tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum tariqa qadiriya boudchichiya.ch
sidihamza.sidijamal.sidimounir-ch
 
 FAQFAQ   RechercherRechercher   MembresMembres   GroupesGroupes   S’enregistrerS’enregistrer 
 ProfilProfil   Se connecter pour vérifier ses messages privésSe connecter pour vérifier ses messages privés   ConnexionConnexion 

هدية ثمينة جداً

 
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية حية قادرية النسب تيجانية المشربCatégorie >>> منتدى الفقراء البوتشيشيين اللدين مشاربهم من حب ال البيت (ص)Sous forum
Sujet précédent :: Sujet suivant  
Auteur Message
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Sam 5 Déc - 04:01 (2009)    Sujet du message: هدية ثمينة جداً Répondre en citant

                                     
  

                                                    
                                 
                  



                                         
 



Citation:


بسم الله الرحمن الرحيم     

اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن عدوهم     

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته     

 
  


نسألكم الدعاء    
  
  

 
http://www.amal-movement.com/ahlolbeit/index.html  
 
 

 إستخدم الماوس للفتح وقراءة المعلومات عن آل البيت الأطهار    
  
 
في ارض الحجاز عاشت قبيلة قريش ، أبرز القبائل العربية ، " قصيّ بن كلاب " هو الجدّ الرابع لسيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ، وله ولاية البيت العتيق .  
وقبيلة قريش بيوت متعددة أبرزنا بنو هاشم ، وهاشم رجل شريف سخيّ يتمتّع باحترام أهل مكّة .  
كان يصنع للحجاج طعاماً على سبيل الضيافة ، و قد سُمِّيَ هاشماً ، لأنّه هشم الثريد لقومه بمكة ، بعد ما أصابهم القحط . و إليه تعود تجارة قريش في الشتاء والصيف ، ومن أجل هذا دعاه الناس "سيّداً " وما يزال الذين ينتسبون إلى هاشم يُدعون بالسادة .  
بعد هاشم جاء ابنه المطلب ، وأعقبه عبد المطلب لزعامة قريش .  
كان عبد المطلب رجلاً مهاباً ، يحترمه الناس ، وفي زمانه هجم أبرهة الحبشي على مكة لتحطيم الكعبة ، ولكن الله ردّ كيده إلى نحره ، وارتفع شأن عبد المطّلب بين القبائل.  
كان لعبد المطلب أولاد كثيرون ، ولكن عبد الله كان أفضل أولاده وأعزّهم لديه ، كان في الرابعة والعشرين من عمره عندما اقترن بـ " آمنة بنت وهب " ، وكان ثمرة هذا الزواج المبارك أن وُلِدَ سيِّدُنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) بعد شهرين من عام الفيل .  
توفي أبوه وهو في بطن أمه ، ثم ماتت أمه وهو ما يزال صبياً فتكفّله جدُّه " عبد المطلّب " ، وهكذا نشأ يتيماً.  
عاش محمد في مكة ، في كنف جده العظيم ، وعانى الكثير من مرارة اليُتْم .  
ولمّا أصبح شابّاً عرف أهل مكة فضلَه وأمانته ، واشتهر بلقب الصادق الأمين ، فكانوا يُودِعون أموالهم لديه .  
كان يحبّ الفقراء والمساكين . . . يدافع عنهم ، ويتناول الطعام معهم ، يصغي لهمومهم ، ويسعى في حلّ مشاكلهم .  
وعندما أسّس شبابُ مكّة حلفَ " الفضول " للدّفاع عن المظلومين والانتصاف من الظالمين ، سارع " محمد " فانضمّ إليه ، لأنه ينسجم مع أهدافه وأخلاقه .  
اشترك في إحدى قوافل " خديجة " التجارية بطلب من عمّه " أبي طالب " وتزعّم قيادة القافلة .  
وعندما لمسَتْ خديجةُ – عن قربٍ _ أمانته وصدقه وحسن سيرته عرضتْ عليه الزواج فوافق على ذلك ، وكانت خديجة امرأة فاضلة ثريّة .  
وكانت ثمرة زواجهما بنتاً هي " فاطمة " ( عليها السلام ) سيدة النساء ، ومنها كان نسلُ الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) .  
الحجر الأسود :  
مضت عشرة أعوام على حياة " محمد مع خديجة ، و صادف أن اجتاحت السيولُ مكة ، ولحقتْ بالكعبة أضرارٌ كبيرة .  
عزمتْ قريش على إعادة بناء البيت الحرام ، فاقتسمتْ طوائفُ قريش العمل ، وعندما اكتمل البناء ، وأرادوا وضْع " الحجر الأسود" في مكانه اختلفوا فيمن يقوم بذلك العمل ، وأرادت كلُّ طائفة منهم أن تنهض بهذا الشرف ، وكاد الأمر أن يصل إلى القتال والحرب ، فتدخّل سيدُنا محمد بتلك الفكرة التي تفتّق عنها ذهنُه الصافي ، حيث نزع رداءه و وضع " الحجر الأسود فيه ، فأخذت كلُّ طائفة طرفاً من الرداء ، وحملت الحجر الأسود ، فأعاده النبي إلى مكانه .  
الوحي :  
عندما بلغ سيدُنا محمدٌ الأربعين من عمره هبط عليه جبريلُ وبشَّره برسالة السماء.  
كان يتعبّد كعادته في غار حرّاء . . يتفكّر في خلْق السماوات والأرض وخلْق الناس .  
وفي تلك اللحظة هبط عليه جبريلُ وناداه بكلمات الله :  
إقرأ . . . إقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلَق الإنسانَ من علَق ، إقرأ وربك الأكرم ، الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم .  
وهبط رسول الله من الجبل 1 يحمل رسالة السماء إلى العالمين .  
كانت دعوة الرسول في بدايتها سرّية ، وكان الذين يؤمنون به يخفون إيمانهم وإسلامهم .  
وخديجة كانت أوّلَ من آمن به وصدّقه ثم علي ( عليه السلام ) .  
مرّت ثلاثةُ أعوام انتشر فيها الإسلام بين فقراء مكّة ، وجاء أمرُ الله بإعلان الدعوة إلى الناس كافّة .  
ليس من السهل إعلان التوحيد في مدينة تغصّ بالأصنام و الأوثان وبين قبائل تقدّس الحجارة وتعبدها على مرّ السنين والأعوام .  
وصدَع رسولُ الله بالأمر ، وهتف في مكّة : لا الله إلا الله وأنا رسول الله .  
وبعد هذا الإعلان العام بدأت المصاعب ، وبدأ مشركو قريش حرْبهم للدين الجديد .  
في البدء فكّروا أن يرْشوا " محمداً " بالأموال وبالزعامة والجاه ، وعندما أخفقوا في ذلك راحوا يصبّون العذاب على ضعفاء المسلمين . صادروا أموالهم ، ونهبوا منازلهم ، وسخروا منهم ، ولكن كل ذلك لم يمنع من انتشار دعوة الله .  
واصَل المشركون عُدوانهم على المسلمين وفكّروا في إخراج الرسول و مَن ناصره من مكّة ، فحاصروهم في " شِعْبِ أبي طالب " حتى مات بعضُهم من الجوع .  
ولم يكتفِ المشركون بذلك ، بل كانوا يراقبون " الوادي " مراقبةً دقيقة لمنْعهم من البيع والشراء وتهيئة الطعام ، وكان الذين يتعاطفون معهم يخافون أن يحملوا إليهم حتى الماء ، وكانوا ينتظرون حلول الظلام لكي يتسلّلوا خُفية ويُوصِلوا إليهم شيئاً من الطعام والشراب .  
وفشِل الحصارُ ، وأخفق المشركون في القضاء على الدين الإسلامي .  
وقف المشركون عاجزين أمام صلابة المسلمين وإيمانهم ، فتآمروا على قتْل الرسول ، والقضاء عليه .  
الهجرة :  
هبط الوحي على رسول الله وأخبره بتآمر المشركين وخطّتهم ، فعرض النبيُّ على ابن عمه " علي " ( عليه السلام ) المبيت في فراشه ، فيما انسلّ رسول الله في الظلام مهاجراً من مكّة إلى " يثرب ".  
اجتمع المتآمرون وحاصروا منزل النبي ينتظرون الفرصة المناسبة لاقتحام الدار وقتل الرسول ، وشعروا بالدهشة وهم يرَون " علياً " في فراشه ، وغادروا المنزل لاقتفاء أثر النبي ، وراحوا يبحثون عن المهاجر في الطرق والمفازات ولكن دون جدوى ، فعادوا إلى مكة خائبين .  
بعد تسعة أيام قضاها الرسول في الطريق وصل مكاناً قرب " المدينة " يدعى "قُبا" فتوقّف فيه وبنى هناك أول مسجد في الإسلام .  
بدأ المسلمون في بناء المسجد بحماس ، وكان الرسول يعمل معهم ، وما أسرع أن اكتمل البناء ، وصلّى الرسول فيه أول صلاة للجمعة ، ومكث فيهم مدّة يعلّمهم الكتاب والحكمة .  
كان الرسول ينتظر قدومّ ابن عمه علي الذي خلّفه في مكة لأداء الأمانات إلى أهلها ، حتى جاء علي ومعه نساء من بني هاشم .  
دخل الرسول " يثرب " ، وأصبح اسمها مدينة الرسول أو المدينة المنوَّرة .  
كان علي قد أمضى ثلاثة أيام في مكة ، وأدّى الأمانات إلى أصحابها ، ثم التحق بالنبي في قُبا .  
استقبل أهل المدينة الرسولَ ومن معه من المهاجرين استقبالاً كبيراً ، وعمّت الفرحة ، وكان كلُّ واحد من المسلمين يدعو الرسول للحلول في داره واستضافته ، و كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : دعوا الناقة فإنّها مأمورة .  
ومضت الناقة في طريقها حتى إذا وصلت أمام دار " أبي أيوب الأنصاري " وقفتْ وبركتْ ، فحلّ النبي في دار الصحابي " أبي أيوب " .  
وكان أوّل شيء فعله نبينا ( صلى الله عليه وآله ) هو تأسيسه المسجد ليكون قاعدة كبرى لنشر رسالة الإسلام .  
وعندما حلّ النبي في المدينة انتهت العداوة والبغضاء والحروب بين الأوس والخزرج ، والتي امتدت اكثر من مئة وعشرين سنة ، وكان اليهود يزيدون أوارها ، وحلّ مكانَها الإخاءُ والوئام .  
ولكي يُذيب الرسولُ الحواجز بين " المهاجرين " القادمين من مكّة وبين "الأنصار" من سكان المدينة ، فقد آخى بينهم ، وأصبح لكلِّ مهاجر أخٌ من الأنصار ، ولكلّ أنصاري أخٌ من المهاجرين ، كما شجع النبيُ المهاجرين على العمل والسعي لكي لا يبقوا عبئاً على إخوانهم من الأنصار .  
كان اليهود ينظرون بحقد إلى الإخاء الذي ساد بين المهاجرين والأنصار ، وبين الأنصار أنفسهم ، وكانوا يحاولون – دائماً – ضرب هذا الإتحاد وبثّ روحَ التفرقة بينهم ، وكان سيدُنا محمّدٌ ( صلى الله عليه وآله ) يخمد نار الفتنة كلما حاول اليهود إشعالها .  
تغيير القبلة :  
عندما كان رسول الله في مكة كان يتّجه في عبادته وصلاته إلى المسجد الأقصى في مدينة القدس مدّة ثلاثة عشرة سنة ، وعندما هاجر إلى المدينة استمر على هذا سبعة عشر شهراً ، وكان اليهود – أيضاً – يتّجهون في صلاتهم إلى المسجد الأقصى ، ويسخرون من المسلمين ويقولون لهم : لو لم نكن على الحق لما اتبعتم قبلتنا .  
وذات يوم هبط الوحي يأمر رسول الله أن يتّجه المسلمون في صلاتهم إلى الكعبة المسجد الحرام .  
وقد ساء هذا الخبر اليهود وقالوا ما حوّلهم عن قبلتهم ؟ غافلين عن أن هذا امتحان واختبار للمسلمين .  
حروب النبي :  
  1. معركة بدر   
  2. تحالف رسولُ الله مع القبائل القريبة لحماية المدينة من الغارات والغدر ، ولما كانت قريش قد صادرت أموال المسلمين في مكة فقد فكر النبي في استعادتها منهم ، فتعرض إلى قوافلهم التجارية ، وقد كان رسولُ الله يهدف من وراء ذلك زعزعة هيبة قريش بين القبائل إضافة إلى استعادة ما نهبوه من أموال المسلمين في مكّة .  
    وهكذا حدث أول صدام مسلّح بين المسلمين والمشركين قُرْب آبار بدر ، فسُمَّيَتْ بذلك معركة بدر ، حيث انتصر المسلمون انتصاراً ساحقاً وارتفع شأنهم في الجزيرة العربية.  
    1. معركة اُحد :   
    شعرتْ قريش بالغضب بسبب هزيمتها في بدر أمام المسلمين ، وراح " أبو سفيان" يعدّ العدّة للثأر ، حتى أنه منع النساء من البكاء على قتلاهم في بدر لكي يبقي على نار الحقد متأجِّجة في النفوس .  
    وكان اليهود الذين أقلقهم انتصار المسلمين ، يُحرِّضون قريشاً على الثأر ، فقد أرسلوا " كعب بن الأشرف " إلى مكة ليُردِّدَ أشعاراً تحرِّض المشركين على الثأر و الإنتقام.  
    وعقدت قريش اجتماعاً في " دار الندوة " للتداول في ذلك ، واستقرّ رأيهم على غزو المدينة للثأر ، ورصدوا أموالاً طائلة لجيشهم بلغت أكثر من خمسين ألف دينار ، ولم ينسوا أن يطلبوا النجدة من حلفائهم من القبائل المحيطة بمكة .  
    التحرك : بلغت قوّات المشركين ثلاثة آلاف مقاتل . . . كانت تطوي الصحراء في طريقها إلى المدينة المنوَّرة .  
    كان العباس بن عبد المطلب مؤمناً برسول الله ، ولكنه كان يُخفي إيمانه ، فكتب رسالة إلى النبي يُخبره فيها بتحرّك جيش المشركين .  
    تولى أبو سفيان قيادة الحملة ، فيما كان " خالد بن الوليد " قائداً للفرسان .  
    عقد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) اجتماعاً طارئاً في مسجد المدينة للتشاور مع المسلمين حول مواجهة الخطر القادم ، وبعد مداولات طويلة استقرّ الرأي على تجهيز جيشٍ كبير ومغادرة المدينة .  
    وفي صباح يوم السبت السابع من شهر شوّال من العام الثالث الهجري تحرك جيش المسلمين باتجاه جبل أُحد .  
    أمر رسول الله " عبدَ الله بن جُبَير " وخمسين من الرماة بالمرابطة فوق سُفوح "أُحد" وحماية مؤخَّرة الجيش الإسلامي ، وحذَّرهم من مغادرة أماكنهم ، سواء انتصر المسلمون أو هُزموا .  
    وهكذا التقى الجيشان . . جيش التوحيد وجيش الشرك ، وخاض المسلمون قتالاً ضارياُ ، ولاح النصر في جبهتهم ودبّت الهزيمة في جيش المشركين .  
    كان الرماة يراقبون سير المعارك ، وعندما شاهدوا إخوانهم يطاردون فلول المشركين غادروا أماكنهم لجمع الغنائم ، متناسين أوامر الرسول بعدم مغادرة مواقعهم في كل الظروف . وهنا تغير سير المعركة ، فقد انتهز خالد بن الوليد الفرصة واندفع مع قوّاته في حركة التفاف سريعة مهاجماً مؤخرة الجيش الإسلامي .  
    دبّت الفوضى في جيش النبي ، وراح بعضهم يقتل بعضاً ، فيما فرّ الكثير منهم في الصحراء ، ولكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثبت في مكانه يقاتل ، وحوله جمعٌ من المسلمين ، في طليعتهم " علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ".  
    قدّم المسلمون في هذه المعركة سبعين شهيداً ومع هذا فقد جمع النبي – وقد انسحب إلى الجبل – قوّاته ، وبدأ حملة مطاردة لجيش المشركين الذين أسرعوا في العودة إلى مكّة ، فعاد رسول الله إلى المدينة ، وقد تعلّم المسلمون درساً في الطاعة لن ينسوه .  
    1. معركة الأحزاب :   
    تمكن اليهود الذين أُخرجوا من المدينة بسبب غدرهم وعُدوانهم من تشجيع قريش وتحريض القبائل على محمّد ورسالته ، و وعدوهم بمساعدات ضخمة .  
    وهكذا تشكّلت جبهة عريضة ضد الإسلام جمعت تحت رايتها كثيراً من القبائل والمنافقين واليهود .  
  3. وفي شوّال من العام الخامس للهجرة زحفتْ جيوشُ الأحزاب بقيادة " أبي سفيان" ، وقد بلغت عشرة آلاف مقاتل .  
    وصلت الأنباء مدينة الرسول حمَلها فرسان من خزاعة ، فأعلن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حالة الاستنفار ، وتبادل المسلمون الرأي في الدفاع عن دينهم ومدينتهم ، وحظي اقتراح " سلمان " بإجماع المسلمين ، وبوشر بحفر خندق كبير لحماية المدينة من العدوان .  
    ثلاثة آلاف مسلم كانوا يعملون ليلَ نهار منهكمين في حفر خندق بلغ طوله اثني عشر ألف متر ، بعمق خمسة أمتار ، وبعرض ستة أمتار تقريباً ، وقد جهز الخندق بمنافذ للعبور و وُضعت خلف الخندق متاريس ومواضع للرماة .  
    فوجئت الجيوش الزاحفة بخطّ لا يمكن اقتحامه ، فعسكر المشركون للحصار .  
    أراد أبو سفيان حسْمَ الموقف ، وإنهاء حالة الانتظار ، فبعث " حيَّ بن أخطب " زعيمَ يهود " بني النضير " ليتحدث مع " كعب بن أسد " زعيم يهود " بني قريظة " في مهاجمة المسلمين من داخل المدينة ، وفتْح الطريق أمام جيوش الأحزاب .  
    كان رسولُ الله يُدرك طبيعة الغدْر في اليهود ، فرصد خمسمئة مسلّح للقيام بدوريات في المدينة ومراقبة تحركات " بني قريظة " وهكذا أمّن الرسولُ المدينةَ من الداخل ، أمّا في الجانب الآخر من الخندق فقد بقيتْ قوّاتُ المشركين عاجزةً عن القيام بأي عمل مسلّح ما عدا مناوشات بالنبال .  
    كانت الأوضاع تزداد تأزُّماً حيث تمكّن خمسة من أبطال المشركين بقيادة " عمرو بن عبد ودّ " من اقتحام الخندق وتحدّي المسلمين .  
    راح " ابن عبد ود " يسخر من المسلمين ، فنهض له عليُّ بن أبي طالب وخاض معه معركة ضارية سقط " عمرو بن عبد ود " على أثرها صريعاً ، وفرّ رفاقه ، فسقط أحدهم في الخندق أثناء العبور ، فنزل إليه عليُّ وقتَله ، فيما لاذَ الباقون بالفرار .  
    وكان لضربة عليٍّ وموقفه الباسل الأثرَ الكبير في تصاعد الروح المعنوية لدى المسلمين ، وبثّ روح الذعر في قلوب المشركين . . . حتى أنّ رسولَ الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : ضربة علي يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين سبعين سنة .  
    حاول " خالد بن الوليد " تدارك الخسارة وتدنّي معنويات الأحزاب ، فقام بعمليات استعراضية حاول فيها اقتحام الخندق ، فتصدى له المسلمون وأجبروهم على الفرار.  
    وأثناء الحصار أسلم " نعيم بن مسعود " وكان رجلاً معروفاً بالذكاء ، فطلب منه الرسول أن يكتم إسلامه ويحاول تخذيل المشركين وبثّ الفرقة بينهم وبين اليهود ، فنجح في مهمّته ، كما تسلل شخص من المسلمين هو " حذيفة " أثناء الظلام في صفوف المشركين ، وتمكن من حضور اخطر اجتماعاتهم ، فراح يشنّ عليهم حرباً نفسيّة أشعرتهم بالهلع .  
    وهبّت عواصف عاتية ، وكان الهواء شديد البرودة ، فسيطرت روح اليأس ، وساد الاختلاف بين الجنود بعد حصار بلا طائل .  
    قرّر أبو سفيان الاستفادة من الظلام ، والانسحاب على عجَل ، قبل أن تحدث تطوّرات غير محمودة العواقب .  
    وأشرقت الشمس وخرج المسلمون إلى مواقعهم ، وكم كانت فرحتهم كبيرة وهم ينظرون إلى الجانب الآخر من الخندق ولا أثر للمعتدين .  
    وعندما اطمأنّ الرسول إلى انسحاب المشركين ، أصدر أمره إلى المسلمين بترك مواقعهم والعودة إلى ديارهم .  
    بني قريظة :  
  4. لم يلتزم يهود بني قريظة بعهودهم بعدما أرادوا الغدر ، فقرّر النبي تأديبهم ، فحاصر حصونهم وقِلاعهم مدّة خمسة وعشرين يوماً ، اضطرّوا بعدها للاستسلام .  
    عندما شعر اليهود أن طريقهم الوحيد للنجاة هو الاستسلام ، طلبوا من المسلمين مغادرة المدينة ، ولكن النبي رفض ذلك ، وأصّر على الاستسلام دون قيد أو شرط .  
    لقد كان اليهود وراء كل الدسائس والمؤامرات ، ولم ينس المسلمون غدر " بني قينقاع " و " بني النضير " .  
    وأخيراً طلب اليهود النزول على حكم " سعد بن معاذ " فقد يتعاطف معهم ، ولكن سعداً حكم فيهم بما أنزل الله ، وانتهت لذلك مؤامرات اليهود في المدينة .  
    صلح الحديبية :  
    عزّزت الانتصارات المتلاحقة من موقع المسلمين في الجزيرة العربية وزادت هيبتهم بين القبائل ، وشعرت قريش بالفزع .  
    وفي شهر ذي القعدة من العام السابع الهجري عزم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على حج بيت الله الحرام ومعه ألف وأربعمئة من المسلمين ، فقصد مكّة حيث أحرم في مكان يدعى " ذو الحليفة ".  
    وكان لهذه الخطوة مكاسبها السياسية إضافة إلى فوائدها الروحية والمعنوية ، فقد أظهرت المسلمين كأمّة جديدة تتمتع بكيان خاص بين القبائل في جزيرة العرب .  
    وعندما وصلت الأنباء مكة أقسم أهلها بالأصنام أن يمنعوا دخول محمد وأصحابه إلى مدينتهم ، بينما تحرّك خالد بن الوليد في مقدّمة مئتي فارس لاعتراض النبي وأصحابه .  
    كان النبي يتفادى الاصطدام بقريش ، ولذا سلك طريقاً آخر إلى أن وصل "الحديبية " .  
    وقد بعث النبي مندوباً إلى مكّة يخبرهم بعزم النبي على زيارة بيت الله وأنه لم يأت للقتال والحرب .  
    واستُقبل مبعوث النبي ببرود ، وعُومل معاملة قاسية ، وكانت تصرفاتهم تحمل كل معاني العداء والكراهية للنبي والمسلمين .  
    وقف النبي تحت " الشجرة " وتحلّق حوله المسلمون مجددِّين معه البيعة ، وقد بان العزم في عيونهم ، والتصميم في قلوبهم .  
    وعندما علمتْ قريش بذلك شعرتْ بالخوف وأرسلت " سهيل بن عمرو " للتفاوض مع الرسول وإبرام الصلح مع المسلمين .  
    وبعد مداولات بين الطرفين تمّ الصلح ، ووقّع الفريقان على بنوده الخمسة ، وفيها أن يعود المسلمون إلى المدينة على أن يحجّوا العام القادم دون سلاح ، وهم أحرار في أداء مراسم الحج حسْب طريقتهم .  
    وكان من نتائج هذا الصلح ، انتشار الإسلام في الجزيرة ، ثمّ تُوِّج- في النهاية – بفتح مكّة ، وبالرغم من ذلك فإن بعض المسلمين اعترضوا على الصلح وعدّوه ضعفاً دون أن يلتفتوا إلى فوائده العديدة .  
    لقد تضمّن الصلح بنداً يفيد بأن يعيد المسلمون كلَّ من يُسلم من قريش إلى مكّة .  
    1. معركة خيبر :   
    في مطلع ربيع الأول من العام السابع الهجري توجّه سيّدُنا محمد إلى " خيبر " ومعه ألف وستمائة مقاتل من المسلمين ، وأحاط الرسول تحركه بسرّية كاملة لمفاجئة اليهود ومنْع الإمدادات العسكرية التي قد تصلهم من قبائل " غطفان " .  
    فوصل منطقة تدعى "رجيع " تفصل بين "خيبر " و " غطفان " .  
  5. وتحت جنح الظلام حاصر المسلمون حصون " خيبر " واتخذوا مواقعهم بين أشجار النخيل ، وفي الصباح بدأت المعارك ، وكانت الحصون تسقط ، الواحد تلو الآخر .  
    واستعصى على المسلمين فتْح آخر حصنين ، وكان اليهود قد اجتمعوا فيهما للمقاومة ورشْق المسلمين بالسهام .  
    بعث رسول الله " أبا بكر " على رأس قوّة من المسلمين ، وما أسرع أن عاد مهزوماً ، فأرسل رسول الله " عمر " فعاد هو الآخر ، وكان اليهود يسخرون من المسلمين .  
    فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسولَه ويحبُه الله ورسولٌه كرّار غير فرار فلا يرجع حتى يفتح الله عليه . . .  
    وبات المسلمون ليلتهم وهم يتساءلون عن هذا الشخص ، وكلُّ يحلم بذلك .  
    في الصباح دعا سيدنا محمدٌ ( صلى الله عليه وآله ) علياً ( عليه السلام ) وسلّم الراية إليه ، ودعا له بالنصر .  
    هزّ عليٌ الراية بحماس ، وانطلق مع قوّاته باتجاه أعداء الإسلام .  
    كان اليهود قد غرّتهم بعض الانتصارات السابقة ، فبدأوا يجترئون ، وعندما وصل " علي " وجد بعض قواتهم خارج الحصن ، فشنّ المسلمون هجوماً صاعقاً ، وقتل عليُّ كُلاً من " مرحب " و " الحارث " ، وكانا من أبطال اليهود ، فدبّ الذعر في صفوفهم ، وانسحبوا إلى داخل الحصن ، وأحكموا إغلاق الأبواب .  
    طارد المسلمون فلول اليهود ، حتى إذا وصلوا باب الحصن وقفوا عاجزين ، وهنا مدّ علي ( عليه السلام ) يده إلى باب الحصن وهزّه بقوّة ثم انتزعه وجعله جسراً تعبر عليه قواته ، وقد دهش اليهود من قوّة علي وشجاعته وأعلنوا استسلامهم .  
    المسلمون – أيضاُ – تعجبوا من قوّة علي ، وتساءلوا كيف تمكن علي من ذلك ، وحاول سبعة من المسلمين تحريك الباب فلم يستطيعوا ، فقال علي ( عليه السلام ) : لم أفعل ذلك بقوّة جسمانية ولكني فعلته بقوّة ربّانية .  
    طلب اليهود من رسول الله الصلحَ والبقاء في ديارهم ، شرط أن يقدّموا نصف محصولهم من كل عام إلى المسلمين ، فوافق رسول الله على ذلك وصفَح عنهم .  
    فدك :  
    وصلت أنباء الانتصار الساحق للمسلمين إلى يهود " فدك " ، فأوفد أهلها مبعوثاً للتفاوض مع النبي حول " السلام " مقابل التنازل عن نصف أراضيهم ، وقد وافق الرسول على طلبهم ووهب " فدكاً " إلى " فاطمة ( عليها السلام ) " وكان يعلم أن ابنته سوف تهب وارداتها إلى الفقراء والمحرومين .  
    انطلق رسول الله إلى آخر القواعد اليهودية في الجزيرة في منطقة " وادي القرى " وما أسرع أن سقطت بأيدي المسلمين ، وقد صفح عنهم رسول الله وترك لهم أرضهم مقابل تقديم نصف ريعها إلى المسلمين ولقد أنعشت هذه الاتفاقيات وضْع المسلمين الاقتصادي كما عزّزت قدرتهم العسكرية لمواجهة الأعداء في خارج الجزيرة العربية .  
    1. معركة مؤتة :   
    بعث رسول الله سفيراً إلى ملِك " بُصرى " لدعوته إلى الإسلام ، ولما وصل إلى أرض " مؤتة " اعترضه حاكم تلك الديار وألقى القبض عليه و أمر بقتله .  
    وعلى أثر ذلك جهّز النبي جيشاً يتألّف من ثلاثة آلاف مقاتل ، وعيّن جعفر بن أبي طالب قائداً ، فإن استشهد فزيد بن حارثة ، فإن استشهد فعبد الله بن رواحة .  
    وانطلقت القوّات الإسلامية نحو مؤتة ، وعندما وصلت الأنباء إلى الروم ، فحشدوا قوّاتهم البالغة مئتي ألف جندي نصفهم من الروم والنصف الآخر من القبائل العربية الموالية لهم .  
    وفي مؤتة اشتعلت حرب غير متكافئة ، فحشود الروم تبلغ مئتي ألف أما الجيش الإسلامي فلم يتعدّ الثلاثة آلاف فقط .  
    ولكن الإيمان العميق للمسلمين لا يراعي للكثرة وزنا ، فقد اندفع " جعفر " إلى المعركة وقاتل بحماس حتى استشهد ، وأستشهد بعده " زيد " ثم " عبد الله " وفي خضمّ المعارك الطاحنة انتخب المسلمون " خالد بن الوليد " الذي فكر بالانسحاب و إنقاذ البقية الباقية من الإبادة ، وفي المساء وضع خطة للانسحاب ، وقاد المسلمين باتجاه المدينة المنوّرة.  
    1. فتح مكّة :   
    2. وصلت أخبار المعركة إلى مكة و استبشر المشركون وظنوا أنها نهاية مجد الإسلام ، فانتهزوا الفرصة وخرقوا " صلح الحديبية " ، وذلك بإغارتهم على قبيلة خزاعة حليفة المسلمين ، واستنجدت القبيلة المنكوبة بحلفائها وأرسلت لذلك وفداً إلى المدينة المنورة .  
      أدرك " أبو سفيان " أن المسلمين لن يتركوا " قريشاً " دون جواب ، فأسرع إلى المدينة لتجديد بنود " الصلح " ، وحاول تقديم اعتذار قريش عن هذه الإساءة .  
      وقد قوبل أبو سفيان ببرود تام حتى من قبل ابنته " أم حبيبة " وكانت زوجة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) .  
      أمر رسول الله المسلمين بالاستعداد للحرب فاجتمع عشرة آلاف مقاتل ، وأحاط النبي تحركاته بسرّية كاملة وبثّ دوريات تطوف حول المدينة لمنع تسرّب الأخبار .  
      أراد أحد المسلمين اسمه حاطب – ولكي يكسب ودّ فريش – أن يخبر أهل مكّة بذلك ، فبعث رسالة بيد امرأة ، وهبط الوحي يخبر رسول الله بهذه الخيانة ، فبعث النبي "علياً " فأوقفها ، وصادر الرسالة .  
    3. وفي العاشر من شهر رمضان المبارك تحرك الجيش بقيادة الرسول ، وبعد أسبوع عسكرت قوات الإسلام قرب مكّة .  
      فوجئت قريش بهذا الجيش الكبير ، وكان الرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يحاول تفادي الحرب بأي ثمن ، وحاول بثّ الخوف في نفوس المشركين ، فأمر المسلمين بإيقاد النار ليلاً ، فارتفعت ألسنة النيران وأضاءت رمال الصحراء .  
      كان أبو سفيان يراقب هذا المنظر المهيب فأدرك أن مكة لن تصمد بوجه المسلمين ، فجاء إلى العباس بن عبد المطلب عم النبي يطلب السلام .  
      وبعد مفاوضات بين النبي و أبي سفيان ، استسلم أبو سفيان وأعلن إسلامه .  
      العفو العام :  
      دخل الجيش الإسلامي مكة فاتحاً ، وكان بعض المسلمين يفكّر الانتقام والثأر من الذين عذّبوهم وأخرجوهم من ديارهم بغير حق .  
      لكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أعلن العفْو العام حتى عن أولئك الذين آذوه وشرّدوه ، وتهاوت الأصنام و الأوثان .  
      اعتلى بلال الكعبة ، وارتفع هتاف التوحيد :  
      الله أكبر ، لا إله إلا الله ، محمد رسول الله .  
      1. معركة حنين :   
      احدث سقوط مكة بأيدي المسلمين دويّاً في الجزيرة العربية ، وأصبح المسلمون القوة الضاربة .  
      أرادت قبيلتا هوازن وثقيف مفاجأة المسلمين والانقضاض عليهم ، وحشدوا للحرب اثني عشر ألف محارب بقيادة " مالك بن عوف " ، واحتلّوا مرتفعات " حنين " حيث الوادي الّذي سيعبر منه المسلمون .  
      تقدمت قوّات الإسلام إلى مواقع " هوازن " و" ثقيف " ، وعندما دخلت الكتائب الإسلامية بطن الوادي في ظلمة الفجر تعرضت لوابل من السهام والنبال ، فساد الارتباك طلائع الجيش ، و كانت بقيادة خالد بن الوليد ، وجرف المنسحبون في طريقهم الكتائب الأخرى ، وسادت الفوضى صفوفهم ، و غادر المشركون مواقعهم لمطاردة المسلمين ، وأنزلوا بهم خسائر فادحة .  
      وفي ذلك المواقف العصيب ثبت رسول الله ومعه جمع من المؤمنين في طليعتهم عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وتجلّت قدرة الرسول القيادية ، وراح يهتف : أنا رسول الله . . . هلمّوا إليّ .  
      و أمر النبيٌّ عمَّه العباس أن ينادي بالمسلمين ، وكان صوته جهورياً ، فنادى بأعلى صوته : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب بيعة الشجرة ! وكان النبي ومعه المؤمنون الصادقون يقاتلون بضراوة .  
      وهكذا بدأ المسلمون يضيقون من هول الصدمة وراحوا يتجمّعون حول قائدهم العظيم الذي حوّل هزيمتهم إلى نصر ساحق .  
      اجتمع حول النبي مئة مقاتل وهم يصيحون : لبيك لبيك ، واندفع علي إلى حامل راية المشركين فقتله ، وسقطت راية الشرك ، فساد الذعر حشودهم وتحطمت روحهم المعنوية وحميّتهم الجاهلية .  
      وعندما شاهد النبي أن الكفّة قد مالت لصالح المسلمين أصدر أمره بشنّ الهجوم المعاكس و نادى : الآن قد حمي الوطيس ، شدّوا عليهم ، واندفع المسلمون نحو أعدائهم ومزّقوا صفوفهم وألحقوا بهم هزيمة ساحقة ، وارتفعت في الأفق راية " لا إله إلا الله " .  
      1. معركة تبوك :  
      2. و في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة تناهت إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أخبار عن حشود عسكرية يقوم بها الروم على الحدود الشمالية ، و أنهم يبيّتون خطّة لاجتياح مناطق الشمال .  
        قام الرسول ، وخلافاً لما عهد في تحركاته السابقة ، بالإعلان عن التعبئة العامّة .  
        ولم يبخل المسلمون بتقديم كافّة أنواع الدعم ، حتى النساء جادتْ بأقراطهن وحليّهن الذهبية .  
        موقف المنافقين :  
        قام المنافقون والذين في قلوبهم مرض بحرب نفسية لتثبيط العزائم وبثّ روح الفشل في نفوس المؤمنين ، وراحوا يبثّون الدعايات المغرضة .  
        وجاء بعض المنافقين إلى رسول الله وهو يستعدّ للحرب فقالوا : إنّا قد بنينا مسجداً ، وإنّا نحب أن تأتينا فتصلّي لنا فيه ، وأدرك الرسول أن في مسجد " ضرار " أهدافاً خبيثة ، وأنهم يريدون التنصّل عن الجهاد في سبيل الله ، وهبط الوحي يفضح تلك الأهداف الدنيئة .  
        وكان المنافقون يجتمعون في بيت اليهودي " سويلم " ويبثّون سمومهم ، فبعث إليهم الرسول جمعاً من المؤمنين ، فأشعلوا النار ، وفرّ المنافقون .  
        إلى تبوك :  
        غادر الجيش الإسلامي – وكان قوامه ثلاثون ألف مقاتل – المدينة متَّجها نحو تبوك في مسيرة تبلغ أكثر من ستمئة كيلومتر ، في صحراء ملتهبة ، وفي فصل الصيف الحارق .  
        كان الرسول قد استخلف على المدينة " علي بن أبي طالب " ( عليه السلام ) لإحباط مؤامرات المنافقين ، وقال بعد أن سمع دعايات المنافقين : كذبوا ولكني خلّفتك لما تركت ورائي ، أفلا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي .  
        قطع الجيش الإسلامي الصحراء نحو تبوك ، ووصلت الأنباء إلى الروم الذين فضّلوا الانسحاب وعدم المغامرة في حرب مع المسلمين .  
        عسكر الجيش الإسلامي مدّة عشرين يوماً ، أثبتوا خلالها عزمهم الأكيد على مواجهة دولة الروم الكبرى دون أي إحساس بالخوف أو التهيّب ، يحدوهم في ذلك إيمانهم العميق بالله ورسوله .  
        وهكذا أصدر الرسول أمره بالعودة إلى المدينة .  
        المؤامرة :  
        عندما عاد سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) من تبوك فكّرت زمرة من المنافقين في الاستفادة من الظلام و دفع مركب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في الوادي ، ففضحهم الله وردّ كيدهم إلى نحورهم ، وأراد بعض المسلمين قتلهم ، ولكن النبي منعهم.  
        عاد رسول الله إلى المدينة وأصدر أمره بحرّق مسجد " ضرار " وبثّ اليأس في نفوس المنافقين ، وقد تاب بعضهم فقبل رسول الله توبته .  
        استخدم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في "تبوك " لأول مرة أسلوب الحرب الشاملة ، إذ عبّأ كل قادر على حمل السلاح ، ولم يتخلّف سوى ثلاثة أشخاص .  
        كما أدّت هذه الغزوة إلى ارتفاع معنويات المسلمين ، وهم يرون بأعينهم كيف تراجع الروم عن مواجهتهم .  
        البراءة من المشركين :  
        في العاشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة ، وكان المشركون ما يزالون يحجّون إلى بيت الله ، نزلت سورة التوبة ، التي تضمنّت آياتها إعلان الجهاد على الشّرْك : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } .  
        وانطلق علي ( عليه السلام ) بأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى مكّة ليقرأ كلمات الله في إعلان نهاية الوثنية ، وينادي في الحجاج جميعاً : " أيها الناس لا يدخل الجنّة كافر ، ولا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو إلى مدّته " .  
        المباهلة :  
        بعث سيدنا محمّد برسائل إلى ملوك الأرض يدعوهم فيها إلى الإسلام ، وكان من بين تلك الرسائل رسالة إلى أسقف نجران ، وكان الأسقف يترقّب ظهور نبي جديد حسب ما ورد في بشارة الإنجيل ، فأرسل وفداً إلى المدينة للتحقيق في ذلك ، وحاورهم رسول الله بالتي هي أحسن وبيّن لهم حقائق الإسلام، وكان المسيحيون يتساءلون عن طبيعة السيد المسيح ؛ هل هو " ابن الله " أم " ابن مريم " ؟  
        فأجابهم سيدنا محمّد بالقرآن : { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلَت من قَبله الرسُلُ وأمّه صديقة كانا يأكلان الطعام } 2 . و { إن مَثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } 3 .  
        ولكن وفد نجران ، الذي كان يتألف من ستين شخصاً ، رفَض الإيمان بهذه الحقائق والإذعان لها ، وهنا دعاهم الرسول إلى المباهلة لكي يلعن الله الكاذب . قال الله تعالى :{ فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندْعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } 4 .  
        وتحدد موعد المباهلة ، ولكن أهل نجران تراجعوا في اللحظة الأخيرة وهم ينظرون إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد خرج يحمل الحسين ( عليه السلام ) ويمسك بيده الحسن ( عليه السلام ) وخلفه فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) و زوجها علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وخافوا أن تحلّ بهم لعنة الله .  
        حجّة الوداع :  
        غمرت الفرحة قلوب المسلمين بعد إعلان النبي ( صلى الله عليه وآله ) عزمه على حج بيت الله الحرام ، وانتشر الخبر في جميع الأرجاء .  
        وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة تحرك موكب الرسول تحيط به الألوف ، وخلّف على المدينة أبا دجانة الأنصاري .  
        وعندما وصل سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ذا الحليفة ، ارتدى ثوب الإحرام ، وهتف : لبيك . . لبيك لا شريك لك لبيك . . إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك .  
        وبعد عشرة أيام وصل الرسول مكة وطاف بالبيت العتيق سبعة أشواط ، ثم صلّى خلْف مقام إبراهيم وسعى بين الصفا والمروة .  
        ووقف فوق جبل الصفا حتى إذا اطلّ على الكعبة هتف منادياً :  
        لا الله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده .  
        غدير خم :  
      3. وفي يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة وعندما وصل الرسول " غدير خمّ " في طريق عودته من الحج هبط عليه الوحي : { يا أيها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك} .  
        وتوقف الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأمر المسلمين أن يتوقّفوا . توقّفتْ ألوف المسلمين وهي تنتظر نبأً هامّاً في تلك الصحراء الحارقة .  
        خطب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بأعلى صوته : الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا . . . .  
        وراح الرسول يعظهم بمواعظ الأنبياء والرسل . . . ثم قال وهو يمسك بيد علي ويرفعها عالياً :  
        من كنت مولاه فهذا علي مولاه . . اللهم وال من والاه وعاد من عاداه .  
        وقال في خطابه أيضا : ألا وأنّي تارك فيكم الثّقلين كتاب اله وعترتي أهل بيتي .  
        وبعد أن أتّم الرسول خطابه ، هبط الوحي مرّة أخرى . و تلا عليه كلمات الله : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } 5 .  
        الوفاة :  
        عاد الرسول إلى المدينة بعد حجة الوداع ، فألـمّت به الحمى ولزم فراشه .  
        وفي تلك الفترة ادعى بعض المشعوذين النبوة كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وغيرهما ، وخدعوا بألاعيبهم السذج والبسطاء ، ولكن الله أبطل كيدهم وعاد الناس إلى ظِلال الإسلام .  
        وذات ليلة استبدّ الأرق برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فخرج في قلب الظلام وقال لعلي ( عليه السلام ) : إني قد أُمرت أن استغفر لأهل البقيع فانطلق معي .  
        وفي البقيع قال النبي : " إني قد أُوتيت خزائن الدنيا والخلد فيها وخُيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي ، فاخترت لقاء ربي و الجنة " .  
        وكان المرض يشتدّ على سيدنا محمّد يوماً بعد آخر ، وفي يوم الإثنين الثامن والعشرين من شهر صفر من السنة الحادية عشرة من الهجرة عرجتْ روح الرسول إلى الملأ الأعلى . . . تاركاً آلاف العيون الباكية والقلوب الحزينة .  
        فالسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يُبعث حياً .  
        الهوية :  
        الاسم : محمّد .  
        اسم الأب : عبد الله .  
        اسم الأم : آمنة .  
        محل الولادة : مكّة .  
        تاريخ الولادة : شهران بعد عام الفيل .  
        تاريخ الوفاة : 28 / صفر / 11 هجرية .  
        محل الوفاة : المدينة المنورة .  
        من كلماته المضيئة :  
        1. المؤمن دعب لعب ، والمنافق قطب غضب .   
        2. حسن العهد من الإيمان .   
        3. أفضلكم إيماناً أحسنكم أخلاقاً .   
        4. حسْن الخلق يثبت المودّة .   
        5. نظر الولد إلى والديه حبّاً لهما عبادة .   
        6. الحياء من الإيمان .   
        أسئلة :  
        1. إلى أية قبيلة ينتسب بنو هاشم؟   
        2. اذكر الحادثة التي وقعت في زمن عبد المطلب .   
        3. ما هي فكرة سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في فضّ النزاع الذي حدث حول إعادة الحجر الأسود إلى مكانه ؟   
        4. في أية مدينة وُلد سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ، وفي أي مدينة بُعث نبياً ؟   
        5. من الذي نام في فراش سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) وفداه بنفسه عندما عزم على الهجرة ؟   
        6. اذكر أهمّ الأعمال التي قام بها سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) عند وصوله المدينة المنورة .   
        7. اذكر أولى المعارك في تاريخ الإسلام .   
        8. اذكر أسباب الهزيمة في معركة أحد .   
        9. اذكر خطة الدفاع التي اتّخذها سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في مواجهة غزو الأحزاب .   
        10. لماذا أصرّ النبي على عدم الصفح عن يهود " بني قريظة " ؟   
        11. ما هي ثمار الصلح الذي وقع في الحديبية بين المسلمين والمشركين ؟   
        12. من الذي فتح حصون خيبر ، وماذا قال الرسول فيه ؟   
        13. ما هي خطّة خالد بن الوليد في معركة مؤتة ؟   
        14. ما هي الإجراءات التي اتخذها الرسول لكي يحول دون وقوع الحرب في فتح مكة ؟   
        15. لماذا فرّ المسلمون في معركة حنين في البداية وكيف عادوا ؟   
        16. ما هي المؤامرة التي أراد المنافقون تدبيرها ؟   
        تعليقات  

