tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum tariqa qadiriya boudchichiya.ch
sidihamza.sidijamal.sidimounir-ch
 
 FAQFAQ   RechercherRechercher   MembresMembres   GroupesGroupes   S’enregistrerS’enregistrer 
 ProfilProfil   Se connecter pour vérifier ses messages privésSe connecter pour vérifier ses messages privés   ConnexionConnexion 

بـالـحـقـائـق نـاطـقـيـن

 
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> la voie qadiriya boudchichiya >>> le maitre pôle des pôles - sidihamza
Sujet précédent :: Sujet suivant  
Auteur Message
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Ven 2 Oct - 04:56 (2009)    Sujet du message: بـالـحـقـائـق نـاطـقـيـن Répondre en citant





jnoun735

بـالـحـقـائـق نـاطـقـيـن

الكون وماحواه من مخلوقات من إنسان وغيره من المخلوقات الأخرى. فقد خلقها الله تعالى فـي أفضل صورة وعلى أكمل وجه، شكلا ومضمونا· إذا نظر الإنسان لنفسه وللكون من حوله من سماء وأرض ونبات وحيوان وغيره من المخلوقات يتحقق ويتأكد من قدرة الخالق فهو على كل شئ قدير. ولكن قد يتبادر إلى ذهنه ثمة سؤال: ماهى الغاية من كل ذلك الخلق البديع، الجمال الرفيع، الكون العميق، الدين المجيد، الدنيا وملذاتها والآخرة وأبديتها، الحياة والموت؟ وإذا تمعنا وتفكرنا جيدا فالإجابة بسيطة وهى أن المغزى من كل هذا هى العبادة لله الواحد الأحد· وكى تتحقق العبادة بمعناها الحقيقى لابد لها أن تكون فـي المسار الصحيح. بما أن العبادة هى لله فهى تعتبر سير إلى الله عن طريق العبادة الصحيحة التي تكون على يد خبير سالك عارف متحقق حتى يقودنا إلى أعلى الدرجات· والسير إلى الله عموما هو نوعين نوع يسمى بالسير الطبيعى ويسيره كل إنسان طوعا أو كرها· أما النوع الثانى فهو السير الإختيارى.

السير الطبيعي إلى الله: هو السير الذي لا إختيار لبشر فيه وهو ترحل وتنقل الكائنات من طور إلى طور كما قال تعالى ( خلقناكم أطوارا) فالإنسان مثلا ينتقل من صلب أبيه إلى رحم أمه ثم ينتقل إلى الدنيا فيشب ويترعرع فيحبوا ثم يمشى ويتكلم وينتقل من طور إلى طور فمن حالة الطفولة إلى الفتوة، إلى الشباب، إلى الرجولة، إلى الكهولة، إلى الهرم هذا إذا قدر الله أن يحيا ويمر بكل هذه الأطوار كما قال تعالى ( ومنكم من يتوفـي ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) فإذا حان أجله يتوفاه الله تعالى فينتقل من الدنيا إلى العالم الآخر· فهذا الترحل من طور إلى طور، ومرحلة إلى مرحلة يعتبر سفر إلى الله بمعنى سير إلى الله طوعا وكرها.

السير الإختيارى إلى الله: وهو سير الإنسان إلى الله تعالى طائعا مختارا بموافقة الكتاب والسنة وهدىَ الشريعة الغراء فـي صحبة خبير متحقق عالم بالطريق ومسالكه ممن ينطبق عليه قوله تعالى {الرحمن فاسأل به خبيرا}. والسير إلى الله على يد خبير (الولى المرشد) يكون بكثرة الذكر والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمداومة على ذلك. عن هذا الموطن قال الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى:

وأذكر إسم الحبيب مارمت وصلا وتبتــل بذكـــره تبتيــلا

والسير إلى الله درجات وأنواع وقد أوضحها المولى فـي عدة آيات من القران الكريم قال تعالي: (يا ايها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) والكدح هو السير زحفا. وقال فـي آية أخرى (إنى ذاهب إلى ربى) والذهاب أعلى درجة من الكدح· كذلك وضح الله تعالى درجات السير إليه فـي الحديث القدسى الذي يقول: (من تقربَ اليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلىَ ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتانى ماشيا أتيته هرولة···) كل هذه درجات متنوعة من السير إلى الله بالعبادة الصحيحة الخالصة لله تعالى على يد أهل الله.

وعن سير المجتهدين قال تعالى: {والسابقون السابقون} وقال: {ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين} وهذا النوع من أعلى الدرجات· ومراتب السير إلى الله قال عنها الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى:

بنىَ فروا إلى الله الذي ملئت خزائن الجود من إرفاده مننا

وقال جلَّ وعلا مخبرا عن أعلى مراتب السير {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}.

عندما يسير العبد إلى الله بالعبادة الصحيحة القوية يصل إلى درجات ترقى عالية. وتوجد درجة تسمى بدرجة العتق يصلها السائر إلى الله سواء كان سيره بالعبادات النفلية والإجتهاد فيها، أو سيره على يد الشيخ الخبير العارف السالك المتحقق· بالنسبة للسالك من العبادات النفلية فهو بعد سماعه لنداء العتق يرجع فرحا مسرورا. أما بالنسبة للسالك صاحب الأوراد المنظمة على يد الخبير ( من حيث المراقبة الصحيحة،الذكر الصحيح، والمحبة الصادقة والعقيدة الصحيحة).

فأصحاب هذه الأوراد لا يكتفون بالعتق بل يطلبون الدخول والترقى والسير إلى ما وراء العتق· يتضح من كل هذا أن العبادة الصحيحة هى السير إلى الله والسفر إليه· السير إذا كان على يد خبير سالك يعرف المسار الصحيح إلى الله يقودنا إلى العلياء. أما إذاكان المسار خطأ فقد يهوى بنا إلى حافة الهاوية. فلا بد من السير إلى الله فهو مبتدانا ومنتهانا ولا بد من التزود اللازم على يد الخير العالم.





معارضـــــــات عــــلى الذكــــــر بالجهــــــر

الحديث (···· عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ أَبِي و قَالَ يَحْيَى يَعْنِي الْقَطَّانَ ابْنَ أَبِي لَبِيبَةَ أَيْضًا إِلا أَنَّهُ قَالَ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ لَبِيبَة) مسند أحمد (مسند المبشرين)

الآية {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فـي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ} 205 الأعراف

والآية {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} (الإسراء110)

والآية (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) 55 الأعراف

وسنتناول هذه المعارضات الأربعة كل على حده من كتب الأئمة والمفسرين كما يلي :


1- حديث (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فـي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ فَقَالَ سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات) صحيح مسلم - مسند أحمد ،المفردون جمع فرد أي رجل أو واحد الرجال أي واحدهم وقد أخبر النبي أن المفردين هم الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ولم يقل {والذاكرين الله كثيراً والذاكراته} فحذفت الهاء كما حذفت فـي القرآن بمناسبة رؤوس الآيات· قال بن قتيبة وغيره (وهذا كلام النووي) أصل المفردون الذين هلك أقاربهم وفـي رواية هم الذين اهتزوا فـي ذكر الله تعالى· أي يذكرون الله فـي جماعة وفـي اهتزاز (تمايل)·

فـي شرح الحديث جزء 5 ص 544 فـي شرح النووي على مسلم فـي حديث (إن لله ملائكة سيارة) ص 545 ما نصه : (قال القاضي عياض : وذكر الله ضربان ذكر بالقلب وذكر باللسان، وذكر القلب نوعان : أحدهما وهوأرفع الأذكار وأجلها هو الفكر فـي عظمة الله وجلاله وجبروته وملكوته وآياته فـي سماواته وأرضه ومنه الحديث (خير الذكر الخفي) والمراد به هو هذا)·

إذاً (خير الذكر الخفي) المراد به التفكر فـي خلق السموات والأرض إذاً فـي موضوع الذكر باللسان فـي الحضرة هذا موضوع لا يتعارض مع الحديث (خير الذكر الخفي) طبقاً لشرح النووي للذكر الخفي بأن أفضله هو التفكر فـي عظمة الله وجلاله·· ونسرد باقي كلام النووي (·· أما الثاني فذكره بالقلب عند الأمر والنهي فيمتثل لما أمر به ويترك ما نهى عنه ويقف عما أُشكل عليه وأما ذكر اللسان مجرد فهو أضعف الأذكار ولكنه فيه فضل عظيم لما جاءت به الأحاديث قال وذكر بن جرير الطبري وغيره اختلاف السلف فـي ذكر القلب واللسان أيهما أفضل ؟ قال القاضي عياض والخلاف عندي يتصور فـي مجرد ذكر القلب تسبيحاً وتهليلاً وما شابهما· وعليه يدل كلامهم لا أنهم مختلفون فـي الذكر الخفي الذي ذكرناه ولا فـي ذكر اللسان وإنما الخلاف فـي ذكر القلب بالتسبيح المجرد ونحوه والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب· فإن كان لاهياً فلا، واحتج من رجح ذكر القلب بأن عمل السرأفضل ومن رجح ذكر اللسان قال لأن العمل فيه أكثر فإن زاد زاد باستعمال اللسان اقتضى زيادة الأجر قال القاضي عياض : واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب أم لا ؟ فقيل تكتبه ويجعل الله لهم علامة يعرفونه بها وقيل لا يكتبونه لأنه لا يطلع عليه غير الله قلت (أي النووي) الصحيح أنهم يكتبونه وأن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده·

2- أما المعارضين مع الآية {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فـي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالأصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ} (الأعراف205)·

ويقول ابن كثير فـي تفسيره عن هذه الآية (يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيرا كما أمر بعبادته فـي هذين الوقتين فـي قوله ''فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب'' وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء وهذه الآية مكية وقال ههنا بالغدو وهو أول النهار والآصال جمع أصيل كما أن الأيمان جمع يمين وأما قوله ''تضرعا وخيفة'' أي اذكر ربك فـي نفسك رغبة ورهبة وبالقول لا جهرا ولهذا قال ''ودون الجهر من القول'' وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء وجهرا بليغا ولهذا لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}· وفـي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء فـي بعض الأسفار فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ''يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته'' وقد يكون المراد من هذه الآية كما فـي قوله تعالى {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه وسبوا من أنزله وسبوا من جاء به فأمره الله تعالى أن لا يجهر به لئلا ينال منه المشركون ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم وليتخذ سبيلا بين الجهر والإسرار وكذا قال فـي هذه الآية الكريمة {ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} وقد زعم ابن جرير وقبله عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بها أمر السامع للقرآن فـي حال استماعه بالذكر على هذه الصفة وهذا بعيد مناف للإنصات المأمور به ثم أن المراد بذلك فـي الصلاة كما تقدم أو فـي الصلاة والخطبة ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان سواء كان سرا أو جهرا فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال لئلا يكونوا من الغافلين ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون·

إذاً المقصود بهذه الآية أنها تخص الكفار فـي تلاوة القرآن أمامهم على العكس مع المؤمنين·

أما فـي تفسير القرطبي (نظيره ''{ادعوا ربكم تضرعا وخفية''} (الأعراف55) وقد تقدم· قال أبو جعفر النحاس: ولم يختلف فـي معنى ''واذكر ربك فـي نفسك'' أنه فـي الدعاء· قلت: قد روي عن ابن عباس أنه يعني بالذكر القراءة فـي الصلاة· وقيل: المعنى إقرأ القرآن بتأمل وتدبر· ''تضرعا'' مصدر، وقد يكون فـي موضع الحال· ''وخفية'' معطوف عليه· وجمع خيفة خوف؛ لأنه بمعنى الخوف؛ ذكره النحاس· وأصل خيفة خوفة، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها· خاف الرجل يخاف خوفا وخيفة ومخافة، فهو خائف، وقوم خوف على الأصل، وخيف على اللفظ· وحكى الفراء أنه يقال أيضا فـي جمع خيفة خيف· قال الجوهري: والخيفة الخوف، والجمع خيف، وأصله الواو)

3- {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} (الإسراء110)

فـي تفسير القرطبي لهذه الآية: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} اختلفوا فـي سبب نزولها على خمسة أقوال:

(الأول) ما روى ابن عباس فـي قوله تعالى: ''ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها'' قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به؛ فقال الله تعالى ''ولا تجهر بصلاتك'' فيسمع المشركون قراءتك· ''ولا تخافت بها'' عن أصحابك· أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر· ''وابتغ بين ذلك سبيلا'' قال: يقول بين الجهر والمخافتة؛ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم· واللفظ لمسلم· والمخافتة: خفض الصوت والسكون؛ يقال للميت إذا برد: خفت· قال الشاعر:

لم يبق إلا نفس خافت + رثى لها الشامت مما بها

ومقلة إنسانها باهت + يا ويح من يرثى له الشامت

(الثاني) ما رواه مسلم أيضا عن عائشة فـي قوله عز وجل: ''ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها'' قالت: أنزل هذا فـي الدعاء·

(الثالث) قال ابن سيرين: كان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية فـي ذلك·

قلت: وعلى هذا فتكون الآية متضمنة لإخفاء التشهد، وقد قال ابن مسعود: من السنة أن تخفي التشهد؛ ذكره ابن المنذر·

(الرابع) ما روي عن ابن سيرين أيضا أن أبا بكر رضي الله عنه كان يِسُر قراءته، وكان عمر يجهر بها، فقيل لهما فـي ذلك؛ فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي· إليه· وقال عمر: أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان؛ فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر: ارفع قليلا، وقيل لعمر اخفض أنت قليلا؛ ذكره الطبري وغيره·

(الخامس) ما روي عن ابن عباس أيضا أن معناها ولا تجهر بصلاة النهار، ولا تخافت بصلاة الليل؛ ذكره يحيى بن سلام والزهراوي· فتضمنت أحكام الجهر والإسرار بالقراءة فـي النوافل والفرائض، فأما النوافل فالمصلي مخير فـي الجهر والسر فـي الليل والنهار، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل الأمرين جميعا· وأما الفرائض فحكمها فـي القراءة معلوم ليلا ونهارا·

(السادس) قال الحسن: يقول الله لا ترائي بصلاتك تحسنها فـي العلانية ولا تسيئها فـي السر· وقال ابن عباس: لا تصل مرائيا للناس ولا تدعها مخافة الناس·

عبر تعالى بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة فـي قوله:{وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا''} (الإسراء 78) لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها؛ فعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء على عادة العرب فـي المجاز وهو كثير؛ ومنه الحديث الصحيح: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) أي قراءة الفاتحة على ما تقدم·

4- والآية {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(الأعراف 55)·

فـي النسفي الجزء الثاني ص56 قال إن المقصود بهذا الموضوع الدعاء يقول التضرع سمن الضراعة وهي الذل لله قال (إنكم لا تدعون أصماً ولا غائبا إنما تدعون سميعاً قريباً إنه معكم أينما كنتم) وعن الحسن : بين دعوة السر ودعاء العلانية سبعون ضعفا· أي إن دعاء السر أفضل من دعاء العلانية {إنه لا يحب المعتدين} عن بن جريج الرافعين أصواتهم بالدعاء، وعن النبيسيكون قوماً يعتدون فـي الدعاء) ثم قرأ {إن الله لا يحب المعتدين} .

وفـي تفسير بن كثير أرشد تبارك وتعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم فـي دنياهم وأخراهم فقال ''ادعوا ربكم تضرعا وخفية'' قيل معناه تذللا واستكانة كقوله{واذكر ربك في نفسك} · وفـي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ''(أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعون سميع قريب)، وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس فـي قوله (تضرعا وخفية) قال السر وقال ابن جرير تضرعا تذللا واستكانة لطاعته وخفية يقول بخشوع قلوبكم وصحة اليقين وحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهارا مراءاة· وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة فـي بيته وعنده الزوار وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه فـي السر فيكون علانية أبدا لقد كان المسلمون يجتهدون فـي الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول{ادعوا ربكم تضرعا وخفية} وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال {إذ نادى ربه نداء خفيا} وقال ابن جريج يكره رفع الصوت والنداء والصياح فـي الدعاء ويؤمر بالتضرع والإستكانة ثم روي عن عطاء الخراساني عن ابن عباس فـي قوله ''إنه لا يحب المعتدين'' فـي الدعاء ولا فـي غيره وقال أبو مجلز ''إنه لا يحب المعتدين'' لا يسأل منازل الأنبياء وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن زياد بن مخراق سمعت أبا نعامة عن مولى لسعد أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيرا كثيرا وتعوذت به من شر كثير وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إنه سيكون قوم يعتدون فـي الدعاء)، وفـي لفظ (يعتدون فـي الطهور والدعاء) وقرأ هذه الآية {ادعوا ربكم تضرعا} وإن بحسبك أن تقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرَب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل ورواه أبو داوود من حديث شعبة عن زياد بن مخراق عن أبي نعامة عن مولى لسعد عن سعد فذكره والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا الحريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال يا بني سل الله الجنة وعُذ بْه من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ''يكون قوم يعتدون فـي الدعاء والطهور''· وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان به وأخرجه أبو داوود عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن سعيد بن إياس الحريري عن أبي نعامة واسمه قيس بن عباية.




  




jnoun735


Dernière édition par jnoun735 le Lun 22 Oct - 17:39 (2012); édité 1 fois
Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
Publicité







MessagePosté le: Ven 2 Oct - 04:56 (2009)    Sujet du message: Publicité

PublicitéSupprimer les publicités ?
Revenir en haut
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Sam 31 Juil - 05:25 (2010)    Sujet du message: بـالـحـقـائـق نـاطـقـيـن Répondre en citant


jnoun735
بـالـحـقـائـق نـاطـقـيـن
الكون وماحواه من مخلوقات من إنسان وغيره من المخلوقات الأخرى. فقد خلقها الله تعالى فـي أفضل صورة وعلى أكمل وجه، شكلا ومضمونا· إذا نظر الإنسان لنفسه وللكون من حوله من سماء وأرض ونبات وحيوان وغيره من المخلوقات يتحقق ويتأكد من قدرة الخالق فهو على كل شئ قدير. ولكن قد يتبادر إلى ذهنه ثمة سؤال: ماهى الغاية من كل ذلك الخلق البديع، الجمال الرفيع، الكون العميق، الدين المجيد، الدنيا وملذاتها والآخرة وأبديتها، الحياة والموت؟ وإذا تمعنا وتفكرنا جيدا فالإجابة بسيطة وهى أن المغزى من كل هذا هى العبادة لله الواحد الأحد· وكى تتحقق العبادة بمعناها الحقيقى لابد لها أن تكون فـي المسار الصحيح. بما أن العبادة هى لله فهى تعتبر سير إلى الله عن طريق العبادة الصحيحة التي تكون على يد خبير سالك عارف متحقق حتى يقودنا إلى أعلى الدرجات· والسير إلى الله عموما هو نوعين نوع يسمى بالسير الطبيعى ويسيره كل إنسان طوعا أو كرها· أما النوع الثانى فهو السير الإختيارى.
السير الطبيعي إلى الله: هو السير الذي لا إختيار لبشر فيه وهو ترحل وتنقل الكائنات من طور إلى طور كما قال تعالى ( خلقناكم أطوارا) فالإنسان مثلا ينتقل من صلب أبيه إلى رحم أمه ثم ينتقل إلى الدنيا فيشب ويترعرع فيحبوا ثم يمشى ويتكلم وينتقل من طور إلى طور فمن حالة الطفولة إلى الفتوة، إلى الشباب، إلى الرجولة، إلى الكهولة، إلى الهرم هذا إذا قدر الله أن يحيا ويمر بكل هذه الأطوار كما قال تعالى ( ومنكم من يتوفـي ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) فإذا حان أجله يتوفاه الله تعالى فينتقل من الدنيا إلى العالم الآخر· فهذا الترحل من طور إلى طور، ومرحلة إلى مرحلة يعتبر سفر إلى الله بمعنى سير إلى الله طوعا وكرها.
السير الإختيارى إلى الله: وهو سير الإنسان إلى الله تعالى طائعا مختارا بموافقة الكتاب والسنة وهدىَ الشريعة الغراء فـي صحبة خبير متحقق عالم بالطريق ومسالكه ممن ينطبق عليه قوله تعالى {الرحمن فاسأل به خبيرا}. والسير إلى الله على يد خبير (الولى المرشد) يكون بكثرة الذكر والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمداومة على ذلك. عن هذا الموطن قال الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى:
وأذكر إسم الحبيب مارمت وصلا وتبتــل بذكـــره تبتيــلا
والسير إلى الله درجات وأنواع وقد أوضحها المولى فـي عدة آيات من القران الكريم قال تعالي: (يا ايها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) والكدح هو السير زحفا. وقال فـي آية أخرى (إنى ذاهب إلى ربى) والذهاب أعلى درجة من الكدح· كذلك وضح الله تعالى درجات السير إليه فـي الحديث القدسى الذي يقول: (من تقربَ اليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلىَ ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتانى ماشيا أتيته هرولة···) كل هذه درجات متنوعة من السير إلى الله بالعبادة الصحيحة الخالصة لله تعالى على يد أهل الله.
وعن سير المجتهدين قال تعالى: {والسابقون السابقون} وقال: {ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين} وهذا النوع من أعلى الدرجات· ومراتب السير إلى الله قال عنها الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى:
بنىَ فروا إلى الله الذي ملئت خزائن الجود من إرفاده مننا
وقال جلَّ وعلا مخبرا عن أعلى مراتب السير {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}.
عندما يسير العبد إلى الله بالعبادة الصحيحة القوية يصل إلى درجات ترقى عالية. وتوجد درجة تسمى بدرجة العتق يصلها السائر إلى الله سواء كان سيره بالعبادات النفلية والإجتهاد فيها، أو سيره على يد الشيخ الخبير العارف السالك المتحقق· بالنسبة للسالك من العبادات النفلية فهو بعد سماعه لنداء العتق يرجع فرحا مسرورا. أما بالنسبة للسالك صاحب الأوراد المنظمة على يد الخبير ( من حيث المراقبة الصحيحة،الذكر الصحيح، والمحبة الصادقة والعقيدة الصحيحة).
فأصحاب هذه الأوراد لا يكتفون بالعتق بل يطلبون الدخول والترقى والسير إلى ما وراء العتق· يتضح من كل هذا أن العبادة الصحيحة هى السير إلى الله والسفر إليه· السير إذا كان على يد خبير سالك يعرف المسار الصحيح إلى الله يقودنا إلى العلياء. أما إذاكان المسار خطأ فقد يهوى بنا إلى حافة الهاوية. فلا بد من السير إلى الله فهو مبتدانا ومنتهانا ولا بد من التزود اللازم على يد الخير العالم.

