـكـفـيـرَ أهـل الـقـبـلـةِ أمـرٌ خـطـيـر. نـعـم يـجـب عـلـيـنـا الـنـُّـصْـح لـلـمـبـتـدع لـنـقـوم بـحـق قـولـه تـعـالـى: ( ادْعُ إلـى سـبـيـلِ ربِّـكَ بـالـحـكـْـمَـةِ و الـمـوعـظـةِ الـحـسـنـة ) 125 سـورة الـنـحـل، و إذا أصـرَّ عـلـى الـبـدعـة الـسـيـئـة فـيـجـب عـلـى الـمـسـلـمـيـن ردُّه أولاً بـالـلـسـان، و عـلـى الأمـراء ردُّ الـمـبـتـدع بـالـيـد، و مـن لـم يـفـعـل ذلـك مـن الـفـئـتـيـن يـكـْـن مـؤاخـذاً مـن قِـبـلِ الله و رسـولِـه صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، و عـلـى الـعـلـمـاء الاهـتـمـام بـبـثِّ أخـلاقِ الـنـبـيِّ صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم فـي الأمـة لـيـوفـوا حـقَّ الـعـلـم الـشـرعـي الـمـُـفـاضَ إلـيـهـم مـن بـحـر شـريـعـة الـشـارع الـكـريـم صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم. و عـلـى أهـل الأحـوال الـصـادقـة مـن رجـالِ الـطـُـرق الـعـلـيَّـة خـدَّامِ الـقـوم، أهـل الله – رضـوان الله عـلـيـهـم – بـذلُ الـجـهـد بـإفـراغ أحـوال الـنـبـيِّ صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم فـي الأمـة لـيـنـهـض بـهـم حـالـُـه عـلـيـه الـصـلاة و الـسـلام إلـى الـغـَـيْـرة فـي الله، فـيـعـلـو بـذلـك أمـرُهـم فـي ديـنـهـم و دنـيـاهـم، و عـلـى الـعـلـمـاء و رجـالِ الـطـُـرق إفـراغُ الـعـلـم و الـحـال الـمـحـمـديَّـيْـنِ فـي الأمـة، و إنْ لـم يـكـن ذو الـعـلـم أو الـحـال مـسـتـمـداً مـن ظـاهـر الـشـرع و صـريـح الـنـص فـدعـواه مـردودة عـلـيـه، و هـو كـاذبٌ سـيَّـمـا أهـل الـشـَّـطـْـح الـذي يـتـجـاوز حـدَّ الـتـحـدُّث بـالـنـعـمـة، فـإنَّ الـشـَّـرْعَ الـشـريـف فـتـاشٌ عـلـى الـشـُّـطـَّـاح، و لا جـرم فـإنَّ الـشـطـح أثـرُ رعـونـةٍ فـي الـنـفـس تـظـهـر عـلـى لـسـان الـمـغـلـوب، و تـارة عـلـى لـسـان الـطـيَّـاش الأحـمـق، فـالـمـغـلـوب بـسـكـْـرَةِ الـحـال مـعـذور، و لـكـنْ لا تـُـسـمـع لـه مـن شـطـحـاتِـهِ كـلـمـة، بـل و لا تـُـنـقـل و لا تـُـقـبـل، و بـعـضُ كـلـمـاتـه تـُـأوَّل، و الـتـأويـل يـكـون لـكـلـمـات الـكـُـمَّـل، فـإن قـَـبـِـلـَـت الــتـأويـل أوَّلـنـاهـا، و مـا نـقـلـنـاهـا و لا حـرَّرْنـاهـا، عـلـى أنَّ هـذا الـتـأويـل لـوقـايـةِ قـائِـلـهـا مـن مـؤاخـذةِ الـشـرع الـشـريـف لا غـيـر.
و إنْ كـانـتْ لا تـقـبـل الـتـأويـل ردَدْنـاهـا عـلـى قـائـلـهـا كـائـنـاً مـن يـكـون، فـقـد قـال إمـامُ دار الـهـجـرة عـلـَـمُ الأئـمـة الإمـام مـالـك رضـي الله عـنـه: مـا مـنـَّـا إلا مـن رَدَّ أو رُدَّ عـلـيـه، إلا صـاحـبُ هـذا الـقـبـر صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، و لـنـا فـرجـة أخـرى فـي هـذا الـبـاب، و تـلـك إذا أسـنـدتْ كـلـمـة لا تـقـبـلُ الـتـأويـل لـعـارفٍ غـيـر مُـدرك نـعـتـقـدُ أنـهـا دُسَّـت عـلـيـه، و هـو مـبـرأ بـالـنـظـر إلـى كـمـالـه، و صـلاح حـالـه و قـويـم أفـعـالـه، و مـصـونٌ مـن كـلِّ قـولٍ يـخـالـفُ الـشـرعَ الـشـريـف، و قـد نـصَّ الـبـعـضُ مـن أهـل الـكـمـال عـلـى وقـوع الـدسِّ الـكـثـيـر فـي كـتـب الـعـارف الـشـيـخ مـحـيـي الـديـن ابـن الـعـربـي طـاب ثـراه عـلـيـه رحـمـة الله.

و لـنـا حـمـلُ الـمـسـلـم عـلـى الـصـلاح فـمـا بـالـك بـالـعـارفـيـن مـن الـمـسـلـمـيـن؟ و حـيـثُ إن الـدسَّ مـمـكـن، و الـشـرع مُـلـْـزمٌ بـحـمـل الـمـسـلـمـيـن عـلـى الـصـلاح، فـوَجْـه الـسـلامـةِ هـو مـا ذكـرنـاه و الله الـمـعـيـن.

بـَابٌ


فـي مـعـرفـة مـقـاديـر آل الـنـبـي صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم


و أصـحـابـه الـكـرام، و وجـوب مـحـبـتـهـم و حـرمـتـهـم و مـحـبـة الـصـالـحـيـن
و الـعـارفـيـن و الـعـلـمـاء الـعـامـلـيـن و الـنـظـر إلـى الـمـسـلـمـيـن بـعـيـن الـرعـايـة
و الـحـرمـة إجـلالا لـشـأن الـنـبـي صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم

هـذا مـع الـشـفـقـة عـلـى خـلـق الله تـعـالـى كـلـهـم
عـلـى اخـتـلاف أجـنـاسـهـم و أديـانـهـم و مـعـارف ذواتـهـم
 

أمـا آل الـمـصـطـفـى صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم و عـلـيـهـم، فـهـم مـن أجـزائـه الـنـوارنـيـة الـمـقـدسـة، بـضـعـة مـنـه، بـثَّ الله مـنـهـا الـكـثـيـر الـطـيِّـب قـال تـعـالـى : ( قـُـل لا أسـألـكـم عـلـيـه أجـْراً إلا الـمـودَّة فـي الـقـُـرْبَـى ) 23الـشـورى. فقـد ألـزمـنـا الـكـتـابُ الـعـزيـز بـمـودتـهـم و مـحـبـتـهـم، و ذلـك مُـرضٍ لـرسـول الله صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، جـاء فـي الـخـبـر عـن الـنـبـي صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم : { أهـلُ بـيـتـي أمـانٌ لأهـل الأرض، كـمـا أن الـشـُّـهـُـبَ أمـانٌ لأهـل الـسـمـاء } فـمـن يُـردِ الله بـه الـخـيـر يـوفـِّـقـْـه لـمـحـبَّـة أهـل الـبـيـت الـنـبـوي فـيـسـعـد بـمـودتـهـم و مـحـبـتـهـم، و الـنـظـر إلـيـهـم بـمـا يـجـبُ عـلـيـه مـن الـرحـمـة و الـرأفـة بـهـم، و الـوقـايـة لـمـجـدهـم، و الإعـظـام لـهـم حُـرْمـة لـجـدِّهـم صـلـى الله تـعـالـى عـلـيـه وسـلـم، و لا شـكّ فـالـمـنـحـرف عـنـهـم الـمـبـغـضُ – والـعـيـاذ بـالله – لـهـم هـو مـمـكـورٌ و لـيـس بـمـعـذور ( و سَـيَـعْـلـَـمُ الـذيـن ظـلـمـوا أيَّ مُـنـْـقـَـلـَـبٍ يَـنـْـقـَـلِـبـون ) 227الـشـعـراء.

و أمـا أصـحـابُ الـنـبـي – صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم
– فـهـم أعـوانـُـه و أنـصـاره، و خـُـدَّامـه الـذيـن أيَّـدَ الله بـهـم الـدِّيـن، و أعـلـى بـهـم كـلـمـة الـشـرع الـمـبـيـن، و بـثَّ بـِـهـمَـمِـهـم ديـنَ الله فـي الـعـالـمـيـن.

و الـخـلـفـاء
مـنـهـم أعـيـانُ الأمَّـة و أئـمـتـهـا أوجـبَ اللهُ لـهـم الـطـاعـة.قـال تـعـالـى : ( أطِـيـعُـوا اللهَ و أطِـيـعُـوا الـرسـولَ و أولـي الأمـرِ مِـنـْـكـُـمْ ) 59 الـنـسـاء. و قـد فـَـهـِـمَ أهـلُ الـقـلـوب الـذيـن كـشـف الله لـهـم بـبـركـة رسـولـه – صـلـى الله تـعـالـى عـلـيـه وسـلـم – حُـجُـبَ الـغـُـيـوب مـن نصِّ هـذه الآيـة الـكـريـمـة أنَّ أولـي الأمـرِ الـذيـن يـقـومـونَ بـه فـي الأرض هـم مـن الأئـمـة لا مـن الـعِـتـْـرَة عـلـى الـغـالـب، و قـد أوجـب تـعـالـى طـاعـتـهـم، و الـطـاعـة أخـتُ الـحُـرْمـة، فـإنَّ مـن قـال بـحـرمـةِ امـرئٍ ألـزمَـتـْـه حُـرْمَـتـُـه لـه بـالـطـاعـة عـلـى الـغـالـب.

فـلـلآل الـمـودَّة، و لـلـصِّـحـاب الـحُـرمـة، و فـي الـتـعـبـيـرَيْـن الـمـعـنـى واحـد، مـخـتـلـفٌ طـريـقـُـه، مـتـَّـحِـدٌ مـآلـُـه.

فـالـزَم
أيـهـا الـمـحـبُّ مـودة الـنـبـي صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم و قـُـل بـحـرمـة أصـحـابـه و أنـصـاره و أعـوانـه، و إيَّـاك و الـحَـطَّ عـلـى واحـدٍ مـنـهـم، فـإنـهُ مـات – عـلـيـه الـصـلاة و الـسـلام – و هـو راضٍ عـنـهـم، فـاذهـبْ إلـى مـا ذهـبَ إلـيـه، و عـوَّلْ فـي أمـر ديـنـك و دنـيـاك عـلـيـه.

و أمـا مـا أوقـعـه الـقـَـدرُ
بـعـد وفـاتـه صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم بـيـن الـصـحـابـة و الآل – رضـي الله عـنـهـم أجـمـعـيـن – فـإنـه مـن سـلـطـان الـقـدر لـيـمـتـحـنَ اللهُ بـهـاتـيـك الـوقـائـع قـلـوبـاً، و غـايـة مـا أجـمـعَ عـلـيـه أهـلُ الـحـقِّ تـركُ تـلـك الأمـور إلـى الله ( تـلـك أمـة قـد خـَـلـَـتْ ) 134الـبـقـرة. فـاشـتـغـلْ بـمـا يـعـنـيـك، و اطـرَحْ مـا لا يـعـنـيـك، أحـبـبِ الـقـرابـة و احـفـظْ حُـرْمـة الـصـحـابـة تـَـسْـلـَـمْ فـي مـعـتـقـدك و تـغـنـم.

و أمـا الـصـالـحـون و الـعـلـمـاءُ الـعـامـلـون،
فـقـد يـدفـعُ اللهُ تـعـالـى بـصـلاحـهـم عـن الأمـة الأسـواء، و يُـرشـد بـعـلـومـهـم جـمـاهـيـر الأمـةِ إلـى طـريـقِ الـسَّـواء، و الـعـلـمـاء ورثـة الأنـبـيـاء، و كـلـُّـهـم أمَـرَنـا نـبـيـنـا صـلـى الله عـلـيـه و سـلـم بـالـرجـوع إلـيـهـم، و الـتـعـويـل فـي أمـر الـديـن عـلـيـهـم.