        1. يدعى اليوم بجبل النور ، وهو على بعد ستة كيلومترات عن مكة في الطريق إلى منى .   
        2. المائدة : 75 .   
        3. آل عمران : 59 .   
        4. آل عمران : 61 .   
        5. المائدة : 3 .   
  
  
 
كانت الأمم والشعوب تنظر إلى المرأة كحيوان أو جزء من الثروة التي يملكها الرجل .  
فالعرب في الجاهلية كانوا ينظرون للمرأة كرمز للعار وكان بعضهم يدفنون بناتهم أحياءً .  
وعندما أشرق نور الإسلام منح المرأة حقّها و حدّد حقوقها كأمّ و زوجة وفتاة ، وكلنا سمع الحديثَ الشريف " الجنّة تحت أقدام الأمّهات " " رضا الله من رضا الوالدين " و المرأة أحد الوالدين .  
لقد حدّد الإسلام إنسانية المرأة ، وشرّع نظاماً يحمي كرامة المرأة ويحافظ على عفّتها . فالحجاب ليس سجناً للمرأة بل وسام و فخار .  
إننا نشاهد اللآلئ محفوظة بين الأصداف ، والفاكهة داخل قشور ؛ والفتاة المسلمة شرع الله سبحانه لها ما يحميها و يصونها وهو الحجاب الذي لا يحافظ عليها فحسب بل يزيدها وقاراً وجمالاً .  
أما الغرب فينظر إلى المرأة كمادّة للإعلان والتجارة والربح المادّي على حساب الأخلاق وكرامة المرأة كإنسان .  
وقد أدّت هذه النظرة إلى سقوط المرأة و تجرّدها عن عاطفتها ومشاعرها الإنسانية النبيلة .  
وها نحن نرى اليوم تفكّك الأسرة في المجتمعات الغربية .  
فالمرأة في دنيا الغرب تحوّلت إلى مجرّد دمية لا قيمة لها سواءً في السينما و الإعلانات التجارية أو سباق ملكات الجمال .  
تعالوا يا أعزّاني لنتعرَّف على مثال المرأة في الإسلام مجسّداً في حياة فاطمة الزهراء (عليها السلام ) .  
فاطمة الزهراء بنت محمّد ( صلى الله عليه وآله ) .  
فاطمة الزهراء زوجة علي ( عليه السلام ) .  
فاطمة الزهراء أم الحسن والحسين وزينب ( عليهم السلام ) .  
الميلاد :  
وُلدت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بعد بعثة والدها العظيم ( صلى الله عليه وآله ) بخمسة أعوام ، وبعد حادثة الإسراء والمعراج بثلاث سنين ، وقد بشّر جبريل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بولادتها وكان تاريخ ولادتها يوم الجمعة العشرين من شهر جمادى الآخرة في مدينة مكّة .  
في بيت الوحي :  
نشأت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في أحضان الوحي والنبوة ، في بيت مفعم بكلمات الله وآيات القرآن المجيد .  
سألتْ عائشةُ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذات يوم عن سبب حبّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة هذا الحبَّ العظيم .  
فلقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ينهض إذا دخلت عليه فاطمة وكان يقبِّل رأسها ويدها .  
  
فأجاب سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) : " يا عائشة لو علمتِ ما أعلم لأحببتيها كما أحبّ . فاطمةُ بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني ، ومن سرّها فقد سرّني " .  
وقد سمع المسلمون رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " يقول إنّما سُمِّيتْ فاطمةُ فاطمةَ لأن الله عزّ وجل فَطَمَ من أحبّها من النار " .  
كانت فاطمة الزهراء تشبه سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في خَلْقه وأخلاقه .  
تقول أم سلمة زوجة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فاطمة أشبه الناس برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .  
وكانت عائشة تقول : إنّها أشبه الناس برسول الله بحديثها ومنطقها .وكانت فاطمة لا تحب أحداً قدر حبّها لأبيها .  
كانت ترعى أباها وعمرها ست سنين ، عندما توفيت أمها خديجة الكبرى ، فكانت تسعى لملء الفراغ الذي نشأ عن رحيل والدتها .  
وفي تلك السنّ الصغيرة شاركت أباها محنته وهو يواجه أذى المشركين في مكّة .  
كانت تضمّد جراحه ، وتغسل عن ما يُلقيه سفهاء قريش .  
وكانت تحدّثه بما يُسلّي خاطره ويدخل الفرحة في قلبه ؛ ولهذا سمّاها سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله ) أمَّ أبيها ، لفرط حنانها وعطفها على أبيها ( صلى الله عليه وآله ) .  
زواج فاطمة ( عليها السلام ) :  
بلغت فاطمةُ سنَّ الرشد ، وآن لها أن تنتقل إلى بيت الزوجية ، فخطبها كثير من الصحابة في طليعتهم أبو بكر وعمر ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يردّ الخاطبين قائلاً : إنني أنتظر في أمرها الوحي .  
وجاء جبريل يخبره بأن الله فد زوّجها من علي .  
وهكذا تقدم علي ، والحياء يغمر وجهه ، إلى خطبة فاطمة ( عليها السلام ) .  
فدخل رسول لله ( صلى الله عليه وآله ) على فاطمة ليرى رأيها وقال لها :  
" يا فاطمة إن علي بن أبي طالب من قد عرفْتِ قرابته وفضْله وإسلامه ، وإني قد سألتُ ربّي أن يزوِّجكِ خيْرَ خلْقه وأحبَّهم إليه ، وقد ذكر من أمرك شيئاً فما ترين " ؟  
سكتت فاطمة وأطرقت برأسها إلى الأرض حياء ، فهتف رسول الله : " الله أكبر ! سكوتها رضاها " .  
مراسم العقد و الزواج :  
جاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأخذ بيد علي ( عليه السلام ) وقال :  
" قم بسم الله وقل على بركة الله ، ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله ، توكلّت على الله " ، ثمّ قاد علياً ( عليه السلام ) وأجلسه عند فاطمة ( عليها السلام ) وقال : " اللهم إنّهما أحبّ خلقك إليّ فأحبّهما وبارِكْ في ذُرّيتهما واجعل عليها منك حافظاً وإنّي أعيذهما وذرِّيتهما من الشيطان الرجيم " .  
ثم فبّلهما مُهنّئاً وقال : " يا علي نِعم الزوجة زوجتك " ، وقال لفاطمة : " يا فاطمة نِعم البعل بعلكِ " .  
ووسط زغاريد النسوة من المهاجرين والأنصار وبني هاشم وُلدت أطهر وأمثل أسرة في التاريخ ، لتكون نواة لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.  
وقد تمّت مراسم العقد والزواج ببساطة تعكس سماحة الإسلام ، فقد كان علي لا يملك من دنياه شيئاً غير سيفه ودرعه ، فأراد أن يبيع سيفه ، فمنعه رسول الله لأن الإسلام في حاجة إلى سيف علي ، ولكنه وافق على بيع الدرع ، فباعه علي ( عليه السلام ) ودفع ثمنه إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) .  
أمر رسول الله أن يشتروا بثمنه طيباً وأثاثاً بسيطاً يسدّ حاجة الأسرة الجديدة .  
  
كان المنزل هو الآخر بسيطاً جداً يتألّف من حجرة واحدة إلى جانب مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله ) .  
الله وحده الذي يعلم مدى الحب الذي كان يربط بين القلبين الطاهرين ، قلب علي ( عليه السلام ) وقلب فاطمة ، كان حبهما لله وفي سبيل الله .  
كانت فاطمة تقدّر في نفسها جهاد علي ودفاعه عن رسالة الإسلام . . . رسالة أبيها العظيم .  
كان زوجها يقاتل في الخطوط الأولى يحمل راية الإسلام في كل المعارك والحروب التي خاضها المسلمون ولا يكاد يفارق أباها رسول الله .  
فكانت تسعى إلى خدمة زوجها والتخفيف من معاناته و همومه ، وكانت نِعم الزوجة المطيعة .  
كانت تنهض بأعباء المنزل فإذا جاء زوجها وجَد في ظلالها الراحة والطمأنينة والسلام .  
كانت فاطمة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، نمَتْ في نور الوحي وترعرعت في فضاء القرآن .  
الأسرة المثال :  
الحياة الزوجيةُ اندماج لحياتين لتصبح حياةً مشتركة . . . حياة واحدة .  
حياة الأسرة تنهض على التعاون والمحبّة والاحترام .  
كانت حياة علي وفاطمة (عليهما السلام ) مثالاً للحياة الزوجية الكريمة .  
كان علي يساعد فاطمة في أعمال المنزل وكانت فاطمة تسعى إلى إرضائه وإدخال الفرحة في قلبه .  
كان حديثهما في منتهى الأدب والاحترام .  
إذا نادى علي فاطمة قال : يا بنت رسول الله ، وإذا خاطبتْه قالت : يا أمير المؤمنين . وكانا مثال الأبوين العطوفين على أبنائهما .  
الثمار :  
  
في العام الثالث من الهجرة أنجبت فاطمة ( عليها السلام ) أول أولادها فسمّاه سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) " الحسن " ، وبمولده غمرت الفرحة قلب رسول الله ، وهو يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى ويغمره بآيات القرآن .  
وبعد عام وُلد الحسين ( عليه السلام ) .  
أراد الله أن تكون ذرّية رسوله محمد ( صلى الله عليه وآله ) من فاطمة ( عليها السلام ) .  
واحتضن الرسولُ سبطيه يحوطهما برعايته ، وكان يقول عنهما : " هما ريحانتاي من الدنيا " .  
كان يحملهما معه إذا خرج أو يُجلسهما في أحضانه الدافئة .  
دخل رسول الله ذات يوم منزل فاطمة وكان الحسن يبكي جوعاً وفاطمة نائمة ، فأخذ إناءً وملأه حليباً وسقاه بنفسه .  
  
ومرّ ذات يوم آخر أمام بيت فاطمة فسمع بكاء الحسين ، فقال متأثراً : " ألا تدرون أن بكاءه يؤذيني " .  
ومرّ عام جاءت بعده " زينب " إلى الدنيا ، وبعدها " أم كلثوم " .  
ولعلّ رسول الله تذكّر ابنتيه زينب وأم كلثوم عندما سمّاهما بهذين الاسمين .  
وهكذا أراد الله أن تكون ذرية الرسول في ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) . . ذرّية بعضها من بعض والله سميع عليم .  
منزل فاطمة :  
بالرغم من حياتها القصيرة فقد كانت حافلة بالخير والبركات ، وكانت قدوة وأسوة للنساء ، فكانت الفتاة المثال والزوجة المثال ، والمرأة المثال ، ولهذا أصبحت سيدة نساء العالمين .  
كانت مريم بنت عمران سيدة النساء في عصرها ، وكانت آسية امرأة فرعون سيدة نساء زمانها ، وكذلك كانت خديجة بنت خويلد .  
أمّا فاطمة الزهراء فقد توّجها الإسلام سيدةً للنساء على مرّ العصور .  
كانت قدوة في كل شيء . . يوم كانت فتاة تسهر على راحة أبيها وتشاركه آلامه ، ويوم كانت زوجة ترعى زوجها وتوفّر له سكناً يطمئن إليه ويلوذ به عندما تعصف به الأيام ، ويوم كانت أمَّا تربّي صغارها على حبّ الخير والفضيلة والخلق الكريم ، فكان الحسن والحسين وزينب ( عليهم السلام ) أمثلة سامية في دنيا الأخلاق والإنسانية.  
رحيل الأب :  
  
عاد رسول الله من حجة الوداع ولزم فراش المرض وغُشي عليه من شدّة الحمّى ، وهرعت إليه الزهراء تحاول دفع الموت عنه وهي تذرف الدموع ، وكانت تتمنى أن تموت هي بدلاً عنه .  
فتح الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عينيه وراح يتأمّل ابنته الوحيدة ، فطلب منها أن تقرأ له شيئاً من القرآن ، فراحت الزهراء تتلو القرآن بصوتٍ خاشع وكان الأب العظيم يصغي بخشوع إلى كلمات الله وهي تطوف في فضاء البيت .  
أراد أن يقضي آخر لحظات عمره المبارك وهو يصغي إلى صوت ابنته التي رعتْه صغيرة و وقفتْ إلى جانبه كبيرة .  
والتحق الرسول بالرفيق الأعلى وعرجت روحه الطاهرة إلى السماء .  
كان رحيل الرسول صدمة كبيرة لابنته البتول ولم يتحمل قلبها تلك المصيبة ، فراحت تبكي ليل نهار .  
ثم وجهت لها السياسة والأطماع ضربة أخرى بعد أن اغتصبوا منها " فدكاً " وتجاهلوا حق زوجها في الخلافة .  
 
حاولت الزهراء الدفاع عن حقّها وكان لها في ذلك مواقف غاية في الشجاعة .  
كان الإمام يدرك أن استمرار الزهراء في معارضة الخليفة سيجرّ البلاد إلى فتنة ، فتضيع كل جهود الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أدراج الرياح ويعود الناس إلى الجاهلية مرّة أخرى .  
طلب الإمام من زوجته العظيمة الاعتصام بالصمت والصبر ، حفاظاً على رسالة الإسلام .  
وهكذا سكتت الزهراء لكنها بقيت غاضبة وتذكّر المسلمين أن غضبها يعني غضب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وغضب الرسول يعني غضبَ الله سبحانه .  
سكتت الزهراء إلى أن رحلت عن الدنيا ولكنها طلبت في وصيّتها أن تُدفن سرّاً .
  
الرحيل عن الدنيا :  
كانت فاطمة كشمعة تتوهج وتحترق وتذبل ثم يخبو نورها شيئاً فشيئا .  
لم تستطع البقاء بعد رحيل أبيها وتنكّر الزمان لها .  
كانت أحزانها تتجدّد كلما ارتفع الأذان يهتف : أشهد أن محمداً رسول الله .  
كانت تريد اللقاء بأبيها وكان شوقها يستعر يوماً بعد آخر .  
وهزل جسمها ولم يعد يتحمل شوق روحها إلى الرحيل .  
وهكذا ودّعت الدنيا :  
ودّعت الحسن بسنواته السبع  
والحسين بأعوامه الستة  
وزينب بسنواتها الخمس  
وأم كلثوم وردة في ربيعها الثالث .  
وكان أصعب ما في الوداع أن تودّع زوجها وشريك أبيها في الجهاد وشريك حياتها .  
أغمضت الزهراء عينيها بعد أن أوصت زوجها بأطفالها الصغار ، كما أوصته أن تدفن سرّاً .  
وما يزال قبر الزهراء مجهولاً ، فترتسم علامة استفهام كبرى في التاريخ .  
ما تزال الزهراء تستفهم التاريخ ، ما تزال تطلب حقها ؛ وما يزال المسلمون يتساءلون عن بقاء القبر مجهولاً .  
جلس الإمام المفجوع عند قبرها ، وكان الظلام يغمر الدنيا فقال يؤبنّها :  
" السلام عليك يا رسول الله . . عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك ، قلَّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ورقّ عنها تجلّدي . . . وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ، فأحفها السؤال وأستخبرها الحال . . والسلام عليكما سلام مودِّع ".  
الهوية :  
الاسم : فاطمة الزهراء .  
اسم الأب : محمد ( صلى الله عليه وآله ) .  
اسم الأم : خديجة .  
تاريخ الولادة : يوم الجمعة 20 جمادى الآخرة العام الخامس من البعثة .  
محل الولادة : مكّة المكرمة .  
تاريخ الوفاة : 11 هـ .  
محل الوفاة : المدينة المنوّرة .  
محل الدفن : مجهول .  
أسئلة :  
  1. لماذا كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يحب فاطمة ( عليها السلام ) ؟  
  2. لماذا كان النبي يردُّ الخاطبين للزهراء ( عليها السلام ) ؟  
  3. لماذا أوصت الزهراء بدفنها سرّاً ؟  
  
  
  
 
الميلاد :  
في يوم الجمعة 13 رجب وقبل 23 عاماً من الهجرة الشريفة ولد في أسرة أبي طالب صبيٌ أضاء مكة والدنيا بأسرها .  
كان العباس بن عبد المطلب عم النبي جالساً مع رجل اسمه " قعنب " عندما جاءت فاطمة بنت أسد " أم علي " تطوف حول الكعبة وتدعو الله .  
كانت تتجه ببصرها نحو السماء وتتضرع إلى الله بخشوع وتقول : ربي إنّي مؤمنة بك ، وبما جاء من عندك من رسلٍ وكتب ، وإني مصدّقة بكلام جدي إبراهيم الخليل ، وأنه بنى البيت العتيق ، فبحق الذي بنى هذا البيت ، وبحق المولود الذي في بطني لماّ يسّرت عليّ ولادتي .  
وهنا حدث أمر عجيب ، لقد استجاب الله سبحانه ، فانشقّ جدار الكعبة لتدخل فاطمة بنت أسد ثم انغلق وراءها .  
كان الحادث مدهشاً جعل الذين رأوه في حيرة من أمرهم ، فقد أسرع العباس إلى منزله وأحضر بعض النسوة لمساعدتها ولكن ظلّ الجميع يدورون حول بيت الله عاجزين عن الدخول .  
  
ظلّ أهل مكّة في حيرة ودهشة وكانوا ينتظرون فاطمة .  
مرّت أربعة أيام ، خرجت بعدها فاطمة وهي تحمل وليدها العظيم .  
وتساءل الناس عن إسم هذا الوليد فقالت فاطمة أن اسمه عليُّ ، ولقد سمعت أنا في داخل بيت الله نداءً من وراء الغيب يقول : سمّيه علياً .  
وتربّى علي في بيت محمّد ( صلى الله عليه وآله ) منذ أن كان رضيعاً .  
يقول في إحدى خطبه في نهج البلاغة :  
" وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره ويكنفني في فراشه . . . وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه ".  
أيام الصبا :  
وعندما اصبح صبياً كان لا يفارق مربيه العظيم ، وكان يتبعه كالظل .  
يقول علي متذكراً تلك الأيام :  
" لقد كنت أتبعه اتباع الفصيل اثر أمّه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحرّاء فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة ".  
وعندما بعث الله محمّداً رسولاً إلى العالمين وأمره أن يُنذر عشيرته ، أمر رسولُ الله علياً أن يصنع طعاماً لأربعين رجلاً و أن يدعو له عشيرته وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب .  
يقول علي :  
" ثم تكلَّم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : " يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومَه بأفضل مما قد جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة . وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ’ فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت وإني لأحدثهم سناً : أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه " .  
عندها قال سيدنا محمّد : " هذا أخي و وصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا" .  
أيام الشباب :  
  
مضت أيام الصبا وأصبح علي شاباً قوي البُنية ، وهو ما يزال ملازماً لسيدنا محمد يدور حوله كما تدور الفراشات حول الشموع .  
كان علي قوياً و كانت قوّته في خدمة دين الله ورسوله .  
و عندما نقرأ تاريخ الإسلام نشاهد علياً ( عليه السلام ) حاضراً في كل المعارك والغزوات وهو يقاتل في الصفوف الأولى ببسالة .  
ففي معركة " حنين " وعندما فرّ المسلمون عن رسول الله في بداية المعركة ثبت علي وظل يقاتل وراية الإسلام تخفق فوق رأسه حتى انتصر جيش الإسلام على الشرك .  
و في معركة خيبر قاد علي هجوماً عنيفاً بعدما سخر اليهود من تراجع المسلمين ، وفتَح حصون خيبر ، بل أنه اقتلع بيده أحد أبوابها ، وعندما شاهد اليهود بطولته المدهشة فرّوا مذعورين ثم استسلموا بعد ذلك .  
الفدائي الأول :  
 
كل إنسان يدافع عن نفسه ، لأنه يحب الحياة ولا يريد الموت . والقليل جداً من الناس من يضحي في حياته من اجل الآخرين .  
وعندما نقرأ قصة سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) وهجرته نقف معجبين ونحن نرى علياً وهو في ريعان شبابه ينام في فراش النبي لينجو النبي من الموت والقتل .  
والقصة تبدأ عندما اجتمع المشركون في " دار الندوة " وقرروا قتل سيدنا محمد ، وكانت الخطّة أن ينتخبوا من كل قبيلة شاباً فيقتحموا منزل رسول الله ويقتلوه .  
وهبط الوحي من السماء يخبر سيدنا محمد بمؤامرة " قريش " . وهنا بادر علي ونام في فراش النبي ليوهم المشركين
أنه ما يزال نائماً .
  
ونجا رسول الله بتضحية علي ، وفوجئ المتآمرون بعلي يهبّ من فراش رسول الله ، فغادروا المنزل وهم يجرّون أذيال الخيبة والخسران .  
في طريق الله :  
الإسلام دين السلام والحياة ، وهو يرفض القتل وإراقة الدماء بغير حق .  
إن كل المعارك والحروب التي حدثت في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كانت حروباً دفاعية أي أنها وقعت دفاعاً عن النفس ، وكان سيدنا محمد يسعى لتجنب القتال ما أمكن ، ولكن عندما يكون الإسلام في خطر فإن المسلمين كانوا يقاتلون ببسالة من اجل إعلاء كلمة الله . وتاريخ الإسلام حافل بالأمجاد ، وعندما نقرأ عن تلك الحروب نشاهد سيف علي – وهو أول سيف في الإسلام – لامعاً كبرق السماء .  
كان علي مع الحق ، والحق مع علي ، كما قال سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله).  
أخلاق علي ( عليه السلام ) :  
كانت مدينة الكوفة عاصمة الدولة الإسلامية في عهد علي ( عليه السلام ) ، وقد أضحت منذ ذلك التاريخ مركزاً من مراكز العلم والثقافة الإسلامية .  
وذات يوم التقى شخصان خارج الكوفة كان أولهما أمير المؤمنين والآخر نصرانياً ، لم يكن يعرف هوّية علي ( عليه السلام ) ، فتجاذبا أطراف الحديث وهما في الطريق حتى وصلا مفترق طريقين أحدهما يؤدي إلى الكوفة و الآخر إلى إحدى القرى القريبة ، فسلك النصراني طريق القرية حيث منزله هناك . وكان على الإمام علي ( عليه السلام ) أن يسلك طريق الكوفة ، ولكنه سلك الطريق إلى القرية ، فتعجب النصراني وقال :  
  1. أ لست تريد العودة إلى الكوفة ؟   
فقال الإمام : نعم ولكني أحببت أن اُشيِّعك قليلاً وفاءً لصحبة الطريق ، إن لرفقة الطريق حقوقاً وأنا احب أن أؤدي حقك .  
تأثر الرجل وقال في نفسه : يا له من دين عظيم يعلِّم الإنسانَ الخُلق الكريم .  
واندفع الرجل النصراني يعلن إسلامه و انتماءه إلى أمّة الإسلام . وكم كانت دهشته كبيرة عندما اكتشف أن رفيقه في الطريق لم يكن سوى أمير المؤمنين بنفسه – حاكم الدولة الإسلامية الواسعة .  
ثباته ( عليه السلام ) :  
يستطيع المرء أن يضبط نفسه ويحدد موقفه الطبيعي في الظروف العادية ، ولكن عندما تجتاحه عاصفة من الغضب والعدوان فأنه في تلك اللحظات الحرجة يفقد توازنه ويصعب عليه السيطرة على نفسه .  
غير أن علياً ( عليه السلام ) كان ثابتاً في كل الظروف والأحوال ، ولم تكن مواقفه متأثرة بحالته النفسية . انه يتصرف دائماً في ضوء ما يرتضيه الله .  
  
سلوكه في البيت ، مواقفه في الحرب ، تعامله مع الناس . . . كان خاضعاً للإسلام ، لقد ربى نفسه على ذلك ، فأصبح مثالاً للمسلم المؤمن بربّه .  
في معركة الخندق ، وعندما أراد المشركون غزو المدينة ، حفر المسلمون بأمر النبي خندقاً لحماية المدينة من العدوان ، وكانت الأوضاع في غاية الخطورة ، خاصة عندما تمكن بعض فرسان المشركين ، وفي طليعتهم " عمْر بن عبد ود " من اقتحام الخندق وتحدّي المسلمين .  
ولم يكن " عمْر بن عبد ود " شخصاً عادياً بل كان بطلاً شجاعاً أحجم كثير من المسلمين عن مواجهته ، وهنا نهض علي بطل الإسلام لمنازلته وتقدم إليه بشجاعة وكان الرسول ينظر إليه ويقول : " برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه " .  
حاول " عمرو " أن يتفادى القتال مع علي ، فقال :  
- ارجع فأنا لا أحب أن أقتلك .  
فأجابه علي بإيمان عظيم :  
- ولكني أحب أن أقتلك .  
وهنا غضب " عمرو بن عبد ود " و سدّد ضربة قوية إلى علي تفاداها علي ، وردّ على ضربته بضربة قاضية سقط فيها " ابن ودّ " صريعاً على الأرض .  
وكان لهذا المشهد المثير أثره في بث الذعر في نفوس رفاقه من المشركين الذين لاذوا بالفرار.  
وعندما اعتلى علي صدر خصمه بصق " ابن ودّ " في وجه علي ، وشعر علي بالغضب ولكنه توقف فلم يقدم على قتله إلى أن سكن غضبه حتى لا يكون قتله انتقاماً ، بل خالصاً لوجه الله وفي سبيل الإسلام .  
لقد كان علي في حروبه ومعاركه مثلاً أعلى للفروسية ، وتركت مواقفه آثارها في تاريخ العرب و الإسلام . وعاد علي يحمل بشارة النصر إلى الرسول الذي استقبله بحفاوة وقال : " قتْل علي لعمرو يعدل عبادة الثقلين " أي أن تلك الضربة القاضية كانت تساوي عبادة الإنس والجن .  
فقد كان المشركون يراقبون المعركة ، وعندما شاهدوا بطلهم يسقط على الأرض وعلياً يهتف : الله اكبر ، تحطمت روحهم المعنوية وسيطر اليأس على قلوبهم ، فأنهوا حصارهم للمدينة وانسحبوا مذعورين تحت جنح الظلام .  
في صفين :  
لا قيمة للشجاعة والبطولة إذا لم يكن إلى جانبها رحمة ومروءة ، ولكي يكون الإنسان بطلاً شجاعاً عليه أن يحافظ على إنسانيته .  
وهكذا كان علي ( عليه السلام ) .  
لم يكن ليقتل مجروحاً أو ظامئاً ولا يطارد مهزوماُ ، وكانت أخلاقه في الحروب غاية في الإنسانية ، فلم يكن يستخدم الجوع أو الظمأ سلاحاً في المعارك بالرغم من أن أعداءه كانوا لا يتورعون عن ذلك أبداً ، وكانوا يستخدمون أحطّ الوسائل من أجل الانتصار .  
وفي حرب صفين سيطر جيش معاوية على نهر الفرات وأعلنوا حصارهم وحرمان جنود علي من الماء .  
وذكّرهم الإمام بأن الإسلام والإنسانية والفروسية تأبى مثل هذه المواقف ، ولكن معاوية لم يكن يفكر في شيء سوى مصلحته وأهدافه الدنيئة . عندها هتف الإمام بجنوده : " روّوا السيوف من الدماء ترووا من الماء ، فالموت في حياتكم مقهورين ، والحياة في موتكم قاهرين " .  
واندفعت قوّات الإمام صوب الفرات ، وسرعان ما سيطرت على الشواطئ ، فأعلن الجنود أنهم سوف يحرمون جيش معاوية من الماء ،ولكن علياً ( عليه السلام ) اصدر أمره بإخلاء الشاطئ وعدم استخدام الماء كسلاح لأنه يتنافى مع الخلق الإسلامي .  
عندما كان الإمام حاكم المسلمين :  
  1. إمام الفقراء :   
بالرغم من كل الآلام والمصائب التي عاناها الإمام فقد كان يباشر بنفسه شؤون الناس ، ولم يكن يعادي أحداً عداوة شخصية ، حتى الذين كانوا يعادون الإمام ويضمرون له الكراهية والحقد كانوا يأخذون نصيبهم وحقهم من بيت المال ، حتى أصحابه والمقرّبين إليه كانوا يأخذون حقوقهم دون أي امتياز عن الآخرين .  
  
ذات يوم جاءته امرأة اسمها " سودة " شاكية بعض جباة الأموال والضرائب ، كان الإمام يصلّي ولكنه شعر بظل امرأة فأسرع في صلاته ثم التفت إليها وقال بعطف :  
-ألكِ حاجة ؟  
قالت سودة باكية : أشكوك ظلم عاملك على الخراج .  
فتأثر الإمام بشدّة وبكى ثم رفع طرفه إلى السماء وقال : " اللهم إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم عبادك ، ثم تناول قطعة من الجلد وكتب عليه أمره بإقالة ذلك العامل من منصبه ، وسلّمه إلى " سودة " التي انطلقت إلى موطنها سعيدة راضية " .  
وذات يوم وصلته أخبار من البصرة تفيد بأن الوالي " عثمان بن حنيف " قد دُعي إلى وليمة أقامها أحد الأثرياء فلبّى دعوته ، فبعث الإمام إليه برسالة يعاتبه فيها ويحذّره مما وراء تلك الدعوات والولائم وأن هؤلاء الأثرياء ليس هدفهم إطعام الطعام بل أنها نوع من الرشاوي والبحث عن النفوذ والسلطة في المدينة من خلال الولاة .  
وقد جاء في الرسالة مختلف المواعظ والحكم التي تدفع إلى التفكير والتأمل :  
" أما بعد يابن حنيف ؛ فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتُنقل إليك الجفان ، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ ، وغنيّهم مدعوّ. . .  
ألا وان لكل مأموم إماما يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألا وان إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه " .  
وقد سئل أحد أصحابه وهو " عدي بن حاتم الطائي " عن سياسة أمير المؤمنين فقال : رأيت القوي عنده ضعيفاً حتى يأخذ الحق منه ورأيت عنده الضعيف قوياً حتى يأخذ الحق له .  
ويقول عن نفسه : وكيف أكون إماماً للناس ولا أشاركهم آلامهم وفقرهم ؟ !  
وهو لا يقيم للسلطة والنفوذ وكرسي الحكم وزناً .  
يسأل ابنَ عباس ذات يوم وكان يخصف نعله :  
- ما قيمة هذه النعل ؟  
فقال ابن عباس بعد أن ألقى نظرة فاحصة :  
- إنها رخيصة بل لا قيمة لها .  
عندها قال الإمام : إنّ قيمتها عندي لأفضل من السلطة والحكم إلاّ أن اُقيم حقاً أو اُبطل باطلاً .  
  1. إلغاء الامتيازات :   
عندما تصدى الإمام إلى الخلافة أعلن منذ اليوم الأول سياسته القائمة على العدل والمساواة بين الناس ، لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى ، ولا بين السادة والعبيد . وقد لامه البعض واقترح عليه العودة إلى السياسة القديمة التي كان يتبعها الخلفاء .  
فقال الإمام مستنكراً : أتأمروني أن أطلب النصر بالجور ؟!  
ثم قال : لو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال مال الله .  
جاءه أخوه عقيل ذات يوم ، فرحَّب به الإمام ، ولما حان وقت العشاء لم يجد عقيل على المائدة غير الخبز والملح فتعجب ، وقال : ليس إلاّ ما أرى .  
  
فردّ الإمام : أو ليس هذا من نعمة الله وله الحمد كثيراً .  
وطلب عقيل منه مبلغاً من المال لسداد دينه فقال الإمام : اصبر عني يخرج عطائي.  
فانزعج عقيل وقال : بيت المال في يدك وأنت تسوّقني إلى عطائك .  
فقال الإمام : ما أنا إلا بمنزلة رجل من المسلمين .  
كان عقيل يلحّ على الإمام أن يعطيه من بيت المال ، فقال الإمام : إن شئت أخذتَ سيفك وأخذت سيفي وخرجنا معاً إلى الحيرة فأنّ بها تجاراً مياسير ، فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله .  
فقال عقيل مستنكراً : أو سارقاً جئتُ ؟ !  
عندها أجابه الإمام : تسرق من واحد خير من أن تسرق من المسلمين جميعاً .  
هكذا عاش الإمام فترة حكمه كلها وهو يأكل أكل الفقراء ويعيش حياة البسطاء.  
ولما قالوا له إن معاوية ينفق الأموال ويوزع الرشاوى لكي يحرز النصر ، فلما ذا لا تصنع مثله ؟ قال الإمام مستنكراً :  
- أتأمروني أن اطلب النصر بالجور ؟ !  
  