معارضـــــــات عــــلى الذكــــــر بالجهــــــر

الحديث (···· عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ أَبِي و قَالَ يَحْيَى يَعْنِي الْقَطَّانَ ابْنَ أَبِي لَبِيبَةَ أَيْضًا إِلا أَنَّهُ قَالَ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ لَبِيبَة) مسند أحمد (مسند المبشرين)
الآية {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فـي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ} 205 الأعراف
والآية {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} (الإسراء110)
والآية (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) 55 الأعراف
وسنتناول هذه المعارضات الأربعة كل على حده من كتب الأئمة والمفسرين كما يلي :

1- حديث (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فـي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ فَقَالَ سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات) صحيح مسلم - مسند أحمد ،المفردون جمع فرد أي رجل أو واحد الرجال أي واحدهم وقد أخبر النبي أن المفردين هم الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ولم يقل {والذاكرين الله كثيراً والذاكراته} فحذفت الهاء كما حذفت فـي القرآن بمناسبة رؤوس الآيات· قال بن قتيبة وغيره (وهذا كلام النووي) أصل المفردون الذين هلك أقاربهم وفـي رواية هم الذين اهتزوا فـي ذكر الله تعالى· أي يذكرون الله فـي جماعة وفـي اهتزاز (تمايل)·
فـي شرح الحديث جزء 5 ص 544 فـي شرح النووي على مسلم فـي حديث (إن لله ملائكة سيارة) ص 545 ما نصه : (قال القاضي عياض : وذكر الله ضربان ذكر بالقلب وذكر باللسان، وذكر القلب نوعان : أحدهما وهوأرفع الأذكار وأجلها هو الفكر فـي عظمة الله وجلاله وجبروته وملكوته وآياته فـي سماواته وأرضه ومنه الحديث (خير الذكر الخفي) والمراد به هو هذا)·
إذاً (خير الذكر الخفي) المراد به التفكر فـي خلق السموات والأرض إذاً فـي موضوع الذكر باللسان فـي الحضرة هذا موضوع لا يتعارض مع الحديث (خير الذكر الخفي) طبقاً لشرح النووي للذكر الخفي بأن أفضله هو التفكر فـي عظمة الله وجلاله·· ونسرد باقي كلام النووي (·· أما الثاني فذكره بالقلب عند الأمر والنهي فيمتثل لما أمر به ويترك ما نهى عنه ويقف عما أُشكل عليه وأما ذكر اللسان مجرد فهو أضعف الأذكار ولكنه فيه فضل عظيم لما جاءت به الأحاديث قال وذكر بن جرير الطبري وغيره اختلاف السلف فـي ذكر القلب واللسان أيهما أفضل ؟ قال القاضي عياض والخلاف عندي يتصور فـي مجرد ذكر القلب تسبيحاً وتهليلاً وما شابهما· وعليه يدل كلامهم لا أنهم مختلفون فـي الذكر الخفي الذي ذكرناه ولا فـي ذكر اللسان وإنما الخلاف فـي ذكر القلب بالتسبيح المجرد ونحوه والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب· فإن كان لاهياً فلا، واحتج من رجح ذكر القلب بأن عمل السرأفضل ومن رجح ذكر اللسان قال لأن العمل فيه أكثر فإن زاد زاد باستعمال اللسان اقتضى زيادة الأجر قال القاضي عياض : واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب أم لا ؟ فقيل تكتبه ويجعل الله لهم علامة يعرفونه بها وقيل لا يكتبونه لأنه لا يطلع عليه غير الله قلت (أي النووي) الصحيح أنهم يكتبونه وأن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده·
2- أما المعارضين مع الآية {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فـي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالأصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ} (الأعراف205
ويقول ابن كثير فـي تفسيره عن هذه الآية (يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيرا كما أمر بعبادته فـي هذين الوقتين فـي قوله ''فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب'' وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء وهذه الآية مكية وقال ههنا بالغدو وهو أول النهار والآصال جمع أصيل كما أن الأيمان جمع يمين وأما قوله ''تضرعا وخيفة'' أي اذكر ربك فـي نفسك رغبة ورهبة وبالقول لا جهرا ولهذا قال ''ودون الجهر من القول'' وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء وجهرا بليغا ولهذا لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}· وفـي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء فـي بعض الأسفار فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ''يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته'' وقد يكون المراد من هذه الآية كما فـي قوله تعالى {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه وسبوا من أنزله وسبوا من جاء به فأمره الله تعالى أن لا يجهر به لئلا ينال منه المشركون ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم وليتخذ سبيلا بين الجهر والإسرار وكذا قال فـي هذه الآية الكريمة {ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} وقد زعم ابن جرير وقبله عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بها أمر السامع للقرآن فـي حال استماعه بالذكر على هذه الصفة وهذا بعيد مناف للإنصات المأمور به ثم أن المراد بذلك فـي الصلاة كما تقدم أو فـي الصلاة والخطبة ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان سواء كان سرا أو جهرا فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال لئلا يكونوا من الغافلين ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون·
إذاً المقصود بهذه الآية أنها تخص الكفار فـي تلاوة القرآن أمامهم على العكس مع المؤمنين·
أما فـي تفسير القرطبي (نظيره ''{ادعوا ربكم تضرعا وخفية''} (الأعراف55) وقد تقدم· قال أبو جعفر النحاس: ولم يختلف فـي معنى ''واذكر ربك فـي نفسك'' أنه فـي الدعاء· قلت: قد روي عن ابن عباس أنه يعني بالذكر القراءة فـي الصلاة· وقيل: المعنى إقرأ القرآن بتأمل وتدبر· ''تضرعا'' مصدر، وقد يكون فـي موضع الحال· ''وخفية'' معطوف عليه· وجمع خيفة خوف؛ لأنه بمعنى الخوف؛ ذكره النحاس· وأصل خيفة خوفة، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها· خاف الرجل يخاف خوفا وخيفة ومخافة، فهو خائف، وقوم خوف على الأصل، وخيف على اللفظ· وحكى الفراء أنه يقال أيضا فـي جمع خيفة خيف· قال الجوهري: والخيفة الخوف، والجمع خيف، وأصله الواو)
3- {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} (الإسراء110)
فـي تفسير القرطبي لهذه الآية: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} اختلفوا فـي سبب نزولها على خمسة أقوال:
(الأول) ما روى ابن عباس فـي قوله تعالى: ''ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها'' قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به؛ فقال الله تعالى ''ولا تجهر بصلاتك'' فيسمع المشركون قراءتك· ''ولا تخافت بها'' عن أصحابك· أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر· ''وابتغ بين ذلك سبيلا'' قال: يقول بين الجهر والمخافتة؛ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم· واللفظ لمسلم· والمخافتة: خفض الصوت والسكون؛ يقال للميت إذا برد: خفت· قال الشاعر:
لم يبق إلا نفس خافت + رثى لها الشامت مما بها
ومقلة إنسانها باهت + يا ويح من يرثى له الشامت
(الثاني) ما رواه مسلم أيضا عن عائشة فـي قوله عز وجل: ''ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها'' قالت: أنزل هذا فـي الدعاء·
(الثالث) قال ابن سيرين: كان الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية فـي ذلك·
قلت: وعلى هذا فتكون الآية متضمنة لإخفاء التشهد، وقد قال ابن مسعود: من السنة أن تخفي التشهد؛ ذكره ابن المنذر·
(الرابع) ما روي عن ابن سيرين أيضا أن أبا بكر رضي الله عنه كان يِسُر قراءته، وكان عمر يجهر بها، فقيل لهما فـي ذلك؛ فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي· إليه· وقال عمر: أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان؛ فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر: ارفع قليلا، وقيل لعمر اخفض أنت قليلا؛ ذكره الطبري وغيره·
(الخامس) ما روي عن ابن عباس أيضا أن معناها ولا تجهر بصلاة النهار، ولا تخافت بصلاة الليل؛ ذكره يحيى بن سلام والزهراوي· فتضمنت أحكام الجهر والإسرار بالقراءة فـي النوافل والفرائض، فأما النوافل فالمصلي مخير فـي الجهر والسر فـي الليل والنهار، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل الأمرين جميعا· وأما الفرائض فحكمها فـي القراءة معلوم ليلا ونهارا·
(السادس) قال الحسن: يقول الله لا ترائي بصلاتك تحسنها فـي العلانية ولا تسيئها فـي السر· وقال ابن عباس: لا تصل مرائيا للناس ولا تدعها مخافة الناس·
عبر تعالى بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة فـي قوله:{وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا''} (الإسراء 78) لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها؛ فعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء على عادة العرب فـي المجاز وهو كثير؛ ومنه الحديث الصحيح: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) أي قراءة الفاتحة على ما تقدم·
4- والآية {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}(الأعراف 55
فـي النسفي الجزء الثاني ص56 قال إن المقصود بهذا الموضوع الدعاء يقول التضرع سمن الضراعة وهي الذل لله قال (إنكم لا تدعون أصماً ولا غائبا إنما تدعون سميعاً قريباً إنه معكم أينما كنتم) وعن الحسن : بين دعوة السر ودعاء العلانية سبعون ضعفا· أي إن دعاء السر أفضل من دعاء العلانية {إنه لا يحب المعتدين} عن بن جريج الرافعين أصواتهم بالدعاء، وعن النبي
سيكون قوماً يعتدون فـي الدعاء) ثم قرأ {إن الله لا يحب المعتدين} .

وفـي تفسير بن كثير أرشد تبارك وتعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم فـي دنياهم وأخراهم فقال ''ادعوا ربكم تضرعا وخفية'' قيل معناه تذللا واستكانة كقوله{واذكر ربك في نفسك} · وفـي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ''(أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعون سميع قريب)، وقال ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس فـي قوله (تضرعا وخفية) قال السر وقال ابن جرير تضرعا تذللا واستكانة لطاعته وخفية يقول بخشوع قلوبكم وصحة اليقين وحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه لا جهارا مراءاة· وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة فـي بيته وعنده الزوار وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه فـي السر فيكون علانية أبدا لقد كان المسلمون يجتهدون فـي الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول{ادعوا ربكم تضرعا وخفية} وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال {إذ نادى ربه نداء خفيا} وقال ابن جريج يكره رفع الصوت والنداء والصياح فـي الدعاء ويؤمر بالتضرع والإستكانة ثم روي عن عطاء الخراساني عن ابن عباس فـي قوله ''إنه لا يحب المعتدين'' فـي الدعاء ولا فـي غيره وقال أبو مجلز ''إنه لا يحب المعتدين'' لا يسأل منازل الأنبياء وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن زياد بن مخراق سمعت أبا نعامة عن مولى لسعد أن سعدا سمع ابنا له يدعو وهو يقول اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيرا كثيرا وتعوذت به من شر كثير وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إنه سيكون قوم يعتدون فـي الدعاء)، وفـي لفظ (يعتدون فـي الطهور والدعاء) وقرأ هذه الآية {ادعوا ربكم تضرعا} وإن بحسبك أن تقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرَب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل ورواه أبو داوود من حديث شعبة عن زياد بن مخراق عن أبي نعامة عن مولى لسعد عن سعد فذكره والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا الحريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال يا بني سل الله الجنة وعُذ بْه من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ''يكون قوم يعتدون فـي الدعاء والطهور''· وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان به وأخرجه أبو داوود عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن سعيد بن إياس الحريري عن أبي نعامة واسمه قيس بن عباية.



jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Sam 31 Juil - 05:30 (2010)    Sujet du message: بـالـحـقـائـق نـاطـقـيـن Répondre en citant





http://www.almanar.com.lb/NewsSite/ManarLive.aspx





jnoun735

رح يارسولي اليهم ** سرعا وقبـّـل يديهم
وأقرا سلامي عليهم ** لعلهم يرحموني
جاني رسولي بيضحك ** وقال لي ابشر بصلحك
بحق عيشك وملحك ** هم باللقا اوعدوني
قابلتهم عصر الاثنين ** صبح الثلوث اوحشوني
وياعيوني عـَـيوني ** وياجفوني جـَـفوني





عَلى العَقيق اِجتَمَعنا """ نَحنُ وَسودُ العيونِ
أَظنّ مَجنونَ لَيلى """ ما جنّ بَعضَ جُنوني
إِن مُتّ وَجداً عَلَيهم """ بِأَدمُعي غَسَلوني
نوحوا عَلَيَّ وَقُولوا """ هَذا قَتيل العُيونِ
أَيا عُيوني عيوني """ وَيا جُفوني جَفوني


فَيا فُؤادي تَصبّر """ عَلى الَّذي فارَقوني



jnoun735


أنا راض بطول صدك عني """ ليس إلا لأن ذاك هواكا
فامتحن بالجفا صبري على """ الود ودعني معلقا برجاكا

الامام محيي الدين عبد القادر الجيلانيشَرِبْتُ بِكَاسَاتِ الغَرَامِ سُلاَفَةً """ بِهَا انْتَعَشَت روحِي وَجِسْمِي وَمُهْجَتِي
وَصِرْتُ أَنَا السَاقِي لِمَنْ كَانَ حَاضِراً """ أُدِيرُ عَلَيهِمْ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةِ


عبد القادر الجيلاني

417-561 هـ / 1078-1166 م
الامام محيي الدين عبد القادر الجيلاني أحد الذين نالوا مكانة رفيعة في تاريخ التصوف، ووضعوا قواعد طريقتهم الصوفية، التي نشرها أتباعه بعد وفاته في بغداد سنة 561 هـ ولم يكن الامام الجيلاني شاعراً بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما كان -كما يرى المؤرخين- الشعر عنده أداة تناسب التعبير عن المعاني الصوفية.

كما أن الإمام الجيلاني الذي ولد في جيلان وراء طبرستان، سنة 471 هـ وعاش وماش في بغداد ولم تعرف له أية دواوين مطبوعة، ولا مخطوطة، وإنما بضعة قصائد متفرقة هنا وهناك، قام مشكورا بجمعها الأستاذ الجليل يوسف زيدان في ديوان كبير إختار له اسم "ديوان الجيلاني".

وفي شعر الجيلاني الحنبلي المذهب الذي عمل بالتدريس والإفتاء، نجد حقائق التصوف وقد إختبأت بين حروف الكلمات، ويشار إليها تلويحا وتلميحا لنفس الأسباب، التي جعلت شعر الصوفية رمزياً.
ومن أهم قصائد ديوان الجيلاني رائعته المعروفة باسم الوسيلة، وتقع في 48 بيتاً، وهي تعبير -كما يقول الباحث الجليل يوسف زيدان الذي قام بجمعها- عن فرط المحبة وفيضان الوجد، وقد عمد الامام فيها إلى الرموز الصوفية كالخمر والحان والكأس، وغير ذلك من الرموز الحسية، التي طالما أشار بها الصوفية لمعانيهم الذوقية.

وها هي ذي "الوسيلة" بأبياتها التي تمثل أحد روائع الشعر الصوفي

:



وَلَما صَفَا قَلْبي وَطَاَبتْ سَرِيرَتِي """ وَنَادَمَنِي صَحْويِ بِفَتْحِ الْبَصِيرة
شَهِدْتُ بِأَنَّ الله مَوْلَى الْوِلاَيَةِ """ وَقَدْ مَنَّ بِالتَّصْرِيفِ فِي كُلِّ حَالَةِ
سَقَانِي إِلهيِ مِنْ كؤوس شَرَابِهِ """ فَأَسْكَرَنِي حَقَاً فَهِمْتُ بِسَكْرتِي
وحَكْمَنِي جِمْع الدِّنَانِ بِمَا حَوَى """ وَكُلُّ مُلُوكِ الْعَالمِينَ رَعِيَّتي
وَفيِ حَانِنَا فادْخُلْ تَرَ الْكَأْسَ دَائِراً """ وَمَا شَرِبَ العُشَّاقُ إِلاَّ بَقِيَّتي
رُفِعْتُ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْحُبَّ فِي الْوَرَى """ فَقَرَّبَني الْمَوْلَى وَفُزْتُ بِنَظْرَةِ
وَجَالَتْ خُيُولِي فِي الأَرَاضِي جَمِعَها """ وَزُفَّتْ لِيَ الْكَاسَاتُ مِنْ كُلِّ وِجْهَةِ
وَدُقَّتْ لِي الْرَايَاتُ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَا """ وَأَهْلُ السَّمَا والأَرْضِ تَعْلَمُ سَطْوتِي
وَشَاءُوسُ مُلْكِي سَارَ شَرْقاً وَمَغْرِباً """ فَصِرْتُ لأَهْلِ الْكَرْبِ غَوْثاً ورَحْمَةِ
فَمَنْ كَانَ مِثْلِي يَدَّعِي فِكُمُ الْهَوَى """ يُطَاوِلُني إنْ كَانَ يَقْوَى لِسَطْوَتِي
أَنَّا كُنْتُ في الْعُلْيَا بِنُور مُحَمَّدٍ """ وَفِي قَابَ قَوْسَيْنِ اجْتِمَاعُ الأَحِبَّةِ
شَرِبْتُ بِكَاسَاتِ الغَرَامِ سُلاَفَةً """ بِهَا انْتَعَشَت روحِي وَجِسْمِي وَمُهْجَتِي
وَصِرْتُ أَنَا السَاقِي لِمَنْ كَانَ حَاضِراً """ أُدِيرُ عَلَيهِمْ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةِ
وَقَفْتُ بِبَابِ اللهِ وَحْدِي مُوَحِّدَاً """وَنُودِيتُ يَا جِيلاَنِيَ ادْخُلْ لِحَضْرتِي
وَنُوديتُ يَا جِيلاَنِيَ ادْخُلْ وَلا تَخفْ """ عُطيتُ اللوا مِنْ قَبْلِ أَهْلِ الحَقِيقَةِ
ذِرَاعِيَ مِنْ فَوْقِ السَّمَواتِ كُلَّهَا """ وَمِنْ تَحْتِ بَطْنِ الحُوتِ أَمْدَدْتُ رَاحَتي
وَأَعْلَمُ نَبْتَ الأَرضِ كَمْ هُوَ نَبْتَةٌ """ وَأَعْلَمُ رَمْلَ الأَرْضِ عَدَّاً لِرَمْلَةِ
وَأَعْلَمُ عِلْمَ اللهِ أُحْصِي حُروفَهُ """ وأَعْلَمُ مَوْجَ الْبَحْرِ عَدَّا لِمَوْجَةِ
وَمَا قُلْتُ هَذَا القَوْلَ فَخْراً وإنَّمَا """ أَتَى الإِذْنُ حَتَّى تَعْرِفُوا مِنْ حَقِيقَتي
وَمَا قُلْتُ حَتْى قِيلَ لِي قُلْ وَلاَ تَخَفْ """ فَأَنْتَ وَلِييِّ فِي مَقَامِ الْوِلاَيةِ
أَنَا كُنْتُ مَعْ نُوْحٍ أُشَاهِدُ فِي الْوَرَى """ بِحَاراً وَطُوقَاناً عَلَى كَفِّ قُدْرَتي
وَكُنْتُ وَإِبْراهِيمَ مُلْقَىً بِنَارِهِ """ وَمَا بَرَّدَ النِّيرانَ إِلاَّ بدَعْوَتِي
وَكُنْتُ مَعَ اسْمَعِيلَ في الذَّبْحِ شاهِدَاً """ وَمَا أَنْزَلَ المَذْبُوح إِلاَّ بِفُتْيَتي
وَكُنْتُ مَعَ يَعْقُوبَ فِي غَشْوِ عَيْنِهِ """ وَمَا بَرِئَتْ عَيْنَاهُ إِلاَّ بِتَفْلَتِي
وَكُنْتُ مَعَ إِدْرِيسَ لَمَّا ارْتَقَى الْعُلا """ وَأُسْكِنَ فِي الْفِرْدَوْسِ أَحْسَنَ جَنَّةِ
وَكُنْتُ وَمُوسَى فِي مُنَاجَاةِ رَبِّهِ """ وَمُوسَى عَصَاهُ مِنْ عَصَايَ اسْتَمَدَّتِ
وَكُنْتُ مَعَ أيِّوبَ في زَمَنِ الْبَلا """ وَمَا بَرِئَتْ بَلْوَاهُ إلاَّ بِدَعْوَتِي
وَكُنْتُ مَعَ عِيسَى وَفِي الْمَهْدِ ناطِقَاً """ وَأَعْطَيْتُ دَاوُداً حَلاَوةَ نَغْمَتِي
وَلِي نَشَأَةَ في الْحُبِّ مِنْ قَبْلِ آدمِ """ وَسِرِّي سَرَى فِي الْكَوْنِ مِنْ قَبْلِ نَشْأَتِي
أَنَا الذَّاكِرُ المَذْكُورُ ذِكْراً لِذَاكِرٍ """ أَنَا الشاكِرُ المَشْكُورُ شُكْراً بِنِعْمَتِي
أَنَا الْعَاشِقُ الْمَعْشَوقُ فِي كُلِّ مُضْمَرٍ """ أَنَا السَّامِعُ الْمَسْمُوعُ فِي كُلِّ نَغْمَةِ
أَنَا الْوَاحِدُ الْفَرْدُ الْكَبِيرُ بِذَاتِهِ """ أَنَا الْوَاصِفُ الْمَوْصُوفُ عِلْمُ الطَّرِيقَةِ
مَلَكْتُ بِلاَدَ اللَّهِ شَرْقَاً وَمَغْرِباً """ وَإِنْ شِئْتُ أَفْنَيْتُ الأَنَامَ بِلَحْظَةِ
وَقَالَوا فَأَنْتَ الْقُطبُ قُلْتُ مُشَاهدُ """ وَنَالٍ كِتَابَ اللهِ فِي كُلِّ سَاعَةِ
وَنَاظِرُ مَا فِي اللَّوْحِ مِنْ كُلِّ آيَةٍ """ وَمَا قَدْ رَأَيْتُ مِنْ شُهُودٍ بِمُقْلَتِي
فَمْن كَانَ يَهْوَانَا يَجِي لِمَحَلِّنَا """ وَيَدْخُلْ حِمَى السَّادَاتِ يَلْقَ الْغَنِيمَة
فَلاَ عَالِمٌ إِلاَّ بِعِلْمِيَ عَالِمٌ """ وَلاَ سَالِكٌ إِلاَّ بِفَرْضِي وَسُنَّتِي
وَلاَ جَامِعٌ إِلاَّ وَلِي فِيهِ رَكْعَةٌ """ وَلاَ مِنْبَرٌ إِلاَّ وَلِي فِيهِ خُطْبَتِي
وَلَوْلاَ رَسُولُ اللهِ بِالْعَهْدِ سَابِقٌ """ لأَغْلَقْتُ أَبْوَابَ الْجَحِيمِ بِعْظمَتِي
مُرِيدِي لَكَ الْبُشْرَى تَكُونُ عَلى الْوَفَا """ وَإِنْ كُنْتَ فِي هَمٍّ أُغِثْكَ بِهِمَّتي
مُرِيدِي تَمَسَّكْ بِي وَكُنْ بِيَ وَاثِقَاً """ لأَحْمِيكَ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَكُنْ يَا مُرِيدِي حَافِظَاً لِعُهُودِنَا """أَكُنْ حَاضِرَ الْميِزَانِ يَوْمَ الْوَقِيعَةِ
وَإِنْ شَحَّتِ الْميزَانُ كُنْتُ أَنَا لَهَا """ بِعَيْنِ عِنَايَاتٍ وَلُطْفِ الْحَقِيقَةِ
حَوَائِجُكُمْ مُقْضِيَّةً غَيْرَ أَنَّنِي """ أَرِيدُكُمُو تَمْشُون طُرْقَ الْحَمِيدَةِ
وَأَوْصِيكُمُو كَسْرَ النُّفُوسِ فإِنَّها """ مَرَاتِبُ عِزِّ عِنْدَ أَهْلِ الطَّرِيقَةِ
وَمَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِتَكَبُّرٍ """ تَجِدْهُ صَغِيراً في عُيُونِ الأَقِلَّةِ
وَمَنْ كَانَ فِي حَالاتِهِ مُتَواضِعَاً """ مَعَ اللهِ عَزَّتْهُ جَميعُ الْبَرِيَّةِ