وقـد كـان الإمـامُ الـشـافـعـي و الإمـام أحـمـد
يـخـتـلـفـان إلـى شـيـبـان الـراعـي رضـي الله عـنـهـم أجـمـعـيـن، فـقـيـل لـهـمـا: مـع شـرفِـكـمـا و مـا أنـتـمـا عـلـيـه مـن الـعـلـم و جـلالـةِ الـقـَـدرِ تـخـتـلـفـان إلـى هـذا الـبـدويِّ لـلأخـذِ مـمَّـا عـنـده؟؟ فـقـالا : نـعـم. قـيـل لـرسـول الله صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم : مـاذا تـصـنـع يـا رسول الله إذا عُـرض أمـرٌ لـم تـجـد لـه شـيـئـاً – يـعـنـي نـصـاً صـريـحـاً – فـي كـتـاب الله و لا فـي سـنـتـك؟؟ فـقـال : { اسـألـوا الـصـالـحـيـن } و مـن هـذا يـفـهـم الـلـبـيـب أنَّ الـصـالـحـيـن مـرجـع الأمـة فـي كـل مـهـمـة و مـلـمَّـة، كـان ذلـك بـتـعـلـيـم رسـول الله صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم. و الـعـلـمـاء الـعـامـلـون هـم الـصـالـحـون الـجـامـعـون بـيـن الـحـال و الـمـقـال. فـالـرجـوعُ إلـيـهـم و احـتـرامـهـم و تـعـظـيـمُ شـؤونـهـم يـكـون مـن تـعـظـيـم أمـر الـنـبـيِّ صـلـى الله تـعـالـى عـلـيـه وسـلـم.

و أمـا الـشـفـقـة عـلـى خـلـق الله كـلـِّـهـم
فـهـي دأب الـمـصـطـفـى صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم و أدبُـه، و فـي الـخـبـر { خـيـرُ الـنـاس مـن يـنـفـع الـنـاس } و أيـضـاً: { الـخـلـقُ كـلـُّـهـَـم عـيـالُ الله و أحـبُ الـخـلـقِ إلـى الله أنـفـعُـهـم لـعـيـالـه }.

و الـشـفـقـة عـلـى ذراتِ الـحـادثـات الـعُـلـويَّـات و الـسُّـفـْـلِـيَّـات مـلـزِمـة بـالـسـعـي – مـهـمـا أمـكـن– بـجـرِّ الـنـفـع إلـى كـل ذرةٍ مـنـهـا، و قـد قـيـل: الـرجـل الـبَـرْ لا يـؤذي الـذر. هـذا حـكـم ديـن الإسـلام و كـفـى بـالله ولـيـاً.

بـَابٌ


فـي الـجـمـع بـيـنَ مـشـربـي الـعُـلـمـاء الـعـامـلـيـنَ

و الـمـشـايـخِ الـعـارفـيـنَ نـفـعَ اللهُ بـهـمْ أجـمـعـيـنَ
 

الـعـلـمـاء الـعـامـلـون أخـذوا بـالـنـصـوص، فـي الـعـمـوم و الـخـصـوص، فـهـم فـي أعـمـالـهـم و أقـوالـهـم مـقـيَّـدون بـالـنـصّ، عـامـلـون بـه، كـلٌّ مـنـهـم عـلـى مـا ذهـب إلـيـه إمـامـه ذاهـب، و بـقـولـه قـائـل، و بـعـلـمـه عـامـل، اتــَّخـذهُ دلـيـلاً، و قـلـَّـد فـي أعـمـالـهِ الـمـعـصـومَ الأعـظـم صـلـى الله تـعـالـى عـلـيـه و سـلـَّـم، لا يـنـفـكُّ أحـدُهـم عـن هـذا الـنـمـط الـكـريـم أبـداً، فـهـو ولـيِّ مـن أولـيـاء الله تـعـالـى يُـتــَّبـع و يُـعـتـقـد، و يُـقـبـل قـولـهُ و يُـنـقـل.

و الـمـشـايـخ الـعـارفـون أخـذوا – مـع الـعـمـل بـالـمـنـصـوص – بـإشـغـالِ الـقـلـوب و تـهـذيـبـهـا بـالإخـلاص الـكـامـل فـي كـلِّ أعـمـالـهـم، و بـالـمـخـالـفـة لـنـفـوسـهـم فـي كـلِّ أحـوالـهـم، حـتـى انـتـهـضـوا لـلأخـذ بـالـعـزائـم، و عـدُّوا الأخـذَ بـالـرُّخـَـص مـن أحـوال الـضـعـفـاء، و تـحـقـَّـقـوا بـالاتـِّـبـاع بـالـقـول و الـعـمـل و الـحـال، و مـشـربُـهـم هـذا هـو عـيـنُ مـشـرب الـعـامـلـيـن، غـيـر أنـهـم دقـقـوا الـنـظـر بـإحـكـام الأحـكـام الـتـي جـاء بـهـا الـخـبـر، فـلـذلـك ظـهـرتْ عـلـى أيـديـهـم آثـار تـلـك الأحـوال الـنـبـويـة الـصـادقـة، و أفـاض الله تـعـالـى إلـيـهـم كـل مـزيـة جـلـيـلـة، و كـلَّ كـرامـة خـارقـة.

و أجـلـُّـهـم مـن تـحـلـَّـى مـع هـذا الـحـال بـالـعـلـم الـنـيـِّر و جـمـع الـعـمـلَ و الـحـال، فـمـثـل ذلـك الـرجـل يُـعـد مـن أعـيـانِ الـفـريـقـيـن، و مـن صـدور الـطـائـفـتـيـن، و هـم و إن قـسَـمْـنـَـاهـم إلـى قـسـمـيـن، و عـدّدْنـاهـم طـائـفـتـيـن، فـفـي حـقـيـقـة الأمـر هـم ركـبٌ واحـد، كـلـُّـهـم فـي عـمـلـه إلـى الله راجـعٌ و عـائـد، ورِثـوا الأنـبـيـاء الـذيـن لا نـفـرِّق بـيـن أحـد مـنـهـم – رضـي الله عـنـهـم –.

فـعـلـيـك أيـهـا الـمـحـبُّ بـإعـظـام الـركـْبـَيـن، و مـحـبـة الـفـريـقـيـن، و أعـلـم أن مـن شـذ مـن الـعـلـمـاء عـن الـمـشـرب الـذي وصـفـنـا بـه الـعـلـمـاء الـعـامـلـيـن، فـهـو مـن عـلـمـا الـسـوء و مـن الـبـطـالـيـن. و مـن شـذ عـن الـمـشـرب الـذي وصـفـنـا بـه الـمـشـايـخ الـعـارفـيـن فـهـو مـن الـكـاذبـيـن، أو مـن الـجـاهـلـيـن. فـنـقِّ نـفـسـك فـي الـطـريـقـيـن مـن وصـف الـشـاذيـن عـن الـمَـنـْـهـَـجَـيْـن، والله ولـيُّ الـهـدايـة، و مـنـه الـتـوفـيـق و الـعـنـايـة.

بـَابٌ


فـي تـعـريـف أصـنـاف الأولـيـاء رضـي الله عـنـهـم
 

مـن صـنـوف الأولـيـاء رجـلٌ أخـذ الأدب طـرزاً، و الـفـقـر إلـى الله كـنـزاً، عـاش مـع الـنـاس كـواحـدٍ مـنـهـم، لا يـمـيـزه إلا الـدقـيـق الـفِـكـر عـنـهـم ، و مـنـهـم مـن وقـف فـي مـقـام الـحـيـرة مـنـدهـشـاً لا يـبـدي و لا يـعـيـد، إذا رآه الـمـفـتـون قـال : هـذا مـجـنـون . يـقـتـصـر عـلـى الأوامـر فـيـعـمـل بـهـا، و عـلـى الـنـواهـي فـيـجـتـنـبـهـا و تـصـعـد هـمـتـه إلـى مـطـلـوبـه مـن طـريـق حـيـرتــه.

و مـنـهـم
مـن غـلـبـة الـزهـد فـزهـد نـفـسـه و غـيـره، فـأخـذ بـه زهـده إلـى مـنـصـات الـعـارفـيـن و مـراتـب أهـل الـيـقـيـن.

و مـنـهـم
مـن تـقـرب إلـى الـبـاب بـالـبـذل و الـسـخـاء و الـتـواضـع الـخـالـص، فـاكـسـبـه ذلـك سـمـواً فـي مـقـامـه، و ارتـقـاء فـي مـنـزلـتـه، فـأصـبـح و هـو عـلـى فـراشـه سـابـقـاً لـلـقـوافـل، واصـلاً إلـى أكـرم الـمـنـازل.

و مـنـهـم
مـن نـشـط بـالـصـدق فـإذا قـال صـدق، و إذا عـمـل صـدق، و إذا أخـذ صـدق، و إذا أعـطـى صـدق، و إذا قـام صـدق، و إذا قـعـد صـدق، فـنـفـعـه صـدقـه، و أثـبـت بـبـركـة صـدقـه فـي دفـاتـر أهـل الـصـدق الـمـقـربـيـن.

و مـنـهـم
مـن قـهـر نـفـسـه فـي كـل أحـوالـه، و خـالـفـهـا فـي كـل آمـالـهـا، و وقـف رقـيـبـاً عـلـيـهـا، مـحـاسـبـاً لـهـا عـلـى كـل نـفـس، فـارتـقـى بـذلـك إلـى الـمـقـام الأنـفـس.

و مـنـهـم
مـن طـالـب بـالـذكـر، و اسـتـنـار بـالـفـكـر، فـقـلـبـه بـالـذكـر هـائـم، و عـقـلـه بـالـفـكـر مـسـتـنـيـر، يـأخـذ قـلـبـه بـركـة الـذكـر فـيـضـيء، و يـجـتـذب عـقـلـه آثـار صـحـة الـفـكـر فـيـطـيـب، و لـه مـن الـطـريـقـيـن نـصـيـبٌ حـسـن و أيُّ نـصـيـب!.

و مـنـهـم
مـن صـح حـالـه، و اعـوج مـقـالـه، فـلـسـانـه لـسـان الـعـوام، و حـالـه حـال الـخـواص، أوقـاتـه مـع ربـه مـعـمـورة، و خـلـواتـه و جـلـواتـه بـصـحـيـح الـحـال مـبـاركـة و مـبـرورة.

و مـنـهـم
مـن عـلا قـالـه، و انـحـط عـنـه حـالـه، فـهـو فـي مـنـزلـة الـسـيـر إن لـحـق حـالـه قـالـه أكـمـل – حـيـنـئـذ – الـكـريـم حـالـه، و إلا فـهـو مـن صـفـوف الـبـاب و إلـى الله الـمـآب.

و مـنـهـم
مـن جـمـع بـيـن عـلـو الـمـقـام و سـمـو الـحـال، و مـثـل هـذا يـعـربـد و يـشـطـح، و إن الـتـذ بـقـالـه و طـاب بـحـالـه ادعـى و تـبـجـح، فـهـو و إن كـان قـبـل انـخـراطـه فـي وَهْـدَةِ الـشـطـح ولـيـاً، غـيـر أنـه فـي حـالـة الـشـطـح يـسـقـط مـن مـرتـبـتـه، كـسـقـوط الـنـائـم عـن مـرتـبـة الـيـقـظـة إلـى أن يـســتـيـقـظ، و ذلـك الـرجـل كـذلـك، يـســقـط بـســبـب شــطـحـه و عـربـدتـه، و هـنـاك يـعـودُ إلـى مـنـزلـة ولايـتـه، و مـن ثــَمَّ قـال قـائـلـهـم : الـشـطـَّاح لا يـكـون ولـيـاً عـنـد الله حـالـة الـشـطـح.

و مـنـهـم
مـن يـصـفـو لـه الـحـال و يـعـذب مـنـه الـمـقـال، فـهـو و إن لـم يـكـن ربَّ مـقـال غـيـر أنـه لـصـفـوِ الـحـال لا يـتـجـاوز حـدَّ الـتـحـدث بـالـنـعـمـة فـي الـمـقـال.