واستغاثت به امرأة طردها زوجها في يوم قائظ شديد الحر ، فأسرع يردّها إلى زوجها ويصلح بينهما .  
وبعد أن طرق الباب خرج شاب لا يعرف الإمام . وعندما عاتبه الإمام على فعله صرخ بوجه الإمام غاضباً وراح يتوعد امرأته بالعذاب لأنها جاءت بهذا الرجل .  
وفي الأثناء مرّ بعض الناس و كانوا يعرفون الإمام ( عليه السلام ) فسلّموا عليه قائلين : السلام عليك يا أمير المؤمنين .  
واندهش الشاب وسقط على يد الإمام يقبل يده و يعتذر ، وعاهده إلاّ يعود إلى مثلها ؛ فوعظهما الإمام ونصحهما لتكون حياتهما طيبة هانئة .  
غدير خم :  
في العام العاشر من الهجرة حجّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) حجة الوداع ، وكان في تلك المدّة يفكر في مسألة الخلافة وهو يشعر بدنو أجله ورحيله عن الدنيا فكان يحاول تمهيد الأمور إلى خليفته ووصيه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .  
وطالما سمع الصحابةُ رسولَ الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو يقول :  
  
" علي مع الحق و الحق مع علي " ، " أنا مدينة العلم و علي بابها " .  
وكان جابر بن عبد الله الأنصاري يقول : ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم علياً.  
فقد سمع الصحابةُ سيدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " أيّها الناس أوصيكم بحب أخي و ابن عمي علي بن أبي طالب فإنّه لا يحبه إلاّ مؤمن و لا يبغضه إلاّ منافق ".  
وفي 18 من ذي الحجة عندما عاد سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) من حجة الوداع ومعه أكثر من مئة ألف من المسلمين ، هبط جبريل يحمل أمر السماء .  
فتوقف الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في منطقة يقال لها " غدير خم " .  
وأمر المسلمين بالتوقف ، وفي تلك الصحراء الحارقة خطب الرسول بالمسلمين قائلاً : " أيّها الناس يوشك أن أُدعى فأجيب وإني مسؤول وإنّكم مسؤولون : فماذا انتم قائلون " ؟ !  
قالوا نشهد أنك قد بلّغت ، وجاهدت ونصحت فجزاك الله خيراً .  
فقال : " أليس تشهدون أن لا إله ألاّ الله ، وأن محمداً عبده ورسوله وأن جنته حق ، وأن ناره حق ، وأن الموت حق وأن البعث بعد الموت حق ، وأن الساعة لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور " ؟ !  
قالوا نشهد بذلك .  
قال : " اللهم اشهد " .  
ثم قال ( صلى الله عليه وآله ) : " أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وإني مخلّف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ".  
كان عشرات الألوف من المسلمين ينظرون إلى سيدنا محمد وهو يرفع يد وصيّه وخليفته عالياً .  
واندفع الصحابة والمسلمون يسلّمون على علي ( عليه السلام ) ويهنئونه قائلين ، السلام عليك يا وليّ المؤمنين .  
الخلافة :  
توفي سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) وفُجع المسلمون برحيله ، وفي تلك الأثناء اجتمع بعض الصحابة بعيداً عن أعين المسلمين و اغتصبوا الخلافة ، ووجد الإمام علي ( عليه السلام ) نفسه وحيداً ، ففضّل السكوت حفاظاً على الدين ومصلحة المسلمين .  
وعندما وصلت الخلافة إلى عثمان تسلّل الأمويون إلى الحكم فعمّ الفساد في أنحاء الدولة الإسلامية ؛ وراحوا يتململون من ظلم وقهر الحكام الأمويين .  
وعندما وجد المسلمون أن عثمان يساند ولاته وينفي بعض الصحابة كأبي ذر ويجلد البعض الآخر مثل عمار بن ياسر ، أعلنوا الثورة وجاءوا إلى المدينة المنورة يطلبون من عثمان التنازل عن الخلافة .  
حاول الإمام علي ( عليه السلام ) إصلاح الأمور وقدم نصائحه للخليفة للعودة إلى عدالة الإسلام وعدم الإصغاء إلى المنافقين من أمثال " مروان بن الحكم " .  
ولكن لا فائدة .  
وتصاعد غضب المسلمين وحاصروا قصر الخلافة .  
كانت حياة عثمان في خطر ، فبادر الإمام إلى إرسال ولديه " الحسن والحسين " إلى القصر ، ووقفا أمام الباب لحماية الخليفة من هجوم الثائرين .  
كان عثمان مُصراً على سياسته ، وكان الثوّار في ذروة الغضب ، وانفجر الموقف عندما تَسوّر بعض الثوّار القصر ، ودخلوا على عثمان وقتلوه .  
واندفعت الجماهير إلى منزل علي ( عليه السلام ) يطلبون منه تسلّم مسؤولية الخلافة ، وقد رفض الإمام بشدةٍ ذلك في بداية الأمر ولكنه وافق بعد إصرار الناس ، فتصدّى إلى الحكم وإدارة البلاد وتنفيذ عدالة الإسلام .  
وهكذا انتبه المسلمون بعد ( 25 ) سنة ، فأعادوا الحق إلى صاحبه .  
حكومة علي ( عليه السلام ) :  
  
أعلن الإمام ( عليه السلام ) منذ اليوم الأول سياسته في الحكم ، وأعلن منهجه القائم على المساواة والعدل ، وأنّه سيعيد الحقوق إلى نصابها ، وينتصف للمظلوم من الظالم .  
لقد تعوّد الناس طوال المدّة السابقة على الظلم وعلى الامتيازات وتجمعت الثروات الهائلة عند البعض من الصحابة والأمويين ، بينما المسلمون يعيشون حياةً صعبة محرومين من لقمة العيش الكريم .  
خاف بعض الأثرياء على مصالحهم وامتيازاتهم من عدل علي ( عليه السلام ) فاختلقوا الأسباب للوقوف في وجه الحكم الجديد ، فاشتعلت الحروب الداخلية ، فكانت معركة " الجمل " في البصرة أول معركة ، ثم تلتها حرب " صفين " وبعدها معركة "النهروان " .  
استشهاد الإمام :  
بعد هزيمة الخوارج في معركة النهروان اجتمع ثلاثة منهم ؛ وهم " ابن ملجم " و " الحجّاج بن عبد الله " و " عمر بن بكر التميمي " وتشاوروا في قتل معاوية وعمرو بن العاص و" علي بن أبي طالب " ، وتعهد ابن ملجم باغتيال علي ( عليه السلام ) .  
  
وفي يوم 19 من شهر رمضان المبارك سنة 40 هجرية . نفّذ ابن ملجم جريمته .  
كان الإمام يصلّي بالمؤمنين صلاة الفجر في مسجد الكوفة ، و تسلّل " ابن ملجم" خفية ، ثم اقترب من الإمام وكان ساجداً ، وعندما رفع الإمام ( عليه السلام ) رأسه هوى المجرم بسيفه المسموم على رأسه ، وتدفّقت الدماء الطاهرة لتصبغ المحراب بلونها القاني ، و هتف الإمام : " فُزتُ و ربِّ الكعبة ".  
وسمع الناس نداءً في السماء : تهدّمت و الله أركان الهدى ، قتل اتقى الأتقياء . . . قتله أشقى الأشقياء .  
حاول المجرم الفرار من الكوفة فأُلقي القبض عليه .  
فقال له الإمام :  
- ألم أُحسن إليك ؟  
  
فأجاب ابن ملجم :  
- نعم .  
وأراد الناس الإنتقام من المجرم ولكن الإمام منعهم ، وأوصى ابنه الحسن ( عليه السلام ) أن يحسن إليه مادام حيا .  
ولما استُشهد الإمام نفّذ الإمام الحسن حُكم الشريعة بالمجرم ، وذلك في يوم 21 رمضان .  
وهكذا رحل الإمام عن الدنيا وكان عمره بعمر سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله) أي 63 سنة ، وحُمل جثمانه إلى خارج الكوفة و دُفن سِرّاً تحت جُنح الظلام .  
من كلماته المضيئة :  
  1. لا تطلب الحياة لتأكل ، بل اطلب الأكل لتحيا .   
  2. أعم الأشياء نفعاً موت الأشرار .   
  3. لا تسبَّن إبليس في العلانية وأنت صديقه في السرّ.   
  4. عقل الكاتب في قلمه .   
  5. الصديق نسيب الروح ، و الأخ نسيب الجسم .   
  6. لا تقل ما لا تحُبُّ أن يقال لك .   
  7. عدم الأدب سبب كل شرّ .   
  8. تعلموا العلم صغاراً ، تسودوا به كباراً .   
  9. إختر أن تكون مغلوباً وأنت منصف ، ولا تختر أن تكون غالباً وأنت ظالم .   
هوية الإمام ( عليه السلام ) :  
الاسم : علي .  
اللقب : امير المؤمنين .  
الكنية : أبو الحسن .  
تاريخ الولادة : 23 ق . هـ .  
تاريخ خلافته : عام 35 هجري .  
مدة الخلافة : 5 سنوات .  
العمر : 63 سنة .  
تاريخ شهادته : 40 هـ  
أسئلة :  
  1. اين ولد علي ( عليه السلام ) ؟   
  2. ماذا قال رسول الله في حق علي ( عليه السلام ) ؟   
  3. لماذا توقّف علي من قتل خصمه في معركة الخندق ؟   
  4. ماذا تعرف عن " واقعة غدير خم   
  
  
    
   
  
 
في 3 شعبان سنة 4 هجرية وُلد سيدنا الحسين ( عليه السلام ) .  
وقد استبشر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بولادته ، وانطلق إلى بيت ابنته فاطمة ليبارك لها الوليد .  
أذّن جدّه النبي ( صلى الله عليه وآله ) في أذنه اليمنى ، وأقام في أذنه اليسرى ، وسمّاه " حسيناً ".  
وفي اليوم السابع لولادته عقَّ عنه أبوه علي ( عليه السلام ) ، ووزّع لحم عقيقته على الفقراء والمساكين .  
كان سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) يحب حفيده الحسين ( عليه السلام ) ، وقد دمعت عيناه حزناً بعد أن أخبره الوحي بما سيجري على الحسين ( عليه السلام ) في المستقبل .  
كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : حسين مني وأنا من حسين ، وهو إمام ابن إمام وسيكون من نسله تسعة أئمة آخرهم المهدي ؛ وهو يظهر في آخر الزمان .. يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تُملأ ظلماً وجوراً .  
في عهد أبيه :  
  
قضى الحسين ستة أعوام في أحضان جدّه النبي ، تعلّم فيها الكثير من أخلاق جده و أدبه العظيم .  
و عندما توفَّي النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمضى 30 سنة من عمره الشريف في عهد أبيه " علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) " و تألم لمحنته ، فوقف إلى جانبه .  
عندما تولّى سيدنا علي ( عليه السلام ) مسؤولية الخلافة كان الحسين ( عليه السلام ) جندياً مضحياً يقاتل من أجل تثبيت راية الحق . شارك في معارك " الجمل " و "صفين " و " النهروان " .  
وعندما استشهد سيدنا علي ( عليه السلام ) بايع الحسين ( عليه السلام ) أخاه الحسن ( عليه السلام ) بالخلافة ، و وقف إلى جانبه ضد معاوية .  
الإمام في عهد معاوية :  
دسَّ معاوية السم إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) فاستشهد . فتصدى سيدنا الحسين إلى الإمامة ، وكان عمره 46 سنة .  
  
كان سيدنا الحسين يدرك أن معاوية هو السبب في كل مآسي المسلمين .  
كان معاوية يتظاهر بشعائر الإسلام ولكنه كان يعمل في الخفاء للقضاء على الدين ، وكان يحرص على بقاء أهل الشام في جهل تام بحقائق الإسلام وصحابة الرسول المخلصين ، وكان يبثّ الدعايات المغرضة لتشويه سمعة آل البيت ( عليهم السلام ) ، وكان يطارد كل من يعارض سياسته ، فقد قتل كثيراً من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحاب سيدنا علي ( عليه السلام ) ؛ كان في طليعتهم حجر بن عدي رضى الله عنه الذي قتله مع ابنه في " مرج عذراء " خارج دمشق .  
كان معاوية يفكّر ويعمل لتنصيب ابنه يزيد للخلافة ، مع علمه بأخلاق يزيد ؛ وكان شابّاً يسخر من الدين وأهله . . يشرب الخمر ويقضي أكثر وقته يلعب مع القرود .  
حذّر سيدنا الحسين ( عليه السلام ) معاوية من خطورة ما يفعله ، ولكن معاوية لم يصغ إلى أحد ، وأعلن نيّته في بيعة يزيد ، ثم أخذ له البيعة بالقوّة ، وأجبر الناس على ذلك .  
مع يزيد :  
مات معاوية وجاء إلى الحكم ابنه يزيد ، وكان أول ما قام به هو أن بعث برسالة إلى " الوليد " حاكم المدينة المنوّرة وأمره أن يأخذ البيعة من سيدنا الحسين ( عليه السلام ) بالقوة .  
استدعى الوليدُ (حاكم المدينة ) سيدَنا الحسين ( عليه السلام ) وعرض عليه أمر يزيد .  
كان سيدنا الحسين يدرك أن يزيد يريد من وراء ذلك أن يقول إن الحسين وهو ابن رسول الله قد بايع ، ومعنى هذا أن خلافته شرعية ؛ لذلك رفض الإمام ( عليه السلام) بيعة يزيد ، ذلك الرجل الفاسق الذي يشرب الخمر ولا يحكم بما انزل الله .  
هدد الوليد سيدنا الحسين بالقتل إذا هو رفض بيعة يزيد ؛ غير أن الإمام ( عليه السلام ) لا يفكر في شيء سوى مصلحة الإسلام حتى لو كان في ذلك قتله .  
الكوفة تستنجد بالإمام :  
كان المسلمون يتململون من ظلم معاوية وكانوا يتمنون أن تعود حكومة علي بن أبي طالب . . حكومة العدل الإسلامي .  
وعندما سمع أهل الكوفة أن الإمام الحسين قد رفض البيعة ليزيد ، بعثوا برسائلهم إلى الإمام يطلبون منه القدوم إلى الكوفة و إنقاذهم من الظلم والجور .  
وصل عدد الرسائل التي تسلّمها الإمام الحسين اثني عشر ألف رسالة كلّها كانت تقول : اقدم يا بن رسول الله ، فليس لنا أمام غيرك .  
سفير الحسين :  
  
أرسل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ابن عمه " مسلم بن عقيل " سفيراً إلى الكوفة ، و سلّمه رسالة إلى أهل الكوفة جاء فيها :  
  • أما بعد فقد أتتني كتبكم وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم ، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل .  
استُقبل مسلم بن عقيل استقبالاً حاراً ، والتف حوله الناس يبايعون الإمام الحسين.  
وبلغ عدد الذين بايعوا أكثر من ثمانية عشر ألفاً .  
عندما كتب مسلم بن عقيل رسالة إلى سيدنا الحسين يخبره فيها اجتماع أهل الكوفة على نصرة الحق ورفض البيعة ليزيد ، ويطلب من الإمام القدوم في أول فرصة .  
مصرع مسلم :  
  
كان يزيد يراقب ما يجري في الكوفة ، فعين حاكماً جديداً هو " عبيد الله بن زياد" ، الذي وصل الكوفة على جناح السرعة .  
بدأ " ابن زياد " سياسته في الإرهاب والقتل وتقديم الرشاوى ، وراح يهدد الناس بجيش سوف يصل من الشام .  
خاف أهل الكوفة وتخلوا عن مسلم ، فبقي وحيداً ولكنه لم يستسلم فظل يقاتل وحده إلى أن جرح بشدّة ، فوقع أسيراً ثم استشهد رضى الله عنه .  
وصلت أخبار قتل مسلم وبعض أنصاره إلى سيدنا الحسين وهو في طريقه إلى الكوفة ، وعرف أن أهل الكولة قد غدروا به ، فقال الإمام لأصحابه والذين التحقوا به :  
- من لحق بنا استشهد ، ومن تخلّف عنا لم يبلغ الفتح .  
كان سيدنا الحسين يعرف المصير الذي سيواجهه ، ولكن الإمام كان يفكر بأداء واجبه تجاه الإسلام والمسلمين .  
هدف الحسين :  
أعلن سيدنا الحسين رفضه البيعة ليزيد ، لأن يزيد لا يليق بالخلافة ، فهو رجل فاسق يشرب الخمر ويحلّل الحرام ويحرّم الحلال .  
لذلك قال سيدنا الحسين ( عليه السلام ) في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية : إني لم أخرج مفسداً ولا ظالماً ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي ( صلى الله عليه وآله ) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) .  
كان سيدنا الحسين يعرف أنه سيُقتل في الصحراء مع أصحابه وأهل بيته ، ولكنه أراد أن يوقظ المسلمين من نومهم ليعرفوا حقيقة معاوية وابنه يزيد ، وأنهم يفعلون كل شيء من أجل البقاء في الحكم حتى لو قَتلوا سبط النبي ، وأخذوا حرمه سبايا .  
الحسين يوم عاشوراء :  
  
قطع جيش يزيد الطريق على قافلة الحسين ( عليه السلام ) ، في مكان يدعى كربلاء قرب نهر الفرات ، ومنعوا الماء عن الأطفال والنساء .  
وفي يوم 10 محرّم وكان الحرّ شديداً ، وعظ سيدنا الحسين ( عليه السلام ) الناس وحذّرهم من عاقبة عملهم :  
أيها الناس انسبوني من أنا ، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي . . ألست أنا ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله .  
أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ؟!  
أو ليس جعفر الطيّار عمّي ؟ !  
أو لم يبلغكم قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لي ولأخي : هذان سيدا شباب أهل الجنّة ؟!.  
  
كان أهل الكوفة يعرفون جيداً ، ولكن الشيطان قد غرّهم ، ففضّلوا حياة الذلّ مع " يزيد " و" ابن زياد " وتركوا الحسين ( عليه السلام ) وحيداً .  
قالوا لسيدنا الحسين ( عليه السلام ) :  
  • بايع يزيد كما بايعناه نحن .  
أجاب الحسين ( عليه السلام ) : لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرُّ فرار العبيد .  
أصدر " عمر بن سعد " قائد جيش " يزيد " أمره بالهجوم على معسكر الحسين (عليه السلام ) ، وحدثت معركة ضارية سقط فيها خمسون شهيداً ، وبقي مع الإمام عدد قليل من أصحابه و أهل بيته ، فكانوا يتقدمون إلى الموت الواحد تلو الآخر بشجاعة وبسالة دون أي إحساس بالخوف ، وكانوا يعتقدون انهم سوف يستشهدون في سبيل الله ويذهبون إلى الجنّة .  
استشهد جميع أصحابه وأهل بيته وبقي سيدنا الحسين وحيداً ، فودّع عياله وأمرهم بالصبر والتحمل في سبيل الله ، ثم ركب جواده وتقدم يقاتل آلاف الجنود لوحده ، حتى سقط شهيداً فوق الرمال .  
  
لم يكتف " ابن زياد " بقتل سيدنا الحسين بل أمر بعض الفرسان الذين باعوا ضمائرهم بأن يدوسوا على صدره ، فانبرت عشرة خيول وراحت تمزّق صدر الحسين بحوافرها .  
بعدها أمر " ابن سعد " بإضرام النار في خيام الحسين بعد أن نهبوها وأخذوا الأطفال والنساء سبايا إلى الكوفة وكانت فيهم زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وزين العابدين ابن الإمام الحسين ( عليهم السلام ) .  
تقدمت زينب بشجاعة إلى جثمان أخيها الحسين . وضعت يديها تحت الجسد الطاهر ورفعت رأسها إلى السماء ، وقالت بخشوع :  
- الهي تقبّل منّا هذا القربان .  
لماذا نتذكر الحسين ؟  
  
قدّم سيدنا الحسين كل ما يملك من اجل عزّة الإسلام والمسلمين . . قدّم أطفاله ونساءه وأصحابه ثم قدّم نفسه في سبيل الله .  
علّم سيدنا الحسين الناس الثورة ضد الظلم والفساد ، وقضى آخر أيام حياته يقرأ القرآن ويصلي لله .  
حتى في وسط المعركة طلب من أعدائه إيقاف القتال لأداء الصلاة .  
وصلّى الحسين بأصحابه وكانت السهام تنهمر عليهم كالمطر .  
كانت ثورة سيدنا الحسين من اجل الإسلام وفي سبيل الله ؛ لهذا فإن المسلمين يذكرون الإمام الحسين ( عليه السلام ) دائماً . . يذكرون بحزن يوم عاشوراء تلك المذبحة الفظيعة التي ارتكبها الأمويون وقتلوا فيها سبط النبي وخيرة المسلمين .  
عاش سيدنا الحسين 57 سنة قضاها في عمل الخير وخدمة الناس .  
  
وحجّ بيت الله الحرام ماشياً مرّات عديدة .  
مرّ سيدنا الحسين ( عليه السلام ) ذات يوم بمساكين قد فرشوا كساء لهم و وضعوا عليه كسراً من الخبز ، فقالوا له :  
هلمّ يابن رسول الله .  
فجلس معهم يأكل ، ثم تلا قوله تعالى : {إن الله لا يحبّ المستكبرين }، وقال لهم:  
- قد أجبت دعوتكم فأجيبوا دعوتي .  
قالوا : نعم يابن رسول الله  
فذهبوا معه إلى منزله فأكرمهم .  
وعندما أراد الإمام زين العابدين دفْنَ أبيه ، سأله الناس وهم ينظرون إلى آثارٍ تشبه الجروح القديمة في ظهره ، فقال زين العابدين ( عليه السلام ) :  
- هذا مما كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين .  
يوم عاشوراء :  
  
هو يوم العاشر من المحرّم ، وكان يوماً عادياً لا يحتفل به أحد ، وعندما استشهد سيدنا الحسين ( عليه السلام ) في هذا اليوم سنة 61 للهجرة اصبح مناسبة كبرى يحتفل بها المسلون في كل مكان ، ويجلسون للعزاء والبكاء على شهداء كربلاء .  
وكانت كربلاء صحراء لا يسكنها أحد ، فأصبحت – بمرور الأيام – مدينة كبيرة ومركزاً من مراكز العلم والدين .  
في مصر أعلن " الفاطميون " يوم عاشوراء عزاءً عاماً تتعطل فيه الأسواق ، حيث يجتمع الناس عند مرقد السيدة زينب للبكاء و ذكر مصيبة كربلاء .  
وفي إيران أمر " مُعزّ الدولة الديلمي " بإعلان يوم عاشوراء عطلة رسمية في البلاد .  
وهكذا أصبح المسلمون يحتفلون في يوم عاشوراء في مصر وإيران والعراق والهند وغيرها من البلدان الإسلامية .  
  
وما تزال ذكرى " عاشوراء تتجدد عاماً بعد عام .  
وفي إيران استلهم الشعب تضحيات سيدنا الحسين ( عليه السلام ) وقام بثورة كبرى أطاحت بالنظام الفاسد و أقامت النظام الإسلامي .  
من المنتصر !  
يتصور البعض أن سيدنا الحسين قد مني بهزيمة أمام جيش يزيد بن معاوية ، ولكن عندما ندقّق في صفحات التاريخ سنشاهد أن سيدنا الحسين هو الذي انتصر على أعدائه .  
إن المبادئ التي قُتل من اجلها الحسين ما تزال باقية حيّة في قلوب الناس .فأين يزيد الآن ، و أين ابن زياد ، بل أين معاوية نفسه . لقد ذهبوا جميعاً ولم يبق لهم من ذكر . و إذا ذكرهم أحد فإنّه يذكرهم للّعنة فقط .  
  
لقد أراد المجرمون القضاء على سيدنا الحسين ، ولكن الله أراد له الخلود في الدنيا والآخرة ؛ وأصبح نصيب أعدائه اللعنة في الدنيا . . . والنار في الآخرة .  
وأصبحت كربلاء رمزاً للثورة والحرّية وانتصار الدم على السيف .  
من كلماته المضيئة :  
  1. لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما .  
  2. هيهات منا الذلّة .  
  3. الناس عبيد الدنيا والدين لعِق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم ، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون .  
  4. قال لابنه زين العابدين ( عليه السلام ) : أي بني إيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلاّ عز وجل .  
  
  1. إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار ، وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار ؛ وهي أفضل العبادة .  
هوية الإمام :  
الاسم : الحسين .  
اللقب : سيد الشهداء .  
الكنية : أبو عبد الله .  
اسم الأب : علي ( عليه السلام ) .  
اسم الأم : فاطمة ( عليها السلام ) .  
اسم الجد : محمد ( صلى الله عليه وآله ) .  
تاريخ الولادة : 3 شعبان سنة 4 هجرية .  
مدة الإمامة : عشرة أعوام .  
العمر : 57 سنة .  
تاريخ شهادته : 10 محرم سنة 61 هجرية .  
محل الدفن : كربلاء .  
أسئلة :  
  1. لماذا سكت سيدنا الحسين في زمن معاوية ؟  
  2. من هو سفير سيدنا الحسين إلى الكوفة ؟  
  3. " لقد انتصر الدم على السيف " اشرح هذه العبارة .  
  4. لماذا نبكي على سيدنا الحسين ( عليه السلام ) ؟  
  
  
 
في الخامس عشر من شهر رمضان ، ربيع القرآن ، ولد الإمام الحسن ( عليه السلام ) .  
في بيت طيني صغير فتح عينيه ، وتربّى في أحضان جدّه محمّد ( صلى الله عليه وآله) وأبيه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأمّه فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) .  
كان سيدنا محمّد يحب حفيده الحسن ويقول : إنه ابني ، ويقول : إنه ريحانتي من الدنيا .  
و طالما رآه المسلمون يحمل الحسنَ ( عليه السلام ) على عاتقه ويقول : إن ابني هذا سيد ولعل الله يُصلح به بين فئتين من المسلمين . ثم يدعو الله قائلاً : اللهم إني أحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه .  
وكان سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) يردد دائماً : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة .  
وذات يوم كان رسول الله يصلّي في المسجد ، فجاءه الحسن وهو ساجد فصعد على ظهره ثم رقبته ، وكان الرسول يقوم برفق حتى ينزل الحسن ، فلما فرغ من صلاته قال بعض المسلمين : يا رسول الله إنك تصنع بهذا الصبي شيئاً لا تصنعه بأحد ، فقال (صلى الله عليه وآله ) : إن هذا ريحانتي وإن ابني هذا سيّد وعسى أن يصلح الله به بين فئتين من المسلمين .  
أدبه :  
كان الحسن مع أخيه الحسين في طريقهما إلى المسجد ، فشاهدا شيخاً يتوضأ لكنه لا يحسن الوضوء .  
فكّر الحسن ( عليه السلام ) كيف يصلح وضوء الشيخ دون أن يسيء الأدب ، فتقدما إلى الشيخ وتظاهرا بالنزاع ، وكل منهما يقول : أنت لا تحسن الوضوء ، ثم قالا للشيخ : كن حكَماً بيننا ، ثم راحا يتوضأن .  
كان الشيخ يراقب وضوءهما ، وأدرك هدفهما ، فقال مبتسماً :  
كلاكما تحسنان الوضوء .  
وأشار إلى نفسه وقال : ولكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لا يُحسن الوضوء ، وقد تعلّم منكما .  
وشاهد أحد الصحابة رسولَ الله ( صلى الله عليه وآله ) يحمل على عاتقه الحسن والحسين . فقال الصحابي : نِعْمَ الجمل جملكما .  
فقال سيدنا محمد : ونِعْمَ الراكبان هما .  
تقواه :  
كان الإمام الحسن ( عليه السلام ) أعبد أهل زمانه .حجّ بيت الله ماشياً خمسة وعشرين حجة .  
كان إذا قام للوضوء والصلاة ، اصفرّ لونه وأخذته رجفة من خشية الله ، وكان يقول : حقّ على كل من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله .  
فإذا وصل باب المسجد رفع رأسه إلى السماء ، وقال بخشوع : إلهي ضيفك ببابك ، يا محسن قد أتاك المسيء ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك ، يا كريم .  
حلمه :  
  
كان الإمام الحسن ذات يوم في الطريق ، فصادفه رجل من أهل الشام وكان يكره أهل البيت ، فراح يسبّ ويشتم الحسن ( عليه السلام ) ، وظل الحسن ساكتاً لا يجيبه إلى أن انتهى . عندها ابتسم الحسن ( عليه السلام ) وقال بعد أن سلّم عليه : أيها الشيخ أظنّك غريباً . . . إن سألتنا أعطيناك ، و لو استرشدتنا أرشدناك ، وإن كنت جائعاً أشبعناك ، وإن كنت عرياناً كسوناك ، وإن كنت محتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك .  
فوجئ الرجل الشامي بجواب الحسن ، وأدرك – على الفور – أن معاوية كان يخدع الناس و يشيع فيهم عن علي وأولاده ما ليس بحق .  
تأثّر الرجل وبكى ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في أرضه ، وإن الله أعلم حيث يجعل رسالته ، لقد كنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ و الآن أنت أحبّ خلق الله إليّ .  
ومضى الرجل مع الإمام إلى منزله ضيفاً إلى أن ارتحل .  
سخاؤه وكرمه :  
 
  1. سأل رجل الحسن بن علي ( عليه السلام ) فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار .  
  2. وجاء أحد الأعراب فقال ( عليه السلام ) : أعطوه ما في الخزانة ، فوُجد فيها عشرون ألف دينار .  
  3. كان الإمام الحسن يطوف حول الكعبة فسمع رجلاً يدعو الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم ، فانصرف الحسن ( عليه السلام ) إلى منزله ، وبعث إليه بعشرة آلاف درهم .  
  4. وجاءه رجل فقال له : اشتريت عبداً ففرّ مني ، فأعطاه الإمام ثمَن العبد .  
الخلافة :  
التحق سيدنا علي ( عليه السلام ) بالرفيق الأعلى ليلة 21 من شهر رمضان المبارك إثر اغتياله على يد الخارجي " ابن
ملجم " فخلفه ابنه الإمام الحسن ( عليه السلام) في الخلافة ، وبايعه المسلمون ؛ فنهض بقيادة الأمة ومسؤولية الخلافة ، وله من العمر 27 سنة .  
وفي صباح اليوم الأول صعد المنبر وألقى خطاباً تاريخياً معلِناً استمرار سياسة أبيه في العدل والمساواة والتصدي لمؤامرات المنحرفين عن الإسلام :  
" لقد قُبِض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ولم يُدركه الآخرون بعمل ، لقد كان يجاهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فيقيه بنفسه وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله ) يوجِّهَهُ برَايَته ، فيكنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله ، ولا يرجع حتى يفتح الله عليه . . و لقد توفي في الليلة التي عُرج فيها بعيسى بن مريم ، والتي قُبض فيها يوشع بن نون " وصي موسى ( عليه السلام ) " وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضُلت عن عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله " .   
ثم خنقته العبرة فبكى ، وبكى الناس ، ثم قال :  
أنا ابن البشير . . أنا ابن النذير . . أنا ابن الداعي إلى الله بأذنه . . أنا ابن السراج المنير . . أنا مِن أهل بيت أذهَب اللهُ عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . . أنا من أهل بيت فرَض الله مودّتهم في كتابه فقال تعالى :  
{ قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى و من يقترف حسنة نزد له فيها حسناً} 1 فالحسنة مودّتنا أهل البيت .  
نهض عبد الله بن عباس ، وقال : معاشر الناس ! هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه .  
فاستجاب له الناس ، وقالوا : " ما أحبّه إلينا وأوجب حقه علينا " وبادروا إلى البيعة له بالخلافة .  
مؤامرات معاوية :  
استمر معاوية في مؤامراته ضدّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) كما كان في عهد سيدنا علي ( عليه السلام ) ، فكانت حرب صفين ، ثم معركة النهروان بسبب تمرّده على الخلافة ومحاولته لاغتصابها من أصحابها الشرعيين .  
لقد انتخب الناسُ الحسن ( عليه السلام ) خليفةً لرسول الله وأميراً للمؤمنين ، ولكن معاوية رفض البيعة للإمام ، وبدل أن يطيع راح يبث الجواسيس إلى الكوفة والبصرة ، ويبعث الرشاوى لبعض الناس .  
لم يتساهل الحسن في مواجهة مؤامرات معاوية بل أمر بإعدام الجواسيس ثم بعث برسالة إلى معاوية يحذره فيها من الاستمرار في انحرافه :  
- أما بعد فإنك دسست إلي الرجال ، كأنك تحبّ اللقاء ، لاشك في ذلك فتوقعه إن شاء الله .   
الاستعداد للحرب :  
  
وجَّه معاوية جيوشه لبثّ الذعر في قلوب المسلمين والإغارة عليهم ونهب ممتلكاتهم ، وكان على الإمام الحسن أن يتصدّى للعدوان ويستعدّ للقتال ، فخطب بالناس قائلاً :  
أما بعد ؛ فإن الله كتب الجهاد على خلقه ، وسمّاه كرها ثم قال لأهل الجهاد : اصبروا إن الله مع الصابرين ، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلاّ بالصبر على ما تكرهون . . . أُخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم في النخيلة .  
وللأسف كان الخوف مسيطراً على الناس ، وكانت استجابتهم للقتال بطيئة .  
وهنا نهض عدي بن حاتم الطائي وكان من أصحاب الإمام ( عليه السلام ) فنادى بالناس مستنكراً تخاذلهم :  
" أنا عدي بن حاتم ، سبحان الله ما أقبح هذا المقام ! ! ! ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم ؟ ! أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ، فإذا جدّ الجدّ راوغوا كالثعالب ؟ أما تخافون مقت الله ؟ ".   
ثم ركب فرسه وانطلق إلى معسكر النخيلة .  
 
وقام بعض أنصار الإمام وقادته بتشجيع الناس على الاستعداد لمواجهة معاوية ، فتألف جيش بلغ عدده اثني عشر ألفاً ، فأُسندت القيادة إلى " عبيد الله بن العباس " وكان معاوية قد قتل ولديه الصغيرين في إحدى الغارات .  
كان في جيش الإمام الحسن ( عليه السلام ) الكثير من أهل الدنيا والأطماع ، فسَهُل على معاوية أن يشتريهم بالأموال ، فراحوا يتسلّلون إلى معسكر معاوية في الظلام .  
بل أن معاوية استطاع أن يرشي قائد
الجيش " عبيد الله بن العباس " بمليون درهم ، فانحاز إلى معاوية ، تاركاً الإمام والخليفة وحيداً .  
وتوالت الخيانات ، وتجرأ أحدهم فأراد اغتيال الإمام الحسن ، وقد جرح ( عليه السلام ) في ساقه .  
أدرك الإمام الحسن ( عليه السلام ) أن من الصعب مواجهة معاوية بجيش ضعيف يبيع جنوده أنفسهم بثمن زهيد .  
وفي المقابل كان معاوية يعرض الصلح والسلام على الإمام مقابل التنازل عن الخلافة ، وكان الإمام ( عليه السلام ) يعرف أن الاستمرار في مواجهة معاوية سوف يعرِّض أصحابه وأنصاره – وفيهم خيرة صحابة رسول الله - إلى الإبادة والموت ، وسوف يحتل جيش الشام الكوفة وينتهك الأعراض ويقتل الأبرياء ، لذا آثر الإمام ( عليه السلام ) الصلح على سفك الدماء مقابل بعض الشروط .  
الصلح :  
 
كان الخوارج يخططون لاغتيال الحسن ، وكان معاوية يشجعهم من بعيد على ذلك لكي يضطر الإمام إلى قبول الصلح والتنازل عن الخلافة .  
كان سيدنا الحسن لا يفكر إلاّ بمصلحة الإسلام و المسلمين ، وأخيراً وافق على الصلح حقناً للدماء ، وكتب شروط الصلح وعرَضها على معاوية :  
  1. أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) .  
  2. أن لا يلاحق شيعة آل البيت ( عليهم السلام ) .  
  3. أن لا يسبّ أو يشتم علياً ( عليه السلام ) .  
  4. ليس لمعاوية الحق في نصب أحد للخلافة .
      
  5. أن لا يدعو الحسن معاوية أميراً للمؤمنين .  
  6. على معاوية أن يعيد الخلافة إلى الحسن فان توفي الحسن فإلى الحسين .  
معاوية يخرق الشروط :  
 
كان سيدنا الحسن يدرك أن معاوية لن يلتزم بالشروط ، فأراد الإمام أن تعرف الأمة ألاعيب معاوية و عدم احترامه للدين والعهد .  
تمّ الصلح ودخل معاوية الكوفة ، فصعد المنبر وخطب بالناس قائلاً : إني ما قاتلتكم لتصوموا أو تصلّوا ولكن لأتأمّر عليكم . . ألا وإن كل شرط شرطته للحسن فهو تحت قدمي .  
عيّن معاوية " زياد بن أبيه " حاكماً على الكوفة ، فراح يطارد شيعة أهل البيت ، ويصادر بيوتهم وأموالهم ، ويعذبهم ويسجنهم .  
وكان سيدنا الحسن ( عليه السلام ) يساعد المظلومين والمقهورين ويستنكر أعمال معاوية وظلمه وعدم التزامه بالشروط .  
كان معاوية يخطط للقضاء على الإمام الحسن ( عليه السلام ) وتنصيب ابنه "يزيد" للخلافة ، ففكر باستخدام السمّ لاغتيال سبط رسول الله .
  
وقع اختيار معاوية على " جُعدة بنت الأشعث " زوجة الإمام ، وكان أبوها منافقاً ، فأغراها بالمال وبتزويجها من ابنه يزيد .  
وسوس الشيطان لجعدة ، وأخذت السم الذي أرسله معاوية فوضعته في " إفطار" الإمام الحسن ، وكان صائماً .  
 
تناول سيدنا الحسن طعام الإفطار ، فشعر بألم شديد يقطع أمعاءه ، ونظر إلى زوجته وقال : " يا عدوة الله ، قتلتيني قتلك الله ، لقد غرّك معاوية وسخر منك . يخزيك الله ويخزيه " .  
سخر معاوية من " جعدة " وطردها من قصره وقال لها : إننا نحب حياة يزيد ، وهكذا خسرت تلك المرأة الدنيا و الآخرة وفازت بلقب : " مسمّمة الأزواج " .  
وفي الثامن والعشرين من شهر صفر من عام 50 للهجرة ، عرجت روح الإمام إلى الرفيق الأعلى . . تشكو إلى الله ظلم بني أمية .  
حُمل جثمانه إلى مقبرة البقيع ، حيث مرقده الآن .  
فالسلام عليه يوم وُلد ، ويوم استشهد ، ويوم يُبعث حيا .
  