مَا فِي الصَبابَةِ مَنْهَلٌ مُسْتعْذَبُ """ إِلاّ وَلِي فِيهِ اْلأَلَذُ الأَطْيَبُ
أَوْ فِي الْوِصَالِ مَكَانَهُ مَخْصوْصَةٌ """ إلاَّ وَمَنْزلَتي أَعَزُّ وَأَقْرَبُ
وَهَبَتْ لِيَ الأَيّامُ رَوْنَقَ صَفْوِهَا """ فَحَلَتْ مَنَاهِلْهَا وَطَابَ الْمَشْرَبُ
وَغَدَوْتُ مَخْطُوباً لِكُلِّ كَرِيمةٍ """ لاَ يَهْتَدي فِيهَا اللَّبِيبُ فَيَخْطُبُ
أَنَا مِنْ رِجَالِ لاَ يَخَافُ جَليسُهُمْ """ رَيْبَ الزَّمَانِ وَلاَ يَرى مَا يَرْهَبُ
قَوْمٌ لَهُمْ فِي كُلِّ مَجْدٍ رُتْبَةٌ """ عُلْويَّةٌ وَبِكُلِّ جَيْشٍ مَوْكِبُ
أَنَا بُلْبُلُ الأَفْرَاحِ أَمْلأَ دَوْحَها """ طَرَباً وَفِي الْعَلْيَاءِ بَازٌ أَشْهَبُ
أَضْحَتْ جُيُوشُ الحُبِّ تَحْتَ مَشِيئَتي """ طَوْعاً وَمَهْمَا رُمْتُهُ لاَ يَعْزُبُ
أَصْبَحْتُ لاَ أَمَلاً ولاَ أُمْنِيَّةً """ أَرْجُو وَلاَ سَوْعُودةً أَتَرَقَّبُ
مَا زِلْتُ أَرْتَعُ فِي مَيَادِينِ الرِّضَا """ حَتَّى بَلَغْتُ مَكَانَةً لاَ تُوهَبُ
أَضْحَى الزَّمَانُ كَحُلَّةٍ مَرْقُومَةٍ """ نَزْهُو وَنَحْنُ لَهَا الطِّرَازُ المُذْهَبُ
أَفَلتْ شُمُوسُ الأَوَّلِينَ وَشَمْسُنَا """ أَبَداً عَلَى فَلَكِ الْعُلَى لاَ تَغْرُبُ



رُفِعَ الحَجْبُ عَنْ بُدُورِ الجَمَالِ """ مَرْحَباً مَرْحَباً بِأَهْلِ الجَمَالِ
مَلَكُونِي بِحُبِّهِمْ وَرَضُوا عَنْ """ عَبْدِ رِقٍّ فَسُدْتُ بَيْنَ المَوَالِي
عَامَلُونِي بِلُطْفِهِمْ فِي غَرَامِي """ فَحَلَى فِي بَصَائِرِ النَّاسِ حَالِي
فَرَّحُونِي بِصَرْفِ رَاحِ هَوَاهُمْ """ فَتَرَبَّيْتُ فِي حُجُورِ الدَّلاَلِ
إنْ أرَادُوا الصَّدُودَ يَفْنَ وُجُودِي """ رَحَمُونِي وأَنْعَمُوا بالوِصَالِ
وَإِذَا مَا ضَلَلْتُ عَنْهُمْ هَدُونِي """ هَكَذا هَكَذَا تَكُونُ المَوِالي
سَادَتِي سَادَتِي بِحَقِّي عَلَيْكُمْ """ إِنَّنِي عِنْدَكُمْ عَزِيزٌ وَغَالِ
مَا بَقَى لِي حَبيبُ قَلْبِ سِوَاكُمْ """ مَاتَ وَهْمِي بِكُمْ وَبَانَ خَيَالِي
بِحَيَاتِي عَلَيْكُمُ يَا سُقاتِي """ رَوِّقُوا الكَأْسَ إنَّ حِبِّي مَلاَلِي
وَأَدِيرُوا الكُئُوسَ بَيْنَ النَّدَامَى """ فَجَمِيعُ الأَنَامِ سَكْرَى بِحَالِي


نحنُ قومٌ مِتنا وذلك شرطٌ """ في هوانا فلييئسِ الأحياءُ



شعراء الصوفية
في أجمل قصائدهم




لقد كان ظهور الشعر الصوفي في أدبنا العربي معاصراً لظهور التصوف ذاته. فقد عبر أوائل التصوف عن أنفسهم، وطرقهم، وحبهم الإلهي شهراً، كما لو كانوا قد اختاروا هذا الفن الأدبي الرفيع حتى يكون وسيلتهم في نشر التصوف وأصوله. ومنذ فجر التصوف وحتى اليوم، يتخذ الصوفية من الشعر قالباً للتعبير عن المحبة التي تعني عندهم طريق الوصول إلى الله تعالى.
وقبل أن نتحدث عن هذا اللون من الشعر الصوفي وخصائصه ، يجدر بنا أن نعرف في البداية معنى التصوف نفسه.

لقد عرف التصوف على أنه فلسفة المسلمين، علمهم في الأخلاق، كما قال آخرون إنه منطق المسلمين، وفي تحديد معنى كلمة "التصوف" يطالعنا أكثر من رأي وتفسير، فهناك من يقول إن كلمة التصوف مأخوذة من كلمة "صوفيا" اليونانية، ومعناها، الحكمة.

وهناك من يقول أن الكلمة منسوبة إلى لبس الصوف الخشن الذي تعود الصوفية لبسه منذ القدم، وهناك من يقول هي نسبة إلى قبيلة "صوفة" التي كانت منقطعة لخدمة الكعبة، وهناك من يقول: إن الكلمة نسبة إلى "الصفة" وهي مكان بآخر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهناك من يقول، إن الكلمة نسبة إلى الصفاء والمصافاة.

وهناك من يقول غير ذلك من الآراء والتفاسير، ومهما كان القول والرأي فإن علماء الأخلاق والتهذيب الروحي، يقولون ، إن حقيقة التصوف الكاملة الفاضلة هي مرتبة الإحسان التي يفسرها عليه الصلاة والسلام في حديثه المشهور بقوله، "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

ومعنى هذا أن التصوف الصادق هو الذي يقوم على إخلاص العبادة لله، بلا تصنع ولا تكلف، ودون رياء أو نفاق، وذلك يقتضي أن يكون الإنسان مسلماً حقاً، وأن يكون مؤمناً صدقا، ويحسن الجمع بين إسلامه وإيمانه، ويزينهما بإحسانه وإتقانه، عن طريق المراقبة لله، والمحاسبة للنفس، وقبل أن يصير الحساب إلى غيرها، كما رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيأوا للعرض الأكبر، يوم تعرضون على ربكم لا تخفى منكم خافية".

وهناك اصطلاحات صوفية تشير إلى هذه المعاني، كالصفاء وهو عند الصوفية يقصد به التوحيد الخالص الذي أقرت به كل الأرواح قبل خلق الأجساد.
وهناك التواضع وهو واحد من أهم الأخلاق الصوفية التي يتحلى بها المبتدئ والواصل على السواء، وهو علاج لما جبلت عليه النفس من الكبر.

وهناك رموز صوفية كالخمر مثلاً ويقصد بها أنوار الله والسكر ويقصد به سكر الأرواح. وهناك ما يعرف عند الصوفية بتجلي الأسماء الإلهية، وهي حالة من الترقي الصوفي تكون بعد الفناء التام.
وينبغي أن نلاحظ أن التصوف ليس همهمات ولا تمتمات، وليس خروجاً على شريعة الله في قليل أو كثير، فالتصوف الصحيح أساسه التقيد بالقرآن والسنة، والخضوع لأوامر الله وأحكامه، وكل من خرج على حكم الله وأمره، فدعواه أنه متصوف دعوى باطلة، لا يقرها شرع ولا عقل.

والتصوف ليس بالمظاهر والأشكال، ولا بلبس المرقعات أو تعليق المسابح، بل هو أن يعمر الإنسان صدره بالصلة بالله، والخوف منه، والرجاء فيه، والله جل جلاله يقول في سورة الطلاق: "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا".

وهناك كثير من أدعياء التصوف يتوهمون أو يزعمون أن التصوف معناه عدم السعي أو عدم العمل، ويظنون أن التصوف كسل وبطالة، ونفور من الجهد والاجتهاد في شعاب الحياة الفاضلة الطيبة، ولو قبلنا هذا التصوير المنحرف للتصوف لكان نكبة على المجتمع الإسلامي، وكان تمرداً على توجيه الحق جل جلاله الذي يقول في سورة الجمعة، "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض، وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون".

ويظهر أن الذين حملوا على التصوف وأهله تلك الحملة القاسية الشعواء، كانوا متأثرين بتلك الصورة التي رسمها للتصوف أولئك الأدعياء الذين لم يصدقوا في إيمانهم وإحسانهم، ولم يتقنوا العمل الجامع بين خيري الدنيا والآخرة. مع أن الأثر الإسلامي الحكيم يقول: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".

وعلى الرغم من أن البعض يرجع بأصول التصوف إلى أيام الصحابة، بل إلى أيام النبوة، إلا أن الأكثر شيوعاً بين الباحثين هو أن البداية الحقيقية للتصوف كنمط متفرد من التقرب إلى الله كان إبان القرنين الثاني والثالث الهجريين. وهما القرنان اللذان شهدا ميلاد الشعر الصوفي، وهكذا فإن بدء الشعر الصوفي، هو نفسه بدء التصوف.

وما أن جاء القرن السادس، حتى كان الشعر هو أكثر أدوات التعبير الصوفي شيوعاً.
والحب الصوفي هو أكثر ما يميز به شعر الصوفيين، ويجعل من أشعارهم قصائد نورانية تخلب اللب، وتستحوذ على الفؤاد.
فالحب الصوفي يتخذ فيه الشاعر من الذات الإلهية موضوعا يدور حوله، وفيه يصف الحب ولذته، وما يجده من لوعة وأسى أو قرب ووصال. وكذلك ما يمر به ف تصوفه من مقامات وأحوال، ومجاهدة مستمرة للنفس، وما يتعرض له من فيض رباني، والهام قلبي، وسمو روحي.
وفي شعر الصوفيين يتجسد هذا الحب الصوفي الإلهي الغامر الذي نراه ينقسم شقين: شق يتعلق بحب الله تعالى للعبد.. وآخر يتعلق بحب العبد لله، وكلاهما أفاض فيه الشعراء الصوفيون.

وفي هذا الكتاب نحاول أن نسلط الضوء على عدد من أشهر شعراء الصوفية، الذين قدموا للإنسانية نتاجاً شعرياً رائعاً وتراثاً إنسانيا خالداً آملين من المولى عز وجل أن يحظى برضاك واستحسانك

.



أحنّ بأطراف النهار صبابةً """ وبالليل يدعوني الهوى فأجيبُ
وأيامُنا تفنى وشوقي زائد """ كأنّ زمان الشوق ليس يغيب




سمنون المحب
؟ - 297 هـ / ؟ - 910 م
أبو الحسن سمنون بن حمزة الخواص.
صوفي شاعر، كان معاصروه يلقبونه بسمنون المحب، وذلك لأنه كان ينسج غزلياته وينظم محبته لله تعالى.
عاش في بغداد وصحب سمنون كل من السقطي والقلانسي ومحمد بن علي القصاب، وكانوا جميعاً من جلة مشايخ بغداد وأكابر صوفيتها.
كان سمنون ينسج في المحبة الالهية غزلياته حتى أصبح معروفاً بتخصصه في المحبة، متفرداً في الحديث عنها بلسان العاشق، لدرجة أنه اختص باسم "المحب" دون سائر شعراء الصوفية ممن عاصروه.
كما أنهم وصفوا كلامه بأنه أحسن كلام، وشعره لا يدور إلا عن الصد والهوى والجفا والصبر والرجا والوجد والعتاب والشوق والوصال والبين والبكاء والعذاب والصبابة.
ولكن "سمنون المحب" لم يكن لقب شاعرنا الوحيد، فهناك لقب آخر أطلقه هو على نفسه هو "سمنون الكذاب" ووراء ذلك قصة يرويها المؤرخون، وتبدأ ببيتين من الشعر أنشدهما سمنون على النحو التالي

:


وليس لي سواك حظٌ """ فكيفما شئتَ فامتحنِّي
إن كان يرجو سواكَ قلبي """ لا نلتُ سُؤلي ولا التمنِّي




ويقال أنه لم يكد ينشد بيتيه هذين، حتى ابتلي باحتباس البول وذاك هو الامتحان، وأخذ يتلوى من الألم، ويدور في الكتاتيب، يرجوا الصبية أن يدعوا الله أن يعجل بشفائه قائلاً: ادعوا لعمكم الكذاب، اشارة إلى تراجعه عما قاله في بيتيه، وإظهاره للجزع، والتأدب بآداب العبودية. وعندما أطلق بوله قال: يا رب تبت إليك ، أي تبت عن طلب الامتحان.
وهنا بعض المقطوعات الشعرية المتفرقة التي تعبر عن الارتباط الوثيق بين الشعر والمحبة عند سمنون، وكيف كان هذا الشعر رقيقاً للغاية، وكيف كان سمنون نفسه يبرر هذه الرقة بقوله: لا يعبر عن الشيء إلا بما هو أرق منه، ولا شيء أرق من المحبة

.


يعاتبني فينبسط انقباضي """ وتسكن روعتي عند العتاب
جرى في الهوى مذ كنت طفلا """ فمالي قد كبرت على التصابي




بكيتُ ودمع العين للنفس راحة """ ولكن دمع الشوق ينكى به القلبُ
وذكرى لما ألقاه ليس بنافعي """ ولكنه شيء يهيج به الكرب
فلو قيل لي من أنت قلت معذب """ بنار مواجيد يضرمها العتب
بليت بمن لا أستطيع عتابه """ ويعتبنى حتى يُقال لي الذنب




وكان قلبي خالياً قبل حبكم """ وكان بذكر الخلق يلهو ويمزحُ
فلما دعا قلبي هواك أجابه """ فلستُ أراه عن فنانك يبرحُ
رُميت ببين منك إن كنت كاذباً """ إذا كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيءٌ في البلاد بأسرها """ إذا غبت عن عيني بعيني يلمحُ
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل """ فلستُ أرى قلبي لغيرك يصلحُ




تركت الفؤادَ عليلاً يعاد """ وشرّدتُ نومى فمالي رقادُ



أفديكَ بل قلّ أن يفديك ذو دنفٍ """ هل في المذلّة للمشتاق من عار
بي منك شوقٌ لو أن الصخر يحمله """ تفطّر الصخر عن مستوقد النار
قد دبّ حبّك في الأعضاء من جسدي """ دبيب لفظى من روحي وإضماري
ولا تنفّست إلا كنت مع نفسي """ وكل جارحة من خاطري جاري



أنت الحبيب الذي لاشك في خلد """ منه فإن فقدتك النفس لم تعش
يا معطشى بوصال أنت واهبه """ هل فيك لي راحة إن صحت واعطشى



شغلت قلبي عن الدنيا ولذتها """ فأنت والقلب شيء غير مفترق
وما تطابقت الأحداق من سنة """ إلا وجدتك بين الجفن والحدق



أنا راض بطول صدك عني """ ليس إلا لأن ذاك هواكا
فامتحن بالجفا صبري على """ الود ودعني معلقا برجاكا



ولو قيل طأ في النار أعلم أنّه """ رضىً لك أو مدن لنا من وصالكا
لقدّمتُ رجلي نحوها فوطئتُها """ سروراً لأني قد خطرتُ ببالكا



أمسى بخدي للدموع رسوم """ أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحسن في المواطن كلها """ إلا عليك فإنه مذموم

أحلى الهوى أن يطولَ الوجدُ والسقمُ """ وأصدق الحب ما حلتْ به التهمُ
ليتَ الليالي أحلاماً تعودُ لنا """ فربما قد شفي داءَ الهوى الحلمُ



عفيف الدين التلمساني
610 - 690 هـ / 1213 - 1291 م
سليمان بن علي بن عبد الله بن علي الكومي التلمساني عفيف الدين.
شاعر، كومي الأصل (من قبيلة كومة) تنقل في بلاد الروم، حتى وصل مصر وأقام فيها، وأنجب ابنه الشاعر المشهور شمس الدين التلمساني المعروف بالشاب الظريف وهو أشعر منه. وكان يتصوف ويتكلم على اصطلاح (القوم) يتبع طريقة ابن العربي في أقواله وأفعاله. واتهمه فريق برقة الدين والميل إلى مذهب النصيرية. وشعره مجموع في (ديوان - خ )، مات في دمشق.
صنف كتباً كثيرة، منها (شرح الفصوص) لابن عربي، وكتاب في (العروض-خ) وغيره.

يعد العفيف التلمساني - كما كان ينادى - من الصوفية الذين أثاروا الجدل، ودخلوا في معارك فكرية، وفلسفية، انتهت باتهامه بالكفر والزندقة، وبأنه من أتباع ابن عربي، ومن القائلين بوجدة الوجود، إلى الدرجة التي أطلق عليه ابن تيمية "الفاجر التلمساني" الملقب بالعفيف.

ولكن التلمساني كان رغم جميع اتهامات خصومه شاعراً كبيراً، وكان له شعر غزلي يشرحه شرحاً صوفياً على طريقته، ولكن حتى هذا الشعر لم يسلم من نقد عماء عصره، الناقمين عليه، حتى أنه قيل عنه من جانب أحدهم "لحم خنزير في طبق صيني" نسبة إلى جمال وجودة قالبه الشعري.