و مـنـهـم
أمـيُّ لـسـانٍ عـالـمُ قـلـب، اتـخـذه ربـه ولـيـاً، فـعـلـمـه و هـذبـه و أكـرمـه بـسـبـك مـعـانـي عـلـوم الـخـواص، فـي كـلـمـات أطـراف الـعـوام، يـعـرف مـثـل ذلـك الـرجـل مـن صـفـا قـلـبـه، و صـح مـن الـقـوم أدبـه، و حـسـن نـظـره، و طـاب مـخـبـره و خـبـره، و إلا فـمـن كـان مـغـشـوش الـقـلـب سـيء الأدب و الـنـظـر، يـتـبـع كـل نـاعـقٍ، يـقـف مـع عـيـنـه تـسـتـحـسـن الـشـيء تـارة و تـسـتـقـبـحـه أخـرى، بـالـكـلـمـة يـعـتـقـد، و بـأخـتـهـا يـنـتـقـد، فـهـذا لا يـمـكـنـه الانـتـفـاع بـمـثـل ذلـك الأمـي الـمـحـمـدي الـحـال، الـعـلـوي الـمـقـال، و بـيـن فـهـمـه و مـرتـبـة الـرجـل أهـوال.

و مـنـهـم
مـصـطـلـمٌ غـلـبـه حـالـه فـغـاب، و لـذ لـه الـشـراب، و تـجـرد لـحـبـيـبـه عـن الـكـل، و انـسـلـخ عـن الـنـفـس و الأهـل، أخـذه شـهـوده إلـى مـشـهـوده، لـم يـعـرف غـيـره، و لـم يـطـرب بـغـيـر ذكـره، نـفـسـه لـنـفـسـه خـاصّ، و يـنـفـع الله بـه مـن أراد مـن عـبـاده أولـي الـيـقـيـن الـحـسـنِ و الإخـلاص.

و مـنـهـم
ذو هـيـبـة جـلـيـلـة، و سـكـرةٍ جـزيـلـة، هـاب فـخـلـعـت عـلـيـه خِـلـْـعَـة الـهـيـبـة، فـهـو نـسـيـج وحـده، لا يـأنـس بـشـيء، و لا يـقـف مـع شـيء، أنـسـه بـربـه، و بـمـا آل إلـيـه، ذهـل بـهـيـبـتـه حـتـى عـن قـالـبـه، فـوقـف بـرونـق الـرُّوح بـيـن يـديـه، و كـذا حـالـه يُـعـرض عـلـيـه.

و مـنـهم
مـن أخـذ الـخـفـاء ديـدنـاً، و الانـطـمـاس عـن الـنـاس مـنـهـجـاً حـسـنـاً، كـل أحـوالـه بـيـنـه و بـيـن ربـه، يـظـهـر لـلـنـاس بـحـال، و لـه مـع ربـه أحـوال.

و مـنـهـم
مـن تـبـرزُ مـنـه آثـارٌ تـُعـاب، و يُـنـتـقـد إلا عـنـد أولـي الألـبـاب، سـتـر بـتـلـك الآثـار أسـراره، فـدأبـه الـتـسـتـر و الـكـتـمـان، و الـتـخـافـي عـن عـيـن الـزمـان، عـلـى حـد قـول قـائـلـهـم :


Code:
[size=48] [/size]



تسترتُ عن دَهْري بظلِّ جَنابهِ فصرتُ أرَى دَهْري و ليس يرَاني

 

فإن تسألِ الأيام عني ما دَرَتْ و أينَ مكاني ما عرفْنَ مكاني

 
 


و مـنـهـم مـن أهـل هـذا الـمـقـام أهـل ظـهـور، و ارتـفـاع مـنـزلـة فـوق مـواقـع الـبـدور، و مـع ذلـك فـفـي ظـهـوره مـسـتـتـرٌ عـن أعـيـن الـجـاهـلـيـن، و مـخـتـفٍ عـن ألـحـاظ الـجـاحـديـن و الـحـاسـديـن.

و مـنـهـم مـن أهـل هـذا الـمـقـام – أعـنـي مـقـام الـخـفـاء – فـي ظـهـور مـن نـهـضـتْ بـه الـعـنـايـة، و لـحـظـتـه الـنـفـحـات الـربـانـيـة بـأعـيـن الـوقـايـة و الـرعـايـة، فـهـو فـي مـنـزلـتـه مـصـون، و فـي مـقـامـه مـأمـون، و عـلـى رأسـه لـواء ( ألا إنَّ أولـيـاء اللهِ لا خـَـوْفٌ عـلـيـهـم و لا هـُـمْ يـحـزنـون ) يـونـس: 62.

و مـنـهـم الـجـامـعُ لـلـمـراتـب، الـراقـي لـمـنـصـات جـمـيـع تـلـك الـمـنـاصـب، طـُـلـْـسـمـت بـمـعـدنـيـة ذاتـه الـشـؤون الـمـحـمـديـة، و نـُـسـجـت فـي قـلـبـه و قـالـبـه لـطـائـفُ الـبـراهـيـن الـمـصـطـفـويـة، فـظـهـوره فـي خـفـاء، و خـفـاؤه فـي ظـهـور، عـلـمـه فـيَّـاض، و أعـمـالـه مـنـزهـة عـن الأغـراض، يـنـصـر الله بالله لله، و غـيـرتـُـه و غـارتـه لـوَجْـهِ الله، يـوالـي لله، و يـعـادي لله، و هـمـه الله، يـنـفـع الـخـلـق لأجـل الـحـق بـقـالـه و حـالـه و مـالـه، و هـو كـالـغـيـث الـنـافـع بـركـتـه فـي كـل أحـوالـه و أفـعـالـه و أقـوالـه، و هـذا لابـد و أن يـكـون مـن الـبـيـت الـمـحـمـدي لاسـتـجـمـاعـه الـكـثـيـر مـن الـخـلال الـمـحـمـديـة، و الـسـمـات الـنـبـويـة، و الـخـصـال الـمـصـطـفـويـة، و لابـد أن يـكـون مـحـسـوداً، يُـكـذب عـلـيـه، و يُـنـسـب مـا لـم يـكـن مـنـه إلـيـه، و لـن يُـبـتـلـى بـحـسـدِ مـثـل ذلـك الـرجـل إلا مـن سـاءت ولادتـه، أو خـَـبُـثْ مـعـدنـيـَّـتـُـه، أو اسـودتْ بـالأغـراض الـسـيـئـة نـيـتـه، أو صُـدَّ بـيـد الـقـدر عـن طـريـق الـصـواب، و نـبـح لأجـل الـدنـيـا بـلـسـان حـقـده نـبـح الـكـلاب، و ذلـك الـمـحـسـود مـؤيـد الـحـال، مـصـونُ الـمـآل، مـبـاركٌ فـي أطـواره كـلـهـا، و لا يـضـره هـجـوم الـحـاسـديـن، و لا زور الـجـاحـديـن، بـل هـو بـعـيـن الله، تـحـت رايـة عـنـايـة رسـول الله صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، و كـل حـالٍ يـطـرأ عـلـيـه مـن أحـوال الـجـمـال أو الـجـلال فـهـو خـيـرٌ لـه، و بـركـة و سـعـادة، بـأي طـرزٍ ظـهـر، و بـأي شـكـلٍ تـعـيَّـنَ لـه أثـر، يـعـرفُ ذلـك الـمـحـقـقـون مـن الـصـديـقـيـن، و الـحـمـد لله رب الـعـالـمـيـن.

بـَابٌ


فـي تـعـريـف الاخـتـصـاص


الـذي يُـفـاضُ لـبـعـض الـخـواص

رضـي الله عـنـهـم
 


الاخـتـصـاص رحـمـة مـن الله تـعـالـى لـلـعـبـد ، لا بـسَــعْـي و لا بـعـمـل ، و لا بـرأي ، و لا بـحـيـل ( يـخـتـصُّ بـرحـمَـتِـهِ مَـنْ يَـشــاءُ و اللهُ ذو الـفـضـلِ الـعـظـيـم ) سورة البقرة : 105 هـو عـطـاءٌ ربـانـي ، و مَـنـحٌ صـمَـدانـي ، و فـضـلٌ أُســبـغ فـي الـقِـدَم ، قـبـل أن تـتـعـيَّـن الـنــَّسـَـم ، و الـعـنـايـة قِـسَــم ، فـأهـل الاخـتـصـاص جـذبَـتـهـم يـَـدُ الـمـشــيـئـةِ الـربَّـانـيـة ، بـمـحـض الـفـضـل و الـعـنـايـة الـصـمَـدانـيـة ، إلـى أقـصـى الـمـراتـب الـعـلـيـة و هـذا الـمَـنـحُ الـبـاهـر ، و الـفـضـلُ الـوافـر ، هـو الـيـوم حِـصـتـي ، و مـنـصـتـه مـنـصـتـي ، أقـامـنـي الله فـي هـذه الـمـنـزلـة إمـامـاً ، و اخـتـارنـي لـرتـبـة هـذه الـخـصـوصـيـة خـتـامـاً، و كـشـف لـي مـخـبــآت الـغـيـب باطـلاعٍ مـن كـرمـه ، و جـلـيـل نـعـمـه ، فـفـهـمـت أسـرار الـرمـوز الـفـرقـانـيـة ، و سـبَـرْتُ خـفـايا دقـائـق الـبـطـون الـقـرآنـيـة ، و لـم تـبـرح تـتـرقـى هِـمَّـتـي بـكـشـف تـلـك الـحُـجُـب الـلـطـيـفـة ، و بـشـقِّ ديـبـاجـات هـاتـيـك الـمـحـاضـر الـشـريفـة ، فـانـا الـيـوم – و لـربـي الـحـمـدُ و الـشـكـر ، و لـه الإحـسـان و الـبـرِ – كـنـز الـفـيـوضـات الـطـاهـرة الـمـحـمـديـة ، و سـجـلُّ الـعـلـوم الـمـقـدسـة الـنـبـويـة ، و هـذه الـنـَّـوبَـة نـَوْبـتـي ، تـتـقـلـَّـب فـي ورَّاث مـنـزلـتـي، و خـدام قـدمـي إلـى مـا شـاء الله ، بـهـذا بُـشـِّـرْت مـن صـاحـب الـوعـد الـصـادق ، و قـرأتـُه فـي صـحـف الـرمـوزات الـعـلـويـة الـتـي طـفـحـت بـدقـائـق الـحـقـائـق سـيُـنـشـر عـلـم ظـهـورِ حـالـي بـعـد هـذا الـخـفـاء فـي الأكـوان، و يـبـرزُ بـروزَ الـشـمـس مـن بـطـن لـيـل الـطـمـس لـلـعـيـان ، و تـعـكـف عـلـى بـابـي الـقـلـوب و الأرواح ، و يـسـري سِـرُّ إرشـادي فـي الـجـبـال و الأوديـة و الـبـطـاح، و لـم يـمـسَـسْ شـأنَ نـهـجـي الـمـبـارك غـبـارٌ دنـيـوي، و لـم يـرجـع مـنـه حـرفٌ إلـى قـصـدٍ نـفـسـانـي ، بـل كـلـه لله، عـلـى مـنـهـاج رسـول الله ، عـلـيـه صـلـوات الله، لا يـعـبـأ مـعـنـاه بـحـالٍ مـن أحـوال هـذه الـدنـيـا الـدنـيـة ، و لا يـلـتـفـت قـائـد حـالـه إلـى مـظـاهـرهـا الـزائـلـة الـمـطـويـة ، و قـد تـُفـرغ رجـالُ وراثـتـي حـالَ الـنـبـيُ فـي الأمـة ، و تـقـوم بـأطوار الـسـادة الـقـادة الأئـمـة ، و مـن رجـالـي وجـهُ مـولاي عـلـي أمـيـر الـمـؤمـنـيـن ، صـهـر الـنـبـيِّ الأمـيـن الأسـد الـبـطـيـن ، لـيـثِ الـعـريـن ، ولـيِّ هـذا الـخـط الـذي سـيـبـرز ، و كـأنـي أراهُ عـلـى يـد عـبـدٍ يـحـبـه الله و رسـولـه ، و يـحـبُّ الله و رسـولـه ، مـن الـبـيـت الـفـاطـمـي ، و الـفـرع الأحـمـدي ، خـزامـي الـفـصـيـلـة ، خـالـدي الـقـبـيـلـة، يـجـدِّد الـمـجـدَ الـعـَـلـَوي ، و يـرفـع قـواعـد الـبـيـت الـرفـاعـي ، و يـمـهـد فـخـار الـعـنـصـر الـصـيـادي ، يـنـبـلـج شـارقُ طـالـعـهِ قـُرْبَ مَـتـْـكـيـن ، فـيـقـوم كـمـا أنـا حـيـرة لـلـمـفـتـونـيـن ، و جـاذبـة لـلـمـوفـقـيـن ، و يـتـرعـرع مـجـده فـي سـاحـة الـظـهـور ، فـيرتـقـي إلـى الـشـهباء، ثـم إلـى فـروق ، و بـهـا تـظـهـره لـوامـع بـروق ، و فـي بـحـبـوحـة تـلـك الـتـرقـيـات ، و سـمـو هـاتـيـك الـمـنـصـات ، فـالـمـفـتـون قـادح ، و الـمـأمـون مـادح ، و نـور الله سـاطـع ، و فـي قـضـاء الـوجـودات لامـع ، { و مـا الـنـصـر إلا مـن عـنـد الله } آل عـمـران :26 { يـريـدون أن يـطـفـئـوا نـور الله بـأفـواهـهـم و يـأبـى الله } الـتـوبـة : 23 و يُـقـبـل عـلـيـه مـن ارتـضـيـنـاه و أعـنـاه ، و أسـعـفـنـاه بـمـدد الله و اجـتـذبـنـاه ، ولا يـزالُ الأمـر مـنـبـلـجَ الـمـظـهـر ، { و لـذكـر الله أكـبـر} العنكبوت :45 ، و جـمـال ظـهـورنـا يـلـمـع فـي سـمـاء الـمـعـونـة ، و قـد تـأتـي الـمـعـونـة عـلـى قـدر الـمـؤونـة ، و فـي سـمـاء سـطـوع الـجـمـال حـرفٌ جـاء لـمـعـنـى ، و إنْ شـئـتَ قـلـت : سـلـمـان مـنـَّـا ، و قـد يـؤيـد الله نـائـبـي بـعـلـمٍ و سيـع ، و عـقـل مـنـيـع ، فـهـمـا جـنـاحـان لـه فـي الـزمـان ، بـل هـمـا نـظـام الـحـشـمـة لـكـل إنـسـان .