هوية الإمام :  
الاسم : الحسن .  
اللقب : المجتبى .  
الكنية : أبو محمد .  
اسم الأب : علي ( عليه السلام ) .  
اسم الأم : فاطمة ( عليها السلام ) .  
اسم الجد : محمد ( صلى الله عليه وآله ) .  
تاريخ الولادة : 15 رمضان عام 3هجري .  
العمر : 47 سنة .  
تاريخ شهادته : 28 صفر عام 50هجري .  
من كلمات المضيئة :   
  1. اللؤم أن لا تشكر النعمة .  
  2. ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم .  
  3. العار أهون من النار .   
  4. القريب من قرّبته المودّة وإن بعد نسبه ، والبعيد من باعدته المودّة وإن قرب نسبه .  
أسئلة :  
  1. لماذا كان سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) يحب حفيده الحسن ؟  
  2. كيف علَّم الحسن ( عليه السلام ) الشيخ الوضوء الصحيح ؟  
  3. لماذا صالح الحسن ( عليه السلام ) معاوية ؟  
تعليقات  

  1. سورة الشورى : / 22   
  
  
 
وُلد الإمام جعفرُ بن محمد الصادق ( عليه السلام ) في 17 ربيع الأول سنة 80 هجرية في المدينة المنورة . أبوه : الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) . وأمّه " أمّ فروة " بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الخليفة الأول .  
قال الإمام الصادق عن والدته : كانت أمّي ممّن آمنتْ واتّقت وأحسنتْ واللهُ يحبّ المحسنين .  
عاش مع جدّه السجّاد 15 سنة ومع أبيه الباقر ( عليه السلام ) 34 سنة .  
دعاه الناس بألقاب عديدة ؛ منها : الصابر ، والفاضل ، والطاهر ؛ وأشهرها الصادق ، و كلّها تدلّ على شخصيته الأخلاقية وحسْن سيرته .  
كان استشهاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وما فعله الأمويون من ظلم بالمسلمين سبباً في زوال حكمهم وفتح الطريق أمام العباسيين الذين خدعوا الناس بدعوتهم إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) ولكنهم – وبعد أن أحكموا قبضتهم – صاروا أشدّ أعداء أهل البيت .  
  
عاصر الإمام الصادق ظلم بني أميّة أكثر من أربعين سنة ، وعاش في زمن بني العباس أكثر من عشرين سنة . وظل بعيداً عن السياسة منصرفاً إلى تثبيت دعائم الدين في نفوس الناس ، ونشر أخلاق الإسلام وعقائده في زمن راجت فيه العقائدُ الإلحادية والمنحرفة .  
تصدّى الإمام الصادق إلى محاربة الإلحاد والزندقة . وفي عهده انتشر مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .  
أخلاقه وصفاته :  
قال زيد بن علي الثائر المعروف : في كل زمان رجلٌ منّا أهلَ البيت يحتجّ اللهُ به على خلْقه ، وحجّة زماننا إبن أخي جعفرُ بن محمد . . لا يضلّ من تبعَه ولا يهتدي من خالفه .  
وقال فيه مالك بن أنس إمام المذهب المالكي :  
والله ما رأت عيني أفضلَ من جعفر بن محمد زهداً وفضلاً وعبادةً و ورعاً ، وكنت أقصده فيكرمني ويُقبل عليّ .  
وتتلمذ على يديه أبو حنيفة إمام المذهب الحنفي مدّة عامين ، وكان يقول : لولا السنتان لهلك النعمان .  
وروى أحد أصحابه : كنت مع أبي عبد الله ( عليه السلام ) بالمدينة وهو راكب حماره ، فلمّا وصلنا قريب السوق ، نزل الإمام فسجد لله وأطال السجود وأنا أنتظره ، ثم رفع رأسه ، فقلت : جُعلتُ فداك رأيتك نزلت فسجدت ؟  
قال الإمام : إني ذكرت نعمة الله عليّ فسجدتُ شاكراً .  
وقال آخر : رأيتُ أبا عبد الله ( عليه السلام ) وبيده مسحاة وعليه إزارٌ غليظ يعمل في بستان له ، والعرق يتصبّب منه ، فقلت : جُعلت فداك : أعطني المسحاة أكفِك العمل فقال لي : إني أحبّ أن يتأذّى الرجل بحرّ الشمس في طلب المعيشة .  
  
وقد بعث الإمام ذات يوم غلامه في حاجة فأبطأ ، فخرج الإمام الصادق على أثره يبحث عنه ، فوجده نائماً ، فجلس عند رأسه يروّح له الهواء حتى انتبه ، فعاتبه الإمام برقة وقال له :  
تنام الليل والنهار ؟! لك الليل ، ولنا النهار .  
استأجر الإمام عمالاً يعملون في بستانه ، فلما فرغوا من عملهم ، قال لغلامه معتب : أعطيهم أجرهم قبل أن يجفّ عرقهم .  
كان الإمام الصادق إذا مضى جزء من الليل أخذ جراباً فيه خبز ولحم ودراهم ، فحمله على عاتقه فوزّعه على ذوي الحاجة من أهل المدينة وهم لا يعرفونه . فلما توفّي الإمام الصادق ( عليه السلام ) افتقدوا ذلك الرجل فعلموا أنه الإمام .  
الإمام وسفيان الثوري :  
  
مرّ سفيان الثوري في المسجد الحرام ، فرأى الإمام الصادق ( عليه السلام ) مرتدياً ثياباً قيّمة جميلة ، فقال : والله لأوبّخنهُ ، فاقترب من الإمام وقال له :  
يا بن رسول الله ، والله ما هذا لباس رسول الله ولا لباس علي بن أبي طالب ولا أحد من آبائك .  
فقال الإمام : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في زمن فقر ، ونحن في زمن غنى ، و الأبرار أحقّ من غيرهم بنعم الله ، ثم قرأ الإمام قوله تعالى :{ قُل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } 1 .  
فنحن أحقّ من أخذ منها ما أعطاه الله ، ثم كشف الإمام ثوبه فإذا تحته ثوب غليظ خشن ، وقال : يا ثوري هذا لبسته للناس ، وهذا لي .  
الإمام والتجارة :  
  
دعا الإمام مولى له اسمه " مصادف " وأعطاه ألف دينار ليتاجر بها ، وقال له : تجهّز حتى تخرج إلى مصر ، فإنّ عيالي قد كثروا ، فتجهَّز وخرج مع قافلة التجار إلى مصر ، فصادفتْهم قافلة خرجتْ من مصر تريد العودة ، فسألوهم عن البضاعة وحاجة الناس هناك ، فأخبروهم أنّه ليس في مصر منه شيء ، فاتّفق التجار ومعم ( مصادف ) على ربح فاحش على بضاعتهم ، فلما وصلوا مصر عرضوا بضائعهم بربح 100% وباعوا على ذلك ، ثم عادوا إلى المدينة .  
ودخل مصادف على الإمام الصادق وهو يحمل كيسين ؛ في كل واحد ألف دينار ، وقال للإمام : يا سيدي هذا رأس المال وهذا ربحه ، فقال الإمام : هذا ربح كثير ، كيف ربحته ؟  
فحدثه مصادف بحاجة بلاد مصر إلى بضائعهم وكيف اتفق التجار على استغلال هذه الحاجة ، وتحالفهم عن أن يكون ربح كل دينارٍ ديناراً ، فتأثر الإمام وقال مستنكراً : سبحان الله ! تتحالفون على قوم مسلمين إلاّ تبيعوهم إلاّ ربح الدينار ديناراً .  
  
أخذ الإمام رأس المال فقط ، وقال : هذا مالنا ولا حاجة لنا في ربحه ، ثم قال : يا مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال .  
سأل فقيرٌ الإمام الصادق ( عليه السلام ) فقال لغلامه : ما عندك ؟  
قال الغلام : أربعمائة درهم .  
فقال الإمام : أعطه إياها ، فأخذها الفقير وانصرف شاكراً .  
فقال الإمام لغلامه : أرجعه . فقال الفقير متعجباً : سألتك فأعطيتني فماذا بعد ذلك !  
فقال الإمام : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : خير الصدقة ما أبقت غنى و إنا لم نغنك ، فخذ هذا الخاتم ، فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم ، فإذا احتجت فبعه بهذه القيمة .  
برّ الأم :  
  
أسلم شاب نصراني ودخل على الإمام الصادق فدعا له وقال له : سلْ عما شئت يا بني .  
فقال الشاب : إن أبي وأمّي وأهل بيتي على النصرانية ، وأمي مكفوفة البصر ، أنا أعيش معهم وآكل في آنيتهم .  
فقال الإمام : أيأكلون لخم الخنزير ؟  
فقال الشاب : كلاّ .  
فقال الإمام : كل معهم ، وأوصيك بأمّك فلا تقصر في برّها ، وكن أنت الذي تقوم بشأنها .  
وعاد الشاب إلى الكوفة ، فرأت أمّه منه أخلاقاً حسنة لم ترها من قبل ، فقالت : يا بني ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني ، فما الذي أرى منك منذ هاجرت ودخلت في الحنيفية ؟  
فقال الشاب : أمرني بهذا رجلٌ من ولد النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) .  
فقالت أمّه : أهو نبي ؟  
فقال الشاب : لا، ولكنه ابن نبي .  
فقالت الأم : دينك خير الأديان اعرضه عليّ .  
فعرض الابن على أمّه دين الإسلام فأسلمت ، وعلّمها الصلاة .  
الإمام والاحتكار :  
  
قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) الحكرة ( الإحتكار ) في الخصْب أربعون يوماً وفي الشدّة والبلاء ثلاثة أيام ، فما زاد على الأربعين يوماً في الخصب فصاحبه ملعون ، وما زاد على ثلاثة أيام في العسر فصاحبه ملعون .  
وكان يقول لخادمه في أوقات حاجة الناس : اشترِ لنا شعيراً واخلطْ به طعامنا فإنّي أكره أن نأكل جيداً ويأكل الناس رديئاً .  
ذات ليلة ، وكان الظلام يغمر المدينة رأي المعلّى بن خنيس الإمامَ الصادق ( عليه السلام ) يشقّ طريقه في المطر والظلام وهو يحمل كيساً مليئاً بالخبز ، فتبعه ليعرف أين يذهب ، فسقطت بعض أرغفة الخبر فجمعها ومضى في طريقه حتى وصل إلى مساكين كانوا نائمين ، فوضع عند رأس كل واحد منهم رغيفين فدنا منه المعلّى ، وسلّم عليه وسأله : أهم من شعيتك ؟  
فقال الإمام : لا .  
  
وكان الإمام يعول كثيراً من الاُسر . . يحمل إليهم الطعام في الليل وهم لا يعرفونه ، حتى إذا توفّي انقطع ما يأيتهم في الليل ، فعرفوا أنّه الإمام .  
وأصاب المدينة قحط ، واختفى القمح من أسواقه ، فسأل الإمام غلامه " معتب " عنه ، فقال معتب : عندنا ما يكفينا شهوراً ، فأمره أن يبيعه ويعرضه في الأسواق .  
روى بشار المكاري ، قال : دخلت على أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) وكان بين يديه طبقٌ من رطب وهو يأكل ، فقال : يا بشار ، اُدنُ فكل . فقلت : هنّأك الله قد أخذتني الغيرة من شيء رأيته في طريقي . . . أوجع قلبي .رأيت جلوازاً "شرطياً" يضرب امرأة ويسوقها إلى الحبس وهي تنادي : المستغاث بالله ورسوله .  
فسألتُ ، فقال الناس : إنّها عثرت في طريقها ، فقالت : لعَن اللهُ ظالميكِ يا فاطمة.  
فقطع الإمام الأكل وبكى حتى ابتلّ منديله ، ثم نهض إلى المسجد ودعا لها، فلم تلبثْ في الحبس إلاّ قليلا ، ثم بعث لها بصرّة فيها سبعة دنانير ، وكانت امرأة فقيرة .  
الجامعة الإسلامية :  
  
سعى الأمويون ، ومن ورائهم العباسيون ، في القضاء على أهل البيت (عليه السلام ) وطاردوا شيعتهم في كل مكان ، وكان الناس يتداولون الروايات عن أهل البيت سرّاً ، خوفاً .  
وعندما أتيحت القرصة إلى الإمام الباقر ثم ابنه الإمام الصادق ( عليهما السلام ) انصرفا إلى نشر علوم الدين ، وتحكيم اُسس الإيمان في قلوب الناس .  
وفي عهد الإمام الصادق ( عليه السلام ) راجت العقائد المنحرفة والضالّة ، فسعى الإمام إلى محاربتها ، فتأسّست على يديه جامعة إسلامية كبرى تضمّ أكثر من أربعة آلاف عالم تخرّجوا على يديه ، في علوم الدين والرياضيات والكيمياء ، وحتى الطب .  
وكان جابر بن حيّان الكيميائي المشهور يبدأ مقالاته في هذا العلم بقوله : حدّثني سيّدي " جعفرُ بن محمدٍ الصادق ( عليه السلام ) " .  
كان الإمام الصادق ( عليه السلام ) يحترم العلماء المؤمنين ويشجّعهم ويوضّح لهم الطريق الصحيح للبحث والحوار لخدمة الدين وتعميق أساس الإيمان ، وكان يشعر بالحزن لدى رؤيته المنحرفين الضالّين الذين يسعون إلى بلبلة عقائد الناس ونشر الضلال .  
  
واجتمع أربعة من هؤلاء الضالّين في مكة وراحوا يسخرون من الحُجّاج وهم يطوفون بالكعبة ، ثم اتّفقوا على نقض القرآن بتأليف كتابٍ مثله ، فتعهّد كلّ واحد منهم بربع القرآن ، وقالوا ميعادنا العام القادم .  
ومرّ العام ، واجتمعوا مرّة أخرى .  
قال الأول : قضيت العام كلَّه أفكّر في هذه الآية : { فلّما استيأسوا خلصوا نجيّاً} وقد حيّرتني فصاحتها وبلاغتها .  
قال الثاني : فكّرت في هذه الآية : {يا أيها الناس ضُرِب مثلٌ فاستمعوا له إنّ الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له } فلم أقدر أن آتي بمثلها .  
وقال الثالث : وأنا فكّرت في هذه الآية : لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا } فلم أستطع أن آتي بمثلها .  
وقال الرابع : انه ليس من صنع البشر . لقد قضيت العام كلّه أفكّر في هذه الآية : {وقيل يا أرض ابلعي ماءكِ ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقُضي الأمر واستوت على الجوديّ وقيل بُعداً للقوم الظالمين }.  
ومرّ بهم الإمام الصادق ( عليه السلام ) فنظَر إليهم وتلا قوله تعالى :  
{لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } .  
المذهب الجعفري :  
  
انتشر مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) في زمن الإمام الصادق ( عليه السلام ) وأصبح له أتباع كثيرون ، حتى أطلق الناس على مذهب التشيع اسم المذهب الجعفري نسبة إلى جعفرٍ الصادق ( عليه السلام ) .  
وبالطبع لا يختلف المذهب الجعفري ، فهو مذهب علي ( عليه السلام ) الذي اغتيل في المحراب على يد الخوارج ، وهو المذهب الذي مات عليه الحسن ( عليه السلام ) مسموماً على يد معاوية ، وهو المذهب الذي استشهد من أجله الحسين ( عليه السلام ) يوم عاشوراء .  
لقد أوصى رسول الله المسلمين بكتاب الله وعترته (أهل البيت ) ولكن المسلمين – ومع الأسف – غفلوا عن وصية النبي ( عليه السلام ) فغصب المنحرفون حقّهم ، وانتشر الفساد والظلم ،وكان الحكام يطاردون آل النبي وشيعتهم ، بل تجرّأوا على قتلهم وارتكاب أبشع الجرائم بحقّهم كما حصل في كربلاء .  
وأدرك الناس أنّهم قد خسروا خسارة كبرى بتضييع وصية الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، ولكنهم كانوا يخافون سطوة الحاكمين ، حتى كان بعضهم يخفي ولاءه لأهل البيت خوفاً على حياته .  
الإمام والمنصور :  
  
ضجّ الناس من حكم بني أمية وظلمهم ، واستغلّ البعض عواطف الناس و ولاءهم لأهل النبي ، فبدأوا معارضتهم لبني أمية باسم آل البيت ، وقد نشط العباسيون وراحوا يدعون الناس إلى " الرضا من آل محمد " . وقد ساعد هذا الشعار في انتشار دعوتهم ، وبدأوا ثورتهم في خراسان . وسرعان ما التفّ الناس حولهم ، فانتصروا وانتهت حكومة بني أمية .  
وبدل أن يُسلّم العباسيون الخلافة إلى أصحابها ، راحوا يطاردون العلويين في كل مكان ، وأمعنوا في قتلهم و تشريدهم .  
أمسك المنصور بمقاليد الخلافة بقوّة وراح يخطّط للقضاء على معارضيه ، فقتل محمداً وأخاه إبراهيم ؛ وهما من ولد الحسن ( عليه السلام ) وبثَّ الجواسيس في المدن ، وأمر حاكم المدينة المنورة بمراقبة الإمام الصادق مراقبة دقيقة .  
استدعى المنصورُ الإمامَ مرّة وقال له : لماذا لا تزورنا كما يزورنا الناس ؟  
أجابه الإمام : ليس لنا من أمر الدنيا ما نخافك عليه ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوه منك ، ولا أنت في نعمةٍ فنهنئك بها ، ولا في نقمة فنعزيك .  
  
فقال المنصور بخبث : تصحبنا لتنصحنا .  
فأجابه الإمام : من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك .  
كان المنصور يأمر وإليه على المدينة بالحطّ من مكانة علي ( عليه السلام ) .  
وذات يوم صعد الوالي المنبر وراح يذكر أمير المؤمنين وأهل بيته بسوء ، فنهض الإمام وقال :  
أما ما قلت من خير فنحن أهله ، وما قلت من سوء فأنت وصاحبك ( أي المنصور ) أولى به ، والتفت الإمام إلى الناس وقال : ألا أنبئكم بأخفّ الناس ميزاناً وأبينهم خسرانا يوم القيامة وأسوأهم حالاً : من باع آخرته بدنيا غيره ؛ وهو هذا الفاسق .  
فنزل الوالي من المنبر وهو يشعر بالخزي .  
وفي مجلس " المنصور " كانت ذبابة لا تنفكّ تحطّ على أنف المنصور وهو يطردها فتعود ، حتى آذته ، فالتفت إلى الإمام وسأله بانزعاج :  
لِمَ خلق اللهُ الذباب ؟  
فأجابه الإمام : ليذلّ به أنوف الجبابرة .  
لم يكن المنصور يتحمّل وجود الإمام الصادق ( عليه السلام ) وكان يخطّط للقضاء عليه ، وأخيراً دسّ إليه السم . واستشهد الإمام في 25 شوّال سنة 148 هجرية .حيث دُفن جثمانه الطاهر في مقبرة البقيع .  
من كلماته المضيئة :  
  
  • إحذر من الناس ثلاثة : الخائن والظلوم والنمّام ، لأنّ من خان لك سيخونك ومن ظلم لك سيظلمك ، ومن نمّ إليك سينمّ عليك .  
  • ثلاثة لا يصيبون إلاّ خيرا : أولو الصمت وتاركو الشرّ ، والمكثرون من ذكر الله ، ورأس الحزم التواضع . فقيل للإمام : وما التواضع ؟ فأجاب : أن ترضى من المجلس بدون شرفك ، وأن تسلّم على من لقيت ، وأن تترك المِراء (الجدل) وإن كنت محقاً .  
  • كان رجل يتردّد على الإمام فانقطع ، ولمّا سأل الإمام عنه قال أحدهم منتقصاً شأنه : إنّه نبطي . فقال الإمام : أصل الرجل عقله ، و حسَبه دينه ، وكرمه تقواه ، والناس في آدم مستوون .  
  • اتقوا المظلوم فإنّ دعوة المظلوم تصعد إلى السماء .  
  • الفقهاء أمناء الرسل فإذا رأيتهم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتّهموهم في دينهم .  
  • ثلاثة تكدّر العيش : السلطان الجائر وجار السوء ، المرأة البذيئة ، وثلاثة لا يصلح العالم بدونها : الأمن والعدل والخصب .  
هوية الإمام :  
الاسم : جعفر .  
اللقب : الصادق .  
الكنية : أبو عبد الله .  
اسم الأب : الباقر ( عليه السلام ) .  
تاريخ الولادة : المدينة .  
تاريخ الشهادة : 25 ذي الحجة سنة 148 هجرية .  
محل الدفن : البقيع / المدينة المنورة .  
أسئلة :  
  1. اذكر قصّة تدلّ عل احترام الإمام للعمل والعاملين ؟  
  2. ما معنى الزهد ؟ حاول أن تستفيد من حوار الإمام مع أحد الصوفيين حول ذلك ؟  
  3. كيف أسلمت المرأة النصرانية ؟  
تعليقات  

  1. سورة الأعراف   
  
  
 
في 11 ذي القعدة سنة 148 هجرية وُلد عليّ بن الرضا ( عليه السلام ) في المدينة المنورة .  
أبوه : الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، وأمّه : إمرأة صالحة اسمها "نجمة".  
أمضى طفولته مع أبيه الإمام ، وكان أبوه يوصي أصحابه ويشير إلى إمامة ابنه .  
قال علي بن يقطين : كنت عند " العبد الصالح " ، فدخل عليه ابنه علي الرضا ، فقال الإمام : يا علي بن يقطين هذا سيّد ولدي ، فقال هشام بن الحكم : لقد أخبرك أنّ الأمر له من بعده .  
كما سأله أحد أصحابه عن الإمام من بعده ، فأشار إلى ابنه الرضا وقال : هذا صاحبكم من بعدي .  
وكانت الظروف في عهده في غاية الخطورة ، فكان الإمام الكاظم يوصي أصحابه بالكتمان .  
أخلاقه :  
  
الأئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) هم النخبة الذين اصطفاهم الله لهداية الناس بالحقّ ، فكانوا المثَل الأعلى في الإنسانية والخلق الكريم .  
يقول " إبراهيم بن العباس " : ما رأيت أبا الحسن الرضا جفا أحداً بكلامه قط ، وما رأيته قطَع على أحد كلامه حتى يفرغ منه ، وما ردّ أحداً من حاجة يقدر عليها ، وما مدّ رجليه بين جليس له قط ، ولا اتّكأ بين يدي جليس له قط ، ولا شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط ، ولا رأيته تفل قط ، ولا تقهقه في ضحكه ، بل ضحكه التبسم ، وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه عليها مماليكه حتى البواب والسائس ، ومن زعم انه رأى مثله في فضله فلا تصدّقوه .  
ورافق أحدهم الإمام الرضا في رحلته إلى خراسان ، فدعا الإمام بالمائدة وجمع عليها مواليه ومماليكه لتناول الطعام ، فقال الرجل : يابن رسول الله لو جعلت لهؤلاء مائدة لوحدهم ؟  
فقال الإمام الرضا ( عليه السلام ) : إن الرب تبارك وتعالى واحد ، والأب واحد والأم واحدة ، والجزاء بالأعمال .  
وخاطب أحدهم الإمام قائلاً : والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً . فقال الإمام : التقوى شرّفتهم .  
  
وأقسم آخر أيضاً قائلاً : أنت والله خيرُ الناس .  
فأجاب الإمام : لا تحلف يا هذا ، خيرٌ مني من كان أتقى لله عزّ وجل . . والله ما نُسخت هذه الآية " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم " .  
كان الإمام الرضا ( عليه السلام ) جالساً يحدّث الناس وهم يسألون عن الحلال والحرام ، فدخل رجل من أهل خراسان ، وقال :  
السلام عليك يا بن رسول الله ، أنا رجل من محبّيك و محبّي آبائك وأجدادك (عليهم السلام ) ، عُدتُ من الحج ، وقد أضعت نفقتي وليس عندي شيء ، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي ولله علي نعمة ، فإذا وصلت تصدّقت عنك بنفس المبلغ الذي تعطيني إيّاه ، فأنا رجل لا أستحقّ الصدقة .  
فقال الإمام بلطف : اجلس رحمك الله .  
ثم استأنف حديثه مع الناس حتى انصرفوا ، فنهض الإمام ودخل الحجرة وأخرج يده من وراء الباب ونادى : أين الخراساني ؟ فأجابه .  
فقال الإمام : هذه مائتا دينار فاستعن بها على سفرك ولا تتصدّق عني .  
فأخذها الخراساني و ودع الإمام شاكراً .  
بعدها خرج الإمام ، فقال أحد أصحابه : لماذا سترت وجهك عنه يا بن رسول الله ؟  
فقال الإمام : حتى لا أرى ذلّ السؤال في وجهه . أما سمعت حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله ) : " المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة ، والمذيع بالسيئة مخذول ، والمستتر بها مغفور له " .  
لا تغترّ :  
  
كان " أحمد البزنطي " واحداً من العلماء الكبار ، تبادل مع الإمام كثيراً من الرسائل ، آمن بعدها بإمامة الرضا ( عليه السلام ) ، وقد روى هذه الحكاية :  
طلب الإمام الرضا ( عليه السلام ) حضوري وأرسل لي حماراً له ، فجلسنا نتحدّث ، ثم قدّم العشاء فتعشيت ، ثم عرض عليّ المبيت فقلت : بلى جعلت فداك ، فطرح بنفسه علي ملحفة وكساء وقال لي : بيّتك الله في عافية ، وكنّا على السطح .  
ونزل الإمام ، فقلت في نفسي : لقد نلت كرامة من الإمام ما نالها أحد ، وداخلني الغرور .  
وفي الصباح ودّعني الإمام وشدّ على كفي قائلاً : إنّ أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) أتى صعصعة بن صوحان يعوده في مرضه ، فلما أراد أن ينهض قال له : يا صعصعة لا تفتخر على إخوانك بعيادتي إياك .  
كأنما قرأ الإمام ما يجول في خاطره ، فوعظه وذكّره بعيادة جدّه الإمام علي ( عليه السلام ) لأحد أصحابه .  
الإمام ينصح أخاه :  
  
كان زيد أخو الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، ثار في مدينة البصرة وأحرق بيوت العباسيين ، فلُقِّب بزيد النار .  
أرسل إليه المأمون جيشاً كبيراً ، وبعد معارك طاحنة ، طلب زيدٌ الأمان فسلّم نفسه وأُخذ أسيراً .  
وعندما أصبح الإمام ولياً للعهد ، ارتأى المأمون أن يرسله إلى الإمام .  
كان الإمام غاضباً من عمل أخيه زيد لكثرة ما أحرق من البيوت وما صادره من أموال .  
قال الإمام لأخيه : ويحك يا زيد ما الذي غرّك حتى أرقت الدماء وقطعت السبيل ، أغرّك قول أهل الكوفة ، أن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذرّيتها على النار ! ويحك يا زيد إنّ ذلك ليس لي ولا لك ، لقد عنى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بذلك حسناً وحسيناً ، والله ما نالا ذلك إلا بطاعة الله ، فإن كنت ترى أنك تعصي الله وتدخل الجنة فأنت إذن أكرم على الله منهما ومن أبيك موسى بن جعفر .  
قال زيد : أنا أخوك .  
فقال الإمام : أنت أخي ما أطعت الله عز وجل ، وإنّ نوحاً قال : ربّ إنّ أبني من أهلي وإنّ وعدك الحق وأنت أرحم الراحمين . فقال له الله عز وجل : " يا نوح انه ليس من أهلك انه عمل غير صالح " .  
في مجلس المأمون :  
  
جمع المأمون زعماء الأديان والمذاهب وأمرهم بمناظرة الإمام الرضا ( عليه السلام).  
كان المأمون يهدف إلى إحراج الإمام بأسئلتهم . وكان " النوفلي " من أصحاب الرضا ( عليه السلام ) وقد سأله الإمام : أتدري لماذا جمع المأمون أهل الشرك ؟  
فقال النوفلي : إنه يريد امتحانك .  
فقال الإمام : يا نوفلي أتحبّ أن تعلم متى يندم المأمون ؟  
قال النوفلي : نعم .  
قال الإمام : إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم وعلى أهل الزبور بزبورهم ، وعلى الصابئين بعبرانيتهم .  
توضأ الإمام وانطلق مع أصحابه إلى قصر الخلافة ، وبدأ الحوار .  
قال الجاثليق : أنا لا أريد أن يحاججني رجل بالقرآن لأني أنكره ولا بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) لأني لا أؤمن به .  
قال الإمام الرضا : فإن احتججت عليك بالإنجيل أتومن ؟  
فقال الجاثليق : نعم و أقرّ به .  
قرأ الإمام الرضا جزءاً من الإنجيل ، حيث بشّر عيسى بظهور نبي جديد ، كما أخبره بعدد الحواريين ، وقرأ عليه أيضاً كتاب أشعيا .  
قال الجاثليق مدهوشاً : وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك .  
والتفت الإمام إلى رأس الجالوت واحتجّ عليه بالتوراة والزبور .  
وكان " عمران الصابي " متكلماً ، فسأل الإمام عن وحدانية الله ومسائل كثيرة ، حتى حان وقت صلاة الظهر ، فنهض الإمام إلى الصلاة .  
وبعد الصلاة استأنف الإمام حواره مع " عمران " حتى انصاع لدين الله الحق ، فاتجه نحو القبلة وسجد لله معلناً إسلامه .  
السفر إلى مرو :  
لا أحد يعرف الأسباب الحقيقية التي دفعت المأمون إلى انتخاب الإمام الرضا (عليه السلام ) لولاية العهد .  
كان الإمام الرضا ( عليه السلام ) في المدينة المنورة عندما جاء أمر الخليفة بالسفر إلى مرو .  
شدّ الإمام الرحال إلى خراسان ، فوصل البصرة ومنها توجه إلى بغداد ثم توقف في مدينة قم حيث استقبل استقبالاً حافلاً ، ودخل الإمام ضيفاً في أحد بيوتها ، هو اليوم يحمل اسم المدرسة الرضوية .  
في نيسابور :  
  
كانت نيسابور مدينة عامرة ، وكانت مركزاً من مراكز العلم ، ثم دُمّرت أيام الهجوم المغولي .  
استقبل أهل نيسابور موكب الإمام بفرح ، وكان في طليعتهم المئات من العلماء وطلاّب العلم .  
وتجمع العلماء والمحدثون حول موكب الإمام ؛ والأقلام بأيديهم ينتظرون من الإمام أن يحدّثهم بأحاديث جدّه النبي ( صلى الله عليه وآله ) .  
وتعلّق بعضهم بلجام بغلة الإمام ، وأقسموا عليه قائلين : بحق آبائك الطاهرين إلاّ ما حدّثتنا بحديث نستفيده منك .  
فقال الإمام ( عليه السلام ) : سمعت أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمد يقول : سمعت أبي محمد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين يقول : سمعت أبي الحسين بن علي يقول : سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : سمعت جبريل يقول : سمعت الله عزّ وجل يقول : لا إله إلاّ الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي .  
  
وقد اشتهر هذا الحديث باسم " حديث سلسلة الذهب " ، وقد بلغ عدد الذين كتبوا هذا الحديث عشرين ألفاً .  
غادر الإمام نيسابور صباحاً ، وفي الطريق حان وقت صلاة الظهر ، فطلب الإمام ماءً للوضوء فاعتذر مرافقوه .  
بحث الإمام في الأرض ، فنبع الماء فتوضأ وتوضأ من كان معه ، وما يزال أثره حتى اليوم .  
وصل الإمام مدينة " سنا آباد " وأسند ظهره إلى جبل هناك كان الناس ينحتون منه قدوراً للطبخ فدعا الله أن يبارك فيه وأمر أن ينحتوا قدورا له .  
ودخل الإمام دار حميد بن قحطبة الطائي ودخل القبّة التي فيها قبر هارون الرشيد ، ثم خط بيده إلى جانب القبر وقال :  
هذه تربتي وفيها أُدفن ، وسيجعل الله هذا المكان مزاراً لشيعتي ، والله ما يزورني منهم زائر إلاّ وجب له غفران الله ورحمته بشفاعتنا أهل البيت ( عليهم السلام ) .ثم صلى ركعات وسجد ثم صلى ركعات وسجد سجدة طويلة . . . سبّح الله فيها خمسمائة مرّة.  
مرو :  
  
وصل الإمام الرضا ( عليه السلام ) " مرو " واستُقبل من قبل المأمون استقبالاً حافلاً . . محاطاً بكلّ مظاهر الاحترام .  
عرَض المأمون على الإمام التنازل عن الخلافة ، ولكن الإمام رفض ذلك ، وكان يعرف نوايا المأمون .  
لقد قتل المأمون أخاه الأمين من أجل الحكم والخلافة ، فكيف يتنازل عنها ؟ !  
أراد المأمون أن يتقرّب إلى الناس بالتظاهر بحبّه لأهل البيت ( عليهم السلام ) قرّر المأمون فرض ولاية العهد للإمام ولو بالقوة .  
أمام إلحاح المأمون وإصراره حتى تهديده ، وافق الإمام على أن يكون ولياً للعهد شرط إلاّ يتدخّل في شؤون الحكم .  
ضُربت النقود باسم الإمام ، وترك الناس لبس السواد وهو شعار العباسيين ، ولبسوا الأخضر شعار العلويين .  
زوّج المأمونُ ابنته " أم حبيبة " من الإمام الرضا ، كما زوج ابنته الأخرى من ابن الإمام ؛ وهو محمد الجواد ( عليه السلام ) .  
صلاة العيد :  
بُويع الإمام بولاية العهد في 5 رمضان سنة 201 . وبعد 25 يوماً أطلّ الأوّل من شوّال عيد الفطر ، فأمر المأمون الإمام الرضا بإمامة المصلّين في صلاة العيد .  
واعتذر الإمام عن ذلك ، وذكّره بالشروط ، ولكن المأمون أصرّ على موقفه ، وظلّ يبعث الرسل خلف الإمام .  
واستجاب الإمام شرط أن يخرج إلى الصلاة بالطريقة التي خرج فيها رسولُ الله (صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .  
وافق المأمون على ذلك وأمر القادة العسكريين بالاستعداد والامتثال وأن يخرجوا إلى منزل الإمام مبكرين .  
واحتشد الناس في الطرقات وفوق سطوح المنازل ، واصطفّ الجنود ينتظرون خروج الإمام .  
أشرقت الشمس وأرسلت خيوطها الذهبية وغمرت الأرض بالدفء والنور .  
اغتسل الإمام الرضا ، وارتدى ثياباً وعمامة بيضاء وألقى طرفاً من عمامته صدره وترك الآخر بين كتفيه ، وتعطّر وأخذ بيده عكازاً وأمر مقرّبيه ومواليه بأن يفعلوا كما يفعل ، وخرجوا بين يديه ، وكان الإمام حافياً .  
مشى الإمام قليلاً ، ثم رفع صوته وهتف : الله اكبر . فكبر معه مواليه .  
وعندما لاح الإمام ورآه الجنود و القادة على هذه الهيئة ، ترجّلوا عن أفراسهم ، وقطعوا أربطة أحذيتهم واحتَفَوا .  
كبّر الإمام على الباب ، فكبر الناس ، وارتفع صوت التكبير حتى هزّ المدينة بأسرها ، وخرج الناس من منازلهم ، وازدحمت بهم الشوارع .  
لقد شهد الناس أعياداً كثيرة . . . وحضروا صلاة العيد مرّات ومرّات وكانت تتمّ بكل أبّهة ، فاصطدموا هذه المرّة بمراسم بعيدة كل البعد عن التكبُّر . . قريبة كل القرب من روح الإسلام ، بل هي الإسلام الذي جاء به النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وها هو حفيده الرضا يبعثه من جديد .  
كان الجواسيس يرصدون حركات الإمام والناس ، فنقلوا تقاريرهم إلى المأمون على وجه السرعة وحذّروه من مغبّة استمرار الإمام في طريقه لأداء الصلاة ، وماذا سيقول في خطبة العيد ؟ .  
فأرسل المأمون مندوبه إلى الإمام في الطريق ينقل له رسالة شفوية من المأمون : لقد أتعبناك يا بن رسول الله ولسنا نحب لك إلا الراحة فارجع ، وعاد الإمام وسط تساؤلات الناس الذين بهرتهم هيئة الإمام وتواضعه الذي يحكي تواضع آبائه وأجداده .  
أهداف المأمون :  
لا ينكر أحد ذكاء المأمون ودهاءه السياسي ، لقد أراد من وراء تعيين الإمام الرضا ولياً للعهد أن يحقِّق بعض أهدافه السياسية ؛ وهي :  
  
  1. إرضاء العلويين من الناقمين على الحكم العباسي والذين رفعوا لواء الثورة في كل مكان من خلال بعض الإجراءات الشكلية كولاية العهد ، وإحلال اللباس الأخضر محل الأسود .  
  2. إغراء العلويين بالمناصب الحكومية لكي يثبت للناس أن ثوراتهم كانت من اجل الحكم والسلطة وأنهم لا يريدون تطبيق العدالة بل يهدفون إلى الحصول على حصتهم من ثروات الحكم .  
  3. سعى المأمون إلى جمع زعماء العلويين في العاصمة ثم العمل على تصفيتهم الواحد بعد الآخر والتخلص منهم ، كما حدث للإمام الرضا . لا ننسى أن الإمام كان يدرك جميع حيل المأمون وكان يسعى إلى إحباطها من خلال مواقف عديدة كما حصل في حواره مع زعماء الأديان أو صلاة العيد ، أو رفضه التدخل في شؤون الدولة والسياسة والحكم .  
دعبل الخزاعي :  
  
كان للشعر في تلك الأيام أهمية فائقة ، وكان يقوم مقام الصحف في أيامنا من الدعاية والإعلام والتأثير ، وكان الحكام يشجّعون الشعراء ويمنحونهم المكافآت الكبيرة لتدعيم حكمهم .  
كان بعض الشعراء يرفض التملق إلى الحكومات ، ويبقى إلى جانب الحق حتى لو كان فقيراً ومضطهداً ، كما نرى مثل ذلك في دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت ( عليهم السلام ) .  
سجّل التاريخ لقاء الشاعر دعبل الخزاعي بالإمام الرضا ( عليه السلام ) ، فقد روى أبو الصلت الهروي قال : دخل دعبل الخزاعي على الإمام الرضا ( عليه السلام ) في مرو وقال له : يابن رسول الله أني قد قلت فيكم قصيدة وعاهدت نفسي ألاّ أنشدها أحداً قبلك ، فرحّب به الإمام وشكره وطلب منه إنشادها .  
وبدأ دعبل يترنّم بأشعاره ، وقد جاء فيها :  
  
مدارس آياتٍ خلت من تلاوةٍ ومنزلُ وحيٍ مقفر العرصاتِ  
قبور " بكوفان " وأخرى " بطيبة وأخرى " بفخٍّ " نالها صلواتي  
وقبر ببغداد لنفسٍ زكيةٍ تضمّنها الرحمن في الغرفاتِ  
فقال الإمام مرتجلاً :  
وقبر بطوس يا لها من مصيبةٍ ألحّت على الأحشاء بالزفرات  
فقال دعبل متعجباً : لا أعلم قبراً بطوس ! فلمن هذا القبر ؟!  
فقال الإمام : إنه قبري يا دعبل .  
واستأنف الشاعر إنشاده مستعرضاً الآلام والمصائب التي عصفت بأهل البيت (عليهم السلام ) ، وكان الإمام يبكي ويكفكف دموعه .  
  