ولم يترك التلمساني شعراً كثيراً عقب وفاته سنة 690 هـ، اللهم بعض المقاطع الشعرية المتناثرة هنا وهناك، أو الأبيات. ومن شعره الصوفي يقول

:

يا غائبين ووجدي حاضر بهم """ وعاتبين وذنبي في الغرام هم
بنتم فلا طرف إلا وهو مضطرب "'" شوقاً ولا قلب إلا وهو مضطرم



وهناك أبيات رائعة تعكس مدى ما كان يتمتع به التلمساني من حس شعري، وقدرة على صياغة أفكاره الصوفية بطريقة محكمة، وفي أسلوب عذب، يدخل القلب بلا عناء.

أَبداً بِذكْرِكَ تَنْقَضِي أَوْقَاتِي """ مَا بَيْنَ سُمَّاري وَفي خَلَواتي
يَا وَاحِدَ الحُسْنِ البَديع لِذاتِهِ """ أَنَا وَاحِدُ الأَحْزانِ فيكَ لِذَاتي
وَبِحُبِّكَ اشْتَغَلتْ حَواسِي مِثْلَمَا """ بِجَمالِكَ امْتلأَتْ جَمِيعُ جِهَاتي*




لاَ يَقْدِرُ الحِبُّ أنْ يُخْفِي مَحَاسِنَهُ """ وَإِنَّمَا فِي سَنَاهُ الْحُجْبُ تَحْتَجِبُ
أُعَاهِدُ الرَّاحَ أَنَّى لاَ أُفَارِقُهَا """ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الثَّنَايَا شِبْهُهُا الحَبَبُ
وَأَرْقُبُ البَرْقَ لاَسُقْيَاهُ مِنْ أَربَى """ لَكِنَّهُ مِثْلُ خَدَّيْهِ لَهُ لَهَبُ
يَا سَالِماً فِي الهَوَى مِمَا أُكَابِدُهُ """ رِفْقَاً بِأَحْشَاءِ صَبٍّ شَفَّهَا الوَصَبُ
فَالأَجْرُ يَا أَمَلي إِنْ كُنْتَ تَكْسِبُهُ """ مِنْ كُلِّ ذِي كَبِدٍ حَرَّاءَ تَكْتَسِبُ
يَا بَدرَ تَمٍّ مُحَاقِي فِي زِيَادَتِهِ """ ما أَنْ تَنْجَلِي عَنْ أُفْقِكَ السُّحُبُ
صَحَا السُّكَارَى وَسُكْرِي فِيكَ دَامَ وَمَا """ لِلسِّكْرِ من سَبَبٌ يُرْوَى ولاَ نَسَبُ
قَدْ أَيَّسَ الصَّبْرَ وَالسِّلْوَانَ أَيْسَرُهُ """ وَعَاقَبَ الصِّبَّ عَنْ آمَالِهِ الوَصَبُ
وَكُلَّمَا لاَحَ يَا دَمْعِي وَمِيضُ سَنىً """ تَهْمِي وَإِنْ هَبَّ يَا قَلْبِي صَباً تَجِبُ



رَوَتْ نَفَحَاتُ الطِّيبِ عَنْ نَسْمِةِ الصِّبَا """ حَدِيثَ غَرَامٍ عَنْ سُوَيْكِنَةِ الخِبَا
وَأَهْدَى النَّسِيمُ الحَاجِريُّ سَلاَمَهَا """ فَيا لُطْفَ مَا أَهْدَى النَّسِيمُ وَمَا حَبَا
أَيَا صَاحِبي مَا لِلْحِمَى فَاحَ نَشْرُهُ """ فَهَلْ سَحَبَتْ لَيْلَى ذِيولاً عَلَى الرُّبَا
فماذا الشَذا إلاَّ وقد زَار طَيْفُهَا """ فأهْلاً بطَيْفٍ زارَ مِنْهَا وَمَرْحَبا
فَيا طِيبَ عَيْشٍ مَرْ لِي بِفِنَائِهَا """ وَلَوْ عَاد يَوْماً كَأنَ عِنْدِي أَطْيَبا
لَيِاليَّ أُنْسٌ كُلُّهَا سَحَرٌ بها """ وَأَيَّامُ وَصْلٍ كُلُّهَا زَمَنُ الصّبا
مُمُنْعَةٌ رَفْعُ الحِجابِ وَضَوْءُهُا """ كَفَاهَا فَمَا نْحتَاجُ أَنْ نَتَنَقَّبا
هِيَ الشَمْسُ إلاَّ أنْ نُورَ جَمَالِهَا """ يُنَزْهُهَا في الحُسْنِ أنْ تَتَحَجْبا
لَئِنْ أَخْلَفَ الوَسْمِيُّ مَا حِلَ تُرْبِهَا """ فقَدْ رَاحَ مِنْ دَمْعِ المُحِبْينَ يَخْصِبَا



وَإنْ تَشَوَّقْتَكُمْ بَعَثْتُ لَكُمْ """ كُتْبَ غَرَامِي وَمِنْكُمُ الكُتُبُ
وَأَشْرَبُ الرَّاح حِينَ أَشْرَبُهَا """ صِرْفاً وَأَصْحُو بِهَا فَمَا السَّبَبُ
خَمْرَتُهَا مِنْ دَمي وَعَاصِرُهَا """ ذَاتي وَمِن أَدْمُعِي لَهَا الحَبَبُ
إنْ كُنْتُ أَصْحُو بِشُرْبِهَا فَلَقَدْ """ عَرْبَدَ قَوْمُ بِهَا وَمَا شَرِبُوا
هِيَ النَّعِيمُ المُقِيمُ في خَلَدِي """ وَإِنْ غَدَتْ في الكُؤوُسِ تَلْتَهِبُ
فَغَنِّ لي إِنْ سَقَيْتَ يَا أَمَلي """ بِاسْمِ التَّي بي عَليَّ تَحْتَجِبُ



عَيْنَاكِ إنْ سَلَبَتْ نَوْمي بِلاَ سَبَبِ """ فَالنَّهْبُ يَا أُخْتَ سَعْدٍ شِيَمةُ العَرَبِ
وَقَدْ سَلَبْتِ رُقَادَ النَّاسِ كُلِّهُمُ """ لِذَاكَ جَفْنُكِ كَسْلانٌ مِنْ التّعَبِ
هَلْ ذاكَ لاَمِعُ بَرْقٍ لاَحَ مِنْ إِضمِ """ أَمْ ابْتَسَمْتِ فَهَذَأ بَارِقُ الشَّنَبِ
وَتِلكَ نَارُكِ بِالجَرْعَاءِ سَاطِعَةٌ """ أَمْ ذَاكَ خَدُّكِ وَهَّاجُ مِنَ اللَّهَبِ
لاَ أَنْقَذَ اللهُ مِنْ نَارِ الجَوَى أَبَداً """ قَلْبي الَّذي عَنْ هَوَاكُمْ غَيْرُ مُنْقَلِبِ
إِنْ عَذَبَتْهُ بِنَارٍ مِنَ مَحَبَّتِهَا """ نُعْمَ فَذَاكَ نَعِيمٌ غَيْرُ مُحْتَجُبِ
منْ رامَ ذِكْرَ سِوَاهَا يَلْتَمِسْ أَحَداً """ غَيْرِي فَذِكْرُ سِوَاهَا لَيْسَ مِنْ أَرَبي
إِنْ حَدَّثَتْهُ الأَمَانِي أَنَّنِي أَبداً """ أَسْلُوا هَوَاهَا فَقَدْ أَصْغَى إِلى الكَذِبِ



يَا حَبَذَا الكاَسُ بِكَفِّ الحَبِيبْ """ أَذَابَت الأَنَوْارَ وَسْطَ اللَّهِيبْ
وحَبَذَا الرَّاحُ الَّتِي لَمْ تَزَلْ """ تَصْرِفُنِي بِالسُّكْرِ حَتَّى أَغِيبْ
يَا غُصْنَ البَانِ أَدِرْ وَرْدَهُ """ والوَرْدُ في البَانِ لَعَمرِي عَجِيبْ
وَنَاوِلِ الأَقْمَارَ شُهْبَ الدُّجَى """ يَا شمْسُ والأَمْرُ أَيْضاً غَرِيبْ
أَفْدِيكَ مَا فِي صَبْوَتِي رَيْبَةٌ """ وَلاَ لِسُلْوَانِي بِقَلْبِ تَصِيبْ
فَاحْكُمْ بِمَا شئْتَ سِوَى جَفْوَتِي """ فِعْلُ حَبِيبي كُلُّهُ لي حَبِيبْ



لاَ تَلُمْ صَبْوَتِي فَمَنْ حَبَّ يَصْبُو """ إِنَّمَا يَرْحَمُ المُحِبَّ المُحِبُّ
كَيْفَ لا يُوقِدُ النَّسِيمُ غَرَامِي """ وَلَهُ فِي خِيَامِ لَيْلَى مَهَبُّ
مَا اعْتِذَارِي إِذَا خَبَتْ لِيَ نَارٌ """ وَحَبِيبي أَنْوَارُهُ لَيْسَ تَخْبُو



يَا نَسْمَةَ البَانِ هُبِّي """ عَلَى رُسُومِ المُحِبِّ
وَمَا عَلَيْكِ إِذَا مَا """ وَقَّدْتِ نِيْرَانَ قَلْبي
إنْ تَكْتُمِي سِرَّ لَيْلَى """ فطِيبُهَا عَنْهَا يُبْنِي
أَوْ لاَ فَمَا لَشَذَاهَا """ يُسْبِي العُقُولَ وَيُصْبِي
أهْدَتْ إِليَّ حَدِيثاً """ فَهِمْتَهُ دُونَ صَحْبِي
فَحَلَّ فِي الحَالِ سَلْبِي """ دُونَ الجَمِيعِ وَنَهْبِي
يَا طَالِباً حَيَّ لَيْلَى ذ """ ذَاتِي حِمَاهَا فَطُفْ بِي
وَنَادِ بَاسْمِي تَجِدْهَا """ عَلَى لِسَانِي تُلَبِيِّ



يَا ساكِنينَ بِقَلْبِي """ مَتَى أَفُوزُ بِقُرْبِ
سَلَبَتُمُونِي وَلَكِنْ """ أَنَا السَّعِيدُ بِسَلْبِي
يَا عُرْبَ وَاديَ المُصَلاَّ """ لأَنْتُمُ خَيْرُ عُرْبِ
نَزِيلُكُم مُسْتَهَامُ """ مُوَلَّهُ القَلْبِ مَسْبي
وَلَسْتُ أَسْلُو هَوَاكُمْ """ حَاشَا غَرَامِي وَحُبِّي
إذا رَضِيتُمْ تَلاَفِي """ فَذَاكَ مَطْلُوبُ قَلْبِي
رُوحِي لَكُمْ إِنْ قَبِلْتُمْ """ وَالرُّوحُ جَهْدُ المُحِبِّ
أَنْتُمْ ذَخِيرَةُ قَلْبِي """ يَوْمَ المَعَادِ وَحَسْبِي
عَشِقْتُكُمْ وَبِحَقِّي """ إِنْ تِهْتُ مِنْ فَرْطِ عُجْبي
وَمِلْتُ سُكْراً وَلِمْ لاَ """ وَمِنْكُمُ كَانَ شُرْبي
وَقَدْ سَقَانِي حَبِيبي """ وَخَصَّنِي دُونَ صَحْبِي
وَلَسْتُ بَعْدَ عَيَانِي """ جَهْراً سَنَا وَجْهِ رَبِّي
أَصْبُو لِرَنْدٍ وَبَانٍ """ وَذِكْرِ غَارٍ وَكُثْبِ



عَلَى حُبِّكُمْ أَنْفَقْتُ حَاصِلَ أَدْمُعِي """ وَغَيْرَ وَلاَكُمْ عَبْدُكُمْ مَا تَكَسْبا
وحَاشَكُمُ أَنْ تُبْعِدُوا عَنْ جَنَابِكُمْ """ حَلِيفَ هَوىً بالرُّوحِ فِيْكُمْ تَقَرَّبا
وَأَنْ تَهْجُروا مَنْ وَاصَلَ السُّهْدُ جَفْنَهُ """ وَهَذْبَ فِيْكُمْ عِشْقَهُ فَتَهَذَّبا
وَأَحْسنْتُمُ تَأْدِيبَهُ بِصُدُودِكُمْ """ فَلاَ تَهْجُروهُ بَعْدَ مَا قَدْ تَأَدَّبا
وَلِي مُهْجَةٌ دِينُ الصَّبَابَةِ دَيْنُهَا """ فَكَيْفَ تَرى عَنْكُمْ مَدَى الدَّهِرْ مَذْهَبا
وَلِي فِي ظِلاَلِ السِّرحَتَينِ تَنَزُّلٌ """ لَبِسْنَا بِهِ بُرْداً مِنَ الوَصْلِ مُذْهَبا
يَرُوقُكَ أَنْ يَرْوِي أَحَادِيثَ وُرْقِهِ """ وَتَصْبُوا إِلى الأَلْحَانِ شَجْواً فَتْطْرَبا
وَتَسْتَنْشِقَ الأَنْفَاسَ مِنْ نَسَمَاتِهِ """ فَتَفْهَمَ مَعْنَى الزَّهْرِ مِنْ مَنْطَقِ الصَّبا



أُحْكُمْ فَفِيكَ العَذَابُ عَذْبُ """ مَا بَعْدَ حُلْوِ الخِطَابِ خَطْبُ
لِي وَلَهُ فِي هَوَاكَ فَارَ """ وَدَمْعُ صَبٍّ عَلَيْكَ صَبُّ
وَمَا تَنَزَّهْتُ فِيكَ حَتَّى """ فِيكَ نُزِّهْتُ حِينَ أَصْبُو
وَأَمْكَنَنِي مِنْ لَمَاكَ بَرْقٌ """ مِنَ الحَيَا لاَ يَكَادُ يَخْبُو
يَا سَائِلي عَنْ شَذَا نَسِيمٍ """ قَمِيصُهُ بِالوِصَالِ رَطْبُ
ذَاكَ سَلاَمُ الحَبِيبِ وَافَى """ فِي عَهْدِهِ لِلِّثَامِ قُرْبُ
إِذَا تَجَلَّى عَلَى النَّدَامى """ فَهْوَ لَهُمْ خُضْرَةٌ وَشُرْبُ
وَعَاذِلِي عَادَ لِي بِلُطْفٍ """ تَكَادُ مِنْهُ الصِّبَا تَهِبُ
أَضْمَرَ غَدْراً فَعَادَ عُذْراً """ إذْ رُفِعَتْ للمُحِبِّ حُجْبُ



هَلُمُّوا فَعِنْدي لِلمَحَبَّةِ وَالهَوَى """ سِقَامُ غَرَامٍ لَسْتُ أُحْسِنُ طِبَّهُ
هِبُوا لِيَ جَفْناً يَمْلِكُ العَقْلُ دَمْعَهُ """ وَإِلاَّ فقَلْباً يَحْكُمُ الصَّبْرُ لُبَّهُ
هَوَتْ قَدَمي فِي الحُبِّ عَنْ غَيْرِ خِبْرَةٍ """ فَأَلْفَيْتَهُ حُلْوَ التَّجَرُّعِ عَذْبَهُ
هُوَ الشَّهْدُ مَمْزُوجاً بِسُمِّ وَعَلْقَمٍ """ أُؤَمَّلُ عَتْبَاهُ وَأَحْذَرُ عَتْبَهُ
هَوَيْتُ حَبِيباً لَسْتُ أَهْلاً لِحُبِّهِ """ وَأَنَّي لِمِثْلِي أَنْ يَكُونَ مُحِبَّهُ
هَلاَلُ فُؤَادِي كُلَّمَا ذُقتُ غَفْوَةً """ وَصُبْحُ عَيَانِي كُلَّمَا أَتَنَبَّهُ
هَمَمْتُ بِإِدْرَاكٍ فَقَصَّرتُ هَيَبةً """ وَعَجْزِي عَنِ الإِدْرَاكِ أَوْلَى وَأَشْبَهُ
هَفَا بِكَ قَلْبٌ أَنْتَ أَوْرَيْتَ زَنْدَهُ """ وَنَالكَ طَرْفٌ أَنْتَ أَهْمَلْتَ سَحْبَهُ
هَنِيِئاً لِهَذِي النَّفْسِ إِنْ كُنْتَ حِبّهَا """ وَطُوبَى لِهَذا القَلْبِ إِنْ كُنْتَ حِبَّهُ



بَدَا عَلَمٌ لِلحُبِّ يَمَّمْتُ نَحْوَهُ """ فَلَمْ أَنْقَلِبْ حَتَّى احْتَسَبْتُ بِهِ قَلْبِي
بَلَوْتُ الهَوىَ قَبْلَ الهَوىَ فَوَجَدْتُهُ """ إِسَاراً بِلاَ فَكٍّ سُقَاماً بِلاَ طِبِّ
بِرُوحِي حَبِيبٌ لاَ أُصَرِّحُ بِاسْمِهِ """ وَكُلًّ مُحِبٍّ فَهْوَ يُكْنِ عَنِ الحُبِّ
بَرانِي هَوَاهُ ظَاهِراً بَعْدَ بَاطِنٍ """ فَجِسْمِي بِلاَ رُوحٍ وَقَلْبِي بِلاَ لُبِّ
بِحُبِّكَ هَلْ لِي فِي لِقَائِكَ مَطْمَعٌ """ فَإِنِّيَ مِنْ كَرْبٍ عَلَيْكَ إلى كَرْبِ
بِكُلِّ طَرِيقٍ لي إِلَيْكِ مَنِيَّةٌ """ كَأَنِّي مَعَ الأَيّامِ بَعْدَكَ فِي حَرْبِ
بَكَيْتُ فَقَالُوا أَنْتَ بِالحُبِّ بَائِحٌ """ صَمَتُّ فَقَالُوا أَنْتَ خُلْوٌ مِنَ الحُبِّ
بَوَارِقُ لاَحَتْ لِلْوِصَالِ فَثَّمَّهَا """ فَيَا بَعْدَ بُعْدٍ قَدْ دَنَا زَمَنُ القُرْبِ
بَقِيتُ وَهَلْ يَبْقَى صَبٌ بهِ لَوْعَةٌ """ تُقَلِّبُهُ الأَشوَاقُ جَنْباً إِلى جَنْبِ
بَلَغْتُ المُنَى مِمَّنْ أُحِبُّ بِحُبِّهِ """ ولاَ بُدْ لِلمَرْبُوبِ مِنْ رَحْمَةِ الرَّبِّ



أَحِنُّ إِليْهَا وَهَىْ قَلْبي وَهَلْ تَرَى """ سِوَاىَ أَخُو وَجْدٍ يَحِنُّ لِقَلْبِهِ
وَيُحْجَبُ طَرْفِي عَنْهُ إِذْ هُوَ نَاظِرِي """ فَمَا بُعْدُهُ إلاَّ لإِفْرَاطِ قُرْبِهِ



مَا هَب مِنْ نحوكُمْ نَسِيمُ صَبَا """ إِلاَّ وَأَذْكَى بمُهْجَتِي لَهَبا
وَلاَ شَدَا مُطْربٌ بذِكْرِكُمْ """ إلاَّ وَنَادَى المَشُوُقُ واطرَبا
وَلاَ تَذكُرْتُ عِيشَةَ سَلفَتْ """ بالخِيفِ إلاَّ وَقلْتُ وَا حَرَبا
لا نَالَ مِنْكَ المَشُوُقُ بُغْيَتَهُ """ إِنْ كان يَوْماً إلى سِوَاكَ صَبَا
يَا حَبْذا لَوْعَتي عَليْكَ وَيَا """ بُشْرَاىَ إنْ مُتُّ فِيكَ مُكْتَئِبا
أحْبَابَنا هَلْ بقُرْبِكُمْ أَمَلُ """ أَمْ هَلْ بوَصْلِكُمُ أَرَى سَبَبا
آهاً لأَيَّامِنَا بقُرْبكُمُ """ وطِيبِ عَيْشٍ بِوَصْلِكُمْ ذهَبا
يَا سَائقَ العِيسِ نَحْوَ كاظِمَةٍ """ أَبْلغْ سَلامِي لِنَازِليِنَ قَبا
وقلْ قضَى ذلِكَ المَشُوُقُ بِكُمْ """ وَمَا قضَى مِنْ وصَالِكُمْ أَرَبا



أَيُنْكِرُ الوَجْدُ أَنِّي فِي الهَوىَ شَحِبُ """ وَدُونَ كُلِّ دُخَانٍ سَاطِعٍ لَهِبُ
وَمَا سَلَوتُ كَمَا ظَنَّ الوِشَاةُ وَلاَ """ أَسْلُو كَمَا يَتَرجَّى العَاذِلُ التَّعِبُ
فَإِنْ بَكَى لِصَبَابَاتِي عَذُولُ هَوىً """ فَلى بِمَا مِنْهُ يَبْكِى عَاذِلي طَرَبُ
نَاشَدْتُكَ الَّلهَ يَا رُوحي اذْهُبَى كَلَفاً """ بِحُبِّ قَوْمٍ عَنِ الجَرْعَاءِ قَدْ ذَهَبُوا
لاَ تَسْأَلِيْهُمْ ذِمَاماً فِي مَحَبَّتِهمْ """ فَطَالَمَا قَدْ وَفَا بِالذِّمَةِ العَرَبُ
هُمْ أَهْلُ وُدِّي وَهَذَا وَاجِبٌ لَهُمُ """ وَإِنَّمَا وُدهُمْ لي فَهْوَ لاَ يَجِبُ
هُمْ أَلْبَسُونِي سِقَاماً مِنْ جُفُونِهِمُ """ أَصْبَحْتُ أَرْفُلُ فِيهِ وَهْوَ يَنْسَحِبُ
وَصَيَّرَتْ أَدْمُعي حُمْراً خُدُودُهمُ """ فَكَيْفَ أَجْحَدُ مَا مَنُّوا وَمَا وَهَبُوا
هَلِ السَّلاَمَةُ إِلاَّ أَنْ أَمُوتَ بِهِمْ """ وَجْداً وَإِلاَّ فبُقْيَاىَ هُوَ العَطَبُ
إِنْ يَسْلُبُوا البَعْضَ مِنِّي فَالجَميعُ لَهُمْ """ وَإِنّ أَشْرفَ أَجْزَائِي الَّذِي سَلَبُوا