Code:
[size=48] [/size]



العلم و العقلُ يُعطيانِ عِزاً و قدراً سامي المباني

 

و إنْ هما ينقصان يوماً فالعزُّ و القدْرُ ينقصانِ

 

هذا خفائي مطلسم بظهور ، و هذا سمكُ كياني مندمجٌ تحت ردائه المعتم باهرُ نور.

 


قيل لي أنت في خفاءٍ صَميمٍ و بما قلت حاكياً عن ظُهور

 

قلتُ: هذا الخفاء معنى غمام تحته يملأ الجوانبَ نوري

 
 


مـا شـاء الله كـان ، جـمـالـنـا الـذي تـثـور بـه إلى حـضـرة الـفـخـار جـِمَـالـُنـا يـطـيـر بـهـمـتـنـا مـن وكـر مـهـده ، إلـى مـنـصـة سـعـده ، فـيـكـون لـمظـهـر سـاطـعـتـنـا يـداً مـعـيـنـة ، و خـزانـة ثـمـيـنـة ، و قـد يـسـتـفـيـض نـور الله الـطـالـع بـطـالـعـنـا ، فـيـمـلأ الأطـراف و الأكـنـاف بـإذن الله ، و لا حَـجْـر عـلـى فـضـل الله ، جـاءت لـي بـذلـك الـبـشـرى الـمـحـمـديـة ، و الـعـنايـة الـنـبـويـة الـصـريـحـة ، بـواسـطـة روح سـلـطـان الأولـيـاء و زعـيـمـهـم ، و سـيـد مـنـصـتـهـم و كـريـمـتـهـم ، مـولانـا الـسـيـد أحـمـد الـرفـاعـي الـحـسـيـنـي رضـي الله عـنـه وعـنـا بـه .
Code:
[size=48] [/size]



أبو العلَمَيْنِ ابنُ الفواطم سيِّدٌ على كلِّ سادات الرجال له اليدُ

 

تواضَعَ أقطابُ البرية كلِّها إذا قام في دَسْتِ الولايةِ احمدُ

 
 


كـأنـي بـبـغـداد و قـد ازدهـت بـطـالـع مـجـدنـا ، و أشـرقـت سـمـاوات فـخـارهـا بـلامـعـة سـعـدنـا ، إذ يـقـومُ لـمـظـهـر جـدِّنـا الأعـلـى شـأنٌ إلـهـي لا بـعَـلَّ و لا بـِلـَـيْـت ، { و إذ يـرفـع إبـراهـيـمُ الـقـواعـد مـن الـبـيـت } البقرة : 127 ، يـبـنـي مـرقـدي ، و يـلـمـع فـرقدي ، و تـطـيـر كـلـمـة إرشـادي حـتـى تـُضـربَ لـهـا أكـبـادُ الإبـل مـن الأنـحـاء الـقـصـيـة ، و فـي تـلـك الـمـعـامـع فـكـل يُـنـشـر لـه مـن نـشـر عـبـيـري بـنـسـبـة مـا انـطـوى فـيـه مـن صـادق الـهـمـة و صـحـيـح الـنـيـة ، و كـذلـك سـيـنـشـر الله تـعـالـى لـطـريـقـي عـلـمـاً فـي الـمـشـرق يـراه أهـلُ الـمـغـرب ، و عـلـَمـاً فـي الـمـغـرب يـراهُ أهـل الـمـشرق ، و تـطـوف كـلـمـة إرشـادي فـي جـمـيـع الأنـحـاء الإسـلامـيـة ، عـربـهـا و عـجـمـهـا ، لـم يـكـن فـي طـريـقـي مـن الـغـبـار الـدنـيـوي ولا الـذرة ، إنـمـا هـو إفـراغ أخـلاق الـنـبـيِّ صلـى الله عـلـيـه وسـلـم فـي الأمـة ، و تـهذيـبـهـا بـالـطـور الـرفـاعـي و الـمـشـرب الـمـبـارك الأحـمـدي ، و كـل ذلـك لله ، لا لـعـلـوّ ، ولا لـغـلـوّ ، ولا لإرادة فـسـادٍ فـي الأرض ، إنـمـا هـو تـجـديـدٌ لأمـر الـديـن ، و إحـيـاءٌ لـمـنـاهـج الـصـالـحـيـن ، والله الـمـعـيـن.

سـيـقـوم بـإذن الله تـعـالـى لإعـلاء كـلـمـة طـريـقـتـي رجـالٌ مـن آل سـيـدنـا الـحـسـن الـسـبـط الأعـظـم رضـي الله عـنـه و عـنـا بـه مـغـربـيـون إفـرقـيـون قـصـيـون و قـريـبـون كـأنـي أراهـم يـجـاهـدون فـي الله لله ، بـتـهـذيـب الـنـفـوس ، و تـطـهـيـر الـقـلـوب ، مـنـهـم الـعـلـمـاء و الـعـرفـاء، و مـنـهـم أولـو الأحـوال و صـحـيـح الـمـقـال ، يـبـثُّ سترُ الله تـعـالـى نـائـبُ نـوبـتـي ، و وارثُ حـفـلـتـي ، فـيـسـري ذلـك الـسـرُّ فـي الـواحـد مـنـهـم بـعـد الـواحـد ، حـتـى يـقـومَ لـنـا مـنـهـم أربـعـة ويـا لـهـم مـن أربـعـة !! تـهـيـم قـلـوبـهـم بـي ، و تـضـيء بـمـشـربـي ، و تـطـيـب بـحـبـي ، يـتـسـابـقـون فـي تـكـثـيـر سـوادٍ أهـل الـحـق ، و لـهـم مـنـي الـلـحـظـة الـطـيـبـة ، و الـنـظـرة الـمـسـعـفـة ، و الـمـدد مـن الله ، و الـعـنايـة بـعـنايـة الله مـن رسـول الله ، و الـهـمـة الـروحـيـة مـن لـُـبـاب سِـرِّ الإمـام الـرفـاعـي رضـي الله عـنـه ، و قـد يـسـبـق بـعَـقـْـد الـيـد سـابـقٌ مـنـهـم ، يـمـتـازُ عـنـهـم ، ولا يـدع { الـسـابـقـون الـسـابـقـون أولـئـك الـمـقـربـون } الواقعة : 10 ، مـا شـاء الله كـان . عـزِّ بـعـد ذل ّ ، و غـنـى بـعـد فـقـر ، و ظـهـور بـعـد خـمـول ، و كـثـرة بـعـد وحـدة ، و قـلـوبٌ تـشـتـغـل عـلـى يـده بالله ، ولا بـغـيـة بـهـا إلا الله ، فـارتـقـب سِـرَّ ذلـك الـمـضـمـون ، وانـتـظـر فـتحَ الـكـنـز الـمـكـنـون فـسـيـكـون ، و حـاذر أن تـقـول : مـتـى يـكـون ؟ فـإن الله لا يـخـلـف الـمـيـعـاد ، و إلـيـه الـمـرجـع فـي الـمـبـدأ و الـمـعـاد ، و أمـرهُ بـيـن الـكـاف و الـنـون ، و فـي كـلّ طـيّ و نـشـر { ألا إن أولـيـاء الله لا خـوف عـلـيـهـم ولا هـم يـحـزنـون } يونس : 62 و الـحـمـد لله ربِّ الـعـالـمـيـن.


لطيفة


تناسب هذه الجملة الشريفة
 


ذهـب الـطـبـيـعـيُّـون إلـى أنَّ مـادَّة الـكـون الأولـى مـادَّة كـثـيـفـة قـامـت بـذاتـهـا، ثـم تـخـمَّـرت و انـفـجـرت عـنـهـا الأشــيـاء، و قـام مـنـهـا الـنـوع الـبـشــري، حـتـى جـعـل بـعـضـهـم الـنـوع مـجـزَّءاً عـن الـقـردة، ثـم لـطـُفَ شــيـئـاً فـشــيـئـاً، حـتـى جـاء إلـى مـا هـو عـلـيـه، و هـذا غـايـة الـحـمـق، و نـهـايـة الـبَـلـَه، عـلـى أن الـطـبـائـع الـمـكـوَّنـة كـثـائـف، و لا بـد لـلـكـثـيـف مـن مُـرَكـِّب، و هـو الـمـكـوِّن حـيـنـئـذ لـهـا، فـإذا تـســلـســلـتِ الـطـبـائـع و رجـعـت إلـى غـايـة مـنـهـا، فـالأولـى كـثـيـفـة لا بـد مـن صـانـع مـركـِّب لـهـا، و قـيـامُـهـا بـذاتـهـا يـنـافـيـه مـا فـيـهـا مـن كـثـافـة.

و لـمـا أرادَ الـلـطـيـف الـخـبـيـر، الـواحـد الـقـهـار – جـلَّ و عـلا – هَـدْمَ صـومـعـة خـيـالِ الـطـبـيـعـيِّـيـن، أبـرزَ مـن إشــراقـات لـطـفـهِ الـلـطـائـف، و أقـامـهـا فـي الـذرات تـبـرز فـي جـلـوتـهـا، فـتـكـون دلـيـلاً لـلـعـقـل، و بـرهـانـاً لـعـاقـل، عـلـى أن الـلـطـيـف الـحـقَّ ســـبـحـانـه و تـعـالـى، قـامَـتْ ذاتـه بـذاتـه، فـهـي لـلـُطـفِـهـا و قـدْســهـا غـنـيـَّـة عـن مـركـِّب، و مـكـوِّن، بـل هـو الله ســبـحـانـه الـمـركـِّب لـلإنـســان، و الـمـكـوِّن لـلأكـوان، و كـذا يـا أيـهـا الإنـســان قـال لـك : ( فـي أيِّ صـورةٍ مـا شــاء ركـَّبـَك ) الانفطار : 8 . فـانـظـُرْ فـي عـقـلـك كـيـف بـرَزَ فـيـك بـلـُطـفـه، و فـي خـيـالـك، و حـافـظـتـك، و مـفـكـرتـك، و وهـمـك، و خـاطـرك الـذي يـســامـرك، و الـســانـحـات الـتـي تـهـبـط وَهْـلـة إلـى فـكـرك و عـقـلـك، و تـتـنـزَّل إلـى قـلـبـك و قـبـضـك و بـســطـك، حـيـث يـنـشــقُّ عـنـهـا سِــجْـفُ الـسِّــرِّ بـلا ســبـب، و طـوالـعُ تـدبـيـرك و عـزمـك و جـزمـك، و مـا يـمـاثـل ذلـك مـن الـلـطـائـف كـلـهـا تـبـرُزُ بـلا فـاعـلٍ مـتـعـيِّـن، و يـقـومُ عـنـهـا أثـرٌ فـي الـمـوادِّ لا يـجـحـدُه عـاقـل. فـعـل ذلـك ســبـحـانـه و أقـام سِــرَّه فـي الإنـســان لـيـقـيـمَ عـلـيـه الـبـرهـان، بـأنَّ ذاتَ قـدْسِــه الـمـنـزَّهـة عـن الـكـيـف الـتـي هـي الـلـُّطـفُ الـمَـحْـض قـامـت بـذاتـهـا، و هـي الـغـنـيـة عـن الـعـالـمـيـن، و بـهـذا قـهـرَ الـعـقـلَ – ســبـحـانـه و تـعـالـى – فـي حـيـرتـه حـيـرتـه لـم يـصِـلْ إلـى كـُنـْهـه، و لا إلـى مـادَّة، و لـم يـقـدِرْ عـلـى الـجَـحْـد، و إن أعـمـل كـُلـَّه بـكـلِّ وجـهٍ و وســيـلـة، و تـمَّـت كـلـمـة الله، و لا تـبـديـل لـكـلـمـات الله.