قدم الإمام 100 دينار جائزة لدعبل ، اعتذر دعبل عن قبولها وطلب ثوباً من ثيابه يتبرّك به ، فأهداه الإمام جبّة من الخز ، إضافة إلى المئة الدينار .  
وانصرف دعبل ، وفي طريق عودته اعترض قطاع الطرق القافلة التي كان فيها وأخذوا جميع ما كان معه ، وجلس اللصوص يقتسمون ما سلبوه من القافلة ، فأنشد أحدهم بيتاً من القصيدة .  
أرى فيئهم في غيرهم متقسِّماً وأيديهم من فيئهم صفراتِ  
سمع دعبل الخزاعي فسأل الرجل : لمن هذا الشعر ؟ فأجابه الرجل : لدعبل الخزاعي .  
فقال دعبل : أنا هو ، فردّوا عليه أمواله ، كما ردّوا أموال القافلة إكراماً له ، واعتذروا إليه .  
وعندما وصل مدينة قم عرَض عليه البعض ألف دينار مقابل ثوب الإمام فرفض دعبل ، وتبعه بعض الشباب خارج المدينة وانتزعوا الجبّة بالقوة وأعطوه الألف دينار إضافة إلى قطعة من الثوب يتبرك بها ، وودّعهم راضياً .  
وفي عودته وجد زوجته تشكو ألماً في عينيها ، فراجع الأطباء فقالوا : أن لا فائدة من علاجها ، وأنها ستعمى .  
تألّم دعبل كثيراً ، وتذكّر قطعة الثوب ، فعصّب بها عينيها من أول الليل حتى الصباح ، فنهضت وهي لا تشكو ألماً ببركة الإمام الرضا ( عليه السلام ) .  
شهادة الإمام :  
  
كان المأمون ينتهز الفرص للتخلّص من الإمام الرضا ( عليه السلام ) بعد أن يئس من إغرائه في السلطة ، وبقي كما هو طاهراً . . بعيداً عن الدنيا . . زاهداً فيها .  
وفي بغداد أعلن العباسيون تمرّدهم ، وبايعوا المغنّي خليفةً بدل المأمون خوفاً من انتقال الخلافة إلى العلويين .  
ولكي يرضي المأمون بني العباس في بغداد ويحتفظَ بالخلافة ، قرّر اغتيال الإمام ، فدسّ إليه السمّ في العنب .  
واستشهد الإمام ، متأثراً بالسم ، فمضى إلى الله مظلوماً شهيداً .  
استشهد الإمام سنة 203 هجرية ودُفن في مدينة طوس ( مشهد ) حيث مرقده الآن .  
تظاهر المأمون بالحزن لكي يدفع عن نفسه الشبهات والتهم التي تحوم حوله . وقد اشترك في تشييع الإمام حافياً وهو يبكي .  
من كلماته المضيئة :  
  • من لم يشكر والديه لم يشكر الله .  
  • من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر .  
  • أفضل العقل معرفة الإنسان نفسه .  
  • المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق ، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، وإذا قدر لم يأخذ أكثر من حقه .  
  • إن الله يبغض القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال .  
هوية الإمام :  
الاسم : علي .  
اللقب : الرضا .  
الكنية : أبو الحسن .  
اسم الأب : موسى الكاظم ( عليه السلام ) .  
العمر : 55 سنة .  
تاريخ الشهادة : 203 هجري .  
محل الدفن : مشهد .  
أسئلة :  
  1. لماذا ناول الإمام الرضا النقود من وارء الباب ؟  
  2. لماذا أجبر المأمون الإمامَ على قبول ولاية العهد ؟  
  3. لماذا سمِّيَ " لا إله إلاّ الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي " بسلسلة الذهب ؟ .  
  
  
 
وُلد الإمام علي الهادي في 15 ذي الحجة سنة 212 هجرية في المدينة المنورة .  
أبوه : الإمام محمد الجواد ( عليه السلام ) ، والإمام الهادي هو الإمام العاشر من أئمة أهل البيت .  
أمه : مغربية ؛ امرأة فاضلة تقية اسمها " سمانة " .  
استشهد أبوه مسموماً وله من العمر 8 سنوات فتصدّى إلى الإمامة وهو في هذه السن .  
دعاه الناس بألقاب عديدة ؛ من بينها : المرتضى ، الهادي ، النقي ، العالم ، الفقيه ، المؤتمن ، الطيب . وأشهرها : الهادي والنقي .  
أخلاق الإمام :  
عاش الإمام حياته زاهداً عابداً ، في حجرة خالية ليس فيها من متاع الدنيا شيء سوى حصير ، يقضي وقته في قراءة القرآن وتدبّر معانيه .  
يستقبل الناس بوجه بشوش ، يعطف على فقيرهم ويساعد محتاجهم .  
أرسل له الخليفة المتوكل مبلغ ألف دينار ، فوزعها الإمام بين الفقراء والبائسين .  
ومرض المتوكل يوماً فحار الأطباء في علاجه ، فأرسلت أمهُ وزيرَه " الفتح بن خاقان " إلى الإمام ، فوصف له دواءً سرعان من بأن أثره ، وأدهش الأطباء ، فبعثت أم المتوكل مبلغ ألف دينار هدية ، فوزعها الإمام على المحتاجين .  
حكاية الفص :  
  
دخل " يونس النقّاش " على الإمام وهو يرتجف خوفاً ، وبادر الإمامَ قائلاً : يا سيدي جاءني رجل من القصر ومعه " فصّ فيروز " ثمين ، وطلب مني أن أنقش عليه ، فانكسر أثناء العمل وأصبح نصفين ، وسيرسل عليّ غداً ولا آمن أن يبطش بي إذا عرف ذلك .  
فطمأنه الإمام وقال : لن يصلك منه سوء ، بل سيصيبك خير من ذلك بإذن الله .  
وفي اليوم التالي جاء حاجب الخليفة قائلاً : لقد غيّرت رأيي فلو شطرته نصفين ، وسأضاعف لك الأجر .  
تظاهر " النقاش " بالتفكير ، وقلبه يطير فرحاً وقال : حسناً ، سأجهد نفسي في ذلك .  
شكر الحاجبُ النقاشَ ومضى لشأنه ، فيما انطلق النقاش إلى منزل الإمام ليقدم له شكره .  
وقال له الإمام : لقد دعوت الله أن يريك خيره ويحميك من شرّه .  
المتوكل :  
  
توفي " المعتصم " وجاء بعده الواثق ، وكانت مدّة خلافته خمس سنين وتسعة اشهر .  
وجاء بعده إلى الحكم الخليفةُ " المتوكل " ، وفي عهده انتشر الفساد والظلم ، واتسع نفوذ الأتراك في الحكم حتى اصبحوا الحكام الفعليين ، وصارت الخلافة لعبة في أيديهم .  
وبلغ حقد التوكل على أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم أن أمر بفتح النهر على قبر سيدنا الحسين ( عليه السلام ) ومنَع المسلمين من زيارته وقتَل عدداً كثيراً من الزوّار ؛ وإلى ذلك يشير الشاعر :  
 
تالله إن كانت أمية قد أتت | قتل ابن بنت نبيها مظلوماً  
فـلقد أتته بنو أبيه بـمثله | فغدا لعـمرك قبره مهدوماً  
أسفوا على ألاّ يكونوا شاركوا | في قتله ، فتتبّعوه رمــيماً  
كان المتوكل قد فرَض رقابة شديدة على الإمام في المدينة المنورة ، وكان الجواسيس ينقلون له مباشرة حركات الإمام وأحاديثة .  
  
خاف المتوكلُ بعد أن اصبح الإمام شخصية مرموقة محبوبة من قبل الناس ، فلقد كان يُحسن إليهم ويقضي أكثر وقته في المسجد الشريف .  
أرسل المتوكل مبعوثاً خاصاً لإحضار الإمام ، ودخل " يحيى بن هرثمة " المدينة المنورة .  
وانتشرت شائعات حول أهداف المتوكل ، واجتمع الناس حول محل إقامة مبعوث المتوكل للتعبير عن قلقهم بشأن مصير الإمام .  
يقول " يحيى بن هرثمة " نفسه : فجعلت اُطمئِنهم وأحلف لهم بأني لم أؤمر فيه بمكروه .  
كان المتوكل يفكّر في طريقة للحطّ من مكانة الإمام ( عليه السلام ) فاقترح بعض مستشاريه أن يشوش على سمعة الإمام الهادي بالاستفادة من أخيه " موسى " وكان سيئَ السيرة منحرفَ الأخلاق .  
ورحب المتوكل بهذه الفكرة ، فأرسل وراء موسى ، وكان الإمام الهادي قد حذر أخاه قائلاً : إنّ الخليفة قد أحضرك ليهتكك ويضع من قدرك فاتّقِ الله يا أخي ولا ترتكب محظوراً .  
ولم يصغِ موسى إلى نصيحة الإمام ، وأصرّ على موقفه ، ويبدو أن المتوكل قد احتقره فلم يستقبله أبداً .  
كلمة حق أمام سلطان جائر :  
  
كان " ابن السكيت " عالماً كبيراً ، قال " أبو العباس المبرّد " ما رأيت للبغداديين كتاباً أحسن من كتاب " ابن السكيت في المنطق " .  
طلب المتوكل من ابن السكيت أن يشرف على تربية ولديه : " المعتز " و " المؤيد".  
فسأله ذات يوم : أيهما احب إليك ؛ ابناي هذان أم الحسن والحسين فقال العالم بشجاعة : والله إن قنبراً خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ولديك .  
فوجئ المتوكل بجواب ابن السكيت واستشاط غضباً وأمر جلاوزته من الأتراك أن يستلّوا لسانه من قفاه ؛ فمضى إلى ربّه شهيداً .  
لقد قال سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) : سيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة عند سلطان جائر .  
سياسة المتوكل :  
كان المتوكل يتلاعب بأموال المسلمين ، وكانت حياته كلها ترف وبذخ ، وقضى عمره في السكر والعربدة واللهو ، ويبعثر الملايين ، فيما يعيش الناس في حياة صعبة ، وفي فقر وبؤس . أما العلويون فقد كانوا يعيشون حالة من الفقر المدقع ، محرومين من أبسط حقوقهم في الحياة الكريمة .  
استُدعي الإمام الهادي ( عليه السلام ) إلى سامرّاء فوصلها مع ابنه الحسن ( عليه السلام ) وأُنزل في إحدى الخيام حيث يرابط جيش المتوكل هناك ، ليكون تحت مراقبة جنودٍ غاية في القسوة والشدّة والجهل بمنزلة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فقد كانوا أتراكا غلاظاً ساعدت بيئتهم وتربتهم في تكوين شخصية لا تعرف غير طاعة الملوك والحكام .  
حكايات :  
  
كان لأحدهم ابنٌ تصيبه الحصاة أي في كليته حصى ، فنصحه الطبيب بالجراحة ، وعندما أجريت العملية مات الصبي ، فلامه الناس وقالوا :  
قد قتلت ولدك وأنت شريك في دمه .  
فاشتكى ذلك إلى الإمام .  
فقال الهادي ( عليه السلام ) : ليس عليك فيما فعلت شيء ، إنما التمست له الدواء وكان أجله في ذلك .  
وقدّم له صبيٌ وردة فأخذها وقبّلها و وضعها على عينيه ، ثم ناولها إلى أحد أصحابه وقال : من تناول وردة أو ريحانة فقبلها ووضعها على عينيه ثم صلّى على محمد وآل محمد كتب اللهُ له من الحسنات مثل رمل " عالج " 1 ومحا عنه من السيئات مثل ذلك .  
يروي " يحيى بن هرثمة " الذي أشرف على سفر الإمام من المدينة إلى سامرّاء قائلاً : كنا نسير والسماء صحو ، فأمر الإمام أصحابه أن يهيّئوا ما يقيهم من المطر ن فتعجب بعضنا وضحك آخرون ، فما هي إلاّ دقائق حتى اكتظّت السماء بالغيوم وهطل المطر ، والتفت الإمام إليّ وقال :  
لقد أنكرت ذلك ثم ظننت أني أعلم الغيب وليس ذلك كما تظن ، ولكني نشأت في البادية ، فأنا أعرف الرياح التي يعقبها المطر ، وقد هبّت ريح شممت فيها رائحة المطر ، فتأهبت لذلك .  
نذر المتوكل يوماً عندما اُصيب بوعكة صحية أن يتصدّق بمال كثير ولم يعيّن مقداره .  
ولما أراد الوفاء بنذره اختلف الفقهاء في تحديد المبلغ ، ولم ينتهوا إلى نتيحة ، فأشار عليه البعض أن يسأل أبا الحسن علي الهادي ( عليه السلام ) .  
وعندما سئل الإمام عن الكثير قال : إنّ الكثير ثمانون ، فسئل عن دليله على ذلك ، فأجاب الإمام : قال سبحانه وتعالى : " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة " فعددنا تلك المواطن " المعارك الإسلامية " فكانت ثمانين .  
اقتحام منزل الإمام :  
  
بالرغم من الإقامة الجبرية المفروضة على الإمام الهادي ( عليه السلام ) فإنه لم يسلم من الوشايات والاتهامات الباطلة .  
فقد نقل أحدهم إلى المتوكل بأن الإمام يجمع السلاح والأموال للثورة ، فأمر المتوكل سعيد الحاجب أن يقتحم المنزل ليلاً ويتأكّد من صحة الأخبار .  
وعندما اقتحم المنزل وجد الإمام في حجرة خالية تماماً إلاّ من حصير وكان الإمام يصلّي بخشوع .  
وقد فتّش المنزل بدقّة فلم يعثر على أي شيء فقال الحاجب معتذراً :  
يا سيدي إني مأمور ومعذور .  
فردّ الإمام بحزن : " و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " .  
بركة السباع :  
ادّعت امرأة أنها زينب بنت علي ( عليه السلام ) ، وأن شبابها يتجدد كل خميس سنة ، فأرسل المتوكل وراء رجال من بني طالب ، فقالوا :  
إن زينب ماتت في تاريخ كذا وقد دفنت .  
غير أن المرأة بقيت على ادّعائها ؛ فقال " الفتح بن خاقان " وزير المتوكل : لا يخبرك بهذا إلاّ ابن الرضا ( عليه السلام ) .  
فأرسل المتوكل وراء الإمام الهادي وسأله عن ذلك فقال الإمام ( عليه السلام ) : إن في ولد علي ( عليه السلام ) علامة ، وهي لا تعرض لهم السباع بسوء ، فألقها إلى السباع فإن لم تعرض لها فهي صادقة .  
فأراد المتوكل امتحان ذلك بالإمام ، نزل الإمام إلى بركة السباع بكلّ ثقة ، وكانت المفاجأة حيث ظلّت السباع تبصبص عند قدميه .  
وهنا أمر المتوكل بإلقاء المرأة ، فصرخت مذعورة وتراجعت عن ادعائها .  
في مجلس المتوكل :  
  
في لحظة سكر ، أمر المتوكل بإحضار الإمام فوراً ، وانطلق الجلاوزة واقتحموا الدار بقسوة ، واقتادوا الإمام إلى قصر الخلافة .  
كان المتوكل يشرب الخمر ويعربد . وقف الإمام قريباً منه ، فناوله المتوكل كأساً من الخمر .  
اعتذر الإمام قائلاً : والله ما خامر لحمي و دمي .  
فقال المتوكل : إذن أنشدني شعراً .  
فاعتذر الإمام وقال : أني لقليل الرواية للشعر .  
أصرّ المتوكل على موقفه ، فانطلق الإمام يهزّه بشعر لم يكن يتوقّعه أبداً :  
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم | غلب الرجال فما أغنتهم القللُ  
واستنزلوا بعد عزٍّ من مـعاقلهم | فأُودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا  
ناداهم صارخٌ من بعد ما قبروا | أين الأسرّة والتيجان والحُللُ  
أين الوجوه التي كانت منعّمة | من دونها تُضرب الأستار والكُلَلُ  
فأفصح القبرُ عنهم حين ساءلهم | تلك الوجوهُ عليها الدود ينتقلُ  
قد طالما أكلوا دهراُ وما شربوا | فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا  
وطالما عمّروا دوراً لتـحصنهم | ففارقوا الدور والأهلين وانـتقلوا  
وطالما كنزوا الأموال وادّخـروا | فخلّفوها إلى الأعداء وارتـحلوا  
أضحت منازلهم قفراً معـطلـة | وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا  
وكان الشعر مؤثراً جداً . . إنّ نهاية كل شيء هو الفناء . نهاية القصور والطواغيت والنفوذ الشرف وكل ما يخدع الإنسان مصيره الزوال .  
وهنا انفجر المتوكل باكياً ونهض إجلالاً للإمام وودَّعه باحترام .  
استشهاد الإمام :  
لقي المتوكل مصرعه في إحدى المؤامرات التي تحوكها الأطماع ، وجاء بعد ابنه المنتصر وقد حكم ستة اشهر فقط ، ثم أعقبه خليفة آخر هو المستعين فحكم ثلاث سنوات ، وتلاه المعتزّ الذي عمل على اغتيال الإمام بالسم ، فمضى إلى ربّه شهيداً ، وذلك سنة 254 هجرية . وله من العمر 42 سنة ، ومرقده اليوم في مدينة سامراء قبة ذهبية تعانق السماء و مزاراً للمسلمين .  
تلامذة الإمام :  
بالرغم من المراقبة الشديدة والمضايقات ، فقد كان للإمام تلامذة ومريدون ، يتحمّلون الصعاب من أجل لقائه ، من بينهم :  
  1. عبد العظيم الحسني : وكان من كبار العلماء على جانب كبير من التقوى ، وقد امتدحه الإمام وأثنى عليه في عديد من المناسبات ، تعرض لمطاردة الحكام فاختفى في مدينة الري – جنوب طهران اليوم ، ومرقده اليوم مزار يؤمه المسلمون تبرّكاً .  
  2. الحسن بن سعيد الأهوازي : وكان من أصحاب الإمام الرضا ( عليه السلام ) والإمام الجواد ( عليه السلام ) . عاش في الكوفة والأهواز وانتقل إلى قم حيث توفي هناك . له ثلاثون مؤلف في الفقه والآداب والأخلاق ، وكان من الثقات في الرواية والحديث .  
  3. الفضل بن شاذان النيسابوري : فقيه كبير ومتكلم روى كثيراً من أحاديث الإمام ، ولازم ابنه الإمام الحسن العسكري . أثنى عليه الإمام ونصح أهل خراسان بالرجوع إليه فيما يهمّهم من المسائل .  
من كلماته المضيئة :  
  • من أطاع الخالق لم يبالِ بسخط المخلوقين .  
  • من هانت عليه نفسه فلا تأمن شرّه .  
  • من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه .  
  • الغضب على من تملك لؤم .  
  • خير من الخير فاعله ، شرّ من الشرّ جالبه .  
  • العتاب خير من الحقد .  
  • قال للمتوكل : لا تطلب الوفاء ممن غدرت به .  
أسئلة :  
  1. كيف تنبّأ الإمام بهطول المطر ؟  
  2. لماذا بكى المتوكل ؟  
  3. ما هي نصيحة الإمام لأخيه ؟  
هوية الإمام :  
الاسم : علي .  
اللقب : الهادي .  
الكنية : أبو الحسن .  
اسم الأب : الإمام محمد الجواد ( عليه السلام ) .  
تاريخ الولادة : 212 هجري .  
تاريخ الشهادة : 254 هجري .  
العمر : 22 سنة .  
محل الدفن : سامراء – العراق .  
تعليقات  

  1. صحراء .  
  
  
 
نسبه الوضّاح  
ليس في دنيا الأنساب نسب أسمى، ولا أرفع من نسب أبي الفضل فهو من صميم الأسرة العلوية، التي هي من أجلّ وأشرف الأسر التي عرفتها الإنسانية في جميع أدوارها، تلك الأسرة العريقة في الشرف والمجد، التي أمدّت العالم العربي والإسلامي بعناصر الفضيلة، والتضحية في سبيل الخير، وما ينفع الناس، وأضاءت الحياة العامة بروح التقوى، والإيمان، وهذا عرض موجز للأصول الكريمة التي تفرّع قمر بني هاشم، وفخر عدنان منها.  
الأب   
 
أمّا الأب الكريم لسيّدنا العباس (عليه السلام) فهو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وباب مدينة علمه، وختنه على حبيبته، وهو أول من آمن بالله، وصدّق رسوله وكان منه بمنزلة هارون من موسى، وهو بطل الإسلام، والمنافح الأول عن كلمة التوحيد، وقد قاتل الأقربين والأبعدين من أجل نشر رسالة الإسلام وإشاعة أهدافه العظيمة بين الناس، وقد تمثلت بهذا الإمام العظيم جميع فضائل الدنيا، فلا يدانيه أحد في فضله وعلمه، وهو - بإجماع المسلمين _ أثرى شخصية علمية في مواهبه وعبقرياته بعد الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو غنّي عن البيان والتعريف، فقد استوعبت فضائله ومناقبه جميع لغات الأرض… ويكفي العباس شرفاً وفخراً أنّه فرع من دوحة الإمامة، وأخ لسبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله).  
الأم   
 
أمّا الأم الجليلة المكرّمة لأبي الفضل العباس (عليه السلام) فهي السيدة الزكية فاطمة بنت حزام بن خالد..، وأبوها حزام من أعمدة الشرف في العرب، ومن الشخصيات النابهة في السخاء والشجاعة وقرى الأضياف، وأما أسرتها فهي من أجلّ الأسر العربية، وقد عرفت بالنجدة والشهامة، وقد اشتهر جماعة بالنبل والبسالة منهم:  
1- عامر بن الطفيل:  
وهو أخو عمرة الجدة الأولى لأمّ البنين، وكان من ألمع فرسان العرب في شدّة بأسه، وقد ذاع اسمه في الأوساط العربية وغيرها، وبلغ من عظيم شهرته أن قيصر إذا قدم عليه وافد من العرب فإن كان بينه وبين عامر نسب عظم عنده، وبجّله وأكرمه، وإلا أعرض عنه.  
2- عامر بن مالك:  
وهو الجدّ الثاني للسيّدة أمّ البنين، وكان من فرسان العرب وشجعانهم ولقّب بملاعب الأسنّة لشجاعته الفائقة، وفيه يقول الشاعر:  
يـــلاعب أطـراف الأسـنة عامر        فــراح لــــه حظّ الكتائب أجمع  
وبالإضافة إلى شجاعته فقد كان من أباة الضيم، وحفظة الذمام ومراعاة العهد، ونقل المؤرّخون عنه بوادر كثيرة تدلّل على ذلك.  
3- الطفيل:  
وهو والد عمرة الجدّة الأولى لأمّ البنين كان من أشهر شجعان العرب، وله أشقّاء من خيرة فرسان العرب، منهم ربيعة، وعبيدة، ومعاوية، ويقال لأمّهم (أمّ البنين) وقد وفدوا على النعمان بن المنذر فرأوا عنده الربيع بن زياد العبسي، وكان عدوّاً وخصماً لهم، فاندفع لبيد وقد تميّز من الغيظ فخاطب النعمان:  
يـــا واهـب الخير الجزيل من سعة        نحــــن بـــــنو أمّ البــــنين الأربـعة  
ونحن خــــير عــــامر بن صعصعة        المطـــــعمون الجــــفنة المـدعدعة  
الـــضاربون الهام وســط الحيصعة        إليــــك جــــاوزنا بــــلاداً مســـبعة  
تخــبر عــــن هــــذا خبيراً فاسمعه        مهــــلاً أبـــيت الـــلعن لا تأكل معه  
فـتأثّر النعمان للربيع، وأقصاه عن مسامرته، وقال له:  
شـــرّد برحلك عنّي حيث شئت ولا        تكثر علـــيّ ودع عــــنك الأبــاطيلا  
قد قيـــــل ذلــــك إن حــقاً وان كذبا        فــــما اعـــتذارك في شيء إذا قيلا  
ودلّ ذلك على عظيم مكانتهم، وسموّ منزلتهم الاجتماعية عند النعمان فقد بادر إلى إقصاء سميره الربيع عن مسامرته.  
4- عروة بن عتبة:  
وهو والد كبشة الجدّة الثانية لأم البنين، وكان من الشخصيات البارزة في العالم العربي، وكان يفد على ملوك عصره، فيكرّمونه، ويجزلون له العطاء، ويحسنون له الوفادة(1).  
هؤلاء بعض الأعلام من أجداد السيّدة الكريمة أمّ البنين، وقد عرفوا بالنزعات الكريمة، والصفات الرفيعة، وبحكم قانون الوراثة فقد انتقلت صفاتهم الشريفة إلى السيّدة أمّ البنين ثم منها إلى أبنائها الممجدين.  
قران الإمام بأمّ البنين:  
ولما ثكل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بوفاة بضعة الرسول (صلى الله عليه وآله) وريحانته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليهماالسلام) ندب أخاه عقيلاً، وكان عالماً بأنساب العرب أن يخطب له امرأة قد ولدتها الفحول ليتزوّجها لتلد غلاماً زكياً شجاعاً لينصر ولده أبا الشهداء في ميدان كربلاء(2) فأشار عليه عقيل بالسيّدة أمّ البنين الكلابية فإنّه ليس في العرب من هو أشجع من أهلها، ولا أفرس، وكان لبيد الشاعر يقول فيهم: (نحن خير عامر بن صعصعة) فلا ينكر عليه أحد من العرب، ومن قومها ملاعب الأسنّة أبو براء الذي لم يعرف العرب مثله في الشجاعة(3)، فندبه الإمام إلى خطبتها، وانبرى عقيل إلى أبيها فعرض عليه الأمر فأسرع فرحاً إليها فاستجابت باعتزاز وفخر، وزفّت إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد رأى فيها العقل الراجح، والإيمان الوثيق وسموّ الآداب، ومحاسن الصفات، فأعزّها، وأخلص لها كأعظم ما يكون الإخلاص.  
•• رعايتها لسبطيّ النبيّ (صلى الله عليه وآله): 
 
وقامت السيّدة أمّ البنين برعاية سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وريحانتيه وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عليهما السلام)، وقد وجدا عندها من العطف والحنان ما عوّضهما من الخسارة الأليمة التي مُنيابها بفقد أمّهما سيّدة نساء العالمين فقد توفّيت، وعمرها كعمر الزهور فقد ترك فقدها اللوعة والحزن في نفسيهما.  
لقد كانت السيدة أم البنين تكنّ في نفسها من المودّه والحبّ للحسن والحسين(عليهما السلام) ما لا تكنّه لأولادها الذين كانوا ملء العين في كمالهم وآدابهم.  
لقد قدّمت أم البنين أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، على أبنائها في الخدمة والرعاية، ولم يعرف التاريخ أن ضرّة تخلص لأبناء ضرّتها وتقدّمهم على أبنائها سوى هذه السيّدة الزكيّة، فقد كانت ترى ذلك واجباً دينياً لأن الله أمر بمودّتهما في كتابه الكريم، وهما وديعة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وريحانتاه، وقد عرفت أمّ البنين ذلك فوفت بحقّهما وقامت بخدمتهما خير قيام.  
•• مكانتها عند أهل البيت: 
 
ولهذه السيّدة الزكية مكانة متميّزة عند أهل البيت(عليهم السلام)، فقد أكبروا إخلاصها وولاءها للإمام الحسين (عليه السلام)، وأكبروا تضحيات أبنائها المكرمين في سبيل سيّد الشهداء (عليه السلام)، يقول الشهيد الأول وهو من كبار فقهاء الإمامية:  
(كانت أمّ البنين من النساء الفاضلات، العارفات بحقّ أهل البيت(عليهم السلام)، مخلصة في ولائهم، ممحضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه، والمحلّ الرفيع، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزّيها بأولادها الأربعة، كما كانت تعزّيها أيام العيد..)(4).  
إنّ زيارة حفيدة الرسول (صلى الله عليه وآله) وشريكة الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته زينب الكبرى(عليهاالسلام) لأمّ البنين، ومواساتها لها بمصابها الأليم بفقد السادة الطيبين من أبنائها، مما يدلّ على أهميّة أمّ البنين وسموّ مكانتها عند أهل البيت(عليهم السلام).  
•• مكانتها عند المسلمين: 
 
وتحتلّ هذه السيّدة الجليلة مكانة مرموقة في نفوس المسلمين، ويعتقد الكثيرون إلى أنّ لها منزلة عظيمة عند الله، وأنّه ما التجأ إليها مكروب، وجعلها واسطة إلى الله تعالى إلا كشف عنه ما ألمّ به من المحن والخطوب، وهم يفزعون إليها إن ألمّت بهم كارثة من كوارث الزمن أو محنة من محن الأيّام، ومن الطبيعي أن تكون لها هذه المنزلة الكريمة عند الله، فقد قدّمت في سبيله أفلاذ أكبادها، وجعلتهم قرابين لدينه.  
الوليد العظيم   
 
وكان أوّل مولود زكيّ للسيّدة أمّ البنين هو سيّدنا المعظّم أبو الفضل العباس (عليه السلام)، وقد ازدهرت يثرب، وأشرقت الدنيا بولادته وسرت موجات من الفرح والسرور بين أفراد الأسرة العلوية، فقد ولد قمرهم المشرق الذي أضاء سماء الدنيا بفضائله ومآثره، وأضاف إلى الهاشميين مجداً خالداً وذكراً ندياً عاطراً.  
وحينما بشّر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا المولود المبارك سارع إلى الدار فتناوله، وأوسعه تقبيلاً، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، لقد كان أوّل صوت قد اخترق سمعه صوت أبيه رائد الإيمان والتقوى في الأرض، وأنشودة ذلك الصوت.  
(الله أكبر…).  
(لا إله إلا الله).  
وارتسمت هذه الكلمات العظيمة التي هي رسالة الأنبياء، وأنشودة المتّقين في أعماق أبي الفضل، وانطبعت في دخائل ذاته، حتى صارت من أبرز عناصره، فتبنى الدعوة إليها في مستقبل حياته، وتقطّعت أوصاله في سبيلها.  
وفي اليوم السابع من ولادة أبي الفضل (عليه السلام)، قام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بحلق شعره، والتصدّق بزنته ذهباً أو فضّة على المساكين وعقّ عنه بكبش، كما فعل ذلك مع الحسن والحسين (عليهما السلام) عملاً بالسنّة الإسلامية.  
سنة ولادته   
 
أفاد بعض المحقّقين أن أبا الفضل العباس (عليه السلام) ولد سنة (26 هـ) في اليوم الرابع من شهر شعبان(5).  
- تسميته: 
 
سمّى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وليده المبارك (بالعباس) وقد استشفّ من وراء الغيب أنه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام، وسيكون عبوساً في وجه المنكر والباطل، ومنطلق البسمات في وجه الخير، وكان كما تنبّأ فقد كان عبوساً في ميادين الحروب التي أثارتها القوى المعادية لأهل البيت (عليهم السلام)، فقد دمّر كتائبها وجندل أبطالها، وخيّم الموت على جميع قطعات الجيش في يوم كربلاء، ويقول الشاعر فيه:  
عبــست وجـوه القوم خوف الموت        والعـــبّاس فــــيهم ضــاحك متبسّم  
- كنيته: 
 
وكنّي سيّدنا العبّاس (عليه السلام) بما يلي:  
1- أبو الفضل:  
كنّي بذلك لأنّ له ولداً اسمه الفضل، ويقول في ذلك بعض من رثاه:  
أبا الفضل يا مـــن أسّس الفضل والإبا        أبى الفـــضل إلا أن تــــكون لــه أبا  
وطابقت هذه الكنية حقيقة ذاته العظيمة فلو لم يكن له ولد يسمّى بهذا الاسم، فهو - حقّاً - أبو الفضل، ومصدره الفياض فقد أفاض في حياته ببرّه وعطائه على القاصدين لنبله وجوده، وبعد شهادته كان موئلاً وملجأً لكل ملهوف، فما استجار به أحد بنيّة صادقة إلا كشف الله ما ألمّ به من المحن والبلوى.  
2- أبو القاسم:  
كنّي بذلك لأنّ له ولداً اسمه (القاسم) وذكر بعض المؤرّخين أنّه استشهد معه يوم الطفّ، وقدّمه قرباناً لدين الله، وفداءً لريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله).  
- ألقابه: 
 
أمّا الألقاب التي تضفى على الشخص فهي تحكي صفاته النفسية حسنة كانت أو سيّئة، وقد أضيفت على أبي الفضل (عليه السلام) عدّة ألقاب رفيعة تنمّ عن نزعاته النفسية الطيبة، وما اتصف به من مكارم الأخلاق وهي:  
1- قمر بني هاشم:  
كان العبّاس (عليه السلام) في روعة بهائه، وجميل صورته آية من آيات الجمال، ولذلك لقّب بقمر بني هاشم، وكما كان قمراً لأسرته العلوية الكريمة، فقد كان قمراً في دنيا الإسلام، فقد أضاء طريق الشهادة، وأنار مقاصدها لجميع المسلمين.  
2- السقّاء:  
وهو من أجلّ ألقابه، وأحبّها إليه، أما السبب في إمضاء هذا اللقب الكريم عليه فهو لقيامه بسقاية عطاشى أهل البيت(عليهم السلام) حينما فرض الإرهابي المجرم ابن مرجانة الحصار على الماء، وأقام جيوشه على الفرات لتموت عطشاً ذرية النبيّ (صلى الله عليه وآله)، محرّر الإنسانية ومنقذها من ويلات الجاهلية… وقد قام بطل الإسلام أبو الفضل باقتحام الفرات عدّة مرّات، وسقى عطاشى أهل البيت، ومن كان معهم من الأنصار، وسنذكر تفصيل ذلك عند التعرّض لشهادته.  
3- بطل العلقمي:  
أمّا العلقمي فهو اسم للنهر الذي استشهد على ضفافه أبو الفضل العباس (عليه السلام)، وكان محاطاً بقوى مكثّفة من قبل ابن مرجانة لمنع ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيّد شباب أهل الجنّة، ومن كان معه من نساء وأطفال من شرب الماء، وقد استطاع أبو الفضل بعزمه الجبّار، وبطولته النادرة أن يجندل الأبطال، ويهزم أقزام ذلك الجيش المنحطّ، ويحتلّ ذلك النهر، وقد قام بذلك عدّة مرّات، وفي المرّة الأخيرة استشهد على ضفافه ومن ثمّ لقّب ببطل العلقمي.  
4- حامل اللواء:  
ومن ألقابه المشهورة (حامل اللواء) وهو أشرف لواء، إنّه لواء أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد خصّه به دون أهل بيته وأصحابه، وذلك لما تتوفر فيه من القابليات العسكرية، ويعتبر منح اللواء في ذلك العصر من أهمّ المناصب الحسّاسة في الجيش وقد كان اللواء الذي تقلّده أبوالفضل يرفرف على رأس الإمام الحسين (عليه السلام) منذ أن خرج من يثرب حتّى انتهى إلى كربلاء، وقد قبضه بيد من حديد، فلم يسقط منه حتى قطعت يداه، وهوى صريعاً بجنب العلقمي.  
5- كبش الكتيبة:  
وهو من الألقاب الكريمة التي تمنح إلى القائد الأعلى في الجيش، الذي يقوم بحماية كتائب جيشه بحسن تدبير، وقوّة بأس، وقد أضفي هذا الوسام الرفيع على سيّدنا أبي الفضل، وذلك لما أبداه يوم الطفّ من الشجاعة والبسالة في الذبّ والدفاع عن معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كان قوّة ضاربة في معسكر أخيه، وصاعقة مرعبة ومدمّرة لجيوش الباطل.  
6- العميد:  
وهو من الألقاب الجليلة في الجيش التي تمنح لأبرز الأعضاء في القيادة العسكرية، وقد قلّد أبو الفضل (عليه السلام) بهذا الوسام لأنّه كان عميد جيش أخيه أبي عبدالله، وقائد قوّاته المسلّحة في يوم الطفّ.  
7- حامي الضعينة:  
ومن الألقاب المشهورة لأبي الفضل (عليه السلام) (حامي الضعينة).  
يقول السيّد جعفر الحلّي في قصيدته العصماء التي رثاه بها:  
حـامي الضعينة أين منه ربيعة        أم أيــــن مـــن عليا أبيه مكرم  
وانّما اضفي عليه هذا اللقب الكريم لقيامه بدور مشرّف في رعاية مخدرات النبوة وعقائل الوحي، فقد بذل قصارى جهوده في حمايتهنّ وحراستهنّ وخدمتهنّ، فكان هو الذي يقوم بترحيلهنّ، وأنزالهنّ من المحامل طيلة انتقالهنّ من يثرب إلى كربلاء.  
ومن الجدير بالذكر أن هذا اللقب أطلق على بطل من شجعان العرب وفرسانهم وهو ربيعة بن مكرم، فقد قام بحماية ظعنه، وأبلى في ذلك بلاءً حسناً(6).  
8- باب الحوائج:  
وهذا من أكثر ألقابه شيوعاً، وانتشاراً بين الناس، فقد آمنوا وأيقنوا أنه ما قصده ذو حاجة بنية خالصة إلا قضى الله حاجته، وما قصده مكروب إلا كشف الله ما ألمّ به من محن الأيام، وكوارث الزمان، وكان ولدي محمد الحسين ممن التجأ إليه حينما دهمته كارثة ففرّج الله عنه.  
إنّ أبا الفضل نفحة من رحمات الله، وباب من أبوابه، ووسيلة من وسائله، وله عنده الجاه العظيم، وذلك لجهاده المقدّس في نصرة الإسلام، والذبّ عن أهدافه ومبادئه، وقيامه بنصرة ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى استشهد في سبيله، هذه بعض ألقاب أبي الفضل، وهي تحكي بعض معالم شخصيته العظيمة وما انطوت عليه من محاسن الصفات ومكارم الأخلاق(7).  
ملامحه   
 
أمّا ملامحه فقد كان صورة بارعة من صور الجمال، وقد لقّب بقمر بني هاشم لروعة بهائه، وجمال طلعته، وكان متكامل الجسم قد بدت عليه آثار البطولة والشجاعة، ووصفه الرواة بأنه كان وسيماً جميلاً، يركب الفرس المطهم(8) ورجلاه يخطان في الأرض(9).  
تعويذ أمّ البنين له:   
 
واستوعب حب العباس قلب أمّه الزكيّة، فكان عندها أعزّ من الحياة، وكانت تخاف عليه، وتخشى من أعين الحسّاد من أن تصيبه بأذى أو مكروه، وكانت تعوذه بالله، وتقول هذه الأبيات:  
أعيــــذه بـــــــالــــواحـد        مــــن عــــين كلّ حاسد  
قـــــائــــمـــهم والــقاعد        مســـــلمــهم والــجاحد  
صــــادرهـــم والــــوارد        مـــولدهم والوالد(10)  
مع أبيه  
 
كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يرعى ولده أبا الفضل في طفولته، ويعنى به كأشدّ ما تكون العناية فأفاض عليه مكوّنات نفسه العظيمة العامرة بالإيمان والمثل العليا، وقد توسّم فيه أنه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام، وسيسجّل للمسلمين صفحات مشرقة من العزّة والكرامة.  
كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يوسع العباس تقبيلاً، وقد احتلّ عواطفه وقلبه، ويقول المؤرّخون: إنّه أجلسه في حجره فشمّر العبّاس عن ساعديه، فجعل الإمام يقبّلهما، وهو غارق في البكاء، فبهرت أمّ البنين، وراحت تقول للإمام:  
(ما يبكيك؟)  
فأجابها الإمام بصوت خافت حزين النبرات:  
(نظرت إلى هذين الكفّين، وتذكّرت ما يجري عليهما..)  
وسارعت أمّ البنين بلهفة قائلة:  
(ماذا يجري عليهما؟)..  
فأجابها الإمام بنبرات مليئة بالأسى والحزن قائلاً:  
(إنّهما يقطعان من الزند..)  
وكانت هذه الكلمات كصاعقة على أمّ البنين، فقد ذاب قلبها، وسارعت وهي مذهولة قائلة:  
(لماذا يقطعان؟)..  
وأخبرها الإمام (عليه السلام) بأنّهما إنّما يقطعان في نصرة الإسلام والذبّ عن أخيه حامي شريعة الله ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأجهشت أمّ البنين في البكاء، وشاركتها من كانت معها من النساء لوعتها وحزنها(11).  
وخلدت أمّ البنين إلى الصبر، وحمدت الله تعالى في أن يكون ولدها فداءً لسبط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وريحانته.  
نشأته   
 
نشأ أبو الفضل العبّاس (عليه السلام) نشأة صالحة كريمة، قلّما يظفر بها إنسان فقد نشأ في ظلال أبيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض، فغذّاه بعلومه وتقواه، وأشاع في نفسه النزعات الشريفة، والعادات الطيّبة ليكون مثالاً عنه، وأنموذجاً لمثله، كما غرست أمّه السيّدة فاطمة في نفسه، جميع صفات الفضيلة والكمال، وغذّته بحبّ الخالق العظيم فجعلته في أيّام طفولته يتطلّع إلى مرضاته وطاعته، وظلّ ذلك ملازماً له طوال حياته.  
ولازم أبو الفضل أخويه السبطين ريحانتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة فكان يتلقّى منهما قواعد الفضيلة، وأسس الآداب الرفيعة، وقد لازم بصورة خاصة أخاه أبا الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) فكان لا يفارقه في حله وترحاله، وقد تأثّر بسلوكه، وانطبعت في قرارة نفسه مثله الكريمة وسجاياه الحميدة حتى صار صورة صادقة عنه يحكيه في مثله واتجاهاته، وقد أخلص له الإمام الحسين كأعظم ما يكون الإخلاص وقدّمه على جميع أهل بيته لما رأى منه من الودّ الصادق له حتى فداه بنفسه.  
إنّ المكونات التربوية الصالحة التي ظفر بها سيّدنا أبو الفضل العبّاس (عليه السلام) قد رفعته إلى مستوى العظماء والمصلحين الذين غيّروا مجرى تاريخ البشرية بما قدّموه لها من التضحيات الهائلة في سبيل قضاياها المصيرية، وإنقاذها من ظلمات الذلّ والعبودية.  
لقد نشأ أبوالفضل على التضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الحقّ، ورفع رسالة الإسلام الهادفة إلى تحرير إرادة الإنسان، وبناء مجتمع أفضل تسوده العدالة والمحبة، والإيثار، وقد تأثر العباس بهذه المبادئ العظيمة وناضل في سبيلها كأشدّ ما يكون النضال، فقد غرسها في أعماق نفسه، ودخائل ذاته، أبوه الإمام أمير المؤمنين وأخواه الحسن والحسين(عليهم السلام)، هؤلاء العظام الذين حملوا مشعل الحرية والكرامة، وفتحوا الآفاق المشرقة لجميع شعوب العالم وأمم الأرض من أجل كرامتهم وحرّيتهم، ومن أجل أن تسود العدالة والقيم الكريمة بين الناس.  
انطباعات عن شخصيّته   
 
واحتلّ أبو الفضل (عليه السلام) قلوب العظماء ومشاعرهم، وصار أنشودة الأحرار في كلّ زمان ومكان، وذلك لما قام به من عظيم التضحية تجاه أخيه سيّد الشهداء، الذي ثار في وجه الظلم والطغيان، وبنى للمسلمين عزّاً شامخاً، ومجداً خالداً.  
وفيما يلي بعض الكلمات القيّمة التي أدلى بها بعض الشخصيات الرفيعة في حقّ أبي الفضل (عليه السلام).  
1- الإمام زين العابدين: 
 
أمّا الإمام زين العابدين فهو من المؤسسين للتقوى والفضيلة في الإسلام، وكان هذا الإمام العظيم يترحّم - دوماً - على عمّه العبّاس، ويذكر بمزيد من الإجلال والإكبار تضحياته الهائلة لأخيه الحسين وكان مما قاله في حقّه هذه الكلمات القيّمة:  
رحم الله عمّي العباس، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه، حتى قطعت يداه، فأبدله الله بجناحين، يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وان للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة..)(12).  
وألمّت هذه الكلمات بأبرز ما قام به أبو الفضل من التضحيات تجاه أخيه أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد أبدى في سبيله من ضروب الإيثار وصنوف التضحية ما يفوق حدّ الوصف، وما كان به مضرب المثل على امتداد التاريخ، فقد قطعت يداه الكريمتان يوم الطفّ في سبيله، وظلّ يقاوم عنه حتى هوى إلى الأرض صريعاً، وان لهذه التضحيات الهائلة عند الله منزلة كريمة، فقد منحه من الثواب العظيم، والأجر الجزيل ما يغبطه عليه جميع شهداء الحقّ والفضيلة في دنيا الإسلام وغيره.  
2- الإمام الصادق: 
 
أمّا الإمام الصادق (عليه السلام) فهو العقل المبدع والمفكّر في الإسلام فقد كان هذا العملاق العظيم يشيد دوماً بعمّه العبّاس، ويثني ثناءً عاطراً ونديّاً على مواقفه البطولية يوم الطفّ، وكان مما قاله في حقّه:  
(كان عمّي العبّاس بن علي (عليه السلام) نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أخيه الحسين، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً..)(13).  
وتحدّث الإمام الصادق (عليه السلام) عن أنبل الصفات الماثلة عند عمّه العبّاس والتي كانت موضع إعجابه وهي:  
أ - نفاذ البصيرة:  
أمّا نفاذ البصيرة، فإنها منبعثة من سداد الرأي، وأصالة الفكر، ولا يتّصف بها إلا من صفت ذاته، وخلصت سريرته، ولم يكن لدواعي الهوى والغرور أي سلطان عليه، وكانت هذه الصفة الكريمة من أبرز صفات أبي الفضل فقد كان من نفاذ بصيرته، وعمق تفكيره مناصرته ومتابعته لإمام الهدى وسيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد ارتقى بذلك إلى قمّة الشرف والمجد، وخلدت نفسه العظيمة على امتداد التأريخ، فما دامت القيم الإنسانية يخضع لها الإنسان، ويمجّدها فأبو الفضل قد بلغ قمّتها وذروتها.  
ب - الصلابة في الإيمان:  
والظاهرة الأخرى من صفات أبي الفضل (عليه السلام) هي الصلابة في الإيمان وكان من صلابة إيمانه انطلاقه في ساحات الجهاد بين يدي ريحانة رسول الله مبتغياً في ذلك الأجر عند الله، ولم يندفع إلى تضحيته بأي دافع من الدوافع المادية، كما أعلن ذلك في رجزه يوم الطفّ، وكان ذلك من أوثق الأدلة على إيمانه.  
ج - الجهاد مع الحسين:  
وثمّة مكرمة وفضيلة أخرى لبطل كربلاء العباس (عليه السلام) أشاد بها الإمام الصادق (عليه السلام) وهي جهاده المشرق بين يدي سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسيّد شباب أهل الجنّة، ويعتبر الجهاد في سبيله من أسمى مراتب الفضيلة التي انتهى إليها أبو الفضل، وقد أبلى بلاءً حسناً يوم الطفّ لم يشاهد مثله في دنيا البطولات.  
د - زيارة الإمام الصادق:  
وزار الإمام الصادق (عليه السلام) أرض الشهادة والفداء كربلاء، وبعدما انتهى من زيارة الإمام الحسين وأهل بيته والمجتبين من أصحابه، انطلق بشوق إلى زيارة قبر عمّه العبّاس، ووقف على المرقد المعظّم، وزاره بالزيارة التالية التي تنمّ عن سموّ منزلة العبّاس، وعظيم مكانته، وقد استهلّ زيارته بقوله:  
(سلام الله، وسلام ملائكته المقرّبين، وأنبيائه المرسلين، وعباده الصالحين، وجميع الشهداء والصديقين والزاكيات الطيّبات فيما تغتدي وتروح عليك يا ابن أمير المؤمنين..).  
لقد استقبل الإمام الصادق عمّه العباس بهذه الكلمات الحافلة بجميع معاني الإجلال والتعظيم، فقد رفع له تحيات من الله وسلام ملائكته، وأنبيائه المرسلين، وعباده الصالحين، والشهداء، والصدّيقين، وهي أندى وأزكى تحيّة رفعت له، ويمضي سليل النبوّة الإمام الصادق (عليه السلام) في زيارته قائلاً:  
(وأشهد لك بالتسليم، والتصديق، والوفاء، والنصيحة لخلف النبيّ المرسل، والسبط المنتجب، والدليل العالم، والوصي المبلّغ والمظلوم المهتضم..)  
وأضفى الإمام الصادق (عليه السلام) بهذا المقطع أوسمة رفيعة على عمّه العباس هي من أجلّ وأسمى الأوسمة التي تضفى على الشهداء العظام، وهي:  
أ- التسليم:  
وسلّم العباس (عليه السلام) لأخيه سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) جميع أموره، وتابعه في جميع قضاياه حتّى استشهد في سبيله، وذلك لعلمه بإمامته القائمة على الإيمان الوثيق بالله تعالى، وعلى أصالة الرأي وسلامة القصد، والإخلاص في النيّة.  
ب - التصديق:  
وصدّق العبّاس (عليه السلام) أخاه ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جميع اتجاهاته، ولم يخامره شكّ في عدالة قضيّته، وأنّه على الحق، وأن مَن نصب له العداوة وناجزه الحرب كان على ضلال مبين.  
ج - الوفاء:  
من الصفات الكريمة التي أضافها الإمام الصادق (عليه السلام) على عمّه أبي الفضل (عليه السلام)، الوفاء فقد وفى ما عاهد عليه الله من نصرة إمام الحق أخيه أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فقد وقف إلى جانبه في أحلك الظروف وأشدّها محنة وقسوة، ولم يفارقه حتى قطعت يداه، واستشهد في سبيله.  
لقد كان الوفاء الذي هو من أميز الصفات الرفيعة عنصراً من عناصر أبي الفضل وذاتياً من ذاتياته، فقد خلق للوفاء والبرّ للقريب والبعيد.  
د - النصيحة:  
وشهد الإمام الصادق بنصيحة عمّه العبّاس لأخيه سيّد الشهداء (عليه السلام)، فقد أخلص له في النصيحة على مقارعة الباطل، ومناجزة أئمّة الكفر والضلال، وشاركه في تضحياته الهائلة التي لم يشاهد العالم مثلها نظيراً في جميع فترات التاريخ… ولننظر إلى بند آخر من بنود هذه الزيارة الكريمة، يقول (عليه السلام):  
(فجزاك الله عن رسوله، وعن أمير المؤمنين، وعن الحسن والحسين صلوات الله عليهم أفضل الجزاء بما صبرت، واحتسبت، وأعنت فنعم عقبى الدار...).  
وحوى هذا المقطع على إكبار الإمام الصادق (عليه السلام) لعمّه العبّاس وذلك لما قدّمه من الخدمات العظيمة، والتضحيات الهائلة لسيّد شباب أهل الجنّة، وريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السلام) فقد فداه بروحه، ووقاه بمهجته، وصبر على ما لاقاه في سبيله من المحن والشدائد مبتغياً في ذلك الأجر عند الله، فجزاه الله عن نبيّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وعن باب مدينته الإمام أمير المؤمنين، وعن الحسن والحسين أفضل الجزاء على عظيم تضحياته.  
ويستمرّ مجدّد الإسلام الإمام الصادق (عليه السلام) في زيارته لعمّه العبّاس، فيذكر صفاته الكريمة، وما له من المنزلة العظيمة عند الله تعالى، فيقول بعد السلام عليه:  
(أَشهد، وأُشْهِد الله أنّك مضيت على ما مضى به البدريون والمجاهدون في سبيل الله، المناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذابّون عن أحبّائه، فجزاك الله أفضل الجزاء وأكثر الجزاء وأوفر الجزاء وأوفى جزاء أحد ممن وفي ببيعته، واستجاب لدعوته، وأطاع ولاة أمره...).  
لقد شهد الإمام الصادق - العقل المفكّر والمبدع في الإسلام وأشهد الله تعالى على ما يقول: من أنّ عمّه أبا الفضل العبّاس (عليه السلام) قد مضى في جهاده مع أخيه أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام)، على الخطّ الذي مضى عليه شهداء بدر الذين هم من أكرم الشهداء عند الله فهم الذين كتبوا النصر للإسلام، وبدمائهم الزكية ارتفعت كلمة الله عالية في الأرض وقد استشهدوا وهم على بصيرة من أمرهم، ويقين من عدالة قضيّتهم، وكذلك سار أبو الفضل العبّاس على هذا الخطّ المشرق، فقد استشهد لإنقاذ الإسلام من محنته الحازبة، فقد حاول صعلوك بني أميّة حفيد أبي سفيان أن يمحو كلمة الله، ويلف لواء الإسلام، ويعيد الناس لجاهليتهم الأولى، فثار أبو الفضل بقيادة أخيه أبي الأحرار في وجه الطاغية السفّاك، وتحققت بثورتهم كلمة الله العليا في نصر الإسلام وإنزال الهزيمة الساحقة بأعدائه وخصومه.  
ويستمرّ الإمام الصادق (عليه السلام) في زيارته لعمّه العباس فيسجّل ما يحمله من إكبار وتعظيم، فيقول:  
(أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة، وأعطيت غاية المجهود فبعثك الله في الشهداء، وجعل روحك مع أرواح السعداء، وأعطاك من جنانه أفسحها منزلاً، وأفضلها غرفاً، ورفع ذكرك في علّيين وحشرك مع النبيّين، والصديقين والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.  
أشهد أنّك لم تهن ولم تنكل، وأنّك مضيت على بصيرة من أمرك، مقتدياً بالصالحين، ومتبعاً للنبيّين، فجمع الله بيننا، وبينك وبين رسوله وأوليائه في منازل المخبتين، فإنّه أرحم الراحمين..)(14).  
ويلمس في هذه البنود الأخيرة من الزيارة مدى أهميّة العبّاس، وسموّ مكانته عند إمام الهدى الإمام الصادق (عليه السلام)، وذلك لما قام به هذا البطل العظيم من خالص النصيحة، وعظيم التضحيّة لريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السلام)، كما دعا الإمام له ببلوغ المنزلة السامية عند الله التي لا ينالها إلا الأنبياء، وأوصيائهم، ومن امتحن الله قلبه للإيمان.  
3- الإمام الحجة: 
 
وأدلى الإمام المصلح العظيم بقيّة الله في الأرض قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله) بكلمة رائعة في حقّ عمّه العبّاس (عليه السلام) جاء فيها:  
(السلام على أبي الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي، الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه، لعن الله قاتليه يزيد بن الرقاد، وحكيم بن الطفيل الطائي..)(15).  
وأشاد بقيّة الله في الأرض بالصفات الكريمة الماثلة في عمّه قمر بني هاشم وفخر عدنان، وهي:  
1- مواساته لأخيه سيّد الشهداء (عليه السلام)، فقد واساه في أحلك الظروف، وأشدّها محنة وقسوة، وظلّت مواساته له مضرب المثل على امتداد التاريخ.  
2- تقديمه أفضل الزاد لآخرته، وذلك بتقواه، وشدّة تحرّجه في الدين، ونصرته لإمام الهدى.  
3- تقديم نفسه، وأخوته، وولده فداءً لسيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين (عليه السلام).  
4- وقايته لأخيه المظلوم بمهجته.  
5- سعيه لأخيه وأهل بيته بالماء حينما فرضت سلطات البغي والجور الحصار على ماء الفرات من أن تصل قطرة منه لآل النبيّ (صلى الله عليه وآله).  
4- الشعراء: 
 
وهام الأحرار من شعراء أهل البيت(عليهم السلام) بشخصية أبي الفضل التي بلغت قمّة الشرف والمجد، وسجّلت صفحات من النور في تاريخ الأمّة الإسلامية، وقد نظموا في حقّه روائع الشعر العربي إكباراً وإعجاباً بمثله الكريمة، فيما يلي بعضهم:  
1- الكُمْيت:  
أمّا شاعر الإسلام الأكبر الكُمْيت الأسدي فقد انطبع حبّ أبي الفضل في أعماق نفسه، وقد تعرّض لمدحه في إحدى هاشمياته الخالدة قال:  
وأبـو الفــضل إنّ ذكـرهم الحلو        شفاء النفوس من أسقام(16)  
إنّ ذكر أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وسائر أهل البيت(عليهم السلام) حلو عند كل شريف لأنّه ذكر للفضيلة والكمال المطلق، كما أنّه شفاء للنفوس من أسقام الجهل والغرور، وسائر الأمراض النفسية.  
2- الفضل بن محمد:  
من الشعراء الملهمين الذين هاموا بشخصية أبي الفضل (عليه السلام) هو حفيده الشاعر الكبير الفضل بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس فقد قال:  
إنـــــي لأذكـــــر لـــــلعبّاس مـوقفه        بكربــــلاء وهــــام الــقوم يختطف  
يـــحمي الحسين ويحميه على ظمأٍ        ولا يـــــولّي ولا يــــثني فــــيختلف  
ولا أرى مشـــــهداً يـــوماً كمشهده        مع الحسين عليه الفضل والشرف  
أكــــرم بـــــه مشهداً بانت فضيلته        وما أضــــاع لـه أفعاله خلف(17)  
وصوّرت هذه الأبيات شجاعة أبي الفضل (عليه السلام) وما قام به من دور مشرق يدعو إلى الاعتزاز والفخر في حماية أخيه أبي الأحرار، ووقايته له بمهجته، وسقايته له ولأفراد عائلته وأطفاله بالماء، فلم يكن هناك مشهد أفضل ولا أسمى من هذا الموقف الرائع الذي وقفه أبو الفضل مع أخيه أبي عبد الله (عليه السلام) … وقد استولت مواقف أبي الفضل على حفيده الفضل فهام بها ورثاه بذوب روحه، وكان من رثائه له هذه الأبيات الرقيقة:  
أحــــق الــــناس أن يبكى عليه        فـــتى أبـــكى الحسين بكربلاء  
أخـــــوه وابــــن والــــــده علي        أبو الفــــضل المضرّج بالدماء  
ومــــن واســــاه لا يثنيه شيء        وجادله على عطش بماء(18)  
نعم إن أحق الناس أن يمجد ويبكى على ما حلّ به من رزء قاصم هو أبو الفضل رمز الإباء والفضيلة، فقد رزأ الإمام الحسين (عليه السلام) بمصرعه، وبكاه أمرّ البكاء لأنّه فقد بمصرعه أبرّ الإخوان، وأعطفهم عليه.  
3- السيّد راضي القزويني:  
وهام الشاعر العلوي السيّد راضي القزويني بشخصية أبي الفضل (عليه السلام) قال:  
أبـــا الفضل يا من أسس الفضل والإبا        أبى الفــــــضل إلا أن تــــكون لــــه أبا  
تطلـــــبت أســـــباب العــــلى فبــلغـتها        وما كـــــل ســـــاع بـــــالغ مــــا تـطلبا  
ودون احتـــــمال الضــــــيم عـزّ ومنعة        تخـــــيرت أطـــــراف الأســـــنّة مركبا  
إنّ أبا الفضل من المؤسسين للفضل والإباء في دنيا العرب والإسلام فقد سما إلى طرق المجد، وأسباب العلى، فبلغ قمّتها، وقد تخير أطراف الأسنّة والرماح حتى لا يناله ذلّ، ولا ضيم.  
4 - محمد رضا الأزري:  
وأشاد الشاعر الكبير الحاج محمد رضا الأزري في رائعته بالمثل الكريمة التي تحلّى بها قمر بني هاشم، والتي احتلت عواطف الأحرار ومشاعرهم يقول:  
فانهض إلى الذكــر الجميل مشمّراً        فالذكر أبــــقى مـــا اقــتنته كرامها  
أومـــــا أتـــاك حـــديث وقعة كربلا        أنّى وقــــد بـــلغ الســــماء قـتامها  
يــوم أبو الفضل استجار به الهدى        والشـــمس من كدر العجاج لثامها  
ودعا الأزري بالبيت من رائعته إلى اقتناء الذكر الجميل الذي هو من أفضل المكاسب التي يظفر بها الإنسان فإنه أبقى، وأخلد له، ودعا بالبيت الثاني إلى التأمّل والاستفادة من واقعة كربلاء التي تفجّرت من بركان هائل من الفضائل والمآثر لآل النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وعرج بالبيت الثالث على أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) الذي استجار به سبط النبيّ (صلى الله عليه وآله) وريحانته، ولنستمع إلى ما قام به العبّاس من النصر والحماية لأخيه، يقول الأزري:  
فحمى عــــرينته ودمـــدم دونــــــها        ويذب مـن دون الشرى ضرغامها  
والبيض فوق البيض تحسب وقعها        زجل الـــرعود إذا اكفــهرّ غمامها  
مـــن بــاسل يلـــقى الكتــيبة باسماً        والشـــوس يرشــح بالمنية هامها  
واشـــــم لا يــــحتل دار هـــضـــيمة        أو يســــتقلّ عــلى النجوم رغامها  
أولــــم تـــــكن تــــدري قــريش أنّه        طــــلاع كـــل ثــــنية مقــــدامــــها  
وهذه الأبيات منسجمة كل الانسجام مع بطولات أبي الفضل، فقد صوّرت بسالته، وما قام به من دور مشرف في حماية أخيه أبي الأحرار فقد انبرى كالأسد يذبّ عن أخيه في معركة الشرف والكرامة، غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة التي ملأت البيداء دفاعاً عن ذئاب البشرية، وقد انطلق أبو الفضل باسماً في ميادين الحرب وهو يحطّم أنوف أولئك الأوغاد ويجرّعهم غصص الموت في سبيل كرامته وعزّة أخيه، وقد استبان للقبائل القرشية في هذه المعركة أن أبا الفضل طلاع كل ثنية، وأنه ابن من أرغمها على الإسلام وحطّم جاهليتها وأوثانها.  
وبهذا العرض نأتي على الانطباعات الكريمة عن شخصية أبي الفضل (عليه السلام) عند الأئمة الطاهرين(عليهم السلام)، وعند بعض أعلام الأدب العربي.  
الهوامش  
1 - قمر بني هاشم 1: 11 - 13 ذكر المحقق الشيخ عبد الواحد المظفر في كتابه بطل العلقمي عرضاً مفصّلاً لمآثر هذه الأسرة الكريمة.  
2 - تنقيح المقال 2/128.  
3 - تنقيح المقال 2/128.  
4 - العباس للمقرّم: 72 - 73 نقلاً عن مجموعة الشهيد الأول.  
5 - قمر بني هاشم 2: 5.  
6 - جاء في العقد الفريد 3/331 ان دريد بن الصمة خرج ومعه جماعة من فرسان بني جشم حتى إذا كانوا في واد لبني كنانة يقال له الأخرم، وهم يريدون الغارة على بني كنانة فرأوا رجلاً معه ضعينة في ناحية الوادي فقال دريد لفارس من أصحابه امض واستول على الضعينة، وانتهى الفارس إلى الرجل فصاح به خلّ عن الظعينة وانج بنفسك، فألقى زمام الناقة، وقال للظعينة:  
سـيري على رسلك سير الآمن        سيـــر دراج ذات جــاش طامن  
ان التـــــأني دون قرني شائني        ابـــلى بــلائي فاخبري وعايني  
ثم حمل على الرجل فصرعه، وأخذ فرسه وأعطاها للظعينة، وبعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع صاحبه فلما انتهى إليه رآه صريعاً فصاح بالرجل فألقى زمام الظعينة، فلما انتهى إليه حمل عليه وهو يقول:  
خــل ســـبيل الحـــرة المـــنيعة        انـــــك لاق دونـــــها ربــــيــعة  
فـــي كــــفه خطـــية منـــــــيعة        أولا فــــخذها طــــعنة ســريعة  
وحمل عليه فصرعه، ولما أبطأ بعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع الرجلان ولما انتهى إليهما وجدهما صريعين، والرجل يجر رمحه، فلما نظر إليه قال للظعينة اقصدي قصد البيوت ثم أقبل عليه وقال:  
مــــاذا تـــرى من شيئم عابس        أما تــرى الفارس بعد الفارس  
أرداهما عامل رمح يابس  
ثم حمل عليه فصرعه، وانكسر رمحه، وارتاب دريد في امر جماعته وظن أنهم أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل فلحقهم، وقد دنا ربيعة من الحي، فوجدهم دريد قد قتلوا جميعاً، فقال لربيعة: إن مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحك، والخيل ثائرة بأصحابها فدونك هذا الرمح فاني منصرف عنك إلى أصحابي، ومثبطهم عنك، فانصرف إلى أصحابه وقال لهم: ان فارس الضعينة قد حماها وقتل أصحابكم وانتزع رمحي فلا مطمع لكم فيه فانصرف القوم فقال دريد في ذلك:  
مـــا ان رأيت ولا سمعت بمثله        حامي الظــعينة فارساً لم يقتل  
أردى فــوارس لم يكونوا نهزة        ثــــم استــــمر كـــأنّه لــم يفعل  
فتـــــهللت تــــبدو أسـرة وجهه        مثل الحسام جلته كفّ الصيقل  
يــزجى طعينته ويسحب رمحه        مثل البغات خشين وقع الجندل  
7 - جاء في تنقيح المقال 2/128 أنه تحدث للعباس ستة عشر لقباً.  
8 - الفرس المطهم: هو السمين الفاحش في السمن كما في القاموس وفي المنجد أنه التام الحسن.  
9 - مقاتل الطالبيين: 56.  
10 - المنمق في أخبار قريش: 437.  
11 - قمر بني هاشم 1: 19.  
12 - الخصال 1: 35.  
13 - ذخيرة الدارين: 123 نقلاً عن عمدة الطالب.  
14 - مفاتيح الجنان للقمّي وغيره من كتب الزيارات والأدعية.  
15 - مزار محمد بن المشهدي من أعلام القرن السادس: 553.  
16 - الهاشميات: 25، ومن الغريب أن الشارح لهذا الديوان قال: ان المراد بأبي الفضل هو العباس بن عبد المطلب.  
17 - قمر بني هاشم: 147 نقلاً عن المجدي.  
18 - الغدير 3: 5.  
  
  
 
وُلد الإمام الباقر في الأول من رجب سنة 57 هجرية في المدينة المنورة ، وهو خامس أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .  
أبوه الإمام زينُ العابدين ( عليه السلام ) ، وأمّه " فاطمة " من ذرّية الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) .وعلى هذا فأن الإمام الباقر ( عليه السلام ) هو أوّل إمام ينحدر من رسول الله أباً وأماً .  
أدرك الإمام الباقرُ جدَّه الحسين ( عليه السلام ) ، وكان عمره أربعة أعوام حين وقعتْ مذبحةُ كربلاء .وعاش مع والده السجّاد ( عليه السلام ) خمساً وثلاثين سنة ، وعاش بعد والده ثمانية عشر عاماً وهي مدّة إمامته ، انصرف فيها إلى نشر العلوم والمعرفة الإسلامية .  
  
وسُمّي بالباقر من بقر الأرض أي شقّها وأخرج مخبآتها ، فهو قد أخرج كنوز العلم والمعرفة ، فسمّاه الناسُ الباقر ، وله ألقاب أخرى تدلّ على صفاته الأخلاقية ؛ منها : الشاكر والهادي .  
صادفه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري وهو صغير ، فقال له : يسلّم عليك رسولُ الله . فتعجّب الناس . فقال لهم جابر : كنت جالساً عند رسول الله ذات يوم وفي حجره الحسين ( عليه السلام ) يداعبه ، فقال لي :  
يا جابر يولد له مولود ، اسمه علي ، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ :  
لِيقم سيدُ العابدين ، ثمّ يولد من علي ولدٌ اسمه محمد يبقر العلم بقرا فإن أدركته يا جابر فاقرأه عنّي السلام .  
وكانت للإمام بساتين يعمل فيها بيده ، ويشارك الفلاحين طعامهم ، وكان يُنفق ريعها على الفقراء والمحتاجين ، وكان في ذلك أسخى أهل زمانه .  
وقد ورد في كتب التاريخ أن " محمد بن المنكدر " ، وكان متصوفاً ، قال : ما كنت أرى أن مثل علي بن الحسين يدع خلفاً أفضل حتى رأيت ابنه " محمداً ( عليه السلام ) أردت أن أعظه فوعظني ، خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة ، فلقيت محمدَ بن علي ( عليه السلام ) وهو متكئ على غلامين له ، فقلت في نفسي : شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا ، والله لأعظنّه ، فدنوت منه وسلّمت عليه ، فسلّم عليّ وكان يتصبّب عرقاً ، فقلت : أصلحك الله ، شيخاً من أشياخ قريش في هذه الساعة في طلب الدنيا . كيف لو جاءك الموت وأنت على هذه الحالة ؟!  
  
فخلّى الإمام يديه عن الغلامين وتساند وقال " لو جاءني – والله – الموت وأنا على هذه الحال ، جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله أكفّ بها نفسي عنك وعن الناس ، وإنّما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله .  
فقلت : يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني .  
كان موقف الإمام حازماً لكي يدرك الناس أن طلب الرزق عبادة وطاعة لله ، لا ترك العمل والانقطاع للصلاة والعيش عبئاً على الآخرين كما يفعل المتصوفون من أمثال بن المنكدر وغيره .  
منزلته العلمية :  
كان رجل من أهل الشام يتردّد على مجلس الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) ؛ وكان يقول له : لا يوجد أحد في الأرض أبغض إليّ منكم وإنّ طاعة الله وطاعة رسول الله في بغضكم ، ولكن أراك رجلاً فصيحاً لك أدب وحسن لفظ ، وأن حضوري مجلسك هو لحسن أدبك ، وكان الإمام في كل مرّة يقول له خيراً أو يقول له : لن تخفى على الله خافية .  
  
ومرّت أيام انقطع فيها الرجل الشامي ، فافتقده الإمام وسأل عنه فقال بعضهم : إنه مريض .  
ذهب الإمام لعيادته ، وجلس عنده يحدّثه وسأله عن علّته ونصحه الإمام بتناول الأطعمة الباردة ، ثم انصرف .  
مضّت أيام ونهض الشامي من فراشه بعد أن عوفي من مرضه ، فكان أول شيء فعله هو أن انطلق إلى مجلس الإمام واعتذر إليه ، وأصبح من أصحابه .  
وسأل رجلٌ عبدَ الله بن عمر بن الخطاب عن مسألة فحار في جوابها ثم قال له : اذهب إلى ذلك الغلام فسله وأعلمني بالجواب ، وأشار إلى محمدٍ الباقر . فجاءه الرجل وسأل الإمام وعاد إلى ابن عمر .  
حوار مع عالم نصراني :  
روى الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه كان في الشام مع أبيه عندما استدعاه هشام بن عبد الملك .  
وذات يوم رأى في أحد الميادين جموعاً من الناس تنتظر ، فسأل عن ذلك فقالوا له : إنهم ينتظرون عالِمهم وهو لا يخرج في العام إلا مرّة فيسألونه ويستفتونه ، فجلس الإمام معهم حتى جاء العالم النصراني ، وعندما رأى النصرانيُّ الإمامَ ( عليه السلام ) سأله : هل أنت منّا أم من هذه الأمة المرحومة ؟  
فقال الباقر ( عليه السلام ) : بل مِن الأمة المرحومة .  
  
فقال النصراني : مِن جُهّالها أم علمائها ؟ .  
فقال الإمام : لستُ من جُهّالها .  
فقال العالم النصراني : لديَّ أسئلة :  
من أين ادّعيتم أن أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يتبوّلون ؟  
فقال الإمام : دليلُنا الجنين في بطْن أمّه يُطعم فلا يُحدث .  
فقال العالم النصراني : أخبرني عن ساعة لا هي من ساعات الليل ولا من ساعات النهار .  
فقال الإمام : الساعة بين طلوع الفجر وطلوع الشمس . . يهدأ فيها المبتلى ويرقد فيها الساهر .  
فوجئ النصراني بأجوبة الإمام ، فأراد أن يفحمه بسؤال جديد ، فقال : اخبرني عن مولودَين وُلدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد ، عُمر أحدهما خمسون سنة وعمْر الآخر مائة وخمسون سنة .  
فقال الإمام : عُزير وأخوه ، وكان عمر عزير خمسة وعشرون سنة . . مرّ على قرية بأنطاكية وهي خاوية على عروشها فقال : {أنّى يُحيى هذه الله بعد موتها } 1 .فأماته الله مائة عام ثم بعثه ، وعاد إلى داره شابّاً ، فيما كان أخوه شيخاً كبيراً طاعناً في السن ، فعاش مع أخيه خمساً وعشرين سنة ، ثم مات مع أخيه في يوم واحد .  
وتعجّب العالم النصراني من سعة علم الإمام ، فأعلن إسلامه أمام الملأ كما أسلم أصحابه .  
في مجلس هشام :  
  
بعث هشام بن عبد الملك وراء الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) وابنه جعفر الصادق ، فغادرا المدينة إلى الشام .  
كان هدف هشام أن يستعرض أبهة الملك فدخل عليه الإمام ، وكان جالساً على سرير الملك ، وحوله الجند مسلحين وبين يديه عِلية القوم يرمون هدفاً بالسهام ، فقال : يا محمد اِرم مع أشياخ قومك هذا الغرض .  
فقال الإمام : إني قد كبرت عن الرمي فاعفني .  
رفض هشام وأصرّ على الإمام وأشار إلى شيخ من بني أمية أن يناوله القوس . فأخذ الإمام القوس وتناول سهماً فوضعه فيه وسدّد نحو الهدف فأصاب مركزه ، ثم تناول الثاني فأصاب المركز مرّة أخرى . . حتى تكاملت تسعة أسهم .  
  