لِي فِي هَوَاكُمْ مَذْهَبٌ مُذْهَبُ """ ومَطْلَبٌ مَامِثْلُهُ مَطْلَبُ
أًَصْبَحْتُ عَبْداً رَاضِياً بالَّذِي """ تَرْضُونَ لاَ أَرْجُو وَلاَ أَرْهَبُ
إِذَا تَجَلَّى كَاسُ سَاقِيكُمُ """ كُنْتُ لَهُ أَوَّلَ مَنْ يَشْرَبُ
وَإِنْ تَغَنَّى بِاسْمِكُمْ مُنْشِدٌ """ فَإِنَّني أَوَّلُ مَنْ يَطْرَبُ
يَا قَمَراً في مُهْجَتِي لَمْ يَزَلْ """ مَطْلَعُهُ المَّشْرقُ وَالمَغْرِبُ
وَيَا غَزَالاً في فُؤادِي لَهُ """ مَرْعىً وَمِنْ دَمْعِي لَهُ مَشْرَبُ
مَا العَيْشُ إلاَّ في هَوَاكَ الَّذِي """ كُلُّ نَعِيمٍ فَلَهُ يُنْسَبُ



لَوْلاَ الحَيَاءُ وَأَنْ يُقَال صَبَا """ لَصَرَخْتُ مِلْءَ السَّمْعِ وَاطرَبا
حَضَرَ الحَبيبُ وَغابَ حَاسِدُنا """ مِنْ بَعْدِ طُولِ تَحَجُب وَخَبا
فَاليَوْمَ أخْلَعُ فِيكَ يا أَمَلي """ ثَوْبَ الوَقارِ وَأطْرَحُ الرُّتَبا



يَا عَاذِلي كُنْ عَاذِرِي فِي حُبِّهمْ """ لَمْ ألْقَ للسِّلْوَانِ عَنْهُمْ مَذهَبا
لاَ تَلْح فِيْهمْ مُغْرَماً أَلِفَ الضَّنَا """ يَجدُ السِّقَامَ بهُمْ لَذِيذاً طَيِّبا
نَزَلَ الغَرَامُ بِهِ فرَحْلَ صَبْرَهُ """ عَنْهُ وَخَيْمَ في حَشَاهِ وَطَنْبا
غِبْتُمْ وَأَنْتُمْ حَاضِرونَ بمُهْجَتي """ أفْدِي الحُضُورَ بمُهَجَتِي وَالغَيْبا



أُحِبُّ حَبِيباً لاَ أُسَمِّيهِ هَيْبَةً """ وَكَتْمُ الهَوَى لِلقَلْبِ أَنْكَى وَأَنْكَأُ
أَخَافَ عَلَيْهِ مِنْ هَوَاىَ فَكَيْفَ لاَ """ أَغَارُ عَلَيْهِ مِنْ سِوَاىَ وَأَبْرَأُ
أَبِيتُ أُعَانِي فِيهِ حَرَّ جَوَانِحِي """ وَبَيْنَ جُفُوني مَدْمَعٌ لَيْسَ يَرْقَأُ
أَرَاهُ بِقَلبِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ """ وَإنْ كُنتُ عَنْ وِرْدِ الوِصالِ أُحَلأُ
أَتاني كِتَابُ مِنْهُ قُمْتُ بِحَقِّهِ """ فَهَا أَنَا أبْكي مَا اسْتَطَعْتُ وأَقْرَأُ
أَتَانيِ هَوَاهُ مِلءُ سَمْعِي وَنَاظِرِي """ وَقَلْبي فَمَالِي مِنْهُ مَلْجاً وَمَنْجَأُ
أَغِثْني بِيَوْمٍ مِنْ لِقَائِكَ وَاحِدٍ """ فَإني بِيَوْمٍ مِنْ لِقَائِكَ أُجْزَأُ
أُغَالِطُ نَفْسِي مِنْكَ بِالوَصْلِ وَالرِّضَى """ وَمَنْ لي بِهِ وَهْوَ النَّعِيمُ المُهَنَّأُ



يَا قَاتِلي وَجَوَانِحِي أَبَداً """ تَشْتَاقُهُ فِي القُرْبِ والبُعْدِ
لَكَ أَنْ تَجُورَ عَليَّ يَا أَمَلي """ وَعَلَيَّ أَنْ أَرْضَى بِمَا تُبْدِي
وَلَئِنْ أَرَاقَ دَمِي هَوَاكَ فَيَا """ شَرَفِي وَيَا حَظِّي وَيَا سَعْدي
أَخْفَيْتُ حُبْكَ إِذْ خَفِيتَ ضَناً """ فَكَأَنَّنَا كُنَّا عَلى وَعْدِ



بِالَّلهِ لاَ تُرْسِلِ الجُفُونَ إِلى """ قَلْبِي فَمَا لِلقُلُوبِ مِنْ عَدَدِ
وَخلِّ جَفْنِي لاَ تُفِْنِهِ سِقماً """ لاَ بُدَّ لِلرُّوحِ فِيكَ مِنْ جَسَدِ
مَا خُلْدِيَ بِالقُرْبِ مِنْكَ فَلِمْ """ رَمَيْتَ سَهْمَ الجُفُونِ فِي خَلَدِي



فَدَيْتُكِ هَلْ أَذَبْتِ سِوَى جَمِيعي """ وَمِنيِّ هَلْ تَرَكْتِ سِوَى وِدَادِي
وكَيْفَ يَكُونُ فِيكِ خَفَاءُ وَجْدي """ وَهَذَا حُسْنُكِ الفَتَّانُ بَادِ



دُمُوعِي أَبَتْ إِلاَّ انْسِكَاباً لَعَلَّهَا """ بِمَكْنُونِ حُبِّي عِنْدَ حِبِّيَ تَشْهَدُ
دَنَوْتُ فَأَقْصَانِي فَعْدْتُ فَرَدَّنِي """ فَلاَ هُوَ يُدْنِينِي وَلاَ أَنَا أَبْعُدُ
دُهِيتُ بِفُقْدانٍ لِمَنْ قَدْ وَجَدْتُهُ """ فَلاَ مَدْمَعٌ يَرْقَا وَلاَ وَجْدُ يُحْمَدُ
دَبِيبُ الهَوىَ بَيْنَ الضُّلُوعِ مُؤَجَّجٌ """ لَهِيبُ اشْتيِاقي فِيه لِلقْلَبِ مُورِدُ
دَعَانِي فَمَنْ ذَاقَ الهَوىَ ثُمَّ لَمْ يَنَلْ """ وِصَالَ حَبِيبٍ كَيْفَ لاَ يَتَنَهَّدُ
دَعَاوىَ الأَسَى عِنْدي عَلَيْكَ صَحِيحَةٌ """ فَقَلْبِيَ خَفَّاقٌ وَجَفْنِي مُسَهَّدُ
دَمِي بِكَ مَسْفُوكٌ وَدَمْعِي مُسَفَّحٌ """ فَيَصْلُحُ قَلْبِي فِيكَ مِنْ حَيْثُ يَفْسَدُ
دَفَائِنُ حُبٍّ فِي لُحُودِ جَوَانِحِ """ لَهَا بِكَ حَشْرٌ كُلَّ يَوْمٍ وَمَوْعِدُ
دُجَايَ إِذَا وَاصَلْتَ يَوْمٌ مُؤَبَّدٌ """ وَيَوْمِي إِذَا أَبْعِدْتُ لَيْلُ مُسَرْمَدُ
دُنُوُّكَ أَقْصَى مَا أُحِبُّ وَأَشْتَهِي """ فَإِنْ نِلْتُهُ فَهْوَ النَّعيِمُ المُخَلَّدُ






يا صاحِ لَيسَ عَلى المُحبِّ مَلامَةٌ """ إِن لاحَ في أُفق الوِصالِ صَباحُ
لا ذَنبَ لِلعُشّاقِ إِن غَلَبَ الهَوى """ كِتمانَهُم، فَنما الغَرامُ، فَباحوا


السهروردي المقتول
549-587 هـ / 1154 - 1191 م
يلقب شهاب الدين السهروردي عادة بـ"الصوفي القتيل" نسبة إلى مقتله بأمر من صلاح الدين الأيوبي بعد أن اتهمه عدد من خصومه من علماء حلب بالكفر والخروج على السنة. وقد حاول البعض ومنهم ابن صلاح الدين الملك الغازي انقاذه، نظراً لما يجمعهم به من صداقة، دون جدوى، حيث أصر خصوم السهروردي على تنفيذ أمر القتل، وهكذا لقي حتفه.

ويرى البعض أن خطأ السهروردي الوحيد كان هو محاولته الخوض في فلسفة الدين في عصر ليس لدى علمائه استعداد لذلك، كما كان تصوفه يختلف كثيراً عن أقرانه، مما قلبهم عليه، فعجلوا بالتخلص منه، وهو لم يتجاوز الثامنة والثلاثين من عمره.

ورغم سني عمر السهروردي التي لم تتجاوز الأربعين إلا أنه ترك للمكتبة العربية والصوفية نحو 49 كتاباً معظمها في التصوف، ومنها "رسالة أصوات أجنحة جبرائيل"، و "كلمة التصوف"، و "مقامات الصوفية ومعاني مصطلحاتهم"، و"الغربة الغريبة"، و "الكلمات الذوقية والنكات الشوقية"، و "مؤنس العشاق"، و "الواردات الالهية"، و "البارقات الالهية والنعمات السماوية"، و "لوامع الأنوار".

ومع ذلك يبقى كتاب "حكمة الاشراق"، الذي ضمنه السهروردي فلسفته في التصوف "الاشراقية" هو أهم كتبه، وهي امتداد للسلسلة التي بدأها الحلاج، وهو السهر وردي يدعوه باسم أخيه، ويؤلف كتبه في شكل توجهات صوفية، وعلى هيئة رؤى.

وللسهر وردي الذي ولد بـ "سهر ورد" من أعمال "زنجان" أشعار رائعة، كلها يفيض رقة وعذوبة، في إطار فلسفي، وروحاني، قد لا يضاهيه غيره.

وسوف نقرأ معا إحدى نورانيات السهر وردي وهي بعنوان "وارحمتا للعاشقين":

أَبداً تَحنُّ إِلَيكُمُ الأَرواحُ """ وَوِصالُكُم رَيحانُها وَالراحُ
وَقُلوبُ أَهلِ وِدادكم تَشتاقُكُم """ وَإِلى لَذيذ لقائكم تَرتاحُ
وَا رَحمةً للعاشِقينَ تَكلّفوا """ سرّ المَحبّةِ وَالهَوى فَضّاحُ
***
أهل الهوى قسمان: قسم منهمو """ كتموا، وقسمٌ بالمحبة باحوا
فالباحئون بسرهم شربوا الهوى """ صرفاً فهزهموا الغرام فباحوا
والكاتمون لسرهم شربوا الهوى """ ممزوجةً فحَمتْهمو الأقداحُ
***
بِالسرِّ إِن باحوا تُباحُ دِماؤُهم """ وَكَذا دِماءُ العاشِقينَ تُباحُ
وَإِذا هُم كَتَموا تَحَدّث عَنهُم """ عِندَ الوشاةِ المَدمعُ السَفّاحُ
أَحبابنا ماذا الَّذي أَفسدتمُ """ بِجفائكم غَير الفَسادِ صَلاحُ
خَفضَ الجَناح لَكُم وَلَيسَ عَلَيكُم """ لِلصَبّ في خَفضِ الجَناح جُناحُ
وَبَدَت شَواهِدُ للسّقامِ عَلَيهمُ """ فيها لِمُشكل أمّهم إِيضاحُ
فَإِلى لِقاكم نَفسهُ مُرتاحةٌ """ وَإِلى رِضاكُم طَرفه طَمّاحُ
عودوا بِنورِ الوَصلِ مِن غَسَق الدُّجى """ فَالهَجرُ لَيلٌ وَالوصالُ صَباحُ
***
صافاهُمُ فَصَفوا لَهُ فَقُلوبهم """ في نُورِها المِشكاةُ وَالمِصباحُ
وَتَمَتّعوا فَالوَقتُ طابَ لِقُربِكُم """ راقَ الشّراب وَرَقّتِ الأَقداحُ
يا صاحِ لَيسَ عَلى المُحبِّ مَلامَةٌ """ إِن لاحَ في أُفق الوِصالِ صَباحُ
لا ذَنبَ لِلعُشّاقِ إِن غَلَبَ الهَوى """ كِتمانَهُم فَنما الغَرامُ فَباحوا
سَمَحوا بِأَنفُسِهم وَما بَخِلوا بِها """ لَمّا دَروا أَنّ السَّماح رَباحُ
وَدعاهُمُ داعي الحَقائقِ دَعوة """ فَغَدوا بِها مُستَأنسين وَراحوا
رَكِبوا عَلى سنَنِ الوَفا وَدُموعهُم """ بَحرٌ وَشِدّة شَوقهم مَلّاحُ
وَاللَّهِ ما طَلَبوا الوُقوفَ بِبابِهِ """ حَتّى دعوا فَأَتاهُم المفتاحُ
لا يَطربونَ بِغَيرِ ذِكر حَبيبِهم """ أَبَداً فَكُلُّ زَمانِهم أَفراحُ
حَضَروا وَقَد غابَت شَواهِدُ ذاتِهم """ فَتَهَتّكوا لَمّا رَأوه وَصاحوا
أَفناهُم عَنهُم وَقَد كشفَت لَهُم """ حجبُ البقا فَتَلاشتِ الأَرواحُ
فَتَشَبّهوا إِن لَم تَكُونوا مِثلَهُم """ إِنَّ التَّشَبّه بِالكِرامِ فَلاحُ
قُم يا نَديم إِلى المدامِ فَهاتها """ في كَأسِها قَد دارَتِ الأَقداحُ
مِن كَرمِ أَكرام بدنّ ديانَةٍ """ لا خَمرَة قَد داسَها الفَلّاحُ
هيَ خَمرةُ الحُبِّ القَديمِ وَمُنتَهى """ غَرض النَديم فَنعم ذاكَ الراحُ
وَكَذاكَ نوحٌ في السَّفينة أَسكَرَت """ وَلَهُ بِذَلِكَ رَنَّةً وَنِياحُ
وَصَبَت إِلى مَلَكوتِهِ الأَرواحُ """ وَإِلى لِقاءِ سِواه ما يَرتاحُ
وَكَأَنَّما أَجسامهُم وَقُلوبهُم """ في ضَوئِها المِشكاةُ وَالمِصباحُ
مَن باحَ بَينَهُم بِذِكرِ حَبيبِهِ """ دَمهُ حلالٌ لِلسّيوفِ مُباحُ



كُلّ يَومٍ يَروعُني مِنكَ عَتب """ أَيّ ذَنبٍ جَناهُ فيكَ المُحبُّ
إِن تَكُن أَحدَثت وشاتي حَديث """ بِسلوّي هَواك حَشاي كذبُ
وَضُلوعي لَها هَواك ضُلوعا """ بَل وَقَلبي لَها المَحبّة قَلبُ
مُتّ مِن جَورِ سادَة قَد أَحَلّوا """ قَتلَ مَن لا لهُ سِوى العشقِ ذَنبُ
صارَ لي في هَواهُ رُتبة ما """ حازَها في هَواهم قَطُّ صَبُّ
عَبراتٌ تَهمي وَجِسمٌ نَحيلٌ """ وَفُؤادٌ عَلى التَّقاطعِ يَصبو
وَضُلوعٌ مِنَ الجَوى واهِيات """ وَدُموعٌ بِذائِبِ القَلبِ سكبُ
يا سَميري وَلَم أَقُل يا سَميري """ قَط إِلّا أَجابَ عِشق وَحُبُّ
هَل لِداء الهَوى سَمعت دَواء """ هَل لِمَيت الغَرام في الحُبّ طبُّ
بَينَ جِسمي وَالسَّقم سلم وَبَينَ ال """ جفنِ وَالنَّوم عِندَما صَدّ حَربُ
مَن مُجيري مِن ظالِم وَلي القَل """ ب لَهُ اليَوم فيهِ قَتلٌ وَنَهبُ
جاءَ لِلنّاسِ فتنة بِخدودٍ """ نارها في قُلوبنا لَيسَ تَخبوا
إِنَّ عَيني لِشمس وَجهِكَ شَرق """ ما لِدَمعي سِوى الجفن غَربُ



أَحنّ لِذكراهُ إِذا ما ذَكَرتُهُ """ وَتَنهل عَبراتٌ تَفيض غُروبها
حَنينُ أَسيرٍ نازحٍ شدّ قَيدهُ """ وَأَعوال نَفسٍ غابَ عَنها حَبيبها



آيات نبوَة الهَوى بي ظَهَرَت """ قَلبي كَتَمت وَفي زَماني اِشتَهرت
هَذي كَبدي إِذا السَماء اِنفَطَرَت """ شَوقاً وَكَواكِب الدُموع اِنتَثَرَت



أَبداً تَحنُّ إِلَيكُمُ الأَرواحُ """ وَوِصالُكُم رَيحانُها وَالراحُ
وَقُلوبُ أَهلِ وِدادكم تَشتاقُكُم """ وَإِلى لَذيذ لقائكم تَرتاحُ
وَا رَحمةً للعاشِقينَ تَكلّفوا """ سرّ المَحبّةِ وَالهَوى فَضّاحُ
بِالسرِّ إِن باحوا تُباحُ دِماؤُهم """ وَكَذا دِماءُ العاشِقينَ تُباحُ
وَإِذا هُم كَتَموا تَحَدّث عَنهُم """ عِندَ الوشاةِ المَدمعُ السَفّاحُ
أَحبابنا ماذا الَّذي أَفسدتمُ """ بِجفائكم غَير الفَسادِ صَلاحُ
خَفضَ الجَناح لَكُم وَلَيسَ عَلَيكُم """ لِلصَبّ في خَفضِ الجَناح جُناحُ
وَبَدَت شَواهِدُ للسّقامِ عَلَيهمُ """ فيها لِمُشكل أمّهم إِيضاحُ
فَإِلى لِقاكم نَفسهُ مُرتاحةٌ """ وَإِلى رِضاكُم طَرفه طَمّاحُ
عودوا بِنورِ الوَصلِ مِن غَسَق الدُّجى """ فَالهَجرُ لَيلٌ وَالوصالُ صَباحُ
صافاهُمُ فَصَفوا لَهُ فَقُلوبهم """ في نُورِها المِشكاةُ وَالمِصباحُ
وَتَمَتّعوا فَالوَقتُ طابَ لِقُربِكُم """ راقَ الشّراب وَرَقّتِ الأَقداحُ
يا صاحِ لَيسَ عَلى المُحبِّ مَلامَةٌ """ إِن لاحَ في أُفق الوِصالِ صَباحُ
لا ذَنبَ لِلعُشّاقِ إِن غَلَبَ الهَوى """ كِتمانَهُم فَنما الغَرامُ فَباحوا
سَمَحوا بِأَنفُسِهم وَما بَخِلوا بِها """ لَمّا دَروا أَنّ السَّماح رَباحُ
وَدعاهُمُ داعي الحَقائقِ دَعوة """ فَغَدوا بِها مُستَأنسين وَراحوا
رَكِبوا عَلى سنَنِ الوَفا وَدُموعهُم """ بَحرٌ وَشِدّة شَوقهم مَلّاحُ
وَاللَّهِ ما طَلَبوا الوُقوفَ بِبابِهِ """ حَتّى دعوا فَأَتاهُم المفتاحُ
لا يَطربونَ بِغَيرِ ذِكر حَبيبِهم """ أَبَداً فَكُلُّ زَمانِهم أَفراحُ
حَضَروا وَقَد غابَت شَواهِدُ ذاتِهم """ فَتَهَتّكوا لَمّا رَأوه وَصاحوا
أَفناهُم عَنهُم وَقَد كشفَت لَهُم """ حجبُ البقا فَتَلاشتِ الأَرواحُ
فَتَشَبّهوا إِن لَم تَكُونوا مِثلَهُم """ إِنَّ التَّشَبّه بِالكِرامِ فَلاحُ
قُم يا نَديم إِلى المدامِ فَهاتها """ في كَأسِها قَد دارَتِ الأَقداحُ
مِن كَرمِ أَكرام بدنّ ديانَةٍ """ لا خَمرَة قَد داسَها الفَلّاحُ
هيَ خَمرةُ الحُبِّ القَديمِ وَمُنتَهى """ غَرض النَديم فَنعم ذاكَ الراحُ
وَكَذاكَ نوحٌ في السَّفينة أَسكَرَت """ وَلَهُ بِذَلِكَ رَنَّةً وَنِياحُ
وَصَبَت إِلى مَلَكوتِهِ الأَرواحُ """ وَإِلى لِقاءِ سِواه ما يَرتاحُ
وَكَأَنَّما أَجسامهُم وَقُلوبهُم """ في ضَوئِها المِشكاةُ وَالمِصباحُ
مَن باحَ بَينَهُم بِذِكرِ حَبيبِهِ """ دَمهُ حلالٌ لِلسّيوفِ مُباحُ