و لـو صـحَّ مـا قـالـه أهـلُ الـمـادَّة لـلـَزِمَ تـغـيـيـر الـمـادة الإنـســانـيـة بـصِـغـرٍ أو كِـبَـر، حـتـى تـنـقـلـبَ عـيـنـيَّـتـه الـمـشــهـودة، و كـذلـك الـطـبـائـع كـلـهـا، و لاخـتـلَّ الـنـظـام الـعـام، و الـحـالُ أنَّ كـل ذلـك لـم يـكـُنْ، و لـم تـشــهـدِ الأعـيـن إلا مـا نـصَّـتْ عـلـيـه الـكـتـب الـســمـاويـة، و عـلـى مـضـمـونـهـا قـامـتِ الآثـارُ الـكـيـانـيَّـة، و فـي لـُطـف الـرُّوحِ – الـتـي قـام نـفـسُ الإنـســانِ و الـحـيـوان ذي الـرُّوح دلـيـلاً عـلـى مـلازمـة الـوجـود، و فـقـدان الـنـفـس دلـيـلاً عـلـى انـفـكـاكـه عـن الـوجـود – مـعـنـىً عـجـيـب، فـيـه جـلالـة الـلـُّطـف الإلـهـي مـا تـقـفُ عـنـده غـايـاتُ الـعـقـولِ كـلـهـا، إلا مـن عـلـَّمـَهُ الله و اصـطـفـاه، و ذلـك لأنَّ الـرُّوح مـن الأمـر الإلـهـي لا غـيـر، و قـد أقـامـهـا بـذواتِ الأرواح بـرهـانـاً عـلـى لـطـفـه الأعـظـم و هـو يـتـوفـى الأنـفـسَ فـيـعـيـدُهـا إلـيـه، فـالـوجـود الآدمـيُّ و الـحـيـوانـي أيـضـاً مـن كـثـيـف الـتـراب، و مـن الـمـاء الـشــفـاف، طـبـع فـيـه نـور الأمـر فـأقـامـه، و قـد انـطـوى فـيـه طـيَّ مـاء الـضـيـاء بـالـعـيـن إشــراقـاً، فـإذا أرادَ فـكـَّه عـن الـجـســم أوقـع فـي الـجـســم مـا يـوقـع فـيـه فـســادَ مـركـَّبـه، فـيـنـفـكُّ عـن نـور الأمـر، و لـهـذا قـال ســبـحـانـه : ( ألا لـه الـخـلـق و الأمـر ) الأعراف : 54 .

و فـي كـلِّ كـثـيـفـةٍ و لـطـيـفـة لـه تـعـالـى آيـة تـدلُّ عـلـى وحـدانـيـتـه و تـفـرده، فـكـل كـثـيـفـة مـركـَّبـة، و كـلُّ مـركـَّبـة لا بـد لـهـا مـن مـركـِّب، فـإنْ كـان الـمـركـِّب حـادثـاً كـان أيـضـاً مـحـتـاجـاً لـمُـحْـدِث يـركـِّبـه، و عـنـد الـغـايـة فـالـمـركـِّب الأول الـمـحـدِث لـلـمـصـنـوعـات هـو الله تـعـالـى، و فـي كـل لـطـيـفـةٍ ســرٌّ لـه ســبـحـانـه يـشــيـرُ إلـيـه، و يـدُّل عـلـيـه، فـالـكـثـائـف تـدلُّ عـلـيـه بـحـركـاتـهـا، و الـلـطـائـفُ بـذواتـهـا، عـلـى أنَّ الـلـطـائـفَ لا بـدَّ و أن تـلـصـق بـشــيء آخـر لـيـبـدو حـكـمُ لـطـفِـهـا، و هـو غـنـيٌّ عـن كـل شــيء، لا تـحـتـاج ذاتـه إلـى مـعـيـن، فـي لـطـف قـدْسـِـهـا، فـهـي الـفـعَّـالـة فـي الـكـثـائـف و الـلـطـائـف، و الـمـصـنـوعـات الـعـلـويـة و الـســفـلـيـة. كـان الله و هـو الآن عـلـى مـا هـو عـلـيـه كـان. فـحِـرْ بـه أيـهـا الـعـاقـلُ حَـيْـرَة تـعـظـيـم، و إيـاك و حَـيْـرَة الـشـَّـكّ، فـهـي مـن نـزغ الـشــيـطـان الـرجـيـم، و وحِّـدْ تـوفـق و الـســلام.

و هـنـا لأهـلِ الـمـادَّة دلـيـلٌ أيـضـاً مـنـقـوض، و ذلـك أنـهـم يـزعـمـون لـمـا يـصـادفـون رؤيـتـه مـن جـمـاجـم بـعـض الـمـتـقـدِّمـيـن و كِـبَـرِهـا، و جـســامـةِ الـوجـود، و الأعـضـاء و مـشــابـهـتـهـا لـجـمـاجـم نـوع مـن أنـواع الـقـردة، أن الإنـســان مـن ذلـك الـنـوع، و قـد كـان جـســيـمَ الـهـيـكـل و صَـغـُر. بَـلـَهٌ فـي الـبـلـه، فـإن الله تـعـالـى قـال فـي كـتـابـه الـعـزيـز : ( يـزيـدُ فـي الـخـلـق مـا يـشــاء ) فاطر : 1 . و لا نـزالُ نـرى الـزيـادة فـي بـعـض الـنـاس مـن الـنـســاء و الـرجـال، و آبـاؤهـم و أمـهـاتـهـم لـم يـكـونـوا عـلـى نـســقـهـم، و الـجـمـاجـم الـتـي يـجـدُهـا بـعـض الـمـادِّيـيـن هـي مـن الأفـراد الـنـادرة، و مـثـلـهـا فـي كـل عـهـد يـمـكـن بـروزهـا فـي عـالـم الـكـيـان، و يـمـكـن أن تـكـون مـن جـمـاجـم الـقِـرَدة الـقـريـبـة الـمـشــابـهـة لـلـنـوع الإنـســانـي، و الـمـشــابـهـة لا تـكـون دلـيـلاً عـلـى اتـحـاد الـنـوع، فـإن الـمـمـاثـلـة فـي الـكـثـيـر مـن الأعـضـاء واقـعـة مـع الـكـثـيـر مـن صـنـوف الـبـهـائـم و الـحـيـوانـات غـيـر الـنـاطـقـة، و أمـا احـتـجـاجُـهـم بـقـدم الـقـرون عـمـا وردت بـعـض الأخـبـار عـن الـصـفـيِّ آدم عـلـيـه الـســلام و هـبـوطـه إلـى الأرض، فـهـذا لا يـفـيـدُهـم شــيـئـاً، عـلـى أنَّ الله خـلـق الأرض و بـثَّ فـيـهـا مـن كـل دابَّـة، و ذلـك قـبـل هـبـوطِ آدم عـلـيـه الـســلام إلـى الأرض، فـمـا كـان مـن بـقـايـا أعـضـاءِ تـلـك الـدواب الـتـي بـثـهـا فـي الأرض و أهـلـكـهـا لا يـصـحُّ أن يـكـونَ وجـودُه دلـيـلاً عـلـى نـفـي الـتـســلـســل الآدمـي، و أيـن هـذا مـن ذاك؟؟.
و قـد جـاء فـي الأخـبـار وجـودُ خـلـقٍ عـلـى تـركـيـبِ الـخـلـق الآدمـي قـبـل آدم عـلـيـه الـســلام، و لـكـن الله أهـلـكـهـم و لـم يـبـق لـهـم بـاقـيـة، و فـي روايـة عـن الأمـيـر الـكـرَّار ســيـدنـا عـلـي – رضـوان الله عـلـيـه – خـلـق الله تـعـالـى ســبـعـيـن ألـف آدم قـبـل آدم أبـي الـبـشــر عـلـيـه الـســلام. فـمـن هـذا الـنـصّ الـشــريـف عـلـمـنـا أنَّ أبـا الـبـشــر آدم عـلـيـه الـســلام. و الـبـشــر هـو الـنـوع الـعـاقـل الـمـتـكـلـِّم الـمـدبِّـر الـمـكـرَّم بـالـعـلـم و الـخـلال الـحـمـيـدة، يـشــهـدُ لـذلـك قـولـه تـعـالـى : ( و لـقـد كـرَّمـنـا بـنـي آدمَ ) الإسراء : 70 . فـأنـواعُ الآدمـيِّـيـن مـن الـســالـفـيـن لـم تـكـن لـهـم هـذه الـتـكـرُمـة، فـإنـهـم لـم تـبـعـث لـهـم الـرســل، و لـم يـقـم عـلـيـهـم قـائـم الإنـذار و الـتـبـشــيـر، و هـم مـن صـنـوف الـحـيـوانـات، و إنِ اتـســقـوا بـنـســق خـاص يـقـرُب مـن الآدمـيـة الـبـشــريـة، و كـلـهـم طـواهـُم الله تـعـالـى بـشــاهـد قـولـه ســبـحـانـه : ( و كـم أهـلـكـنـا قـبـلـهـم مـن قـرنٍ هـم أشــدُّ مـنـهـم بـطـشــاً فـنـقـبـوا فـي الـبـلاد هـل مـن مَـحِـيـصٍ ) ق : 36 . فـشــهـد الـكـتـاب الـعـزيـزُ لـلأمـم الـتـي طـويـت مـن قـبـل بـشــدَّة الـبـطـش لـمـا قـام فـي هـيـاكـلـهـم مـن ضـخـامـة الأعـضـاء و الـقـوة، و لـم يـشــهـدْ لـهـم بـالـعـقـل و الـعـلـم، و يـنـصَّ عـلـى تـكـرمـتـهـم، فـلـيُـتـدَبَّـرْ.

و كـل هـذا مـن الـدلالـة الـواضـحـة عـلـى الـواحـديـة، و عـلـى جـلال الـفـردانـيـة، و عـظـمـة الأحـديـة، و فـي هـذا الـبـيـان مـا فـيـه بـلاغ لـقـوم يـعـقـلـون، و كـفـى بـالله ولـيـاً و لـه الـحـكـم و إلـيـه تـرجـعـون.

و فـي هـذه الـفـُكـاهـة مـعـنـىً لـطـيـف، و أســلـوبٌ ظـريـف، أرَدْنـا بـه تـشــحـيـذ أذهـان قـوم أحـبُّـوا الـعـلـم، و مـا ارتـقـوا فـيـه إلـى غـايـة كـافـيـة، و رتـبـة شــافـيـة و لـتـفـرح مـنـا الأســرار بـبـراهـيـن الـتـوحـيـد الـعـالـيـة، و تـطـرب بـآيـاتـهـا الـبـاقـيـة، و لـتـطـمـئـن بـوعـد الله، مـوقـنـة بـكـل مـا جـاء عـن رســول الله – عـلـيـه صـلـوات الله – مـرتـبـطـة الـلـُّبِّ بـأهـل الله، رضـي الله عـنـهـم أجـمـعـيـن. و هـنـاك تـفـهـم حـكـم الـتـنـزُّلات الإلـهـيـة و أحـكـام الـوحـي و الإلـهـام، لـلأنـبـيـاء ثـم الأولـيـاء أولـي الـهـمـم الـعـرشــيـة، و الـقـوة الـقـدســيـة، و إلـى الله تـصـيـر الأمـور.