دهش هشام لبراعة الإمام ومهارته الفائقة فهتف : أجدت يا أبا جعفر ، أنت أرمى العرب والعجم . . هذا وأنت تقول : كبرت عن الرمي .  
ثم قاد الإمام وأجلسه عن يمينه وقال : يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش مادام فيهم مثلك ، لله درّك ! مَن علّمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلّمته ؟  
فقال الإمام : تعلّمته أيام حداثتي ثم تركته .  
فقال هشام : ما أظن أن في الأرض أحداً يرمي مثل هذا الرمي . أيرمي جعفر مثل رميك ؟  
فقال الإمام : نحن أهل بيت نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما الله على نبيه (صلى الله عليه وآله ) في قوله تعالى : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } .  
فقال هشام وقد احمرّ غضباً : من أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي ولا أنتم أنبياء ؟  
فقال الإمام : ورثناه عن جدّنا علي ( عليه السلام ) وقد قال : علّمني رسول الله ألف باب من العلم . . ينفتح عن كل باب ألفُ باب .  
ظلّ هشام ساكتاً يفكّر ، ثم أمر بإعادة الإمام وابنه إلى المدينة بأسرع وقت خوفاً من أن يتّجه الناس إليه .  
النقد الإسلامي :  
كانت الاشتباكات على الحدود عنيفة بين الدولة الإسلامية ودولة الروم ، فهدّد امبراطورُ الروم عبدَ الملك بن مروان بقطع النقد عن الدولة الإسلامية إذا لم يتنازل عن المناطق المتنازع عليها ، فارتاع عبد الملك ولم يدْرِ ما يصنع ، وجمع أعيانَ المسلمين يستشيرهم فلم ينتهوا إلى نتيجة ، فأشار بعضهم بالرجوع إلى الإمام الباقر .  
أرسل عبد الملك يدعو الإمام إلى الشام ، ولبّى الإمام الدعوة ، وعندما عرضت عليه الأزمة ، قال الإمام لعبد الملك : لا يهولنكّ ما ترى أرسِل إلى ملك الروم واستمهله مدّة من الزمن ، وخلال هذه المدّة أرسل إلى حكام المدن والأقاليم وَ أمرهم بجمْع الذهب والفضة ، حتى إذا توفّرت الكمية المناسبة ، باشِر بضرب النقود الإسلامية .  
ثم حدّد له الإمام وزنها وشكلها ، وأمره أن يكتب على أحد وجهيها : " محمد رسول الله " ، فإذا انتهى العمل منها يمنع التعامل بالنقد الرومي وعندها لا يبقى لإمبراطور الروم نفوذاً يستغلّه ضد الدولة الإسلامية .  
ولما انتهى العمل وتوفر النقد الإسلامي ، بعث عبد الملك رأيه النهائي في مسالة الحدود ، ولم يجد إمبراطور الروم وسيلة للضغط الاقتصادي فاختار الحلّ العسكري ، ولكنه أخفق في ذلك أيضاً بعد أن تصدّى المسلمون لجيوشه .  
وهكذا أنقذ الإمام الباقر دولة الإسلام من استغلال الأعداء وأصبح لهم نقد مستقل يحمل شعار الإسلام .  
أصحاب الإمام :  
توفرت للإمام الباقر فرصة حسنة لنشر العلم وإرساء معالم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام ) بعد أن انصرف الأمويون إلى إخماد القلاقل هنا وهناك .  
وقد برز في عهد الإمام بعض تلاميذه الذين كان لهم دور كبير في نشر معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ؛ وفي طليعتهم :  
  
  1. أبان بن تغلب : وقد عاصر ثلاثة من أئمة أهل بيت ( عليهم السلام ) ، فقد حضر مجالسِ الإمام السجّاد والإمام الباقر كما لازم الإمام الصادق ( عليهم السلام ) ولكنه أخذ عن الإمام الباقر أكثر . وكان متفوِّقاً في علوم الفقه والحديث والأدب واللغة والتفسير والنحو ، وقد قال له الإمام الباقر : اجلس في مسجد المدينة وَافْتِ الناس فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك .  
  2. زرارة بن أعين : قال فيه الإمام الصادق ( عليه السلام ) : لولا زرارة لظننت أن أحاديث أبي ستذهب . وكان يترحّم عليه قائلاً : رحم اللهُ زرارة بن أعين لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي .  
  3. محمد بن مسلم الثقفي : كان الإمام الصادق يجلّه و يحبّه ؛ وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم الصادق ( عليه السلام ) : أربعة أحبّ الناس إليّ أحياء وأمواتاً ، كما أمر بعض أصحابه بالرجوع إليه قائلاً : سمع أحاديث أبي وكان عنده وجيهاً ، وكان محمد بن مسلم يقول : سألت أبا جعفر الباقر عن ثلاثين ألف حديث .  
وقد أثنى الإمامُ الصادق على أصحاب أبيه ، وكان يقول : لو أنّ أصحابي سمعوا وأطاعوا لأودعتهم ما أودع أبي أصحابه . . . إنّ أصحاب أبي كانوا زيناً لنا أحياءً و أمواتاً .  
ومن أصحاب الإمام الباقر أيضاً : الكميت الأسدي الشاعرُ المعروف كان الإمام الباقر يقول – كلما لقاه : اللهم اغفر للكميت .  
شهادة الإمام :  
على الرغم من انصراف الإمام الباقر إلى العلم ونشر الدين فإنّ حكّام بني أميّة لم يكونوا يتحملون وجوده ؛ خاصّة يعد أن عرف الناس فضله وعلمه ، وبهرتْهم شخصيّتُه الأخلاقية والإنسانية ، كما أن انتسابه إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عزَّز من مكانته في قلوب المسلمين .  
كان هشام يفكر في القضاء على الإمام ، وأخيراً سنحتْ له الفرصة فدسّ له السمّ ، واستشهد الإمام في 7 ذي الحجة سنة 114 هجرية . بعد أن عاش 57 سنة قضاها في التقوى والصلاح وخدمة الإسلام والمسلمين ونشْر علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) .  
من كلمات المضيئة :  
  1. ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلاّ نقص من عقله .  
  2. عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد . . والله لموت العالم أحبّ إلى إبليس من موت سبعين عابداً .  
  3. قال لأحد أولاده : يا بني إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شرّ ، إنّك إن كسلت لم تؤدِّ حقاً ، وإن ضجرت لم تصبر على حق .  
  4. كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه ، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحوّل عنه وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه .  
  5. قال لأحد أصحابه : أوصيك بخمس : إن ظُلمت فلا تَظلم ، وإن خانوك فلا تخُن ، وإن كُذبت فلا تغضب ، وإن مُدحت فلا تفرح ، وإن ذممت فلا تجزع .  
هوية الإمام :  
الاسم : محمّد .  
اللقب : الباقر .  
الكنية : أبو جعفر .  
اسم الأب : السجّاد ( عليه السلام ) .  
تاريخ الولادة : 1 رجب سنة 57 هجرية .  
محل الولادة : المدينة المنورة .  
تاريخ الشهادة : 7 ذي الحجة سنة 114 هجرية .  
محل الدفن : البقيع / المدينة المنورة .  
أسئلة :  
  1. لماذا لُقّب الإمام محمد ( عليه السلام ) بالباقر ؟  
  2. ما هي فكرة الإمام في حل أزمة النقد ؟  
  3. اذ كر حديثاً للإمام الباقر واشرحه ؟  
تعليقات  

  1. سورة البقرة / 259   
  
  
 
وُلد الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) يومَ الأحد السابعَ من شهر صفر سنة 128 هجرية في الأبواء 1 بين مكة والمدينة المنوّرة .  
أبوه : الإمامُ جعفرٌ الصادق ؛ السادسُ من أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .  
أمّه : حميدة ؛ جارية من البربر ، كانت امرأة على قدر كبير من الأدب والخلق ؛ قال فيها الإمامُ الصادق : حميدة مصفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب .  
قال أبو بصير – وكان من أصحاب الصادق ( عليه السلام ) : كنتُ مع أبي عبد الله – ( عليه السلام ) فلما وصلنا الأبواء وضع لنا الإمامُ طعامَ الغداء ، وفي الأثناء جاءه رسول من حميدة وقد جاءها المخاض . فنهض أبو عبد الله فرِحاً وانطلق مع الرسول ثم عاد إلينا مسروراً وقال : وهَب الله لي غلاماً وهو خير من برأ الله .  
وعندما وصل الإمام المدينة صنع وليمة ، ودعا إليها الفقراء ثلاثة أيام ؛ وقد اخبر الإمام الصادقُ بعض أصحابه بأنّ ابنه هذا هو الإمام من بعده .  
نشأ الإمام الكاظم في أحضان أبيه ، وأدّبه فأحسن تأديبه .  
أطلق الناسُ عليه ألقاباً عديدة تدلّ على صفاته الأخلاقية ؛ منها : الصابر ، العبد الصالح ، الأمين ، ولكنه اشتهر بلقب ( الكاظم ) ، لأنه كان يكظم غضبه .  
  
أمضى الإمام مع والده عشرين سنة ، وعاش بعد والده 34 سنة . . قضى نصفها في السجون المظلمة .  
كان الإمام الكاظم نحيفَ الجسم . . أسمرَ اللون . . كثُّ اللحية . . عليه سيماءُ الأنبياء .  
أخلاقه :  
كان رجلٌ بالمدينة يؤذي الإمام ، فكلَّما رآه شتمه وسبّ سيدنا علياً ( عليه السلام ) .  
فقال بعض أصحاب الإمام : دعنا نؤدّبه .  
فنهاهم الإمام عن التعرض له بسوء .  
وسأل الإمام عن شغل الرجل ، فقالوا : إنّ له مزرعة خارج المدينة .فقصده الإمام واخترق المزرعة .  
فصاح الرجل : لا تطأ زرعنا .  
  
واستمر الإمام في طريقه حتى وصل إليه ، فسلّم عليه وجلس عنده ، وراح يضاحكه ، ثم قال له : كم تضرّرتَ في زرعك ؟  
قال الرجل : مائة دينار .  
فقال الإمام فكم ترجو أن يكون محصولك منه ؟  
فقال الرجل : أنا لا أعلم الغيب !  
فقال الإمام موضحاً : إنّما قلتُ لك كم ترجو .  
فقال الرجل : مائتا دينار . فأعطاه الإمام ثلاثمائة دينار .  
فأخذها الرجل شاكراً .  
وفي اليوم التالي ، وعندما ذهب الإمام إلى المسجد ، نهض الرجلُ واستقبله بحفاوة وقال له : الله أعلم حيث يجعل رسالته .  
وتعجب أصحاب الإمام ، فأخبرهم الإمام بما فعل ، وأوصاهم بمداراة الناس ، ومعاملتهم بالحسنى .  
كرَمُ الإمام :  
  
كان الإمام الكاظم يتفقّد فقراءَ المدينة ، فيخرج في الليل ويوزّع عليهم الطعام والمال ، وكانوا لا يعرفون من أين يأتيهم ذلك .  
وحُكي أن المنصورَ طلب من الإمام الكاظم ( عليه السلام ) الجلوسَ للتهنئة في عيد النيروز واستلام الهدايا .  
فقال الإمام : إني قد فتّشتُ الأخبار عن جدّي رسولِ الله ( صلى الله عليه وآله ) فلم أجد لهذا العيد خبراً وأنه سنّة للفرس ، ومحاها الإسلام ، ومعاذَ الله أن نحيي ما محاه الإسلام .  
ولكن المنصور أصرّ على الإمام أن يفعل ذلك ، فجلس الإمام كارهاً ودخل عليه الأمراء والقادة يهنّئونه ويقدّمون الهدايا والتحف ، وكان خادمُ المنصور يسجّل كلَّ ذلك .  
فجاء في آخر الناس شيخٌ طاعنٌ في السن ، فقال له : يا بن بنت رسول الله إني رجلٌ فقير ، وليس معي هدية ولكن أتحفك بثلاث أبيات قالها جدّي في جدِّك الحسين (عليه السلام ) :  
عجبتُ لمصقول علاك فرندُهُ يومَ الهياج وقد علاك غبارُ  
ولأسهم نفذتك دون حرائر يدعون جدّك والدموعُ غزارُ  
ألا تغضغضت السهام وعاقَها عن جسمكَ الإجلالُ والإكبارُ  
أبيات رقيقة يتعجّب فيها الشاعر لجرأة السيف على ضرب جسم علاه الغبار ، وعلى سهام تستهدف رجلاً يدافع عن بنات النبي ، وكان الأولى بالسهام أن تتحطّم إجلالاً وإكباراً له .  
  
تأثر الإمام وقال للشيخ : اجلس بارك الله فيك ، وقال لخادم المنصور : انطلق إلى سيّدك وعرّفه بهذا المال وما يصنع به ، فذهب الخادم وعاد وهو يقول : كلها هبة مني له ، يفعل بها ما أراد .  
فالتفت الإمام إلى الشيخ وقال : قد وهبتُها لك .  
الإمام والعمل :  
كان الإمامُ الكاظم يحبّ العمل ، وكان له أرض يزرعها ويعمل فيها ، وذات يوم مرّ به أحد أصحابه وكان اسمه " علي " فرآه منهمكاً في العمل والعرق يتصبّب منه . فقال له ( علي ) : جعلت فداك أين الرجال ؟ أليس هناك من يقوم بالعمل عنك ؟  
فقال و هو يجفّف جبينه : يا علي قد عمل باليد من هو خيرٌ مني ومن أبي ، فقال علي : من هو ؟ فقال الكاظم ( عليه السلام ) : رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) وآبائي كلّهم كانوا قد عملوا بأيديهم ، وهو من عمل النبيين والمرسلين و الأوصياء والصالحين .  
حكاية وعبرة :  
  
كان الإمام الكاظم ( عليه السلام ) يمشي في الأزقّة يوماً فسمع غناءً ماجناً ينبعث من أحد البيوت . وفي الأثناء خرجتْ فتاة ، فتوقّف الإمام وسلّم عليها ، ثم سألها قائلاً : صاحب البيت حرٌّ أم عبد ؟ .  
فقالت متعجّبة : بل حرّ .  
فقال الإمام : صدقتِ لو كان عبداً لخاف سيّده .  
عادت الفتاة وسألها صاحب البيت – واسمه بشر – عن سبب تأخّرها ، فقالت : مرّ رجلٌ وسألني : صاحب البيت حرّ أم عبد .  
فقال بشر : وبماذا أجبتيه ؟  
قالت الفتاة : قلت له : حرّ ، فقال لي : صدقتِ لو كان عبداً لخاف سيّده .  
أطرق بشر مفكراً ، وشعر بالكلمات تهزّ أعماقه ، فانطلق خلف الإمام حافياً يعلن توبته وعودته إلى أحضان الدين والإيمان . ومن ذلك اليوم دُعي ببشر الحافي ، واشتهر بين الناس بزهده وعبادته .  
زهد الإمام :  
  
كان الإمامُ مضرِبَ الأمثال في الزهد والعبادة ، وكان يطيل السجود لله معمقاً معاني العبودية للخالق القهّار .  
وعندما يعبد الإنسانُ ربَّه فإنه يشعر بالحرّية تملأ كيانه ، فلا يخشى شيئاً ولا يهاب شيئاً إلا الله سبحانه ؛ لهذا نرى صمودَ الإمام في وجه الظلم فلم ينحنِ لغير الله رغم ظلام السجون ، بل أنه شكر الله على السجن وعدّ ذلك نعمةً لأنه تفرّغ إلى عبادة الله سبحانه.  
لقد حيّرت مواقف الإمام أعداءه ، وكان بعض سجّانيه يبكي أمامه ويلتمس منه العفو .  
لم ينفع معه الجوعُ ، ولا القيود ، ولا ظلمة السجن في النيل من إرادته . وكان هارون يسعى في كل شيء من أجل رؤية الإمام خاضعاً . . حتى انه أرسل له ذات يوم جاريةً حسناء علّها تغوي الإمام ، فعادت مبهورة بروح الإمام ، فإذا هي تترك حياة اللهو والمجون ، وتأوي إلى عبادة الله والدعاء والصلاة .  
في بغداد :  
  
تُوفّيَ المنصورُ سنة 158 هجرية وخلفه في الحكم ابنُه المهدي .  
أراد المهديّ اتّباعَ سياسةٍ جديدة تجاه العلويين والشيعة ، فأطلق سراح السجناء السياسيين وأعاد إليهم أموالهم المصادَرة ، وراح يُنفق من بيت المال بلا حساب . . حتى أنه صرف على زواج ابنه ( هارون ) أكثر من 59 مليون درهم ، ووهب الشعراء الذين يهاجمون أهل البيت الجوائزَ الضخمة .  
وأراد بعضُ ذوي الأطماع التزلّف إلى السلطة ، فاختلقوا أخباراً كاذبة عن نشاط الإمام ومعارضته ، فأمر المهدي بإشخاص الإمام من المدينة إلى بغداد وزجّه في السجن ، ولكنه سرعان ما أطلق سراحه .  
يقول المؤرخون أن المهدي رأى ذات ليلة – في منامه – أمير المؤمنين علياً ( عليه السلام ) يقرأ هذه الآية ويقول له : يا محمد ، فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم .  
فاستيقظ المهدي مذعوراً ، وأمر بإطلاق سراح الإمام في منتصف الليل .  
واقعة فخّ :  
  
مرّت عشرة أعوام ، وتُوفّي المهدي ، فجاء إلى الحكم ابنُه الهادي ، وكان شابّاً نزِقاً ، معروفاً بالقسوة ، وقد ارتكب الهادي مذبحة مروّعة بأهل البيت تُشبه _ إلى حدّ بعيد – مذبحةَ كربلاء ، وذلك في واقعة فخ ، عندما حاصر الجيش العباسي ثلاثمائة ثائر بقيادة الحسين بن علي من أولاد الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وقد لقي الحسينُ مصرعه في المعركة ، واقتيد الكثيرُ منهم أسرى إلى بغداد ، فأصدر الهادي أمراً بإعدامهم .  
هارون الرشيد :  
بعد مذبحة " فخّ " توعد الهادي الإمام الكاظم بالتهديدات ، ولكنه مات قبل أن ينفِّذ تهديداته ، فجاء إلى الحكم بعده هارونُ الرشيد سنة 170 هجرية ، كان الإمام الكاظم قد بلغ من العمر 42 سنة . وفي عهد هارون سيطر البرامكة على مرافق الدولة ، وعاشوا حياة البذخ والترف والتلاعب بأموال المسلمين . واتّبع هارون الرشيد سياسةَ البطش والقتل ، وراح يطارد العلويين في كلّ مكان .  
المذبحة :  
استدعى هارونُ الرشيد " حميدَ بن قحطبة " في منتصف الليل ، وأراد ان يعرف مدى وفائه للسلطة ، فقال له : كيف وفاؤك لي ؟  
  
فقال حميد بن قحطبة : أفديك بأهلي وأولادي .  
فكرّر الرشيد سؤاله ، وأجاب ابن قحطبة : أفديك بأهلي وأولادي .  
وللمرة الثالثة كرر الرشيد السؤال .  
عندها أدرك قحطبة هدف الرشيد ، فقال : أفديك بديني .  
وهنا قال الرشيد : إذن انطلق مع " مسرور " 2 ونفّذ ما يأمره بك .  
قال مسرور لابن قحطبة – بعد أن وصلا إلى السجن : إنّ الخليفة يأمرك بقتل جميع من في السجن ورمي جثثهم في البئر .  
كان المسجونون من أولاد علي وفاطمة ، وكان عددهم 60 شخصاً فيهم الصبي الصغير والشيخ الكبير ، وراح " حميد بن قحطبة " يضرب رقابَهم الواحد تلو الآخر دون رحمة أو شفقة .  
وقد بلغت قسوة " الرشيد " من الفظاعة أنّه أمر بفتح الماء على قبر سيّدنا الحسين ( عليه السلام ) ، ومنَع الناسَ من زيارته والتبرك به .  
موقف للإمام :  
  
كانت حكومةُ هارون الرشيد تمثّل الظلمَ والقهر والاستبداد والاعتداء على أرواح الأبرياء وممتلكاتهم ، وكان الناس يعيشون حياة القهر والبؤس والحرمان ، في حين يتمتع هو وأعوانه بحياة تشبه حياة الأساطير .  
السجون المظلمة تزخر بالمظلومين والأبرياء ، وهو يعيش في قصور خيالية .  
لهذا كان موقف الإمام ( عليه السلام ) شديداً تجاه الرشيد . وكان ينهى الناس عن التعاون مع حكمه ؛ لأنه ركون إلى الظلم ، وهو حرام .  
قال الإمام يوماً لصفوان الجمّال – وكان من أصحابه :  
-كل ّ شيء فيك حسِن لولا كِراؤك الجِمال إلى هارون .  
فقال صفوان : أنا لا أكريه الجمال ألا إذا أراد الحج !  
فقال الإمام تحبّ ان يعود هارون سالماً حتى يعطيك أجرك ؟  
فقال صفوان : نعم .  
فقال الإمام : من أحبّ الحياة للظالمين كان منهم .  
قرّر صفوان بيع جماله جميعاً حتى لا يضطرّ إلى تأجيرها للرشيد .  
وعندما سمع هارون ، أدرك أن صفوان قد باع الجمال استجابة للإمام ( عليه السلام ) ، فقرّر قتله ، ولكنه تراجع فيما بعد ، وظلّ يحقد على الإمام .  
كان موقف الإمام عدم التعاون مع الظالمين ، ولكنه كان يسمح للبعض أن يشغلوا مناصب حساسة في حكومة الرشيد لكي يخفّفوا من حدّة الظلم والقهر ، ويقدِّموا بعض العون للمظلومين ، كما حصل للوزير " علي بن يقطين " الذي كان من أتباع الإمام ، ولكنه كان يُخفي ذلك .  
وكان الرشيد يراقب وزيره بدقّة ، ولكنه فشل في العثور على أي مستمسك يؤيد تشيّعه للإمام الكاظم ( عليه السلام ) .  
حوار مع هارون :  
  
كان هارون يعتبر الإمام خطراً يهدّد حكمَه ، وكان يحاول ان يوجِّه له أسئلة محرجة . . لعلّها تُظهر عجزه وعدم قدرته .  
سأل الرشيدُ الإمامَ ذات يوم ، وقال له :  
ـ أخبرني لم فُضِّلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة . . نحن بنو العباس وأنتم بنو أبي طالب ، وهما عمّا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .  
فأجاب الإمام :  
ـ نحن أقرب إلى رسول الله لأن عبد الله ( والد النبي ) وأبو طالب أخوان من أم واحدة وأب واحد ، والعباس ليس من أم عبد الله .  
وسأله هارون سؤالاً آخر : لِمَ يدعوكم الناسُ بأنّكم أولاد رسول الله وهو جدّكم ، وأبوكم علي ؟  
فقال الإمام : يا أمير المؤمنين لو بُعث النبي فخطب ابنتك هل تزوِّجه ؟  
فقال هارون : نعم ، وأفتخر بذلك على العرب والعجم .  
فقال الإمام : أما نحن فلا يخطب منا رسول الله ولا نزوِّجه ؟  
فقال هارون : ولماذا ؟  
  
فقال الإمام : لأنّه ولدني ولم يلدك .  
الخيانة :  
هناك نفوس مريضة لا ينفع معها كل شيء . . كخيانة علي بن إسماعيل لعمه الكاظم ( عليه السلام ) .  
لقد عامل الإمام ابن أخيه بالإحسان ، فكان جوابه الإساءة .  
قرر علي بن إسماعيل السفر إلى بغداد ، فاستدعاه الإمام وسأله عن الهدف . فقال: عليّ دينٌ وأريد أن أقضيه .  
فقال الإمام : أنا أقضي دينك ، فلا تذهب إلى بغداد .  
رفض علي بن إسماعيل ذلك ، وأصرّ على السفر .  
فقال الإمام : إذا ذهبت إلى بغداد ، فلا تشترك في قتلي .  
نهض علي بن إسماعيل دون جواب ، وناوله الإمام صرّة فيها ثلاثمائة دينار ينفقها على عياله .  
  
وأمام هذا الإحسان كان عليُّ بن إسماعيل يضمر في نفسه الخيانة .  
كان يريد التملّق إلى الرشيد ، وكان يعرف أنّ الطريق إلى ذلك هو اتهام الإمام .  
دخل علي بن إسماعيل على الرشيد ، وقال بخبث : خليفتان في زمن واحد ! . لقد تركتُ موسى بن جعفر في المدينة يدّعي الخلافة وتجبى إليه الأموال .  
شعر الرشيد بالغضب ، وأصدر أمره بإلقاء القبض على الإمام وإيداعه السجن في البصرة .  
لم يحصل علي بن إسماعيل إلاّ على جائزة تافهة قيمتها 200 درهم وخرج من القصر ذليلاً ، ولكنه شعر بآلام شديدة ، وسرعان ما لقي حتفه فخسر الدنيا والآخرة .  
إلى البصرة :  
  
قَدِم الرشيدُ بنفسه إلى المدينة للإشراف على إعتقال الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، وخرج الناس يبكون .  
كان الرشيد يدرك مدى حبّ الناس للإمام ، فخاف أن يحدث ردّ فعل لاعتقاله ، فأصدر أمره بنقل الإمام إلى البصرة في منتصف الليل .  
وفي الصباح تحرّكت قافلة باتجاه بغداد . . أشاع الرشيد بأنّها تحمل الإمام الكاظم إلى بغداد .  
أُلقي الإمام في زنزانة مظلمة في سجن البصرة ، وقد تعجّب حاكم البصرة من اعتقال رجلٍ على هذا المستوى من التقوى والعبادة والزهد ، وبعث إلى الرشيد برسالة يطلب فيها الإفراج عن الإمام .  
أمر الرشيدُ بإرسال الإمام مخفوراً إلى بغداد . . حيث أودع السجن .  
وقد بهرتْ أخلاقُ الإمام سجّانيه ، فتنقّل من سجن إلى سجن ، وكان الرشيدُ يسعى للتخلّص من الإمام ، فأودعه في سجن السندي بن شاهك وهو رجل غاية في القسوة والوحشية .  
وقضى الإمام حياته في السجن بين صلاة ودعاء وصوم ، وهو لا يزداد إلى الله إلاّ شكراً .  
وقد حاول البعض دفع الإمام إلى التماس العفو من الرشيد ، ولكن الإمام كان يرفض الخضوع ، وبعث برسالة إلى الرشيد يقول فيها : لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك معه يوم من الرخاء ثم نمضي معاً ! إلى يوم ليس له انقضاء لا يخسر فيه إلاّ المبطلون .  
كانت حالة الإمام تدعو إلى الأسف ، فأراد بعضهم نصيحة الإمام بأن يتوسّط أهل النفوذ في الخروج من السجن ، ولكن الإمام رفض ذلك أيضاً وقال : حدَّثني أبي عن آبائه أنّ الله أوصى إلى داود أنه ما اعتصم عبدٌ من عبادي بأحد من خلقي دوني إلا قطعتُ عنه أسباب السماء وأسخْتُ الأرض من تحته .  
وبعد أعوام طويلة قضاها الإمام في سجون العباسيين ، لقي مصرعه شهيداً بعد أن دسّ إليه الرشيدُ السمَّ في الطعام وذلك سنة 183 هجرية .  
وُضع جثمانُ الإمام فوق الجسر غريباً بعيداً عن أهله وأحبّته ، وادعى الرشيد أنّه تُوفيّ وفاة طبيعية ، ولكن طبيباً مرّ – صدفة – من فوق الجسر وفحص جثمان الإمام قال : إنّ الإمام قد سُقي سمّاً قاتلاً أدّى إلى موته .  
وأحدثت شهادة الإمام ضجّة في بغداد ، وخلّفت مرارة في قلوب شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) .  
دُفن الإمام في مقابر قريش . . . حيث مرقده الآن في مدينة الكاظمية .  
أصحاب الإمام :  
  1. ابن أبي عمير : وقد لازم الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وبعده علياً الرضا (عليه السلام ) ثم محمداً الجواد ( عليه السلام ) ، أُلقي القبض عليه ، وطلبوا منه الاعتراف على شيعة العراق ، ولكنه رفض ذلك ، فتعرض إلى ألوان من التعذيب ، ومكث في السجن 17 سنة ، وصادروا جميع أمواله .  
  2. علي بن يقطين :وكان من أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، تعرّض لمطاردة الأمويين ، وعندما حكم العباسيون عاد إلى الكوفة ، وكان له علاقات حسنة معهم .  
عيّنه الرشيد وزيراً له ، وكان يهبّ لمساعدة المظلومين والمقهورين ؛ لذا حظي بمباركة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، وقد عرض على الإمام الاستقالة ولكن الإمام ( عليه السلام ) كان يشجّعه على البقاء والاستمرار في مسؤوليته في حفظ جزء من تراث أهل البيت ( عليهم السلام ) .  
  1. مؤمن الطاق : وكان من أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) أيضاً ، كان عالماً كبيراً ومتكلماً لبقاً ، وكان له دور في التصدي للحركات الإلحادية والضالّة .  
  2. هشام بن الحكم : وهو من تلامذة الإمام الصادق ( عليه السلام ) . . ترك مؤلفات كثيرة .  
من كلماته المضيئة :  
  • المؤمن مثل كفّتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه .  
  • ليس حسن الجوار كفّ الأذى و لكن حسن الجوار الصبر على الأذى .  
  • ينادي منادٍ يوم القيامة : ألا من كان له على الله أجرٌ فليقم . . فلا يقوم إلا من عفا وأصلح فأجره على الله .  
  • ليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه .  
أسئلة :  
  1. تحدث عن أسلوب الإمام في التربية ، واستشهد بمثَل على ذلك ؟  
  2. ما هي المذبحة التي حدثت في عهد الإمام ( عليه السلام ) ؟  
  3. لماذا سعى هارونُ الرشيد في القضاء على الإمام ( عليه السلام ) ؟  
  4. ماذا كتب الإمام للرشيد وهو في السجن ؟  
هوية الإمام :  
الاسم : موسى .  
اللقب : الكاظم .  
الكنية : أبو الحسن .  
اسم الأب : جعفر الصادق .  
تاريخ الولادة : 7 صفر سنة 128 هجرية .  
مدة الإمامة : 30 سنة .  
العمر : 54 .  
تاريخ الشهادة : 183 هجري .  
محل الدفن : الكاظمية / بغداد .  
تعليقات  

  1. الأبواء : قرية قرب المدينة المنورة ؛ فيها قبر آمنة أم سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) .  
  2. خادم الرشيد الخاص وقد نفّذ الكثير من الجرائم .  
  
  
 
في 10 رجب سنة 195 هجرية وُلد الإمام محمد الجواد .  
أبوه الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) .  
وأمّه : "الخيزران" من أسرة "مارية القبطية" زوجة النبي ( صلى الله عليه وآله) .  
دعاه الناس بألقاب عديدة ؛ اشهرها : " النقي " و " الجواد " .  
كان الإمام الجواد ( عليه السلام ) في السادسة من عمره ، عندما استدعى المأمونُ والده الرضا ( عليه السلام ) إلى مرو .  
كان الصبي يراقب والده ، وهو يطوف حول الكعبة مودّعاً ، وهو يصلّي في مقام إبراهيم .  
وأدرك أن والده يودَّع ربوعَ الوحي . وداعاً لا عودة بعده . فشعر بالحزن .  
و أوصى الإمامُ الرضا أصحابه بالرجوع إلى ابنه الجواد عند وفاته ؛ وقد سأل صفوان بن يحيى الرضا ( عليه السلام ) عن الإمام ، فأشار إلى ابنه .  
فقال صفوان : جُعلتُ فداك هذا عمره ثلاث سنين ؟ !  
فقال الإمام الرضا : وما يضرّه من ذلك ، وقد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين .  
  
نهض الإمام الجواد بالإمامة وله من العمر 9 سنوات ، وكان عمّه " علي بن جعفر" يكنّ للإمام بالغَ الاحترام بالرغم من التقدّم في السنّ .  
ذات يوم ، دخل الإمام الجوادُ المسجدَ فنهض عمُّه من مكانه وقبّل يده ، ودعاه الإمام إلى الجلوس ، فرفض قائلاً : كيف تريدني أن أجلس وأنت قائم .  
وتعرض علي بن جعفر للوم اللائمين ، فكان يجيبهم : لقد قلّده الله الإمامة فوجبت طاعته علينا .  
أخلاق الإمام :  
بالرغم من صغر سنّ الإمام ، فقد كانت له شخصية قوية تدفع المقابل إلى الإحترام والإجلال .  
  
ذات يوم مرّ موكب المأمون ، وكان قد توجّه إلى الصيد ، فمرّ بصبيان يلعبون ومعهم محمدٌ الجواد .  
فرّ الصبيان ، فيما ظلّ محمد الجواد واقفاً في مكانه .  
توقف المأمون ، ونظر إليه بإعجاب وسأله :  
لماذا لم تفرّ مع الصبيان ؟ .  
فقال الجواد ( عليه السلام ) : يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسعه عليك ، ولم يكن لي جريمة فأخشى العقاب ، وظنّي بك حسن ، وأنك لا تعاقب من لا ذنب له ، فوقفت .  
فازداد المأمون إعجاباً ، وقال له : ما اسمك ؟  
فقال : محمد ابن علي الرضا .  
فترحّم المأمون على أبيه ، واستأنف رحلته إلى الصيد .  
رسالة الإمام الرضا ( عليه السلام ) إلى الجواد ( عليه السلام ) :  
  
كان الإمام الرضا يعامل ابنه باحترام وإجلال ، ويهتمّ بتربيته . فعن " البزنطي " – وكان من أصحاب الرضا ( عليه السلام ) – أنّ الإمام بعث برسالة إلى ابنه جاء فيها :  
يا أبا جعفر بلغني أن الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير ، وإنما ذلك من بخل لهم لئلاّ ينال منك أحد خيراً ، فأسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك إلاّ من الباب الكبير ، وإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة ، ثم لا يسألك أحد إلاّ أعطيته . ومن سألك من عمومتك أن تبرّه فلا تعطه أقلّ من خمسين ديناراً ، والكثير إليك . ومن سألك من عماتك فلا تعطها أقلّ من خمسة وعشرين ديناراً ، والكثير إليك ، إني أريد أن يرفعك الله فانفق ولا تخش من ذي العرش إقتاراً .  
مسائل :  
  
أثار صغر سنّ الإمام الجواد الكثيرَ من الشكوك ، فراح البعض يمتحنه بأمهات المسائل ، وكان الإمام يجيب عنها بكل ثقة ، فيما تظهر علامات الإعجاب والانبهار على وجوه السائلين .  
كان يحيى بن أكثم شخصية علمية كبيرة ، وكان قاضياً للقضاة ، وهو منصب رفيع ، فأراد العباسيون امتحان الإمام وكان صبياً ، فرتّبوا لقاءً بينهما .  
سأل يحيى بن أكثم الإمامَ قائلاً : أصلحك الله يا أبا جعفر ، ما تقول في محُرِم قتَل صيداً ؟  
فانبرى الإمامُ قائلاً : قتَله في حلّ أو حرم ؟ عالما أم جاهلاً ؟ قتله عمداً أو خطأً ؟ حرّاً كان أم عبداً ؟ صغيراً أو كبيراً ؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً ؟ من ذوات الطير كان الصيدُ أم من غيرها ؟ من صغار الصيد أم من كباره ؟ مصرّاً على ما فعل أو نادماً ؟ في الليل كان قتله للصيد في أوكارها أم نهاراً وعياناً ؟ محرماً كان للعمرة أو للحج ؟  
ارتبك ابن أكثم وهو يصغي إلى كل هذه التفاصيل ولم يحر جواباً . واندهش الحاضرون وهم يستمعون إلى الأجوبة التفصيلية للإمام ، فيما اسودّت وجوه العباسيين الذين كانوا يطمحون إلى إحراج الإمام والانتقاص من منزلته .  
زواج الإمام :  
  
حامت الشبهات حول المأمون عندما توفي الإمام الرضا ( عليه السلام ) ؛ وقد حاول المأمون دفع الشبهات عنه ، فتظاهر بالحزن ، وشارك في تشييع الإمام حافياً .  
ولكي ينفي الشبهة عنه تماماً ، فكّر في تزويج ابنته " أمّ الفضل " من الإمام محمد الجواد .  
جمع المأمون بني العباس وأعلن قراره في ذلك .  
استاء العباسيون ورأوا في ذلك خطراً يهدّد حكومتهم في المستقبل . حاول العباسيون صرف المأمون عن قراره ، ولكن المأمون أصرّ على موقفه ، فقالوا : انه ما يزال صبياً في الدين بعد ، فأمهله حتى يتعلم .  
فقال المأمون : ويحكم أن أعرف بهذا الفتى منكم ، وإنّه لأفقه وأعلم منكم جميعاً ، فإن شئتم فامتحنوه .  
وهكذا رتّب العباسيون اجتماعاً ضمّ كثيراً من العلماء ؛ في طليعتهم " ابن أكثم " قاضي القضاة .  
وأسفر الامتحان عن فوز الإمام ( عليه السلام ) بعد أن تجلّت قابلياته العلمية .  
وأعلن المأمون قرارَ الزواج ونهض الإمام فخطب خطبة الزواج .وتمّ المهر على مثل مهر الزهراء (عليها السلام ) ، فأقيمت الاحتفالات على أبهى ما يكون .  
أهداف الزواج :  
  
أراد المأمون من وراء هذا الزواج تحقيق أهداف سياسية منها :  
  1. دفع شبهة اغتياله للإمام الرضا ( عليه السلام ) ، والتقرّب إلى الناس في ذلك .  
  2. إن ابنته سوف تراقب الإمام ( عليه السلام ) مراقبة دقيقة جداً .  
  3. إغراء الإمام بالبقاء في بغداد حيث حياة القصور واللهو والترف .  
عودة الإمام إلى المدينة المنورة :  
عزم الإمام على العودة إلى المدينة ، فأعلن رغبته في حجّ بيت الله الحرام .  
فخرج الناس يودّعونه إلى الطريق المؤدّية إلى الكوفة ، وهناك نزل الإمام ( عليه السلام ) بعد أن حان وقت الصلاة ، فتوضّأ في ساحة المسجد عند شجرة نبق ، وقد بارك الله فيها ، وأثمرت ثمراً حلواً . . ظل أهل بغداد يذكرون بركة الإمام في ذلك .  
رسائل ومسائل :  
رافق رجل من بني حنيفة الإمام في الحج ، فقال الرجل على المائدة : جُعلت فداك ، إن والينا رجل يتولاّكم أهلَ البيت ويحبّكم ،وله عليّ " خراج " في ديوانه ، فإن رأيت أن تكتب إليه كتاباً بالإحسان إليّ ؟  
فقال الإمام : إنّي لا اعرفه .  
فقال الرجل : إنه من محبيكم – أهل البيت – وكتابك ينفعني .  
فأخذ الإمام القرطاس وكتب : بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد ؛ فإنّ حامل كتابي هذا ذكر عنك مذهباً جميلاً ، وان ما لك من عملك إلاّ ما أحسنت فيه ، فأحسن إلى إخوانك .  
سلّم الرجلُ الكتاب إلى الوالي ( النيسابوري ) ، فقبّله و وضعه على عينيه ، ثم قال له : ما حاجتك ؟ فقال الرجل : خراج علي في ديوانك .  
فأمر بإلغائه ، وقال له : لا تؤدي خراجاً ما دمتُ موجوداً .  
وكتب له رجل رسالة يستشيره فيها عن تزويج بناته . فكتب إليه الإمام : فهمت ما ذكرت من أمر بناتك ، وأنّك لا تجد أحداً مثلك ، فلا تنظر في ذلك رحمك الله ، فإنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوِّجوه إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير .  
نهاية المأمون :  
  
ثار أهل مصر ، فقاد المأمون جيشاً كبيراً وأخمد الثورة ، ومن هناك انطلق نحو أرض الروم ، وحصلت معارك كان النصر فيها للمسلمين .  
وعند عودته ألم به المرض ، فتوقّف في " الرقّة " ، وكانت فيها عيون جارية ، ومناخها طيب ، فضربت الخيام ، ولم يلبث أن توفي هناك ودفن .  
فتولى الخلافة من بعد أخوه المعتصم ، وكان رجلاً شديد القسوة . وكان أول عمل قام به أن استدعى الإمام الجواد من المدينة إلى بغداد ، وراح يدبّر المؤامرات بالتعاون مع جعفر بن المأمون الذي أغرى أخته " أم الفضل " بدسّ السم إلى الإمام ، واستجابت "أم الفضل" ، فوضعت السّم في العنب ، وكأنها تعلّمت ذلك من أبيها المأمون الذي اغتال الإمام الرضا ( عليه السلام ) بنفس الطريقة .  
  
وهكذا استشهد الإمامُ في 6 ذي الحجة سنة 220 هجرية ، وله من العمر 25 عاماً فقط .  
و حُمل جثمان الإمام إلى مقابر قريش ( الكاظمية حالياً ) ليدفن إلى جانب جدّه الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) حث مرقده الآن مزاراً يحجّ له المسلمون من بقاع العالم .  
من كلماته المضيئة :  
  • عزِّ المؤمن غناه عن الناس .  
  • المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال : توفيق من الله و واعظ من نفسه وقبول ممن ينصحه .  
  • يوم العدل على الظالم اشدّ من يوم الجور على المظلوم .  
  • حسب المرء من كمال المروءة تركه ما لا يجمل به .  
  • لن يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يؤثر دينة على شهوته .  
  • موت الإنسان بالذنوب أكثر من موته بالأجل ، وحياته بالبر أكثر من حياته العمر .  
هوية الإمام :  
الاسم : محمد .  
اللقب : الجواد .  
الكنية : أبو جعفر .  
اسم الأب : الإمام الرضا ( عليه السلام ) .  
تاريخ الولادة : 195 هجري .  
تاريخ الشهادة : 220 هجري .  
محل الدفن : الكاظمية – العراق .  
أسئلة :  
  1. لماذا زوج المأمون ابنته من الإمام الجواد ( عليه السلام ) ؟  
  2. لماذا لم يفرّ الجواد ( عليه السلام ) عندما مرّ موكب المأمون ؟  
  3. بماذا استدلّ الإمام الرضا على إمامة الجواد بسبب صغر سنّه ؟  
  
  
 
الحسن العسكري الكوكب الحادي عشر في سماء الإمامة ، وُلد في المدينة المنورة سنة 232 هجرية واستُشهد في سامراء سنة 260 هجرية .  
أبوه : الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) ، وأمه : " سوسن " .  
نهض بالإمامة وله من العمر 22 سنة ، وعاش في فترة عصيبة مليئة بالمؤامرات .  
عاش بعد والده 6 سنوات وهي مدّة إمامته ، وفي عهده لقي المعتزّ مصرعه على أيدي الأتراك ، وقد نصّبوا مكانه " المهتدي " الذي قُتل – هو الآخر – فجاء بعده : "المعتمد " .  
وكنية الإمام : " أبو محمد "، ودعاه الناس بألقاب عديدة كالهادي والزكي والنقي والخالص ، وأشهرها : " العسكري " لأنه كان يسكن في محلة تدعى " العسكر " .كما يعرف بـ"ابن الرضا " أيضاً .  
قال فيه احمد بن خاقان بالرغم من حقده على أهل البيت ( عليهم السلام ) :  
- ما رأيت ولا عرفت بـ"سرّ من رأى " ( سامراء ) من العلويين مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا ( عليه السلام ) ولا سمعت بمثله في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه .  
  