قَد كنتُ أَحذَر أَن أَشقى بِفُرقَتِكم """ فَقَد شَقيتُ بِها لَم يَنفَعِ الحَذَرِ
المَرءُ في كُلّ يَومٍ يَرتَجي غَده """ وَدونَ ذَلِكَ مَخبوء لَهُ القَدرُ
القَلبُ يَأملُ وَالآمالُ كاذِبة """ وَالمَغشي يَلهو وَفي الأَيّامِ مُعتبرُ



وَمِمّا شَجاني أَنَّها يَومَ وَدّعت """ تَوَلَّت وَماءُ العَينِ في العَينِ حائرُ
فَلَمّا أَعادَت مِن بَعيدٍ بِنَظرَةٍ """ إِلَيّ اِلتفاتاً أَسلَمَته المَحاجرُ



اليَوم أَيقَنتُ أَن الحُبَّ مُتلِفةٌ """ وَأَنّ صاحِبهُ منّي عَلى خَطرِ
كَيفَ الحَياة لِمَن أَمسى عَلى شَرَفٍ """ مِنَ المَنيّةِ بَينَ الخَوفِ وَالحَذَرِ
يَلومُ عَينَيهِ أَحياناً بِذَنبِهُما """ وَيَحملُ الذَّنبَ أَحياناً عَلى القدرِ



أَفي كُلِّ يَومٍ نَظرَةٌ ثُمّ عَبرةٌ """ لِعَينيك يَجري ماؤُها يَتَحدّرُ
مَتى يَستريحُ القَلبُ إِمّا مُجاور """ حَزين وَإِمّا نازِحٌ يَتَذَكّرُ



تَوَلَّت بِهجَةُ الدُّنيا """ فَكُلُّ جَديدها خَلقُ
وَخانَ النّاسَ كُلَّهُم """ فَما أَدري بِمَن أَثقُ
رَأَيتُ مَعالِمَ الخَيرا """ تِ سدَّت دونَها الطُّرقُ
فَلا حَسبٌ وَلا نَسَب """ وَلا دين وَلا خلقُ
فَلَست مُصَدّق الأَقوا """ مِ في شَيءٍ وَلَو صَدَقوا



بِكُلِّ صُبحٍ وَكُلِّ إِشراق """ أَبكي عَلَيكُم بِدَمع مُشتاقِ
قَد لَسَعت حيّة الهَوى كَبدي """ فَلا طَبيب لَها وَلا راقي
إِلّا الحَبيب الَّذي شغفت بِهِ """ فَإِنَّهُ رقيَتي وَترياقي



هَبَّت عَلي صَبا تَكاد تَقول """ إنّي إِلَيكَ مِن الحَبيبِ رَسولُ
صَرَّفت أَخباري فَقُلت أحبّها """ في قِصَّتي طول وَأَنتَ مُلوكُ



قَد بَقينا مُذَبذبينَ حَيارى """ نَطلُبُ الوَصلَ ما إِلَيهِ سَبيلُ
فَدعاوى الهَوى تَخفّ عَلَينا """ وَخِلاف الهَوى عَلَينا ثَقيلُ



شَوقي يَجلُّ عَنِ الوَسائل """ وَهوَى ينزّه عَن مُماثِل
شَوقي يُجدّدهُ الزَّمان """ إِلَيكَ لا نَحوَ المَنازل
بُشّرتُ أَنّك قاتِلي """ يا حَبَّذا إِن كُنتَ قاتل
زَوّد فُؤادي نَظرَة """ مِن حُسنِ وَجهِكَ فَهوَ راحِل
روحي فِداء مُبَشِّري """ إِن صَحَّ أَنَّكَ لي مُواصِل
مُستَشفِعٌ بِوَسائلٍ """ وَأَلَذّ مِن إِحدى الوَسائل
سَهَري لِغَيركَ ضائِعٌ """ وَتَيمّمي بِسِواكَ باطِل



بَيني وَبَينَكَ في المَوَدّةِ نِسبَةٌ """ مَكتومَة عَن سرّ هَذا العالَمِ
نَحنُ اللّذان تعارَفَت أَرواحُنا """ مِن قَبلِ خَلق اللَّه طينَةَ آدمِ



ما عَلى مَن باحَ مِن حَرَجٍ """ مِثل ما بي لَيسَ يَنكتِمُ
زَعَموا أَنَّني أُحِبّكُم """ وَغَرامي فَوقَ ما زَعَموا



عَلى العَقيق اِجتَمَعنا """ نَحنُ وَسودُ العيونِ
أَظنّ مَجنونَ لَيلى """ ما جنّ بَعضَ جُنوني
إِن مُتّ وَجداً عَلَيهم """ بِأَدمُعي غَسَلوني
نوحوا عَلَيَّ وَقُولوا """ هَذا قَتيل العُيونِ
أَيا عُيوني عيوني """ وَيا جُفوني جَفوني
فَيا فُؤادي تَصبّر """ عَلى الَّذي فارَقوني



قِف بِنا يا سَعد نَنزل ها هُنا """ فَأثيلات النَّقا ميعادُنا
وَاِبتغِ لي عبرةً أَبكي بِها """ فَدُموعي نَفَذَت بِالمُنحَنى
هَذِهِ الخيفُ وَهاتيكَ مُنى """ فَتَرفَّق أَيُّها الحادي بِنا
وَاِحبِس التَّدليجَ عَنّا ساعَةً """ نَندُب الحَيَّ وَنَبكي الوَطَنا
أَهلُ مَكّةَ هَكَذا مكّتكم """ كلّ مَن حَجَّ إِلَيها فُتِنا
قَتَلت سُمركمُ سادَتنا """ لَستُ أَعني بِكُم سُمرَ القَنا
كُلُّ مَن آمل شَيئاً نالَهُ """ يَومَ عيدٍ في مُنى إِلا أَنا
قُلتُ يا صَيّاد قَلبي حلّهُ """ حرمَ الصّيد عَلى مَن في منى
قال مَن تَعني وَقَد أَبرَزَ لي """ مِن خبا البُرقعِ وَجهاً حَسَنا
قُلتُ إِيّاكَ فأَوما خَجَلا """ قالَ وَالصَّياد مَن قُلت أَنا



بانوا وَأَضحى الجِسمُ مِن بعدِهِم """ ما تُبصِرُ العَينُ لَهُ فيّا
يا أَسَفي مِنهُم وَمِن قَولِهُم """ ما ضَرَّكَ الفَقدُ لَنا شيّا
بِأَيّ وَجهٍ أَتَلَقّاهُم """ إِن وَجَدوني بَعدَهُم حَيّا




لكن تنازع شوقي تارة أدبي """ فأطلب الوصل لما يضعف الأدب
ولست أبرح في الحالين ذا قلق """ نام وشوق له في أضلعي لهب


ابن الخيمي
602-685 هـ / 1205-1286 م
هذا هو تلميذ ابن الفارض، والابن الروحي لهذا الشاعر الصوفي الأشهر. ولد شهاب الدين ابن الخيمي في اليمن، أي أنه يمني الأصل، ولكنه عاش معظم حياته التي امتدت اثنين وثمانين عاما في مصر، حتى توفي سنة 685 هـ.

وقد سار ابن الخيمي الذي كان يحيا على مقربة من ابن الفارض الذي كان يعامله معاملة الوالد لولده، سار على نفس نهج أقرانه من شعراء الصوفية الذين سادوا القرن السابع الهجري.

ومع ذلك، فإنه يبدو أن ابن الخيمي قد بدأ حياته شاعرا غزليا. ولعل ما يدفع إلى هذا الاعتقاد هو تلك الأبيات التي يصف فيها المحبة التي لا تليق في ظاهرها بالمحبة الالهية

:



أيا من سَلَوا عنا ومالوا إلى الغدرِ """ ومالزموا أخلاق أهل الهوى العذري
وبعد حلاوات التواصل والهوى """ جنوا مُرّ طعم الهجر من علقم الصبر
اذا ما رجعتم عن محبتكم لنا """ مشاةً رجعنا عن محبتكم نجري
وإن كنتم في الجهر عنا صددتم """ ففي سرِّنا عنكم نصدُّ وفي الجهر
سكنتم فؤادي مرةً ورحلتم """ فأصبح منكم خالياً خالي السرِّ
وقال لي العذالُ هل أنت راجعٌ؟ """ إذا رجعوا عن غدرهم قلت لا أدري!


ولابن الخيمي أشعار كثيرة في الحب الالهي، ويرى الباحثون أن شعره الصوفي يجعله في مقدمة شعراء الصوفية الكبار لرقته، وعذوبته وإبتعاده عن التكلف والصنعة.
ونقدم هنا "بائية" ابن الخيمي الرائعة

"حسبي علوا":



يا مطلباً ليس لي في غير أربُ """ إليك آل التقصِّي وانتهى الطلبُ
وما أراني أهلاً أن تواصلني """ حسبي علواً بأني فيك مكتئبُ
"""
لكن ينازعُ شوقي تارةً أدبي """ فأطلب الوصلَ لما يضعفُ الأدبُ
ولستُ أبرح في الحالين ذا قلق """ نام وشوقٍ له في أضلعي لهب
"""
ومدمعِ كلما كفكفت صَيِّبَهُ """ صوناً لذكرك يعصيني وينسكبُ
ويدَّعي في الهوى دمعي مقاسمتي """ وجدي وحزني ويجري وهو مختضبُ
كالطرف يزعم توحيدَ الحبيب ولا """ يزالُ في ليلهِ للنجمِ يرتقبُ
"""
يا صاحبي قد عدمت المسعدين فسا """ عدني على وَصَبي لا مَسَّكَ الوصبُ
بالله إن جزتَ كثباناً بذي سَلَمٍ """ قفْ بي عليها وقُلْ لي: هذه الكثبُ
ليقضي الخدُّ من اجراعها وطراً """ في تُربها ويؤدي بعض ما يجبُ
"""
وملْ إلي البان من شرقّي كاظمة """ فلي إلى البان من شرقيِّها أربُ
وكلما لاح معنى من جمالهم """ لباه شوقٌ إلى معناه منتسبُ
أظلُّ دهري ولي من حبهم طربٌ """ ومن أليم إشتياقي نحوهم حَرَبُ
"""
لله قومٌ بجرعاء الحي غُيُبُ """ جنوا عليّ ولما أن جنوا عتبوا
يا ربِّ هم أخذوا قلبي فلم سخطوا؟ """ وأنهم غصبوا عيشي فلِمَّ غضبوا؟
هم العُرَيْبُ بنجدٍ مُذُ عرفتهمُ """ لم يبقْ لي معهم مالٌ ولا نَشَبُ
شاكون للحرب لكن من قدودهمُ """ وفاتراتُ اللحاظِ السمرُ والقضبُ
فما ألموا بحيٍّ أو ألمّ بهمْ """ إلا وغادرو على الأبيات وانتبهوا
عاهدتُ في زمن البطحاء عهدي هوى """ إليهم وتمادتْ بيننا حِقَبُ
فما أضاعوا قديمَ العهد بل حفظوا """ لكن لغيري ذاك العهدَ قد نسبوا
"""
من منصفي من لطيفٍ منهم غَنِجٍ """ لدنِ القوام لاسرائيل ينتسبُ
مُبدِّلِ القول ظلماً لا يفي بموا """ عيد الوصال ومنه الذنبُ والغضبُ
تُبينُ لثغتُهُ بالراء نسبَته """ والمينُ منه بزور الوعدِ والكذبُ
"""
موَحدٌ فيرى كل الوجود له """ ملكاً ويبطل ما يأتي به النسبُ
فعن عجائبه حدِّثْ ولا حرجُ """ ما ينتهي في المليح المطلقِ العجبُ
بدرٌ ولكن هلالاً لاح اذ هو بالـ """ ورديِّ من شفق الخدين منتقبُ
"""
في كأس مبسمه من حلو ريقته """ خمرٌ ودُرُ ثناياه لها حَبَبُ
فلفظة أبداً سكران يسمعنا """ من مغرب اللحن ما يُنسي به الأدبُ
تجنى لواحظه فينا ومنطقه """ جناية تجتني من مرها الضربُ
"""
حلو الأحاديث والألحاظ ساحرها """ تُلقى إذا نطقَ الألواحُ والكتبُ
لم تبقِ ألفاظه معنىً يرق لنا """ لقد شكتْ ظلمه الأسعارِ والخطبُ
فداؤه ما جرى في الدمع من مهجٍ """ وما جرى في سبيل الحبِّ محتسَبُ
"""
ويح المتيَّم شامَ البرقَ من إضم """ فهزّه كاهتزاز البارق الحَرِبُ
وأسكن البرقَ من وجد ومن كلفٍ """ في قلبه فهو في أحشائه لهبُ
وكلما لاح منه بارقٌ بعثت """ ماء المدامع من أجفانه سُحبُ
وما أعادت نسيماتُ الغوير له """ أخبار ذي الأثل إلا هزّه الطربُ
واهاً له أعرضَ الأحبابُ عنه وما """ أجدتْ رسائله الحُسنى ولا القربُ




بالأثل لنا حديث وجد طابا """ عاهدت على صحته الأحبابا
أصبحت به مستغنيا مشتغلا """ ما أعرف انسانا ولا أنسابا



جزعت لان جيش الروم وافى """ ومثلى ليس يجزع فى الخطوب
وما جزعى لشيء غير أني """ أخاف من العدو على الحبيب



يا مذهبين بجسمي """ وذاهبين بقلبي
مالى على البعد الاّ """ ارسال دمعي وكتبي
وحق ما كان منكم """ من طيب وصل وقرب
لولا هواكم حياتى """ قضيت بالبين نحبي



ما أشوقني ولم أزل مقتربا """ ما زادني الدنو الا طلبا
جاد الاحباب بالتداني ورضوا """ بالوصل وما شكواى الا الرقبا



لم توف أشواقي ولا لوعاتي """ حق الهوى لكم ولا عبراتي
مع أن أيسر ما عدمت بلوعتى """ روحي وأهون ما وجدت مماتى
يا من يعز وصالهم أن يشترى """ بنفائس الاموال والمهجات
جهد الصبابة في هواكم سلوة """ ونهاية البلوى من اللذات
وفوات جسم الصب آفات الضنى """ في حبكم من أعظم الآفات
فسقام جسمي في هواكم صحتى ال """ كبرى وموتي فيه عين حياتي



إذا ما بثثت الشوق يا عز فاعلموا """ بأن يسير الشوق يعجز عن بثي
تجدد لي الاشواق فى كل ساعةٍ """ على بالي البالى ومصطبرى الرث
وانفث أشكو فرقة فيطبها """ بأخرى كأن البين يطرب من نفثى



ماذا أبث إليكم مما غدا """ حكم الزمان به علي وراحا
أأقول أنى قد بكيتم دما """ حتى كأن بمقلتي جراحا
أو أننى ألقى الركائب او أسشيم """ البرق أو أتنسّم الارواحا
شوقي اليكم فوق وصفي والصبا """ به فوق أن أشتاق أو أرتاحا



لي من دمشق حبيب """ بالشخص عني بعيد
فنهر دمعي للوج """ د في دمشق يزيد



يا من أدار بحسنه المعبود """ صهباء وصل فى كؤوس صدود
ملأت محاسنك الوجود محاسنا """ لم يبق قلب فيك غير عميد
يا من دعانى قبل أوجد حسنه """ فقضى جمال وجوده بوجودى
إني بحسنك قد حييت وإنني """ سأموت من شوق عليك شديد
وإذا رضيت بان أموت هوى فقد """ أحييتنى يا مبدئى ومعيدى
أضحى جمالك مفرطا وصبابتى """ لورودها فمتى يكون ورودي
ولقد رأيت مياهها لكنها """رؤيا صدٍ عن ذوقها مصدود
أمعذبي بدلاله ومنعمي """ بجماله وبهائه المشهود
إن كنت فى يوم العذاب معاتبى """ فمتى أفوز بيومه الموعود
لى من جمالك حسن وعد يرتجى """ ومن الدلال علي حسن وعيد
خطوات ذكرك لا تفارق خاطري """ وجمال حسنك لم يزل مشهودى
واذا نطقت فأنت مقصودى وان """ أصمت فحين فناي في مقصودى
لولاك لم ينض المساق مطيتى """ ولما أنست بموحشات البيد
ولما حبست على معالم رامة """ نضوي أسائل صامت الجلمود
ولعى بغزلان الصريم قضى به """ ولهى عليك وموقفى بزرود
فى كل وقت لى هوى متجدد """ لغريب حسن لاح فيك جديد
خفيت به ذاتى وأظهر صبوتي """ فتبين المعدوم بالموجود
شهدت لى الاشجان فيك بأنني """ فان فقد ثبت الفنا بشهود
غلب الغرام على رسومى فاعجبوا """ لغرامي الموجود فى مفقود



يا أهل ودى وانهى """ قصدى وانس مرادي
بنتم فوجدي عليكم """ باق ليوم المعاد
وحقّ طيب التلاقي """ وحسن عهد الوداد
لم يعرف الصبر عنكم """ ولا الهدو فؤادي
ان كان قلبي سلاكم """ فلا ارتوى منه صادي
وان أردت سواكم """ فلا بلغت مرادي
ما أملك الميل عنكم """ يا مالكين قيادي
حاشاكم أن تضيعوا """ فيكم جميل اعتقادى



ما ضرّ من ملك فؤادى بأسره """ لو لم يضع بعض الجميل بهجره
فيضم شمل جميله وجماله """ ويجوز حب محبه مع أجره
مالي أبوئه الفؤاد جميعه """ ويطيره بصدوده من وكره
بدر له في كل قلب منزل """ متحجب من عزه عن سرّه
يا ليته اذ كان قلبى بيته """ لو كان يبرد بالرضا من حره
لم أسمه بالشمس حيث طلوعه """ ما كان الا في دجنه شعره
منح الغزال ملاحة من لحظه """ وكسا الغزالة خلعة من بشره
وأقام في قلبي وأوقد ناره """ فيه ورد فقيره عن برّه
تدعو محاسنه ويزجر صده """ قد حرت فى اذن الحبيب وزجره
يممت خيرا من وصال جماله """ ويزيد العذول بسره
يا عاذلي ما أنت إلا مذنب """ لكن أتيت بشافع من ذكره



ضاع في آثارهم قلبي فلا """ معهم قلبي ولا قلبي معي
عاذلي عذلك من يسمعه """ ولئن كنت سميعا من يعى
ملأوا قلبي وعينيّ فما """ لسواهم فيهما من موضع
وأحاديثهم ما تركت """ لسواهم موضعا فى مسمعى
بى هوى يعجز رضوى حمل ما """ حملت منه حنايا أضلعي
وغرام شهو الواشى به """ قبل دعواى وغيري يدعي



بالرغم مني أن تنأى الديار بكم """ وان يفرق شمل كان مجتمعا
وان تعود ديار الانس موحشةً """ وأن يكون طريق الوصل منقطعا
لم يبق غيركم مني سوى طمعتي """ فيكم ويا ليته يبقى لي الطمعا
أصبحت أقنع بالآمال بعدكم """ والصب ان هو لم يعط الرضا قنعا
ما لاح برق ولا هبّت يمانية """ الا تعاظم خرق الوجد واتسعا
ولا شدا طائر الا وضعت يدي """ على فؤادي أظن القلب قد وقعا
يا من يراعيه قلبى كلما نظرت """ عيناى او سمعت أذناى مستمعا
الحسن منك بدا معناه ثم غدا """ مفرقا فى الورى لكن لك اجتمعا
أقررت عينى اذا ما زلت أشهد أن """ كل المرائى جمالا منك مظبعا
إن تنظر العين الا أنت لانظرت """ وان دعا السمع الا منك لا سمعا
وعنك ان بردت أحشاى لا بردت """ ودونك الطرف ان يهجع فلا هجعا
فقرى اليك غنى والشغل عنك عنا """ والعذل فيك الى طيب الغرام دعا
وقد بلغت بحبّي فيك منزلةً """ جلالها عن حضيض النطق قد رفعا
يا جامع الشمل حقا للمتيم أن """ يفنى سرورا بأن الشمل قد جمعا



لولا هواكم ما شاقنى طلل """ بالخيف ناء عن مقلتى شاسع
كلا ولولا بروق بشركم """ ما راقنى بارق الغضا اللامع
لا نال قلبى الذى يؤمله """ ان كان يوما بغيركم قانع
هذا جمال الحبيب مقتدر """ صيّر كل امرىء له طائع



أعرفت ما ألقاه بعدك """ قرب العواذل لي وبعدك
والقلب خلف لى الجوى """ والوجد ثم أقام عندك
والبعد لم يقنع به """ حتى ضممت اليه صدّك
ونسيت عهد مودّتي """ وأنا الذي لم أنس عهدك
وتواترت خدمى الي """ ك فلم تجب حاشاك عبدك
إني أعيذ من الجفا """ والغدر يا مولاي ودك



لم يضن بحبّى لك جسمى البالي """ يا صحّة جسمي ونعيم البال
بل حبّك صحتي ولكن غرضي """ في سقمي أن اخفى عن العذال



وعزوا الى أن لم تصلهم رسائلى """ ولو وصلت ما أقنعتنى الرسائل
أملاك أمرى أننى متوسل """ بانى من كل الرسائل عاطل
وان حياتى أن أموت بحبكم """ وعيشي في أن الضنى لي منازل
وبر فؤادى أن يذوب بحره """ وراحة طرفى أن يرى وهو هامل
خليلى قد اقترت من طيب وصلهم """ وعندى من الشوق الأليم حواصل
تعلّل بأخبار الزمان الذى مضى """ اذ العيش غض والحبيب مواصل
وساعة اخذ العهد اذ أنا عاشق """ هناك ومعشوق ومصغ وقائل
وما بيننا إذ ذاك شيء مكدّرٌ """ وما بيننا الا الهوى والتواصل