يتبع

إشــارة


اخـتـصـاصـيـة
 

الـجـوهـر الـفـرد الـغـيـرُ الـمـركـّب الـذي أبـرزَتـهُ يــدُ الإنـشــاء فـي حـيـطـة الأفـراد فـقـام كـمـا هـو، و طـوت فـيـه قـوَّة الـمـزج فـكـان فـرداً فـي الـنـشــأة مـركـّبـاً فـي الـمـظـهـر، صُـوِّر كـذلـك لـيـفـرغ مـن حُـكـْم فـرديـتـه فـي الـذرات الـتـي تـقـبـل الامـتـزاج مـعـه مـن الـمـركـبـات، فـتـحـســن و يـقـوم فـيـهـا مـنـه مـعـنـى لا يـقـوم فـيـهـا مـن غـيـره، و مـن هـذا الـســرِّ الأقـدس إنـشــاؤنـا فـي عـوالـم الـكـيـان أفـراداً، تـفـيـض إلـى مـركـبـات الـذوات مـن إنـســان و حـيـوان و نـبـات، و لـنـا فـي مـحـاضـر الـوجـودات حـضـراتٌ تـكـون هـي مـع أرواحـنـا جـهـات الـمـحـاضـرات، و لـكـلٍٍّ مـعـنـى دقـيـق، مـشـهـد رقـيـق، و أنـمـوذجٌ عـن الـمـطـلـق مـقـيَّـد أنـيـق، فـمـن الـســرِّ الـمـطـلـق الاتـجـاهُ فـي مـقـام الـعـبـادة إلـى الـكـعـبـة الـمـشــرَّفـة حـرســهـا الله تـعـالـى و زادهـا شــرفـاً و تـعـظـيـمـاً، و لـم تـكـن إلا جـهـة، لا يـعـوَّل فـي قـصـد الـعـبـادة عـلـيـهـا، و لا يُـســجـد إلـيـهـا، بـل يـقـول الـعـبـد : وجَّـهـتُ وجـهـي لـلـذي فـطـَرَ الـســمـواتِ و الأرضَ حـنـيـفـاً مـســلـمـاً و مـا أنـا مـن الـمـشــركـيـن، إنَّ صـلاتـي و نـســكـي و مـحـيـاي و مـمـاتـي للهِ ربِّ الـعـالـمـيـن، لا شــريـك لـه، و بـذلـك أمـرت و أنـا مـن الـمـســلـمـيـن، فـهـذا حُـكـْم الإطـلاق.

و أمـا حـكـم الـقـيـد فـانعـطـاف الـهـمـم إلـى حـضـرات أهـل الـحقِّ الـتـي نـصُّـوا عـلـيـهـا، و لـفـتـوا بـالأذان الـقـدسـيِّ الـقـلـوب إلـيـهـا، لـتـحـاضـر أرواحـهـم و لـتـأخـذ جـميـع الـشـؤون بـبـركـة الاسـتـفاضـة مـنـهـم.

و لله خـواصُّ فـي الأمـكـنـة و الأزمـنـة و الأشـخـاص، و مـن الأمـكـنـة الـطـاهـرة الـتـي اخـتـصـهـا الله بـرحـمـتـه، و نـسـج فـيـهـا وَشـْيَ عـنـايـتـه فـأضـافـهـا إلـيـنـا، و أفـاض مـن كـرمـه لأرواحـنـا فـيـوض الـقـدرةِ لإغـاثـة مـن عـوَّل بـهـا ( الـحـضـرة )(1) الـتـي سُـمِّـيَتْ فـي الـحـضـرة الـعُـلـيـا و ( الـروضـة )(2) الـتـي نـُعـتـت فـي الـمـقـام الأعـلـى، أضـيـفـت الأولـى إلـى الـجـد الـمـكـيـن مـولانـا الـسـيـد عـزِّ الـديـن أحـمـد الـصـيَّـاد فـنـسـبـت إلـيـه فـقـيـل لـهـا ( الـحـضـرة الـصـيـاديـة )، و أضـيـفـت الـثـانـيـة إلـى نـائـبـنـا و رئـيـس قـوافـل حـبـائـبـنـا شـيـخ كـتـيـبـة أهـل الـحـق مـن أربـاب الـمـشـرب الـمـهـدوي الـرفـاعـي الأنـزه الأقـدس مـحـمـد أبـي الـهـدى بـن أبـي الـبـركـات وادي الـمـكـارم حـسـن آل خـزام لا زال مـلـحـوظـاً بـنـظـر حـنـان الـمـصـطـفـى عـلـيـه الـصـلاة و الـسـلام، فـقـيـل لـهـا ( الـروضـة الـهـدائـيـة ) سـتـنـبـت الأولـى و الـثـانـيـة بـإذن الله نـبـاتـاً حـسـنـاً، و تـفـيـض إلى أهـل الـصـدق مِـنـنـاً، مـن أخـلـص بـهـا فـاز، و الـتـحـق إلـى لـُبِّ الـحـقـيـقـة مـن ظـاهـر الـمـجـاز، و مـن خـدم فـي الـرحـبـيـن و كـلاهـمـا رحْـبٌ واحـد و لـو كـنـس الـتـراب، لـُوحِـظ بـعـيـن الـكـَرم الـمـحـمـدي بـالـعـنـايـة فـي الأمـور الـصـعـاب، رحـبُ تـطـوفُ بـه الأقـطـاب و الأنـجـاب، و تـقـفُ عـلـى دركـات أبـوابـه أعـيـان الأولـيـاء أولـي الألـبـاب، يـتـمـلـمـل صـدور ُ أهـل الـمـحـافـل الـغـيـبـيـة مـنـه فـي الأعـتـاب، يـعـدون زيـارتـهُ سـلـوكـاً مُـوصِـلاً، و الـنـظـر إلـيـه بـالإجـلال بـابـاً قـريـبـاً، و كـلُّ مـن لاذ بـه فـي مُـهـِمَّـةٍ زالـتْ، هـذا إذا أخـلـص الـنـَّيـة، و حـاضـرنـا مـحـاضـرة أهـلِ الـصـدق مـن أولـي الـهـمـم الـمـرضـيـَّة، و مـن اسـتـمـد فـيـه أمِـدّ، و مـن ربـض بـه بالانـكـسـارِ زالـت شِـقـْوتـه بـإذن الله و سَـعِـد، إنْ مـرَّ بـه الـغـوث تـواضـع و خـشـع، و إنْ لـحـظـتـه عـيـونُ الأقـطـاب تـأدَّب نـاظـرهـم و خـضـع، للهِ قـومٌ يـخـدم خـادمـهـم فـي ذلـك الـرحـاب الـمـبـرور، و الـبـيـت الـمـعـمـور، مـن وقـف مـنـهـم لـلـقـيـام بـحـقـوق الـخـدمـة، و انـتـهـض إلـيـهـا بـعـلـوِّ الـهـمـة طـاب، و أتـتـه فـيـوض الـقـبـول مـن كـل بـاب، و كـُتـب و هـو عـلـى فـراشـه بـصـدور أنـجـاب الأحـبـاب، و نـفـحـتـْه عـيـنُ الـمـدد الـمـحـمَّـدي بـجـاه لا يُـخـذل، و حـبـلِ لا يـفـصـل، و كـان فـي الـمـقـام الـمـأمـون، مـن الـذيـن لا خـوفٌ عـلـيـهـم ولا يـحـزنـون، و سـيُـقـادُ إلـى الـجـنـة فـيـه قـومٌ بالـسـلاسـل، و يـنـادي خـطـيـبُ الـمـدد : انـتـفـع يـا غـافـل، و تـعـلـم يـا جـاهـل، هـنـا حـضـرة الـحـضـور، و روضـة الـحـبـور، هـنـا حـضـرة الإفـاضـة الـكـبـرى، و روضـة الـعـنـايـة الـعـظـمـى، هـنـا حـضـرة الـمـحـاضـرة مـع الـخـتـم الأكـبـر، و روضـة الـسـعـادة الـتـي تـجـري بـمـاء الـكـوثـر، عَـطـِّـر شـمَّـك بـتـرابـهـا، و عـفـِّر خـدَّك بـبـابـهـا، و لا تـمـلْ عـن رحـابـهـا، فـإنـهـا الـبـاب الـقـريـب مـن جـنـاب الـحـبـيـب، و هـي والله وصـَّالـة لـلـمـقـبـولـيـن، قـطـاعـة لـلـمـنـافـقـيـن، مـدنـيـة حـال مـنـشـقـة ديـبـاجـتـهـا مـن الـمـديـنـة الـمـنـورة الـطـاهـرة، الـتـي هـي كـالـكـيـر تـنـفـي الـخـبـث، فـقـف صـادقـاً و اعـمـل بـالـحـق و دع الـعـبـث، و طِـبْ بـحـضـرتـهـا فـهـي روضـة الـمـدد الـعـظـيـم، و مـحـلُ سـلـطـانِ ولايـةٍ مـحـمـديـة، قـام سـلـيـمـان الـظـهـور يـقـرأ لـكـلِّ مـحـقـق كـتـاب الإفـاضـة بـنـصّ { إنـَّـهُ مِـنْ سـلـيـمـانَ و إنـه بـسـمِ اللهِ الـرحـمـن الـرَّحـيِـم } النمل : 30.

إشــارة  





و قـد يـفـيـض الله عـنـايـتـه لأنـاس بـعـدوا ثـم قـربـوا ، و انـحـرفـوا ثـم أنـصـفـوا ، و حـرفـوا ثـم الـتـحـفـوا ، تـضـمـهـم خـؤولـة لـي بـعـيـدة قـريـبـة ، و أسـرار الـقـدرة عـجـيـبـة ، و قـد أوضـحـت بـهـذا الأسـلـوب ، شـأنـاً مـفـصـحـاً عـن الـمـطـلـوب ، أشـرتُ إلـيـه ، و نـبـهـت عـلـيـه ، فـي مـنـظـومـات لـي كـثـيـرة ، مـنـهـا قـصـيـدة سـمـيـتـهـا الـلـّمـعـة الـنـورانـيـة ، فـي حـكـم مـنـصـة الـفـردانـيـة ، تـائـيـة صـدرتـهـا بـقـولـي

Code:
[size=48] [/size]



قرأنا في صِحافِ الحادثات سطورَ الباقياتِ الصالحاتِ

 

و نزَّهْنا جلال الله عما يجانس ما سواهُ من الصفاتِ

 

و آمنا بما قد جاء عنه مع التفويض في المتشابهاتِ

 
 


و الـقـصـيـدة طـويـلـة دمـجـتـهـا فـي رسـالـة أكـثـرهـا الـمـنـظوم سـمـيـتـهـا ( فـرحـة أهـل الـحـضـرة فـي أخـبـار الـروضـة و الـحـضـرة )، و خـتـمـتُ خـاتـمـتـهـا الـمـبـاركـة بـذكـر مـا سـيـحـدثـه الله تـعـالـى و لـه الـمـنـة و الـفـضـل فـي مـرقـدي ، و يُـعـلـي بـه فـي سـمـاوات الـظـهـور فـرقـدي ، عـلـى يـدِ كـل مـن الـولـديـن الـنـجـيـبـيـن الـمـلـحـوظـيـن بـنـظـر حـنـان ثـانـي اثـنـيـن ، عـلـيـه صـلـوات الله و سـلامـه فـي كـلِّ طـرفـة عـيـن ، فـالأول الـمـكـيـن ، و الـثـانـي الـمـعـيـن ، و نـاهـيـك بـهـُدىً سـاطـعٌ كـوكـبـُه وضـَّاح ، و جـمـالٍ يـتـألـقُ فـي مـظـهـرِ فـالـقِ الإصـبـاح ، فـالـمـكـيـن أخـو حـزم ، و الـمـعـيـن مـع الـنـيـة و طـهـارة الـطـويـة يـمـسُّـه حـيـنـاً فـتـورٌ فـي الـعـزم ، و إنـه إنْ شـاء الله لـمـن الـمـقـبـولـيـن الـمـلـحـوظـيـن الـمـعـانـيـن ، فـإنَّ نـورهُ يـمـحـق فـتـوره ، و تـُصـلـح طـهـارة نـيـتــه أمـوره ، و قـد أشـرتُ إلـيـه فـي قـصـيـدةٍ لـي رقـمـتـهـا فـي خـاتـمـة الـفـرحـة صـدَّرتـهـا بـقـولـي :

Code:
[size=48] [/size]



لي من الغيب اُفرغتْ كلماتُ كلُّها في طرازها آياتُ

 

دمدَمَ السرُّ عن فنونٍ طواها بمعانٍ آياتها محكماتُ

 
 

و الـقـصـيـدة طـويـلـة أيـضـاً ، و فـيـهـا مـن بـراهـيـن أسـرار الله الـعـجـائـب ، و أقـول لـنـائـبـي الـمـكـيـن بـعـون الـمـعـيـن:

Code:
[size=48] [/size]



تسلَّقْ لرحْب القلب منا و طِبْ بنا و لا تأخذِ الألفاظ و ارضَ المعانيا

 

فإنَّكَ معنانا و نقطة سرِّنا تشيعُ هدانا ثم تحيي النواحيا

 
 

أذكـِّـره بـالله ، و أسـوقـُه إلـى طـريـق الله ، مـن الـمـنـهـج الـذي يـرضـي الله فـأقـول لـه كـان الله لـي و لـه :

Code:
[size=48] [/size]



إياك من طيش السموِّ و الدين صُنْهُ عن الغُلُوِّ

 

و إذا تقوَّى الطَّوْرُ منك اجعلْ بتقواك التقوِّي

 

و انهجْ بنهجِ المصطفى في كلِّ معتمةٍ و ضَوِّ

 

و اثبُتْ على ذاك الطريق و دعْ مخامرة التلوِّي

 

و اذكُرْ و خلِّ الغافلين أولي البطالةِ و السُّلُوِّ

 

فقلوبُ أصحابِ القلوب مطارُها في كلِّ جَوِّ

 

تعلو لبارئها بأجنحةِ التواضعِ لا العُلُوِّ

 

سلمتْ و صانَ جنابهَا خلاقُها من كلِّ لَوِّ

 

و مضتْ قلوبُ الغافلين تذوبُ من لذعِ التكوِّي

 

و عيونُ أرباب الهيامِ هطولة مع كلِّ نوِّ

 

فاجْبُرْ بكسْرِ النفسِ كسرك و امحُ ثائرة َ السُّمُوِّ

 
 

هـذا حـال أهـل الاخـتـصـاص و مـقـامُ أهـلـه يـقـومـون بـالـعـون الإلـهـي، و يـنـظـرون بـالـنـور الـربـانـي، و يـســتـمـدُّون الـفـيـضَ مـن الـمَـعْـدِن الـروحـي الـمـحـمـدي، و هـا أنـا و الـحـمـد لله خـلاصـة صـفـهـم الـيـوم، و صـاحـبُ هـذه الـمـائـدة الـتـي زمـزمـت لأجـلـهـا فـي الـقـدم و الـحـديـث ركـبـان الـقـوم، و لـم أنـقـشْ مـن أقـوالـي حـرفـاً إلا بـإذنٍ خـاص مـن ســيـدي و نـظـام روحـي رســول الله صـلـى الله عـلـيـه و ســلـم و الـحـمـد لله ربِّ الـعـالـمـيـن.

يتبع

باب


فـي شــيءٍ مِـنْ رَقــَـائِــقِ الـحِــكـَـمِ
 

جـعـلـتـه الـخـاتـمـة لـهـذه الـدُّرَّة الـبـيـضـاء و حـســبـي الله
Code:
[size=48] [/size]



قد دمَجْنا في الدرَّة البيضاءِ باهراتٍ من واردات السماءِ

 

فاتخِذها يا صاحبي لك وِرْداً فهي من فيض سيد الأنبياءِ

 

طِبْ بها و ابتهجْ و رُحْ بأمانٍ كل آنٍ من صادمات القضاءِ

 

و توكل على المهيمن و اربضْ بحِمَى قلبِ أكرم الشفعاءِ

 

فهو قلبٌ حوى صنوفَ المعاني قبل تنسيقِ عالم الأسماءِ

 
 

طِـبْ بـالله أيـهـا الـولـد الـمـبـارك إن شــاء الله، و خـذ مـا أفـيـضُ إلـيـك و كـن مـن الـشــاكـريـن :

* لا تـقـفْ مـوقـفـاً يـقـول لـك لـســان الـحـقِّ : مـا أنـا مـعـك.

* إذا ســمـعـت فـي أحـدٍ قـولاً فـتـبـيَّـنْ، و إذا تـبـيـنـتَ فـلا تـمِـلْ مـع الـغـرَض، و لا تـســتـعـمـلْ مـريـضَ غـرض.

* إذا عـمـلـت عـمـلاً لله فـنـزِّهْ عـمـلـك عـن إســقـاطـه لـعـيـونِ الـنـاس.

* اجـعـل صـديـقـك مـن يـراكَ فـوق غـرَضـه، و إلا فـيـســقـطـك غـرضـُه و تـنـدم.

* خـذ بـمـعـيـشــتـك الـطـريـقـة الـوســطـى، و هـنـاك لا يـعـيـب كـريـم، و لا يـشــمَـتُ بـك لـئـيـم.

* إذا تـكـلـَّمـتَ فـلـتـكـن الـحُـجَّـة روحَ كلامـك، و الـحـكـمـة جـســمـه، و أنـت الـغـالـب.

* صـدْرُ الـمـجـلـس عـالِـمُـه أيـن يـجـلـس.

* رُبَّ مـالٍ مـع الـجـهـل فـقـرٌ و وبـال، و رُبَّ فـقـرٍ مـع الـعـلـم غِـنـًى و جـمـال.

* لـيـس الـعـلـمُ أن يُـشــقـشـِـقَ الـمـرءُ بـفـنٍّ يـطـيـعـه فـيـه لـســانـه، و يـكـذبـه بـضـرر الـنـاس فـعـلـه، إنـمـا الـعـلـم مـا رفـع صـاحـبـه بـنـفـع الـخـلـق عـلـى اخـتـلاف مـذاهـبـهـم و مـشــاربـهـم، و إلا فـهـو ســلاحُ الـســارقـيـن و قـطـَّاع الـطـريـق.

* لـيـســت الـمـرأة لـلـشــهـوة الـمـجـرَّدة، بـل هـي رفـيـقـة عُـمْـر، تـحـفـظُ فـي الـغـيـبـة، و تـسـُـرُّ فـي الـحـضـرة، و تـُعـيـنُ الـرفـيـقَ عـلـى الـزمـان، و إلا فـهـي وعـاءُ شــهـوة.

* الـعـلـم يـرفـع بـصـاحـبـهِ عـن قـبـول الـمـنـزلـة، و لـذلـك فـقـد يـســبـق الـعـلـمـاءَ الـجـهـَّالُ.

* الـدِّيـن ز الـعـقـل رفـيـقـان، و الـبـغـيُ و الـنـجـاحُ ضِـدَّان، و الـعـدل و الـعُـمْـران أخـوان.

* الـعـاقـل يـجـعـل أعـمـالـه هـدفـاً لأنـظـار الـعـقـلاء، و يـقـبـل انـتـقـاد الـمـحِـقّ، و لا يـعـبـأ بـتـحـريـف الـمُـبـطـل، و لا يـنـام عـلـى حـصـيـرِ اســتـبـدادِه.

* الـرجـل الـكـامـل فـي الـحـقّ كـقـلـب الـرَّحَـى، تـدور حـولـه الـشــؤون و هـو مـكـانـه.

* الـمـبـطـل رفـيـقُ مـن وافـقـه، و صـديـقُ مـن لاءَمَـه، و لا صـديـقَ لـه.

* الـكـاذب يـســتـهـزيء بـنـفـســه.

* الـمـبـذر نـاقـص الـرأي، الـبـخـيـلُ نـاقـص الـعـقـل، و الـعـاقـل فـي الـمِـنـصَّـة الـوســطـى، لا يـبـذر و لا يـبـخـل.

* كـلـمـة تـحـمـل حـكـمـة، خـيـرٌ مـن ســيـفٍ يَـثـلِـم ثــُلـْـمَـة.

* لا تـمـدَّ نـظـرك أو يـدَك إلـى مـا يـصـعُـب عـلـيـك، مَــدِّ نـظـرِ غـيـرِك فـيـه إلـيـك.

* احـتـرف و لا تـُهـمِـلْ حـكـم الـمـروءة، و لا تـتـعـجـل بـالـمـروءة و أنـت بـطـَّال، فـإن الـمـروءة ضـد الـبـطـالـة، و الـكـســل مـوت الـمَـجْـد.

* لا تـجـعـل رمـيـمَ عـظـام قـومِـك تـجـارة بـطـنِـك، ارفـعـهـم عـنـد هـذه الـوهـدة, و أحْـيـهـم بـإحـيـاء ســيـرتـهـم إن كـانـوا مـن الـصـالـحـيـن، و لا تـتـبـع غـيـر ســبـيـل أهـل الـحـق، فـإن الآدمـيـة جـمـالـهـا الـوقـوفُ مـع الـحـق.

* يـســود الـضـعـيـف الـمُـحِـقّ، و يُـســتـعـبَـد الـقـويُّ الـمـبـطِـل.

* رافـقِ الـمُـحِـقَّ و لـو صـعُـبَ عـلـيـك الـطـريـق.

* لا تـصـاحـبْ مـن تـجـولُ عـلـى صـفـحـاتِ وجـهـه عـلامـاتُ الـوقـاحـة، و تـنـدلـع عـلـى لـســانـه جُـمـل الـفـجـور.

* نـاقـصُ الأصـل يـأكـلُ و يـكـفـرُ، و كـريـمُ الأصـل إن لـم يـأكـل يـشــكـُرْ، لأن الأصـيـل يُـعَـوِّد لـســانـه الـجـمـيـل.

* اجـعـل الـعـلـم و الـصـنـاعـة و الأعـمـال الـعـالـيـة لـلـمـجـد رَوْنـقـاً، و فـي الـكـل اجـعـل الـحـقَّ مِـحـوَراً، و الـمـروءة نـظـامـاً، و الـنـفـعَ الـعـامَّ أســاســاً.

* جـالـسِ الـحـكـمـاء، و صـاحـبِ الـعـلـمـاء، و خـذ مـن كـل مـشــهـودٍ و مـســمـوعٍ حـكـمـة تـرفـع الـهـمَّـة، و لا تـعـظ و تـبـقـى غـيـر مـتـعـظ، فـتـكـون كـالـمُـنـخـل يُـلـقـي لـغـيـره الـدقـيـق، و يُـبـقـي لـه الـنـخـالـة.

* لا تـكـن فـي ورعـك فـظـاً، و لا فـي إطـلاقـك ســفـيـهـاً، و لا فـي مـهـابـتـك مـكـروهـاً، و لا فـي بـشـْـرِك مـســتـخـفـاً، و لا تـنـســى أنـك مـن الأمـة الـوســط.

* لا تـُلـفـتْ عِـنـان هـمـتـك إلـى مـا يـأخـذ بـطـبـعـك لـلـتـطـبـع بـالـدنـايـا، فـإن الـطـبـع ســرَّاق، الـْفِـتْ عِـنـان هـمـتـك إلـى مـعـالـي الأمـور، فـإن الله يـحـبُّ مـعـالـيَ الأمـور، و يـكـره سَــفـسَــافـهـا.

* مُـتْ كـريـمـاً و الأجـل هـو هـو و الـســلام.

تتمة


لهذه الخاتمة المباركة
 

لا تـقـنـط مـن رحـمـة الله ، واجـعـل مـيـزانَ أعـمـالـك بـيـدك، أكـْثِـر مـن الـحـسـنـات، واقـلـل مـا أمـكـنـك مـن الـسـيـئـات، وإنـك وإن لـم تـكـن مـعـصـومـاً فـاجـهـدْ أن لا تـسـيء، فـإن الـسـيـئـات قـواطـع عـن الـحـضـرة، وافـرح بـالله أن وُفـقـتَ لـلـحـسـنـة، وابـكِ عـلـيـك إنْ وقـعـتَ بـالـسـيـئـة، واسـتـغـفـر الله كـثـيـراً فـهـو غـفـار الـذنـوب، وسـتـار الـعـيـوب، وكـشـَّاف الـكـُروب، ومُـفـيـض الـنـور مـن الـغـيـوب إلـى الـقـلـوب، واجـعـل وسـيـلـتـك إلـيـه نـبـيـك الأعـظـم صـلـى الله عـلـيـه وسـلـم، وروِّض قـلـبـك بـالـصـلاة والـسـلام عـلـيـه، أكـْثِـر مـن ذلـك فـي خـلـواتـك وجـلـواتـك، وذكـِّر جُـلاَّسَـك بـذلـك، وطـيِّـب سِـرَّك بـالـصـلاة عـلـيـه – أرواحـنـا لـجـنـابـه الـعـالـي الـفـداء – بـهـذه الـصـيـغـة فـقـد رأيـتُ لـهـا فـي الـحـضـرة الـعـظـيـمـة الـمـحـمَّـديـة قـبـولاً، ورأيـتُ مـنـهـا لـلـمـعـالـي دلـيـلاً وهـي :


بـســم الله الـرحـمـن الـرحـيـم 


الـلــهــمَّ صـلِّ صـلاة تـرضـاهـا ذاتـك عـلـى سـيـد أحـبـابـك، روح جـسـمـي الأزل والأبـد، الـذي مـددتـه بـمـددك، وأيـدتـه بـروحـك، وحـقـقـتـه بـمـحـبـتـك، وأعـطـيـتـه حـتـى رضِـي، فـهـو عـنـك راضٍ، وعـنـدك مـرضـي.