قرأنا سور السلوا """ ن عنكم وحفظناها
وآيات الهوى لما """ محوناها نسيناها
ليالى صدكم عنا """ شكرناها ونمناها
ولو مر بنا فيها """ بكم طيف سهرناها
واقوال اللواحي قد """ سمعنا وأطعناها
وأما أدمع العين """ فللقلب رددناها
فأطفأنا بها نارا """ لكم كنّا وقدناها
صباباتي لكم قد كا """ ن في قلبي معناها
فقد أقفر من معنى """ صباتاتي مغناها
فكونوا كيفما شئتم """ فأهواكم بلوناها
وقد نلنا من السل """ وة أقصاها وأدناها



شوقي إليكم مثل وجدي فيكم """ أبدا يزيد حضرتم أو غبتم
والقلب أصبى ما يكون لوصلكم """ والجسم أضنى والمدامع سجّم
وحقكم لم يطف دمعي لا ولا """ برد الصبا ناراً بقلبي تضرم
كلا ولا سكن الذى هو ساكن """ في القلب من قلق الحنين اليكم
وأنا الذى لم يسله ما يفعل ال """ أحباب فيه وما تقول اللوّم
يا من يقربني التذكر والنهى """ عنهم وتبعدنى المهامه عنهم
ومن انتهى طلبي اليهم وانتهى """ فالآن مالي مطلب الاّ هم
كليّ لكم متوجه ويصدّني """ اجلالكم عن أن أقول اليكم
فالشوق يحبرنى وقدرى حابسى """ والقلب ينجد والجوارح تتهم



أترى لداء صبابتي ابلال """ ولذلك الصدر الصدى بلال
هيهات كل دواء وجد بعدكم """ داء لدىّ وكل ماء آل
أمسي وأصبح آيساً من صحتي """ وصلاحى العوّاد والعذال
واسوّدت الأيام بعدكم أسىً """ فلذا ليالى المستهام طوال
امخيمين بذى الأراك وواردى """ ماء هناك اليه يهدى الضال
ان كان عن ميت الكرى غبتم ففى """ حيّ الصبابة أنتم نزال
وعلى الحقيقة ما يزل تعطشى """ أبداً ولو أنّ الغرام وصال
ما زلت صبّا فى الدنوّ وفي الأسى """ متشوقا لكم ولست أزال
ويزيدني لكم تعاليل المنى """ شوقاً فمن آلامي الآمال
وأكاد شوقا أن أطير اليكم """ لكن علىّ من الجوى أثقال
ويضيق بى رحب الفضاء واننى """ مما نحلت كأنما أنا آل
ولئن بقيت فلا يحادث سلوة """ حاشا غرامى يعتريه كلال
فلقد خفيت عن العيون فانما """ أنا فى الظنون لدى الانين خيال
يا ساكنى البلد الحرام تحية """ من مغرم لندنوّكم يحتال
عودوا لموطنكم الذى من بعده """ ماء الحياة من الجفون مذال
لله ذاك العيش مرّ فما حلت """ من بعده حال لنا أو مال





*يتبع

* قد لا أضع القصائد كاملة وإنما أختار منها أبياتاً

لمن يرغب بمطالعة الكتاب كاملاً:


أحلى قصائد الصوفية.


يجمع الكتاب كل أسماء شعراء الصوفية ويقدم لمحة وجيزة عن حياتهم ومقتطفات من شعرهم والأسماء هي كالتالي:
سمنون المحب
عفيف الدين التلمساني
السهروردي
عبد القادر الجيلاني
ابن عربي
أحمد البدوي
جلال الدين الرومي
ابراهيم الدسوقي
الشيخ علي عقل
أبو العباس المرسي
الحلاج
الششتري
محمد إقبال
ذا النون المصري
أحمد الحلواني
الإنطاكي
البوصيري
اليافعي
رابعة العدوية
ابن الفارض
نجم الدين
ابن أبي الخير
النابلسي
ابن عطاء السكندري
ابراهيم حلمي القادري
ابن الخيمي
ابن قضيب البان


وهذه بعض المختارات من شعرهم:

ابن عربي



وقفا بي على الطلول قليلاً """ نتباكى، بل أبك مما دهاني
الهوى راشقي بغير سهام """ الهوى قاتلي بغير سنان



أحمد البدوي


إلهي قلتَ ادعوني أجبِبكمْمُ """ فهاك العبد يدعو يا وكيل
إلهي كيف حالي يوم حشرٍ """ إذا ما ضاق بالعاصي مقيلُ
إلهي لا اله سواكَ ربي """ تعالى، لا تمثله العقول
إلهي مسني ضرٌّ فأضحى """ به جسمي يبلبله النحول



جلال الدين الرومي


بكت عيني غداة الدمع دمعاً """ وأخرى بالبكا بخلتْ علينا
فعاتبتُ التي بخلت علينا """ بأن غمضتها يوم التقينا!



ابراهيم الدسوقي


ويبني عني فأصبحت سائلاً """ لذاتي عن ذاتي لشغلي بغيبتي
وأنظر في مرآة ذاتي مشاهداً """ لذاتي بذاتي وهي غاية بغيتي
فأغدوا وأمري بين أمرين واقفٌ """ علومي تمحوني ووهمي مثبتي



الشيخ علي عقل


وإن الورد يذبل بعد وقتٍ """ وورد الحب كان به ذبولي
وريُّ الناس من ماءٍ ولكن """ شراب الحب يذكي من غليلي
أداري الحب حتى لو يراني """ أخو وجدٍ تشكك في نحولي
وبي نارٌ لو استقصى لظاها """ لحقر وجده وحذا سبيلي
ولي بالوجد سرٌ لا يُضاهى """ وما أنا في المحبة بالهزيل



الحلاج


لي حبيب أزور في الخلوات """ حاضر غائب عن اللحظات
ما تراني أصغي إليه بسري """ كي أعي ما يقول من كلمات
كلمات من غير شكلٍ ولا نقطٍ """ ولا مثل نعمة الأصوات
حاضرٌ غائب قريبٌ بعيدٌ """ وهو لم تحوه رسم الصفاتِ



والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت """ إلا وحبك مقرونٌ بأنفاسي
ولا جلست إلى قومٍ أحدثهم """ إلا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا ذكرتك محزوناً ولا فرحاً """ وإلا أنت بقلبي بين وسواسي



الحب ما دام مكتوماً على خطر """ وغاية الأمن أن تدنو من الحذر
وأطيب الحب ما تم الحديث به """ كالنار لم تؤت نفعاً وهي في الحجر



الششتري


رضي المتيم في الهوى بجنونه """ خلوه يفني عمره بفنونه
لا تعذلوه فليس ينفع عذلكم """ ليس السلو عن الهوى من دينه



محمد اقبال


كلام الروح للأرواح يسري """ وتدركه القلوب بلا عناء
هتفت به فطار بلا جناح """ وشق أنينه صدر الفضاء
ومعدنه ترابي ولكن """ جرت في لفظه لغة السماء
لقد فاضت دموع العشق مني """ حديثاً كان علوي النداء
فحلق في ربى الأفلاك حتى """ أهاج العالم الأعلى بكائي



ذا النون المصري


أموت وما ماتت إليك صبابتي """ ولا رويت من صدق حبك أوطاري
مناي المنى كل المنى أنت لي منى """ وأنت الغني كل الغنى عند أقصاري



ابن الفارض


أترى من أفتاك بالصدّ عني """ ولغيري بالود من أفتاكا
بانكساري بذلتي بخضوعي """ بافتقاري بفاقتي بغناكا
لا تكلني إلى قوي جَلَدٍ خان """ فإني أصبحت من ضعفاكا
كنت تجفو وكان لي بعض صبرٍ """ أحسن الله في اصطباري عزاكا
كم صدوداً عساك ترحم شكواي """ ولو باستماع قولي عساكا
شنّع المرجفون عنك بهجري """ وأشاعوا أني سلوت هواكا
ما بأحشائهم عشقت فأسلو """ عنك يوماً، دع يهجروا، حاشاكا
جزى الله خيرا كل القائمين والعاملين فى هذا المنتدى المبارك واتمنى ان تكون هذه الزاويه (احلى قصائد الصوفيه )ردا على من انكر على هؤلاء القوم كل مايأتون به من قول وفعل فمن جهل شيئا عاداه ،وكانه لم يقرأ قول الله عزوجل (الا ان اولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون) .
ففى هذا اليوم بالذات كان قد اعترانى شى من الضجر والاشمئزاز لامر ما ،فبعد ان اديت صلاة المغرب توجهت الى بريدى الالكترونى فوجدت رسالة من منتدانا المبارك وعندما دخلت الى المنتدى ووجدت هذا الموضوع القيم وهو احلى قصائد الصوفيه ففرحت بذلك فرحا شديدا وزال عنى كل الذى كنت اجده من قبل وان شاء الله سوف اتحف هذا المنتدى بما يسر كل صوفى ومحب فابن اخت القوم منهم .
فاننى فى بعض الاحيان اذكر شعرا للصوفيه من غير ذكر قائلها وذلك لاننى وجدتها كذلك فمن عرف القائل فليخبرنا به عبر هذا المنتدى المبارك وحتّى إذا عرفته ولكن من باب ليتيقّن الجميع وجزاه الله فى الدارين كل خير .
قال احدهم رحمه الله :
ياال طه عليكم حملتى حسبت *** ان الضعيف على الاجواد محمول
وجيئتكم بانكسار نحو حييكم *** ارجو القبول فقولوا انت مقبول
واقول للذين لم يفقهوا من التصوف شيئا ،ما قاله احدهم :
علم التصوف علم ليس يعرفه *** الا اخو فطنة بالحق معروف
وليس يعرفه من ليس يشهده *** وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف .
وقال احدهم رحمه الله تعالى :
عبيدك ربى اسلمته يد القضا ***الى حكم اهواء بطشن به بطشا
عجزت عن التقوى وحدت عن الهدى ***وغشى على قلبى من الذنب ماغشا
وقد انحلت جسمى الهموم وتهت فى ***مناهج امال دهشت بها دهشا
وانت بامالى عليم وانها ***الى فضلك المأمول لابرحت عطشا
وانت الذى اوجدتنى ورزقتنى*** ودبرتنى مذ كنت فى ظلمة الاحشا
فيامن اذا ماشاء فى قول كن جلا ***بانواره قلبى وارغد لى العيشا
دخيل على الهادى الشفيع محمد ***ملاذ الورى عين العلا علة الانشا
دخيل على اسم خصه وقرنته ***مع اسمك مذ لاكون لاعرش لافرشا
دخيل على روح الحبيب الذى له ***فرشت بساط القرب لما ارتقى فرشا
دخيل على من قد رحمت ببعثه ال***ملائك والانسان والجن والوحشا
دخيل على اعتاب حضرته التى ***لتقبيلها الاملاك لا برحت تغشى
دخيل على قبر تضمن جسمه ***دخيل على جسم لروح الهدى منشا
دخيل على الارض التى قد مشى بها ***دخيل على نعل به وطى العرشا
وصل وسلم ياالهى على الذى ***تفجر من كفيه ماء روى الجيشا
انلنى الذى املت منك واحمنى ***الهى فى الدارين من كل مااخشا



             والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته  شعر الحب الصوفي الشعر لغة : الوجدان الإنساني ولؤلؤة الفكر الساطع ومنبع القلب المنير .والشعر الصوفي فيض من رب الأرض والسماء على أوليائه بمعارف القرب والإيحاء ، إذ تجلى على قلوبهم بصفاته وأسمائه فأسفر لهم الحقائق بجميل آلائه ومخبآت نعمائه .. وفيوض أنواره وأسراره ..والشعر الروحي .. درٌّ نضير ، يستاف الورد والعبير ، فيعطي للحياة رمزاً ، ومن الرقائق كنزاً ، ومن المواجيد رياضاً وحدائق غنّاء ، ومن العبارات غدراناً متدفّقة ، ومن الإشارات أساليب مشرقة ومن الحِكَم ثماراً وأزهاراً .. كروعة الكَلِم البديع في فصل الربيع ، فينسجُ من الأفكار ما يجري من تحتها الأنهار يرتشفها مُداماً ومنهَلاً عذباً للواردين ، مثلَ نسَمات الأسحار ، فتأتي اللطائف والأشواق بمذاقات قدسية عُليا تجول بطيب الأنفاس وروعة الأحوال في جنبات هذا الكون العظيم ...ولا يوجد شيء ، من جوهر ولا عرض ، ولا صفة في هذا الوجود الحادث إلا وهو مستند إلى حقيقة إلهية من حيث نسبتُها إلى موجد الوجود القديم سبحانه وتعالى ، ولولا ذلك لما صحّ لها أن تظهر ؛ ومن ذلك ظاهرة الحب في هذه الدنيا .. فإنه على اختلاف مراتبه وتجلياته يستند إلى حقيقة الحب الإلهي ، الذي هو أصل وجود الحب في العالم .ولكن لما طال الأمد ، وتغيرت النفوس ، مع الزمن ، وقست القلوب ثم اختلطت المفاهيم ، وتعقدت الأمور ، وتسطحت الأشياء ، وأضحى الفكر بلا جدوى ، وأصبحت القيم لا معنى لها ، وتهمّشت المثاليات ، وتهشم المعنى الحقيقي للحب ، واضطربت مفاهيمه فضاعت الموازين فلم نعد ندرك ما هو الحب الحقيقي ، وما هو الحب الوهمي وحب المصلحة والمنافع الآنية ، فغابت الحقائق في زحمة الحياة.... هلا سمعنا التنزيل الحكيم ، " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبّونه " وقول رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه " المرء مع من أحب " ، وفي الحديث القدسي : " لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبَه " ورحم الله الإمام أبا حامد الغزالي الذي نقلتُ عنه هذه العبارة الرائعة : " إذا قيل لك أتحب اللهَ ورسولَه .. فاسكتْ ، فإنك إن قلت لا أخطأت خِطْئاً كبيراً ، وإن قلتَ نعم ، فيسألك الأولياء عن الدليل .. " .وقد رأيت محي الدين ابن عربي من أفضل من تطرّق لهذا المضمار : الحب عموماً ، والمحبةُ الإلهية خصوصاً ، فأحسستُ أنه كلام محب صادق فتحَ الله عليه بالعبارة ، وجعل البيانَ طوعَ بنانه إذ يقول فيما يقول : " حمداً لرب العزّة وقد جعل الهوى حرَماً تحجّ إليه قلوبُ الأدباء ، وكعبةً تطوف بها أسرار ألباب الظرفاء ، فجعل الفراق أمرَّ كأس تذاق وجعل التلاقي عذبَ الجَنى ، والوصالَ طيّب المذاق .. تجلى اسمه الجميل سبحانه فاندهشت الألباب ، فغرقت في بحر حبّه وفتحَ من دونها الباب فدعاها الاشتياق بمنازح الأشواق ، لتتوجه إليه عشقاً، وتذوبَ فيه شوقاً ، فيشتدُّ أنينُها ، ويطولُ حنينها ، لتجرعَ كأسَ المدُام ولم تخشَ الفناء ومصارعَ الهلاك والفناء بل نادت يا جميل يا مِحسان .. يا من قال : " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان .. " يا من تيّمني بحبه ، وهيّمني بين بعده وقربه فليتني أتحقق .. أرنو لمشارف الحقيقة لتنعم العين والفؤاد ..."رحم الله الشيخ الأكبر ، فما أروع هذه العبارات وهو يرشح لنا الحب الروحي والغزل الصوفي ، فرحم الله امرءاً علّمنا هذا الكون من الحب المثالي ، ودلّنا على من يعلمُنا الحب الحب في كل كتاباته لنَغدَّ السيرَ نحو دروب الحب الإلهي العظيم من فيض المواهب ، وأروع المكاسب من فيوضات العناية الربانية ، ومذاقاتِ البوح والتجليات مع ما فيها من إشراقات وأسرار وأنوار ، وجمالٍ وإحسان .وقد ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله جميل يحب الجمال " فمرحى للمحبين بهذه البشرى ، إذ ما أجملنا ونحن نحبه ، لأن المحب لا يرى محبوبه إلا أجمل العالم في عينيه ، فما أحبّ إلا ما هو عنده قمة الجمال ، ولا شك أن الجمال محبوب لذاته ، وهو تعالى صانعُ هذا الكون الذي نحياه ، أوجده على صورته ، وهو جل شأنه " الجميل " ولِمَ لا .. فالدنيا كلها في غاية الحسن والإبداع والجمال ، فليس في الإمكان أجمل من هذا العالم ولا أكمل ، ولا أحكم .. فلو نقص منه شيء لنزل عن درجة كمال خلْقِه .. فكان قبيحاً ..ولذلك انعكس الجمال في الصور فوقع الهيام والعشق عند العارفين فأوْرَتْ عندهم الفناء عند المشاهدة لهذا العالم لأنه يعكس لهم مرآةَ الحقيقة ..ولذا انطلق ابن عربي ليُطلقَ عنان الخيال لمشاهداته الغزلية اللطيفة :ما لمجنون عامر فـي هـواه غيـر شكوى البعاد والاغتراب ِوأنا ضـدّه .. فإن حبـيبـي في خيالي .. فلم أزلْ في اقترابِفحبيبي مني ، وفيّ ، وعندي فلمـاذا أقـول مـا بي وما بي فالله تعالى هو المحبوب في تجلّي سُبُحاتِه ، فهو لا تدركه الأبصار .. هنا لكن هناك : " وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة .. " فالحب الإلهي كما عرّفه شيخ حلب السيد محمد النبهان طيب الله ثراه : " هو حب الله للعبد ، وحب هذا العبد لربه جل شأنه لقوله : " يحبهم ويحبونه " ". وحبه لنا قد منحنا ما يؤدي إلى إسعادنا وما يوافق أغراضنا ويلائم طباعنا البشرية يرى ابن الخطيب أن منازع الحب الإلهي بسبحاته العُلْوية ، يجعل منه داعيَ حكمةٍ وهداية وحميميةٍ وغفرانٍ وسعادة الداريْن .... وهذا ما نعني به بالحب الصوفي الذي يثير في النفس الخواطر والمشاعر ويوحي بأفياءَ وظلالَ نورانية ، يسكُبها في الوجدان ، وهذا ما عهدناه في (إحياء) الغزالي ومدارج السالكين لابن القيّم .. رضي الله عنهما .ففيها نصوصٌ تحتاج إلى التأمل لما تعكسه من التسامي والعروج نحو العلاء ، وبما تخلّفه في زوايا النفس من سكينة وصفاء وآفاق ، وتألق الروح ، وهذا ما دفع شعراء التصوف إلى النظم بلغة شفافة تجذب صاحبها من دنيا الناس على عوالم ساحرة بالحكمة والطرب والهناء ، وسلامة القلب ونقاء الباطن ، وجلاء السريرة واغاريب الحب مما يتمم مكارم الأخلاق ويوجه الإنسان إلى المقام الأسمى نحو الشفافية والاستقامة والسلوك الرفيع ، والرشاد والفلاح ، والسمو نحو مدارج الإنسانية الراقية ، لتحقيق أفضل القربات وأنبل الغايات ، كل ذلك بفطرة الحب التي فطر الناس عليها . فتتألق الأفئدة والأبدان والأذهان بعشق الرحمن .وإذا حلّقنا في أجواء الشعر الصوفي ، على نذرته ، لوجدناه يقترب من تلك العوالم الشيقة الفيّاضة ، إذ أن إلهاماتها ليست وليدة عاطفةٍ غيبية فحسب ، بل إن معالم هذا الشعر الروحي الرمزي الرقيق هي وليدة معرفة ذوقية أيضاً ..حيث تألق هذا اللون من الشعر في العصرين الأموي والعباسي بعد تطور الحياة الروحية في الإسلام . إذن فالشعر الصوفي ليس وليد عاطفة دينية مجردة ، بل هو نتاج مراحل معرفية، وتجليات ذوقية بحتة ، مرّ بها الشاعر عبر تطورات معينة ، يلتقطها بقلمه الساحر العفوي التلقائي ، بَيْد أنه لا يصورها كما يحدث في المسائل الفكرية والنظريات الفلسفية ، والقواعد المنطقية وإنما يعبّر عما يختلج في نفسه ، ويضطرب في قلبه، وجوانحه من خلجاتٍ ومشاعر غير مألوفة ، إذ يصوغها بقالب فني مبهر نعم .. لمست فيه غلياناً يفور في أعماق ذاته ، حيث يرى في داخله ما لا يُرى .. بهدوء ونقاء رتيب عجيب ، ولسان حاله يموج ويهدر .. " موسيقا الصمت ، وقد أغمضت ، وعقلي في قلبي انصهرا .... وخيالٌ .. جاوز طاقته .. وامتدّ فأبصر ما استترا .. .. وسرحتُ .. مع الأفلاك .. مع الأملاك .. أرى ما ليس يُرى .. سبحاتٌ .. فاقت شاعرها .. لم تُقصد .. بل كانت قدراً .. غيبوبة عشق في ملكوت جمال الله .. وما فطرا .. "كيف نترجم هذه الحالة الشعرية .. لا أدري ..! لكنني أقول إنه فنان رقيق يفنى في الحب ، يحسّه في جُوّانيته فيجعل من الشعر أداة للتعبير عن أحواله ومواجيده..ويبتكر كلمات موحية حداثية ، يصبّها في معانٍ ذات بُعدٍ جمالي فنجد ـ فعلاً ـ أنه شاعر وجداني ورمزي في آن واحد لأنه يستمد عناصر فنه من القلب وما يوحي به من رؤى ومثاليات سداها ولحمتها الحب ، الحب الذي ينشد الجمال المطلق ، الجمال المتجسّد وبل والقائم ضمن طيات الفلسفة العليا وضروبها وآفاقها اللامتناهية كما جاءت في الأفلاطونية الجديدة ، وهذا النوع من الحب المثالي تحد عنه ابن سينا في الرسالة التي أسماها " العشق " وكذلك السراج الطوسي .وقد تطرّق هؤلاء الفلاسفة إلى الحب ، فجعلوا منه النور الذي يُستضاء به ، والسر الذي نتكئ عليه ، والمشعل الذي يسير الصوفي على هداه ليؤكدوا " أن الحب هو طريق الوصول إلى الله " وكما ذهب الحلاج بأن " ذات الله العليا تتمثل في الحب " وهذا يعني أن غاية الحب القصوى هي الاتصال بالله ، مما يمهد الطريق للمعارف والإشراقات والفتوحات ، وتلازم الأقوال مع الأفعال لنشدان الحب الإلهي وذلك بوساطة أشياء هي قمة السلوك البشري الرفيع ، كالتوبة والإنابة والورع والزهد ، والتوكل والرضى .. وما إلى ذلك ، مما يدعو إلى التحرر من صرخة الجسد وطغيان الرغبات الحسية ، بالترفع إلى المعاني الراقية والمراتب الذوقية التي تنأى في كل الأحوال عن شؤون المعرفة العقلية ، حيث الذوقُ والكشفُ وميلُ القلب إلى الله وليس لسواه ، فيطيب عيشه ، لأنه في حضور مع المحبوب الذي لا يشهد سواه من مطلوب ومبتغى وهدف ؛ كما يقول أبو عبد الله القرشي :" حقيقة المحبة أن تهب كلَّك لمن أحببت فلا يبقى منك شيء ، وتزداد حباً وتيتّماً وولها " ..الحب الصوفي فناء مطلق ، يجعل من الحب والمحبوب كُلاً موحِّداً .. حيث لا وَجْدَ يبعث الألم في نفس الصوفي ، لأن الوجد في عُرف القوم المتصوّفة هو " بشارات الحق بالترقي إلى مقامات الشهود والمشاهدة ، وهو المنشود ، كما يعبّر أحدهم : الوجد يطرب في الوجدان راحته والوجد عند حضــور الحق منشودقد كان يطربني وجدي فأشغلني عن رؤية الوجد في الموجود موجود.. إن هذا الحب الروحي ، المثالي ، المجرد عن رغبة الجسد ، ونزوة الغريزة ، يجعل من صاحبه في حالة اندغام تام ( أي اندماج ) وهنا تتألق النزعة الوجدانية الصافية في شعر الحب الصوفي .هذه الحالة الشعورية ، تجعل من أنا ، أنت .. وينتهي بها المطاف إلى مرتبة الفناء، وهذا ما تستدعيه الحركة الشعرية الصوفية بكل رموزها وظلالها وألوانها وإيحاءاتها ، وتعبيراتها الغيبية عن الوجود الذاتي في علم الباطن لا الظاهر ، وهذا ما لا نستطيع إدراكه لأنه محصور ضمن فلك الأسرار الإلهية العليا ، وموحياتها العظمى ، فقد سئل النبي صلوات الله وسلامه عليه عن علم الباطن هذا فقال : " هو سرٌّ من أسراري ، أجعله في قلب عبدي ، لا يقف عليه أحدٌ من خلقي"وهذا ما يتوقف عند محطة من اختصّهم الله برحمته من العارفين والمقرّبين والأولياء ، الذين أشار إليهم هذا الحديث النبوي ، حيث روي عن سيدنا سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من العلم كهيئة المكنون ، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله "ومثل هذا الأمر يستدعي إحاطة المعرفة بالأسرار حتى تظل محتفظة بصفة القداسة من ناحية ، وحتى تكون محاطة بخصوصيتها وقداستها من جهة أخرى ، ولكي تصبح فوق متناول الذين لا يفقهون فكرتها ولا يدركون غايتها أيضاً ..ونحن نرى أن هذا الحرص على طبيعة المعرفة الصوفية ، ودقائق مفهوماتها ، ورقائق تصوّراتها هو الذي أبدع الرمز في التصوف الإسلامي .وأعلام التصوف يسمّيهم " الشعراني " بالعلماء الأكابر ، إذ ليس لغيرهم من فن التصوف إلا المعنى الظاهر . فالصوفيون أدخلوا ألفاظاً ومصطلحات لم يعرفها سواهم إلا ما ندر من أهل زمانهم على مرّ العصور ، إذ ليس في مستطاع أهل المعرفة إيصال شعورهم ومذاقاتهم إلى غيرهم ، وهذه المصطلحات الخاصة بالتصوف أو ذات الخصوصية بالقوم هؤلاء ، إنما قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم .. وعلى طريقتهم لتكون مستغلقه عمّن سواهم غيرة منهم لأسرارهم أن تشيع في غير أهلها وما غاب عن شعراء التصوف أن يشيروا إلى أهمية الرمز في أشعارهم ، حيث قال الـشبلي :علم التصوف علم لا نفاد لـه علـم سنـي سماوي ربـوبي فيه الفوائد للأرباب يـعرفـها أهل الجزالة والعلم الخصوصي وقال آخر موحياً للرمز والإشارة في النهج الصوفي :إذا أهل العبـارة ساءلـونا أجبـناهم بإعـلام الإشـارهنشير بها فنجعلـها غموضاً تقصـر عنه ترجمة العبارهولا يغرب عن البال أن ننوه عن الرمز الصوفي والحالة هذه ليس غاية فنية ، وإنما هو وسيلة تعبيرية إذ يختلف عن الطريقة الرمزية الشعرية التي تنشد المسويقية ولا تحفل بالفكرة والمظهر فضلاً عن اعتبارات أخرى نجمت عن تقلبات الأحوال النفسية وما يرافقها من مواجيد ومذاقات صفائية خاصة تقصر المادة اللفظية عن تصويرها بشكل دقيق وواضح ، فيعمد الصوفي إلى الرمز والإشارة التي أتينا على ذكرها كيما يعبر عن فيضه الباطني أو ما يعتور داخله من تقلبات وأحوال لذا نجده يبدع لنفسه مصطلحات خاصة وأبجديات لا يدركها إلا من عاش تلك الحالات الصوفةي التي يعتبرها بعضهم بأنها نوع من الشطحات ؛ يقول أحدهم :ذكرنا وما كنا لـننسى فـنذكر ولكـن نسيـم القرب يبدو فيبهر فأفنى بـه عني وأبـقى به له إذ الحـق عنـه مخـبر ومعبر.. هذه المقطوعة المكثفة من بيتين اثنين ، تعطينا صورة عن الطريقة التي اتبعها شعراء التصوف في إبداعهم الشعري ، ... فهي من الناحية الفنية مجردة من الجمال الذي ينشده الفنان من قرضه للشعر ، وهي أقرب إلى الوزن النظري المقروء والمنظوم منها إلى المبدعات الفنية ذات الجمالية التصويرية والتعبيرية ، ذلك أن الشاعر الصوفي لا يعنى بالشكل بل بالصفة ولا يتقيد بالمظهر بل بالمعنى المراد ، المهم أن يكتب أبياتاً مشحونة بصلة القربى بينه وبين المتلقي ، لينقل ما يعتوره من أفكار داخل الوجدان كما فعل السهروردي :لمعت نارهم وقد عسـعس الليل وملّ الحادي وحار الدليل فتأملتها وفكري من البيـن علـيل ، ولحظ الغرام الدخيلُوفؤادي ذاك الفؤاد المعنّى وغـرامي ذاك الغرام الدخيلُثم مالوا إلى الملام فقالوا : خُلَّبٌ مـا رأيـت أم تـخييلُإن الشاعر الصوفي حسب معرفتي به هو إنسان مرهف جداً ، يستمد عناصر وحيه وإلهامه من عالمه الذاتي ، عالم المثاليات اللامتناهية والإحساس العميق بالجمال في أسمى معانيه وما هذهه الآثار الفنية ـ على ضآلتها ـ غير تعبير عن الجمال الذي يتأثر به الإنسان .. والجمال عند الصوفي هو جمال معنوي ، وذلك لأن الصوفي ينشد الجمال في المثل الأعلى أما الواقع فلا قيمة له في نظره ، لا بل إن هذا الواقع المرير هو الذي حدا به إلى تصور حياة غير التي يعايشها ..وقاده إلى تصور حياة أوفر نعمة وأكثر سعادة من حياة الآخرين فوق هذه الأرض، فعمد إلى تحقيق التطور اللانهائي للوجود .ونحن نعيش الحب الصوفي بتصوره أكثر من واقعه ، لأن الحب في الحقيقة هو وليد التصورات المجنحة ، وهو بفضل هذه الأحلام يستمر ويحيا ، ولكل قلب أسراره .. كما يقولون ، ولذا لا ينضب معينه ، فالحب الصوفي دائم الينبوع ، ننهل منه باستمرار ليل نهار إحتفاءً بموكب الحياة الزاخر المتدفق بالعطاء ، الفياض بالألوان ، الحافل بشتى الأحاسيس الإيجابية والنجاوى الهامسة ، والحوافز الخفية نحو ثالوث الحق والخير والجمال ينهل من الوجدان لذلك أبدع الغزل الصوفي فأمتع فأضغى على الأيام روحانية السماء ، كما فعلت رابعة إذ جعلت من الحب غاية مثالية لا ينشد لرغبة أو لرهبة بل للحب ذاته بما فيه من نقاء وصفاء .. وإدراك للحقيقة التي تفضي إلى الفناء والمطلق في الذات الإلهية والوحدة المطلقة التي ذهب إليها الحلاج :أنا من أهوى ومن أهوى أنا نـحن روحان حللنا بـدنافإذا أبـصرتـني أبصـرته وإذا أبـصـرته أبصـرتنا هكذا الشعر الروحي يحلّق في أعلى مراتب الكمال ، يقرب من ذي الجلال ويباعد عن الضلال ، ويؤنس الوحيد ، ويسامر العاشق ويحيوا المحب بالعطف والتأييد من الإله الواحد المجيد .الحب الصوفي وحي يوحيه المولى سبحانه لعباده الذين أراد إسعادهم وقضى في الأزل إكرامهم لأنه موهبة توهب ، فتأتي السعادة وتحظى بالحسنى وزيادة .. فيتراءى للمتصوفين رؤى خاصة بهم .. يرونها رأي العين ، وقد يمسك بعضهم عن الإفصاح بها لأسباب عديدة كما يقول ابن الفارض في بوحه هذا البيت المفرد:يا رُبّ جوهر علم لو أبوح به لقـيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ومن مرائيه الخاصة مث لقوله :آنست في الحي نارا ليلاً فبشرت أهليقلت امكثوا فلعلي أجد هواي لعلينوديت منها كفاحاً ردوا ليالي وصليصارت جبالي دكاً من هيبة المتجليوصرت موسى زماني مذ صار بعضي كليفهو قد رأى نارً مقدسة .. وتوقع أن يجد عليها هدى ورمزاً للضياء .. فسمع من خلالها نداء الحق تعالى ، واعتراه ما اعتراه من هيبته وجلاله .. .. فهو لا ريب كشف له الحجاب فظهر ما غاب وانكشف له كون جديد لا سبيل أن يخطر إلى وعينا شيء منه ، أو من بعض ظلاله فمهما قلنا عن انفعاله أو تفاعله بما وراء ما نحياه .. فهو صادق ما دام عرف عنه كذلك ، لأنه لم يبتدع موضوع كشف الغطاء وإدراك ما لم يكن مدرك .. فهو ونظراؤه يقطعون سبيل الجدل لأنهم يعبرون ـ كما أشرت غير مرة ـ عن حالة ذوقية وجدانية عايشوها بحبات قلوبهم وإشاراقاتهم وترنيماتهم ومرائيهم فانعكست أنواراً ، وانبجست أسراراً .ويبقى ـ في نظري ـ ابن الفارض أمير الشعر الصوفي ، ولم لا وهو يهدر دائماً وما زلت مذ نيطت علي تمائمي أبـايع سلـطان الهوى وأبايع وإني مذ شاهدت فيّ جمــاله بلـوعة أشـواق المحبة والع أُراني بوادي الحب أرعى جماله ألا في سبيل الحب ما أنا صانع صبرت على أهواله صبر شاكر وما أنا في شيء سوى البعد جازع كل أشعاره هكذا مرشحة بمفردات الحب والجمال والغزل والهيمان .على أيديه اشتهر شعر التصوف وقد كون تياراً فريداً في الشعر الإلهي ..وكما أسس مدرسة من مريديه عملت تحولاً في دنيا الأدب الصوفي حيث تأسست هذه المدرسة وتكونت باجتماعها ثلاثة عناصر متآلفة متعاونة وهي :.. الأول : عاطفي ؛ والذي تحوّل معه الحب العذري النزيه إلى قيمة وإلى مثل أعلى ... الثاني : فكري : وكأنه مستقى من حكماء اليونان وفلاسفة الرومان ... الثالث : أخلاقي : وهو الذروة عندهم فبلغ الثراء بالوصايا والحكم والمعاني العالية بحيث أضحى أغنى تراث أخلاقي وتربوي في حضارتنا حتى الغزالي المفكر والعالم والحجة تدفقت قريحته بالشعر الصوفي كقوله :ما بال نفسي تطيل شكواها إلى الورى ، وهي ترتجي اللهلو أنها من مليكها اقتربت وأخلصت ودّها لأدناهاأفقرها للورى ولو لجأ إليه من دونهم لأغناهاومن السودان يطل علينا عبد المحمود نور الدايم بديوان رائع أسماه شراب الكاس يقول في مطلعه هائيته العملاقة نقتطف من جرعاتها :افتح لباب كريم أنت راجيه بماله وهو يرضى من مراضيه واستغفر الله من أحوال نفسك مع دمع على الخد بالأحزان تجريه وناجه في ظلام الليل منكــسراً ذليل نفــس خشوعاً إذ تناجيه والله حاكم والغـفران شــاهده ما يريده تعــالى فيك يمضيه والستر مكشوف والأهوال ظاهرة والذنب يغفره بالحــب يبديه إن رمت وصـلاً في الحيـاة به تفنى عن الكون قاصيه ودانيهفقيّد النفس عن إطلاقــها أدبـاً وارمق بعينك حسناً فهو حاويه لا تشغل القلب إلا بالـجمال ولا تهوى سـواه بحـال أو بتنويه ما لذّلي غيره حتى أمـــيل له إذ حبه في الحشا شوقاً لأطويه ما لذّلي غيره حتى أمـيل لـه إذ حبه في الحشا شوقاً لأطويه إن للخطاب الصوفي في طروحاته الشعرية تفاصيله الممتنعة عن الاستقصاء ، مما يقتضي بعد التأمل مع رصيد الصفاء لتلقي موجّهاته ، والجلوس في مواقعه وحتى نتجنب التورّط في قضاياه ونظرياته العليا ومساربه الروحية وما فيه من أهوال ونحن نستطلعها ؛ علينا بالمواجهة والملامسة المبتهجة كي نحصل على الانتساب المعرفي ، والاندماج الذوقي والتربّص في المسالك التي يحفرها في القلب انتشاء ، حينها ننسجم بل ونتنبه لعمق المعطى الصوفي لا سيما في شعرهم الفلسفي وكشوفاتهم الرقيقة والعميقة معاً ناهيك على مقدرة اللفظ على استيعاب المعنى وتوجهاته وتقاطعاته بما فيها من مفاهيم وتطلعات نحو ما هو أرفع وأسمى ما في هذه الحياة لنكوّن فكرة وإلمامة في المشهد الثقافي المعاصر ..وهنا لا بد لنا من وقفة في المغرب العربي ، لأن الحرف واحد ، والموقف واحد والشعر واحد وكذلك التصوف .. لا سيما أن العلاقة وطيدة بين الشعر والتصوف والتجربة بينهما متشابهة إن لم تكن متماثلة خصوصاًَ رمزية اللغة وإشارة الدلالة ، وتجربة السفر الروحي من الكائن إلى المكوّن عبر هذا الكون الواسع من خلال عملية الكشف عن معنى الروح الواحدة بين كينونة الإنسان ومحيطها الكوني ، فضلاً عن استدعاء الشخصيات الصوفية من كبار الأولياء وأهل العرفان في القصيدة التي دبّجها الشاعر لتجربته الشعورية ، وحاورها ، وتحدث معها ، وعنها، واتخذ منها قناعاً ونسج من وحي حضورها مساقاً لمجاهداته وفيوضاته التي تتجلى عبر المعاني الرقيقة للحكمة الصوفية واشتياقها للملأ الأعلى ، متجاوزاً الظاهر الكوني ، محلّقاً في الغيب ، ومنصتاً إلى كل إيقاع خفي متستّر بين حنايا الطبيعة التي تخجب حكاياها في ثنايا الأسرار البعيدة .إنها مسألة الهروب إلى الذات ، والوقوع في هواجسها من خلال اكتشاف إبداعي لدورة شعرية جديدة ، لها منطلقها المتمثل في امتزاج تجربة الشعر الخلاقة في الحالة الصوفية ، لتصاغ بقالب تعبير فني متميّ. حيث تتوطد العلاقة العضوية بين النص الشعري والذات الشاعرة الناطقة في ذلك الإنجاز بلغتها الخاصة بل الفريدة، وبدرجات توتّرها الشعوري والوجداني والورحي ، مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة التواصل والتعاضد بين الكلمة الخضراء الندية بالمرجعية الصوفية ، والتآخي مع الشعر تكويناً وتركيباً ولغة وإيقاعاً وصورة وخيالاً ، مما يؤكد ثنائية الشعر والتصوف في حديقة الأدب العربي بما فيها من أطياف وأزاهير ..وإذا تأملنا الذات في أعماق الشاعر المغربي فريد الأنصاري لوجدناها متحولة إلى لهيب وجمار إذ ان تجربته الشعرية ثمة احتراق يلتهم الجوانح والشاعر هو زيتها ووقودها :أوقدْ مصابيح القصيدة واحترق فالنور من لهب الجوانح يولد زيتونة القرآن أشرق طلعـها من زيتها حرف الهداية يوقد وهذا اللون المضيء .. هو قلادة للشعر الصوفي في جيد الأدب الروحي يدفعنا إلى نبعه ليرد من صفاء عيونه ، ويشتد أوار العطش فلا نجد له رواء إلا في عيون الشعر الصوفي الخالد على مدى التاريخ مروراً بعمر الخيام في رباعياته وجلال الدين الرومي في المثنوي والشيرازي من أدباء فارس ، وكذلك قصائد الابتهال والأذكار والتوجيه وأشعار المديح النبوي .. مما تمثله المعاني الرؤيوية التي انتقلت من التصوف إلى الشعر ، إذ الشاعر كالصوفي ، كل منهما يرى في لحظات انفصاله عن عالم الحس وانتقاله إلى الواردات والخواطر النورانية ، مما يمثل مرحلة تسبق الوجود اللغوي للقصيدة ..ولسان حال المبدع المتصوف يردد ، وعيونه تصافح الغيوم :إن قلبي يراك في كل شيء فهـو يهفو للطير في نغماته وقول الشاعر محمد الحلوي يترجم قصة آدم بخياله وهو يسبح في العالم العُلوي الفردوسي :في جـنان لو رآها آدمٌ ما عصى خالقه أو أذنبالو رأى إبليس في أحلامه بــابها أقبل يعدو تائباوفي قصيدة مشاهدات ذوقية لعبد الكريم ثابت ـ من المغرب أيضاً ـ تنطلق روح الشاعر هائمة مخترقة مظاهر الوجود ، باحثة عن سر الحياة ومعاني الفناء والخلود ، منطلقة تحوم إلى ما وراء الحجب محاولة الكشف عن غوامض الاستتار:وبات خيالي وراء الوهاد يطوف ليكشف هذا الوجود وسر الحياة ومعنى الجماد ومعنى الفناء وسر الخلود وهكذا فإن المهوم الصوفي للشعر ينقل ـ كما رأيت ـ علاقة الشاعر بقصيدته من مجرد صناعة شعرية بمقتضياتها الوصفية والبيانية إلى البحث عن الحقيقة الشعرية التي تصير هدف الذات الشاعرة المدركة لكل مكابداتها ، ومعاناتها ، وكنه تجلياتها ، وهي تنشد بصورة ما ، إذكاء التوتر الوجداني في أثناء وثبة المفهوم وانتقال المقصود إلى حيّ. العبارة الشعرية والمشاهدات القلبية " مهما اتسعت الرؤية وضاقت العبارة " وتفتحت آفاق التحليق والخيال وتنوعت ملامج الإشارة وإيحاءات الرموز ، وانبجست من الحالة الذوقية روعة الوصف ودقة البيان ، ولو أنهما عن تصوير تلك المواجيد والأحوال والتجليات لايغنياشعر الحب الصوفيوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته





-





jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
Montrer les messages depuis:   
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> la voie qadiriya boudchichiya >>> le maitre pôle des pôles - sidihamza Toutes les heures sont au format GMT + 1 Heure
Page 1 sur 1

 
Sauter vers:  

Index | creer un forum | Forum gratuit d’entraide | Annuaire des forums gratuits | Signaler une violation | Conditions générales d'utilisation
Powered by phpBB © 2001, 2005 phpBB Group
Traduction par : phpBB-fr.com
Thème réalisé par SGo