الـلــهــمَّ بـحـنـيـن روحـه الـطـاهـرة إلـيـك، وبـطـَيـَران قـلـبـه الـمـبـارك عـلـيـك، وبـوقـوفِ سِــرِّه الـرَّحَـمـوتـي فـي خـلـوة الـجـمـال بـيـن يـديـك.

الـلــهــمَّ بـجـمـالِـكَ، بـجـلالـك، بـقـدسـك، بـقـدرتـك، بـعـظـمـتـك، بـجـبـروتـك، بـرحـمـوتـك، بـسـلـطـانـك، بـعـظـيـم شــأنـك، تـولَّ أمـري، يـسِّـرْ أمـري، أحـلـل عُـسْـري، اشـرح صـدري، أيــد – رغـم أعـدائـي – بـيــد مـعـونـتـك عِـزِّي وقـدري، أنـظـرنـي بـعـيـن الـرحـمـة الـتـي تـجـلـيـت بـهـا عـلـى عـبـدك ونـبـيـك سـيـدنـا مـحـمـد وآلـه وصـحـبـه الـطـاهـريـن، وعـبـادك الـصـالـحـيـن، الـغـارة الـغـارة، الـوحـا الـوحـا، يـا الله يـا الله يـا الله، يـا هُـو يـا هُـو يـا هُـو، يـا مـجـيـرَ الـمـسـتـجـيـرن، يـا أرحـم الـراحـمـيـن، يـا حـاضـر يـا نـاظـر، يـا مـعـيـن يـا قـادر، يـا عـلـيُّ يـا عـظـيـم، أغـثـنـي بـفـضـل بـســم الله الـرحـمـن الـرحـيـم والـحـمـد لله ربِّ الـعـالـمـيـن.

ولـتـكـن هـذه الـصـيـغـة الـشـريـفـة الـمـبـاركـة غـايـة الـتـتـمـة، وخـاتـمـة الـخـاتـمـة، والله الـمـسـؤول أن يَـمُـنَّ عـلـيـنـا وعـلـى الـمـسـلـمـيـن أجـمـعـيـن بـحُـســن الـخـواتـيـم، إنـه هـو الـبـرُّ الـرحـيـم الـمـعـيـن الـكـريـم وصـلـى الله عـلـى ســيـدنـا مـحـمـد وآلـه وصـحـبـه أجـمـعـيـن، وســلام عـلـى الـمـرسـلـيـن والـحـمـد لله ربِّ الـعـالـمـيـن
.
 




أرَجُ النَّسيمِ قصيدة للعارف بالله سيدي بن الفارض


















jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
Publicité







MessagePosté le: Lun 13 Jan - 15:29 (2014)    Sujet du message: Publicité

PublicitéSupprimer les publicités ?
Revenir en haut
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Lun 13 Jan - 16:45 (2014)    Sujet du message: ديوان سيدي العارف بالله الإمام محمد مهدي الرواس الرفاعي رضي الله عنه - ديوان مشكاة اليقين لسيدي محمد بهاء الدين الرواس رضي الله عنه - كتاب الدّرة البيضاء للإمام الرواس Répondre en citant











أرَجُ النَّسيمِ قصيدة للعارف بالله سيدي بن الفارض

أرَجُ النَّسيمِ
 


 
للعارف بالله بن الفارض



 
1 أرجُ النَّسيمِ سرَى منَ الزَّوراءِ


 
*** سَحَراً فأحْيا مَيِّتَ الأحْيَاءِ



 
2 أهدى لنا أرواحَ نجدٍ عَرْفهُ


 
*** فالجَومنهُ مُعَنبَرُ الأرْجاءِ



 
3 ورَوى أحاديثَ الأحبَّةِ مُسنِدا


 
*** عَنْ إذخِرٍ بأذاخِرٍ وسِحَاءِ



 
4 فسَكِرْتُ مِنْ رَيَّا حَواشي بُردِهِ


 
*** وسَرَتْ حُمَيَّا البُرْءِ في أدوائي



 
5 يا راكِبَ الوَجْناءِ بُلِّغتَ المنى


 
*** عُجْ بالحِمَى إنْ جُزتَ بالجَرْعَاءِ



 
6 مُتيَمِّماً تلعاتِ وادي ضارجٍ


 
*** مُتيَامِناً عنْ قاعةِ الوَعْسَاءِ



 
7 وإذا وَصَلتَ أثيلَ سَلعٍ فالنَّقا


 
*** فالرَّقمتينِ فلعْلعٍِ فشظاءِ



 
8 وكذا عنْ العلمينِ منْ شرقيِّهِ


 
*** مِلْ عادلاً للحلّةِ الفيْحاءِ



 
9 واقرِ السَّلامَ عُرَيْبَ ذيَّاكَ الَّلوى


 
*** مِنْ مُغرمٍ دَنِفٍ كئيبٍ ناءِ



 
10 صبٍّ متى قفلَ الحجيجُ تصاعتْ


 
*** زفراتهُ بتنفُّسِ الصُّعداءِ



 
11 كَلّمَ السُّهادُ جُفونهُ فتبادرتْ


 
*** عبراتهُ ممزوجةً بدِمَاءِ



 
12 يا ساكني البطحاءِ هلْ منْ عودةٍ


 
*** أحيا بها يا ساكني البطحاءِ ؟



 
13 إنْ ينقضي صَبري فليسَ بمنقضٍ


 
*** وَجْدِي القديمُ بكمْ ولا بُرَحائي



 
14 ولئنْ جفا الوَسميُّ ماحِلَّ تربكم


 
*** فمدامعي تربي على الأنواءِ



 
15 واحسرتي ضاعَ الزَّمانُ ولمْ


 
*** أفزْمنكمْ أهيلَ مودَّتي بلقاءِ



 
16 ومتى يؤمِّلُ راحةً منْ عمرهُ


 
*** يومانِ يومُ قلىً ويومُ تناءِ



 
17 وحياتكمْ يا أهْلَ مكَّةَ وهيَ


 
*** ليقسمٌ لقدْ كلِفتْ بكمْ أحشائي



 
18 حُبَّيكُمُ في النَّاسِ أضْحى مذهبي


 
*** وهَوَاكُمُ دِيني وعَقدُ وَلائي



 
19 يا لائمي في حُبِّ مَنْ مِنْ أجلهِ


 
*** قدْ جَدَّ بي وَجْدِي وعَزَّ عَزائي



 
20 هلاَّ نهاكَ نُهاكَ عنْ لومِ امرئٍ


 
*** لمْ يُلفَ غيرَ مُنعَّمٍ بشقاءِ



 
21 لوتدرِ فيمَ عذلتني لعذرتني


 
*** خفض عليكَ وخلِّني وبلائي



 
22 فلنازلي سرحِ المربعِ فالشَّبيكةِ


 
*** فالثَّنيَّةِ منْ شِعابِ كَداءِ



 
23 ولحاضري البيتِ الحرامِ وعامري


 
*** تلكَ الخيامِ وزائري الحثماءِ



 
24 ولِفِتيَةِ الحرمِ المريعِ وجيرَةِ


 
*** الْحَيِّ المنيعِ تلفُّتي وعنائي



 
25 فهمُ همُ صَدُّوا دنوا وَصَلوا جفوا


 
*** غدروا وافوا هجروا رثوا لضنائي



 
26 وهُمْ عياذي حيثُ لمْ تغنِ الرُّقي


 
*** وهُمْ مَلاذي إنْ غدَتْ أعدائي



 
27 وهُمْ بقلبي إنْ تناءتْ دَارُها


 
*** مْعنِّي وسُخطي في الهوى ورضائي



 
28 وعلى محلِّي بينَ ظهرانيهمِ


 
*** بالأخشبينِ أطوفُ حَولَ حِمائي



 
29 وعلى اعتناقي للرِّفاقِ مُسلِّماً


 
*** عندَ استلامِ الرُّكنِ بالإيماءِ



 
30 وتذكُّري أجيادَ وِرْدِي في الضُّحى


 
*** وتهجُّدي في الَّليلةِ الَّليلاءِ



 
31 وعلى مُقامي بالمقامِ أقامَ في


 
*** جسمي السَّقامُ ولاتَ حينَ شِفاءِ



 
32 عَمْري ولوقلِبَتْ بطاحُ مسيلهِ


 
*** قلُباً لِقلبي الرِّيُّ بالحصباءِ



 
33 أسْعِدْ أخيَّ وغنِّنى بحديثِ منْحلَّ


 
*** الأباطحَ إنْ رَعَيتَ إخائي



 
34 وأعِدْهُ عندَ مَسامِعي فالرُّوحُ


 
*** إنْبَعُدَ المَدَى ترتاحُ للأنباءِ



 
35 وإذا أذى ألمٍ ألمَّ بمهجتي


 
*** فشذا أعيشابِ الحجازِ دوائي



 
36 أأذادُ عنْ عَذبِ الوُرودِ بأرضهِ


 
*** وأحَادُ عنهُ وفي نقاهُ بقائي



 
37 ورُبوعهُ أرَبى أجَلْ ورَبيعهُ


 
*** طرَبي وصَارِفُ أزمَةِ اللّأواءِ



 
38 وجبالهُ ليَ مربعٌ ورِمَالهُ


 
*** ليَ مرتعٌ وظِلالهُ أفيائي



 
39 وترَابُهُ ندِّى الذَّكيُّ وماؤهُ


 
*** وِرْدى الرَّويُّ وفي ثرَاهُ ثرَائي



 
40 وشِعابهُ ليَ جَنَّةٌ وقبابهُ


 
*** ليَ جُنَّةٌ وعلى صَفاهُ صَفائي



 
41 حيَّا الحيا تلكَ المنازلَ والرُّبى


 
*** وسَقى الوَليُّ مواطنَ الآلاءِ



 
42 وسقى المشاعِرَ والمحصَّبِ مِنْ منىً


 
*** سَحًّا وجَادَ مَواقِفَ الأنضاءِ



 
43 ورَعَى الإلهُ بها أصحابي الألي


 
*** سَامَرْتهُمْ بمَجامِعِ الأهْواءِ



 
44 ورَعَى ليالي الخيْفِ ما كانتْ سِوَى


 
*** حُلمٍ مَضَى مَعَ يقظةِ الإغفاءِ



 
45 واهاً على ذاكَ الزَّمانِ وما حَوَى


 
*** طِيبُ المَكانِ بغفلةِ الرُّقباءِ



 
46 أيَّامُ أرْتعُ في مَيادِينِ المُنى


 
*** جَذِلا وأرْفلُ في ذيولِ حِباءِ



 
47 ما أعجَبَ الأيَّامَ توجبُ للفتى


 
*** مِنحاً وتمْحَنهُ بسَلبِ عَطاءِ



 
48 يا هلَّ لماضي عَيشِنا مِنْ عَودَةٍ


 
*** يوماً وأسْمَحَ بَعدَهُ ببقائي



 
49 هيهاتِ خابَ السَّعيُ وانفصمتْ عُرَى


 
*** حَبْلِ المُنى وانحَلَّ عِقدُ رَجائي



 
50 وكفى غراماً أنْ أبيتَ مُتيَّماً


 
*** شوقي أمَاميَ والقضاءُ وَرَائي

 
 























jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Lun 13 Jan - 17:36 (2014)    Sujet du message: ديوان سيدي العارف بالله الإمام محمد مهدي الرواس الرفاعي رضي الله عنه - ديوان مشكاة اليقين لسيدي محمد بهاء الدين الرواس رضي الله عنه - كتاب الدّرة البيضاء للإمام الرواس Répondre en citant





































jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
Montrer les messages depuis:   
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> la voie qadiriya boudchichiya >>> Sالسماع الصوفي اناشيد صوفية روحيةous forum Toutes les heures sont au format GMT + 1 Heure
Page 1 sur 1

 
Sauter vers:  

Index | creer un forum | Forum gratuit d’entraide | Annuaire des forums gratuits | Signaler une violation | Conditions générales d'utilisation
Powered by phpBB © 2001, 2005 phpBB Group
Traduction par : phpBB-fr.com
Thème réalisé par SGo