وقال فيه عبد الله بن خاقان وهو أبو احمد : لو زالت الخلافة عن بني العباس ما استحقّها أحد من بني هاشم غيره لفضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه .  
كان لانتشار الفساد في البلاد وسيطرة الأتراك على مرافق الدولة والخلافة أثر في تململ الناس واتساع نقمتهم ، وثار العلويون في أماكن عديدة ، فقد ثار " الحسن بن زيد العلوي " وسيطر على " طبرستان " .  
وفي البصرة اندلعت " ثورة الزنج " وادعى قائدها انتسابه إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وارتكبت المذابح المروّعة التي راح ضحيّتها الأطفالُ والنساء مما دفع الإمام إلى الإعلان بقوله : إن صاحب الزنج ليس منا أهل البيت .  
تعرض الإمام إلى المضايقات وأُلقي في السجن مرّات عديدة .  
وقد أوكل الخلفاء به سجانين قساة . . سرعان ما تبهرهم أخلاق الإمام ، فيعودوا إلى فطرتهم طيبين .  
أمر أحد الخلفاء إلقاء الإمام في بركة السباع ، فراحت تلك الحيوانات الضارية تبصبص عند قدميه وتتمسح به .  
والتقى عالم النصارى الإمامَ فتأثّر به وأعلن إسلامه على يديه ، فسُئل النصراني عن سبب إسلامه ، فقال : رأيت فيه صفات المسيح ( عليه السلام ) .  
كانت أكثر وصايا الإمام بالعدل والإحسان والإيثار وكان يحذّر من الظلم والطغيان ،وكان ذلك ردّ فعل على ممارسات الحكام في عصره واستبدادهم .  
علم الإمام :  
  
انتشر مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) انتشاراً واسعاً ، وازدهرت الحركة العلمية في عصر الإمام ، فكانت حلقات التدريس تعقد في الكوفة وبغداد والحجاز فيما برزت مدينة قم كواحدة من أشهر المراكز العلمية والدينية .  
وكان الإمام في العلم بحراً متلاطم الأمواج ، ينهل منه ثمانية عشر ألف من طلاّب العلوم والمعرفة .  
كتب " محمد بن مسعود الشيرازي " و كان من رجال المعتز :  
بلغ الحسن العسكري ( عليه السلام ) من العلم منزلة جعلت " الكندي " – وهو أستاذ " الفارابي " – يحرق كتاباً له بعد أن راجعه الإمام في محتوياته التي لا توافق الشريعة الإسلامية .  
السّر :  
  
ضرب الجفاف مدينة سامرّاء ، فأمر الخليفة بإقامة صلاة الإستسقاء ، فصلّى الناس ثلاثة أيام لكن دون جدوى .  
وفي اليوم الرابع خرج " الجاثليق " ومعه أتباعه من الرهبان والنصارى إلى الصحراء ، فمدّ أحدُ الرهبان يديه بالدعاء ، فهطل المطر غزيراً .  
شكّ الناس في حقّانية الإسلام وأنه أفصل الأديان ، وقال بعضهم :  
- لو كان النصارى على الباطل ، ما استجاب الله دعاءهم .  
وفكر بعض المسلمين في اعتناق النصرانية .  
كان الإمام الحسن العسكري في السجن ، فجاءه حاجب الخليفة يقول : إلحق أمّة جدّك ( صلى الله عليه وآله ) فقد شَكَّت في دين الله .  
خرج الجاثليق ومعه الرهبان مرّة أخرى وخرج الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، كان الإمام يراقبهم جيداً فرأى أحد الرهبان يرفع يده اليمنى ، فأمر بعض مماليكه بأن يمسك بها ويرى ما فيها ، فأمسكوا بها ورأوا بين الأصابع عظماً أسود ، فأخذه الإمام (عليه السلام ) وقال للرهبان : استسقوا الآن .  
رفع الرهبان أيديهم بالدعاء وكانت السماء غائمة ، فانقشع الغيم وسطعت الشمس .  
سأل الخليفةُ الإمامَ عن السرّ ، فقال الإمام : إنّ هذا الراهب مرّ بقبر نبي من الأنبياء ، فوقع في يده هذا العظم ، وما كشف عن عظم نبيّ إلاّ وهطلت السماء بالمطر .  
أسلوب الإمام في التربية :  
  
كان " الحسين " وهو من ذرية الإمام الصادق ( عليه السلام ) يسكن ( قم ) وكان يعاقر الخمرة ، فانطلق يوماً إلى منزل " احمد بن إسحاق الأشعري " وهو وكيل الإمام الحسن ( عليه السلام ) فلم يأذن له ولم يستقبله لما يعرفه من أخلاقه .  
فعاد " الحسين " إلى بيته وهو يشعر بالحزن على هذه الإهانة .  
وصادف أن توجّه احمد بن إسحاق إلى الحج ، فلما مرّ بالمدينة وأراد أن يتشرف بلقاء الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، طلب الإذن بالدخول فلم يؤذن له .  
فشعر بالحزن وظلّ مرابطاً في الباب حتى أذن له الإمام .  
سأل أحمد بن إسحاق الإمام عن سبب ذلك ، فقال له الإمام :  
  
- لقد عاملتك بمثل ما عاملت ابن عمي ، وحجبتك كما حجبته .  
فقال : احمد بن إسحاق : يا سيدي إنه يشرب الخمر وقد حجبته لذلك فأردت أن ينتبه ويتوب .  
فقال الإمام : إن أردت له الهداية فقد أخطأت الطريق .  
وعاد احمد إلى قم ، وجاء الناس يهنّئونه ويباركون له حجه بيت الله فلما دخل "أبو الحسن" هبّ احمد لاستقباله وعانقه ، وأجلسه إلى جانبه .  
فتعجب أبو الحسن من ذلك وسأله عن السبب عن صدّه بالأمس واستقباله الحارّ اليوم ، فحكى احمد ما جرى له مع الإمام .  
فأطرق أبو الحسن برأسه حياء وعزم على التوبة ، وعاد إلى بيته ، فحطّم آنية الخمر ولازم المسجد .  
حكايتان :  
  
  • كان الإمام في السجن ، وكان المشرف على السجن " صالح بن وصيف " ، فأمره العباسيون بالتضييق على الإمام ، فقال : ماذا اصنع وقد وكّلت به رجلين من شرّ خلق الله ، فصارا من العبادة و الصلاة إلى أمر عظيم .  
ثم أمر بإحضار الحارسين ، وقال لهما : ما شأنكما في أمر هذا الرجل ؟  
فقالا له : ما نقول في رجل يصوم نهاره ويقوم ليله كلّه ، ولا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة .  
  • كان الأتراك يسيطرون على السلطة ويتلاعبون في الخلافة . . يقتلون من يشاءون وينصبون من يريدون . وعندما تولى المعتمدُ الخلافة كان متشائماً لأنه لا يدري كم سيحكم . . ثلاثة اشهر أو أكثر . وكان يعرف منزلة الإمام عند الله ، فطلب منه أن يدعو له بطول العمر فدعا له الإمام فبقي في الخلافة أكثر من عشرين سنة .  
فيلسوف العراق :  
  
كان " إسحاق الكندي " فيلسوف العراق في زمانه ، وكان قد بدأ بتأليف كتاب حول تناقض القرآن . ودخل أحد تلاميذ الكندي على الإمام الحسن ( عليه السلام ) فقال الإمام : أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن ؟  
فقال التلميذ : أنا لا أستطيع الاعتراض عليه .  
فقال الإمام : قل له حضرتني مسألة أسألك عنها : إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن ، هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم به منه غير المعاني التي قد ظننتها ؟ فإنه سيقول : إنه من الجائز ، لأنه رجل يفهم إذا سمع ، فإذا أوجب ذلك فقل له : فما يدريك لعلّه قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه فتكون واضعاً لغير معانيه .  
سأل التلميذ أستاذه الكندي بذلك ، فقال الكندي أعد السؤال ، فأعاده إليه . فأطرق الفيلسوف مفكراً ، ورأى أن ذلك محتمل في اللغة وسائغ في النظر ، فأنهارت بذلك الفكرة التي نهضت عليها نظريته ، وقام فأحرق الكتاب .  
رسالة إلى أحد أصحابه :  
  
كتب الإمام رسائل عديدة إلى أصحابه يعظهم فيها ، ومنها هذه الرسالة التي بعثها إلى علي بن الحسين بن بابويه القمي :  
بسم الله الرحمن الرحيم  
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين والجنة للموَّحدين ، ولا عدوان إلاّ على الظالمين ، ولا إله إلاّ الله أحسن الخالقين والصلاة على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين .  
عليك بالصبر وانتظار الفرج ، فإن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال " أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج " ، ولا تزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشر به النبي ( صلى الله عليه وآله ) " يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً " فأصبر يا شيخي يا أبا الحسن فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة الله وبركاته وصلّى الله على محمد وآله .  
استشهاد الإمام :  
كان عمر الإمام الحسن ( عليه السلام ) 4 سنوات عندما استدعي والده الإمام الهادي إلى سامرّاء ، وقد خضع لمراقبة الحكام منذ ذلك التاريخ ، فتعرض لمضايقات الخلفاء ، وأُودع السجن عدة مرّات إلى أن استشهد مسموماً في 8 ربيع الأول سنة 260 هجرية .  
ودفن إلى جانب والده حيث مرقده الآن في مدينة سامرّاء .  
لقد خضع الإمام لمراقبة السلطات لأن كل الروايات الواردة عن النبي كانت تؤكد على أن المهدي هو الإمام الثاني عشر وهو من ولد الإمام الحسن العسكري ، لذلك كانت السلطات تخشى ظهور الإمام المهدي الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً . ولكن الإمام الحسن ( عليه السلام ) نجح في إخفاء الوليد المبارك رغم صعوبة الظروف . وقد حاول "جعفر الكذاب" وهو أخو الإمام انتهاز الفرصة للإعلان عن إمامته ، وكان الحكام يشجّعونه على ذلك ، ولكن الله أحبط مساعيه عندما ظهر الإمام المهدي وهو صبي فجأة وصلّى على جثمان والده ، ورآه الكثير من الناس فآمنوا بإمامته وأنه هو المهدي المنتظر .  
من كلمات المضيئة :  
  • ما ترك الحق عزيز إلاّ ذل ، ولا أخذ به ذليل إلاّ عزّ .  
  • خصلتان ليس فوقهما شيء : الإيمان بالله ونفع الإخوان .  
  • جرأة الولد على والده في صغره تدعو إلى العقوق في كبره .  
  • ليس من الأدب إظهار الفرح عند المحزون .  
  • كفاك أدبا تجنبك ما تكره من غيرك .  
  • جعلت الخبائث في بيت ومفتاحه الكذب .  
أسئلة :  
  1. لماذا تعرَّض الإمام إلى مراقبة شديدة ؟  
  2. كيف كشف الإمام سرّ هطول المطر عند دعاء الراهب ؟  
  3. كيف فنّد الإمام نظرية الكندي في تناقض القرآن ؟  
هوية الإمام :  
الاسم : الحسن .  
اللقب : العسكري .  
الكنية : أبو محمد .  
اسم الأب : الإمام علي الهادي ( عليه السلام ) .  
تاريخ الولادة : 232 هجري .  
تاريخ الشهادة : 260 هجري .  
مخل الدفن : مدينة سامرّاء – العراق .  
  
  
 
زينب سلام الله عليه
كانت ولادتها في السنة الخامسة للهجرة، وفيها عاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سفره، وأشرق بيت فاطمة عليها السلام بقدومه، واحتضن رسول الله الحفيدة وسمّاها زينب و كلمة زينب تعني أصل الشجرة الطيبة.

عُرفت بالعقيلة أو عقيلة بني هاشم لأنها كريمة قومها وعزيزة بيتها.

كان أمير المؤمنين عليه السلام يرد الطالبين بزواجها وعندما تقدم عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو الكفؤ لعقيلة بني هاشم الذي لُقب بـ(بحر الجود)، وافق أمير المؤمنين عليه السلام على زواجه منها.. فأبوه جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية من المهاجرات المؤمنات المعروفة بالتقى والصلاح والتي عبّر عنها الإمام الصادق عليه السلام بالنّجيبة.

وزينب عقيلة بني هاشم رغم أنها تزوجت وانتقلت إلى بيت ابن جعفر إلاّ أنها لم تتخل عن المسئولية لتدير بيت أبيها وتهتم بشئون أخويها وتصبح المسئولة بهم أولاً وآخراً، فقد انتقلت من المدينة إلى الكوفة تبعاً لانتقال مركز الخلافة وكان بمعيتها زوجها وأولادها لتعيش على مقربة من الإمام بصفتها الإبنة الكبرى لعلي عليه السلام بعد وفاة أمها فاطمة عليها السلام.

وزينب بحكم مركزها في البيت العلوي تختلف عن باقي النساء، فصُورُ مأساة فقدِ جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمِها الزهراء عليها السلام ما زالت عالقةً في ذهنها، وقد شاركت بذلك الأحداث ومشاكل الحركات التي ثارت في وجه أبيها التي كان آخرها رؤيتها له صريعاً في محرابه بسيف الشقي بن ملجم، كما قد سمعت وصية أبيها أمير المؤمنين عليه السلام بأن رسول الله أمره أن يوصي إلى ابنه الإمام الحسن عليه السلام بالإمامة وولاية الأمر، ويأمره أن يدفعها لأخيه الحسين عليه السلام من بعده ثم لابنه علي بن الحسين عليه السلام ثم لابنه محمد عليه السلام .. فلم تكن زينب عليها السلام بمعزل عن هذه الوصية ووعتها جيداً.

مع الحسين عليه السلام

"والله لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد.." فهمت زينب عليها السلام من خلال كلمات الإمام الحسين عليه السلام وتضحياته، أبعاد الموقف المرتقب ألا وهي تحمل مسئولية القضية التي ضحى من أجلها الإمام الحسين عليه السلام في نشر نهضته الجبارة في وجه الباطل، تلك النهضة التي هي امتداد للرسالة التي جاء بها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.

**********

ظهور صفات المعصومين في زينب سلام الله عليها:

هناك خصوصيات لزينب هي نفس خصوصيات فاطمة الزهراء عليها السلام :

1- الولاية والقدرة التكوينية حيث إشارت بيدها إلى الناس وهي في الكوفة فارتدَّت الأنفاس وسكنت الأجراس وهذا يدل على سيطرتها التكويني على كلِّ شئ.

2-العلم اللدني الذي اكتسبته زينب عليها السلام من الإمام الحسين عليه السلام وهو علم الإمامة، قال عنها الإمام زين العابدين عليه السلام فقد كانت "عالمة غير معلمة" وقد ظهر كلّ شئ في خطبتها العظيمة في الكوفة والجدير بالذكر أن الزهراء عليها السلام أخذت ابنتها زينب إلى المسجد وخطبت الخطبة الفدكيةو كانت زينب عليها السلام آن ذاك في السابعة من عمرها ، فكيف استطاعت أن تحفظ الخطبة بأكملها وتنقلها إلى الآخرين حتى تصل إلينا؟ فلولا اتصالها بالغيب لما استطاعت زينب أن تنقل هذه الخطبة الغراء ذات المحتوى العميق!

وكأن الزهراء عندما خطبت كانت تقول لزينب بلسان حالها أن اسمعي الخطبة جيدا لأنك أنت أيضا سوف تخطبين بنفس الأسلوب وأنت بالكوفة ، وهذا ما حدث حيث خطبت زينب في الكوفة بنفس النمط كما هو واضح لكل من يتعمق في الخطبتين ويقايسهما معاً ، وكأن الزهراء هي التي تكلمت في الكوفة فالعبارات متقاربة والنسق واحد.

ولكن هناك فرق كبير بين الموقفين:

فعندما دخلت الزهراء إلى المسجد وخطبت كانت تخاطب المهاجرين والأنصار والأرضية كانت مهيّأة لبنت رسول الله ، أما زينب عليها السلام فكانت تعدُّ أسيرة فالمخاطبون هم أعدائها الذين قتلوا أولادها وأخوتها ، ولكنها مع ذلك استطاعت أن تسيطر على المجلس سيطرة كاملة، ورغم أنه ينبغي للخطيب أن يمركز جميع مشاعره وحواسه ليتمكن من توضيح مقصوده إلا أن زينب عليها السلام وبعد تلك المصائب العظيمة استطاعت أن تتحدَّث وبكل شجاعة وصلابة ،وهذا يدل على ارتباطها المعنوي بعالم الملكوت الأعلى كما كانت أمها الزهراء، فزينب عليها السلام رغم أنها كانت تلعنهم وتتهجم عليهم وتعاتبهم والمفروض أن ينفروا ويبتعدوا من خطابها إلا أنهم انقلبوا على ما كانوا عليه وخاطبوها بقولهم " والله إن شبابكم هو خير الشباب" كلُّ ذلك يدلُّ على قوة روحها سلام الله عليها ولنعم ما قال آية الله العظمى الشيخ محمد حسين الإصفهاني في أرجوزته:

ولِّيتُ وجهى شطرَ قبلةِ الورى

ومن بها تشـرفتْ أُمُ القـرى

قطبُ محيـطِ عـالمِ الوجـودِ

في قوسيِ النـزولِ والصـعودِ

ففي النـزولِ كعبـةُ الرزايـا

وفي الصـعودِ قبـلةُ البرايـا

بل هيَ بـابُ حطـةِ الخطايـا

ومـوْئـلُ الهباتِ والعطـايـا

أمُ الكتابِ في جـوامـعِ العـلا

أمُ المصـابِ في مجامعِ البـلا

رضيـعةُ الوحىِ شقيقةُ الهـدى

ربيـبةُ الفضـلِ حليفةُ النـدى

ربـةُ خدرِ القـدسِ والطـهارة

في الصونِ والعفافِ والخـفارةِ

فإنـها تـمثـلُ الكنـزَ الخـفي

بالسـترِ والحيـاءِ والتعـفـُّفِ

تمثِّـلُ الغيـبَ المصونَ ذاتـها

تعـربُ عنْ صـفاتِهِ صـفاتها

  
  
 
وُلد الإمام الثاني عشر في 15 شعبان سنة 255 هجرية وبولادته أشرق أمل المعذبين والمقهورين في الدنيا .  
أبوه : الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) . وأمّه : امرأة طاهرة تدعى "نرجس" من ذرّية " شمعون الصفا " أحد حواريّي المسيح ( عليه السلام ) .  
والمهدي ( عجل الله تعالى فرجه الشريف ) هو آخر أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وقد بشَّر به جدُّهُ محمد ( صلى الله عليه وآله ) في أحاديث متواترة بأنّه : يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً .  
اسمه : محمد ، ولقبه : المهدي ، وكنيته : " أبو القاسم " ، فهو يحمل اسم سيدنا محمد وكنيته ، كما يحمل رسالة جدّه العظيم .  
وهو الوليد الذي صدر الأمر بإلقاء القبض عليه قبل ولادته ، وكان الجواسيس يراقبون كل شاردة و واردة عن مولده ، ولكن الله نجّاه كما نجّى نبي الله موسى ( عليه السلام ) من فرعون ، وكما نجّى رسول الله إبراهيم ( عليه السلام ) من قبضة النمرود .  
  
كان العباسيون في غاية القلق ، فوضعوا منزل الإمام الحسن العسكري تحت مراقبة شديدة ، واقتُحم المنزل بعد وفاة الإمام ، ولم يعثر الجواسيس والجلاوزة على شيء .  
لقد اتّخذ الإمام كافّة الاحتياطات اللازمة ، وأحاط مولده المبارك بسرّية تامّة خفيت على الجميع باستثناء من يثق بهم الإمام العسكري ( عليه السلام ) ، وكان يأخذ منهم المواثيق والعهود بعدم تسرّب ذلك .  
توفّي والده الإمام الحسن العسكري 260 هجرية وله من العمر 5 سنوات ، فكان إماماً صبياً ، كما أراد الله ليحيى ( عليه السلام ) النبوة وآتاه الله " الحكم صبيا " وكما أراد الله ذلك لعيسى ، وهو ما يزال في المهد .  
لم يتحمّل الخليفة العباسي وجودَ الإمام الحسن ( عليه السلام ) فدّس إليه السمّ فمضى إلى ربّه شهيداً .  
وقد بهرته عظمة الإمام ، إذ تعطّلت أسواق سامرّاء وهبّت الجموع لتشييع جثمانه الطاهر بقلوب حزينة وعيون باكية .  
كان الجواسيس يراقبون كل شيء ، لعلهم يرون أثراً للإمام المهدي . . لكن دون جدوى .  
وكانت هذه فرصة لـ" جعفر الكذاب " لكي يُعلن نفسه إماماً .  
لقد أشرفت الحكومة العباسية على تقسيم ميراث الإمام الشهيد ، وتعمّدت إسقاط المهدي من الحساب لمجّرد الاستفزاز والتأكد ، كما ظهر جعفر الكذاب وادعى الإمامة ، وتقدَّم للصلاة على أخيه الإمام للاستفادة من هذه الفرصة .  
ولكن الصبي المبارك أحبط هذه المؤامرات ، وظهر فجأة ، فنحّى عمّه عن الصلاة على أبيه وتقدّم للصلاة لتسجيل وجوده أمام الناس ، ومن ثم الاختفاء بسرعة مدهشة حيّرت الحكومة في وقتها .  
مولد الأمل :  
زارت " حكيمة " ابن أخيها الإمام الحسن العسكري و مكثت عنده مدّة فلما أرادت مغادرة المنزل ، طلب الإمام من عمّته البقاء ، وأخبرها بأنّ " نرجس " ستلد الليلة وليدها المبارك .  
تعجّبت حكيمة ، لأنها لم تجد على نرجس آثاراً تدلّ على الحمل .  
فقال لها الإمام :  
- إذا كان وقت الفجر ظهر الحمل لأنّ مثَلها مثَلَ أم موسى لم يظهر عليها الحمل ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها ، لأن فرعون كان يشق بطون الحبالى في البحث عن موسى ، وابني هذا نظير موسى .  
كانت حكيمة تراقب طوال الليل زوجة ابن أخيها .  
وقبل أن يطلّ الفجر ، انتبهت نرجس ، وظهرت عليها آثار الإعياء ، وتمت الولادة على يد حكيمة .  
وأمر الإمامُ ( أبا عمر عثمان بن سعيد ) أن يعقّ عن المولود المبارك عدداً من الشياه ، وأن يشتري كمية كبيرة من الخبز ويوزّعها مع اللحم على الفقراء والمساكين .  
نرجس :  
  
فتاة من الروم ، وكانت من بنات القياصرة . أمّها من ذرّية " شمعون الصفا " . أراد جدّها القيصر أن يزوِّجها من ابن أخيه .  
وخلال مراسم الزواج ، انهارت الصلبان ، فتشاءم القيصر وأُلغي الزواج .  
وصادف أن اشتعلت الحرب بين الروم والمسلمين ، فوقعت في الأسر وجيء بها إلى بغداد ، وعُرضت مع الجواري .  
انطلق بشر الأنصاري من سامراء إلى بغداد بأمر الإمام الهادي ( عليه السلام ) ليشتري جارية كان الإمام قد حدّد له مواصفاتها .  
وبعد أن استعرض " بشر " الجواري ، رأى ( نرجس ) أكثر الجواري شبهاً بالصفات التي حدّدها له سيّده .  
وفي الطريق كشفتْ نرجس عن هويتها ، فإذا بها حفيدة القيصر ، وتحدّثت عن الملابسات التي أدّت إلى وقوعها في الأسر .  
وبعد مدّة زوّج الهادي ( عليه السلام ) نرجس من ابنه الحسن .  
وهكذا قُدِّر لهذه الفتاة أن تحمل في بطنها صبياً بشّرت بميلاده الأنبياء .  
حياة الإمام المهدي ( عليه السلام ) :  
تنقسم حياة الإمام إلى ثلاث مراحل :  
الأولى : في عهد والده ( الإمام الحسن العسكري ) و تبلغ مدّتها 5 سنوات أي من حين ولادته سنة 255 هجرية . وحتى استشهاد والده الإمام العسكري ( عليه السلام ) . وخلال هذه المدّة كان الإمام يحافظ على ابنه ، فلا يراه أحد سوى بعض أصحابه والمقرّبين إليه . . خوفاً من تسرّب الأخبار إلى العباسيين وجواسيسهم الذين كانوا يراقبون منزل الإمام بدقّة .  
  
المرحلة الثانية : تبدأ من استشهاد أبيه ( عليه السلام ) . . ظهر فيها فجأة فصلّى على جثمان والده ، ليثبت وجوده في حين أراد عمّه " جعفر " الاستفادة من هذه الفرصة ليعلن نفسه الإمام بعد وفاة أخيه .  
وتمتدّ هذه الفترة سبعين سنة ، كان الإمام يتّصل خلالها بالناس عن طريق سفير يعيّنه ، وقد تعاقب على السفارة بين الإمام والناس أربعة سفراء هم كل من :  
  1. عثمان بن سعيد .  
  2. محمد بن عثمان .  
  3. الحسين بن روح .  
  4. علي بن محمد السمري .  
وانتهت هذه المرحلة التي تُعرف بـ (الغيبة الصغرى ) بوفاة السفير الأخير سنة 329 هجرية وقد أعلن قبل وفاته انتهاء السفارة ودخول الإمام المهدي مرحلة جديدة من حياته هي الغيبة الكبرى .  
المرحلة الثالثة : وتبدأ سنة 329 وتعرف بـ ( الغيبة الكبرى ) وما تزال مستمرة حتى الآن حتى يأذن الله بظهور الإمام لينهض برسالته في تطبيق العدالة التي تنتظرها البشرية بفارغ الصبر . وعندها ستنتهي الحروب والشرور ، ويعمّ الخير في أنحاء الأرض .  
وخلال هذه الفترة الطويلة حدثت لقاءات عديدة بين الإمام والكثير من الناس ، منهم علماء عباقرة ومنم ناس بسطاء .  
وقد سجّل التاريخ كثيراً من هذه اللقاءات التي لا يمكن لأحد أن يشكّ فيها .  
نسمع كثيراً بالصحون الطائرة ، وكثير من البلدان أنشأت مؤسسات لدراسة هذه الظاهرة المحيّرة .  
كثير من الناس رأى ذات ليلة صافية جسماً مضيئاً متألّقاً ينتقل بخفة ثم يختفي بسرعة بعد أن يترك آثاراً عجيبة .  
درس العلماء هذه الظاهرة واستمعوا إلى إفادات وتقارير الشهود بينهم طلبة متعلمون ، وفلاحون بسطاء وعلماء ومهندسون .  
وانتهى العلماء إلى نتيجة أن هناك أجساماً غريبة تأتي إلى الأرض من كواكب أخرى أو من أماكن مجهولة في كوكبنا وأنه لا يمكن إنكارها أبداً .  
ونحن اليوم أمام ظاهرة أخرى أقوى بكثير من الصحون الطائرة ألا وهي ظاهرة المهدي الموعود الذي بشَّر به سيدُنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وملفّ الإمام لا يمكن قياسه أبداً بملفّ الصحون الطائرة .  
فهناك وثائق تاريخية كثيرة تشير إلى ولادته ، وهناك أناس لا يمكن إنكار شهادتهم في رؤيته .  
وفي عصرنا الحاضر سجل بعض الناس مشاهدتهم للإمام ولقاءهم به ، وهم علماء كبار جداً ، ولم يكن لهم في ذلك مصلحة ما ، وقد أشاروا إلى ذلك بعد أن انتقلوا إلى رحمة الله .  
أما في زمن العباسيين ، فإن أيّ ادّعاء من هذا القبيل كان يعرِّض صاحبه للإعدام ، ومع ذلك صمَد السفراء على مدى سبعين سنة على مواقفهم ، رغم المخاطر التي تترتّب على ذلك .  
واليوم ، عندما نطَّلع على ملفّ الإمام المهدي نجد شهادات كثيرة لا يمكن إنكارها تشير إلى وجود الإمام المهدي وأنه يحيا حياة عادية ولكنه يخفي هويته إلى أن يحين الوقت المناسب للظهور والنهوض بمهمته الإلهية الكبرى في تحقيق العدالة الإنسانية في الأرض .  
الإنتظار :  
يُطلق شيعةُ أهل البيت ( عليهم السلام ) على الإمام المهدي " المنتظَر " أي الرجل الذي ينتظر الناسُ ظهوره .  
المسلمون يؤمنون بظهور المهدي ( عجل الله فرجه ) لأنّ سيدنا محمّداً بشّر بظهوره ، فقد روى كثير من الصحابة أنّهم سمعوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه اسمي و كنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً .  
كما سمعوه يقول : المهدي من عترتي ومن ولد فاطمة .  
صدق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .  
وشيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) يهتمّون بأخبار سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) وأخبار وصيّه عليّ ( عليه السلام ) والأئمة من ولد فاطمة ، وهم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، لهذا سجّلوا تاريخ ولادته وهي سنة 255 هجرية وسجّلوا الوثائق التي تؤيّد وجوده ، وتحقَّق لديهم صدق سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) الذي أشار إلى أن الأئمة اثنا عشر كلّهم منهم قريش ، فاتباع مذهب أهل البيت هم وحدهم يفسِّرون حديث رسول الله ، في حين بقيت المذاهب الأخرى حائرة فلا هم يستطيعون إنكار حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولا هم يستطيعون أن يفسّروه التفسير المقنع والمناسب .  
عمر الإمام :  
يبلغ عمر الإمام المهدي اليوم 1160 سنة . السؤال هنا : كيف يعيش الإنسان كل هذه السنين ؟  
الجواب : إن الله قادر على كل شيء . . . لقد عاش سيدنا نوح ( عليه السلام ) مدّة طويلة . وقد ذكر القرآن انه بقي يدعو قومه إلى دين الله 950 سنة ، غير العمر الذي سبق الدعوة والعمر الذي قضاه النبي ( عليه السلام ) بعد حادثة الطوفان . وعندما نقرأ القرآن نجد قصة نبي الله يونس الذي ابتلعه الحوت قال الله سبحانه : ولولا أن كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون أي إلى يوم القيامة . وقصة سيدنا المسيح ( عليه السلام ) عندما أراد اليهود قتله ، فرفعه الله إليه ، فصلبوا شخصاً آخر اشتبهوا في أنه المسيح كما ورد ذلك في القرآن الكريم .  
ظهور المهدي :  
  
ليس المسلمون وحدهم ينتظرون ظهور المهدي ، لينشر العدل والخير ، ويقضي على الظلم والشر .  
فالاعتقاد بظهور مخلّص للبشرية سائد في الديانات القديمة .  
اليهود يعتقدون ويبشِّرون بظهور المسيح الذي ينقذ البشرية مما تعانيه ، وعندما ظهر المسيح ( عيسى بن مريم ) أنكروه ، وسعوا إلى قتله ، أما اليوم فإن الكثير منهم ينتظر المسيح الذي سيظهر في آخر الزمان .  
والمسيحيون ينتظرون اليوم عودة المسيح لإنقاذ العالم من الظلم والشرور ، كما يؤمن اتباع زرادشت بظهور مخلّص من ذرية زرادشت .  
لقد بشّر النبي موسى ( عليه السلام ) في التوراة بظهور السيد المسيح ( عليه السلام ) وعندما ظهر المسيح أنكره اليهود .  
وقد بشرَّ المسيح ( عليه السلام ) في الإنجيل بظهور سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) فلما ظهر كذبه اليهود وأنكره بعض المسيحيين .  
وقد بشر سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) بظهور المهدي ( عجل الله فرجه ) في آخر الزمان وعلى هذا يجب أن نؤمن بظهوره ونصدّقه ولا نكون مثل اليهود والنصارى .  
قصة من التاريخ :  
  
جاء وفد من مدينة قم إلى سامراء ، ومع أفراد الوفد أموال ، يريدون تسليمها إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) . وعندما وصلوا اكتشفوا أن الإمام الحسن قد توفي ، فقالوا : من نعزّي ؟ فأشار الناس إلى أخيه جعفر ، فدخلوا عليه وعزّوه وهنّأوه بالإمامة، وقالوا له : إن معنا أموالاً ورسائل ، فإن أخبرتنا عن أصحابها دفعناها إليك .  
فنهض غاضباً ، وقال : تريدون مني أن أعلم الغيب .  
فخرجوا حائرين . وإذا برجل يلحقهم ، ويدعوهم من قِبل الإمام المهدي ، فعادوا والتقوا الإمام الذي أشار إلى علاماتٍ جعلتهم يؤمنون به ويسلّمونه الأموال .  
فأوصاهم بأن لا يحملوا الأموال إلى سامراء وأن يتصلوا بوكلائه في بغداد .  
وقد حاول " جعفر الكذاب " أن يأخذ الأموال بالقوّة عن طريق الخليفة ، فألقي القبض على أمّ الإمام ، فأنكرت كلَّ شيء .  
وفي الأثناء توفي الوزير " ابن خاقان " واشتعلت ثورة الزنج فانصرف العباسيون لحلّ مشاكلهم .  
المعتضد العباسي :  
شعر الخليفة المعتضد بأنّ شيئاً ما يدور في الخفاء ، وقد حاول عدّة مرّات القبض على الإمام ، وفي كل مرّة كان يواجه الفشل ، وكان الله سبحانه يحوط الإمام برعايته ، وظلّ الإمام يتّصل باتباعه ممن يمكن الوثوق بهم والاعتماد عليهم .  
وشيئاً فشيئاً خفّت تلك الاتصالات بعد أن أثبت الإمام المهدي وجوده ، وتعوَّد الناس على الاتصال به من خلال أشخاص معدودين كسفراء ووكلاء .  
العدالة :  
الأرض مليئة بالخيرات ، خلقها الله سبحانه ووفّر فيها كل شيء لسعادة الإنسان .  
أرضنا مليئة بالنعم ، مليئة بالجمال ، المطر يهطل كل عام ، فتزدهر الأرض خضرة ، وتدور الفراشات فرحة بعودة الربيع ، ولكن الإنسان وعندما يصغي إلى الشيطان و يتّبع خطاه يحيل كل شيء إلى خرائب . . تشتعل الحقول الخضراء و تتحول إلى رماد بسبب شرور الحرب ، والأطفال يُقتلون دون سبب وهم أجمل من الطيور والفراشات ، والناس يجوعون ، وأتباع الشيطان يرمون القمح في البحر لأنه يفيض عن حاجة السوق ويؤثر على الأسعار .  
والعلماء ينفقون عمرهم ليصنعوا قنابل جرثومية تنشر المرض وتقتل الأبرياء .  
العالم مليء بالفساد والظلم والقهر ، والناس ينتظرون من يخلّصهم من الظلم ، وينقذهم من الفساد والإنحراف ، ويوفّر لهم الحياة الكريمة المفعمة بالسعادة والفرح والأمل.  
أسئلة :  
  1. لماذا أُحيطت ولادة الإمام بالسرية ؟  
  2. هل هناك تشابه بين الإمام المهدي ( عجل الله فرجه ) وسيدنا نوح ( عليه السلام ) ، اذكر وجه التشابه ؟  
  3. ما هي الغيبة الصغرى ، وكم تبلغ مدتها ؟  
  4. اذكر حديثاً لسيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) يشير فيه إلى ظهور المهدي (عجل الله فرجه) ؟  
هوية الإمام :  
الاسم : محمّد .  
اللقب : المهدي .  
الكنية : أبو القاسم .  
اسم الأب : الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) .  
اسم الأم : نرجس .  
تاريخ الولادة : 15 / شعبان / 255 هجري .  
  
  


 
إفتح باستخدام الماوس أي كتاب تريد أن تقرأه  
 
كتاب المراجعات  
 فهرس المراجعات


الصفحةالصفحة
  
فهرس المراجعات


الصفحةالصفحة
27 ـ   ترجمة المؤلف .
البخاري في صحيحه .
53 ـ   فاتحة الكتاب . 204 ـ داود بن أبي عوف ، زبيد اليامي .
55 ـ   المقدمة والإهداء .
زيد بن الحباب .
61 ـ   المراجعة 1 : تحية المناظر ، استئذانه في 207 ـ سالم بن أبي الجعد .
المناظرة .
سالم بن أبي حفصة .
63 ـ   المراجعة 2 : ردّ التحية ، الإذن بالمناظرة .
سعد بن طريف ، سعيد بن أشوع .
65 ـ   المبحث الأول في إمامة المذهب : وفيه من 210 ـ سعيد بن خيثم ، سلمة بن الفضل قاضي
المراجعات مايلي :
الري ، سلمة بن كهيل .
65 ـ   المراجعة 3 : البحث عن السبب في عدم أخذ 212 ـ سليمان بن صرد الخزاعي .
الشيعة بمذاهب الجمهور في فروع الدين
سليمان بن طرخان ، سليمان بن قرم .
وأصوله .
سليمان بن مهران الأعمش .
66 ـ   المراجعة 4 : الأدلة الشرعية تفرض مذهب 219 ـ شريك بن عبدالله النخعي .
أهل البيت .
شعبة بن الحجاج ، صعصعة بن صوحان .
لا دليل للجمهور على رجحان مذاهبهم .
226 ـ طاووس بن كيسان ، ظالم بن عمرو الأسود
أهل القرون الثلاثة لا يعرفونها .
الدؤلي .
ما الذي أرتج باب الاجتهاد .
228 ـ عامر بن وائلة أبو الطفيل .
يلم شعث المسلمين باتفاقهم على اعتبار
عباد بن يعقوب الرواجني .
مذهب أهل البيت .
232 ـ عبد الله بن داود ، عبدالله بن شداد ،
72 ـ   المراجعة 5 : اعتراف المناظر بعدم وجوب
عبدالله بن عمر شيخ مسلم وأبي داود
مذاهب الجمهور .
والبغوي
التماس الأدلة التي تفرض مذهب أهل
234 ـ عبدالله بن لهيعة ، عبدالله بن ميمون
البيت .
القداح ، عبد الرحمن بن الصالح ، عبد
73 ـ   المراجعة 6 : الاشارة إلى الأدلة التي تفرض
الرزاق بن همام .
مذهب أهل البيت .
241 ـ عبد الملك بن أعين ، عبيدالله بن موسى
أمير المؤمنين يفرض مذهب أهل البيت .
شيخ البخاري في صحيحه .
الإمام علي بن الحسين يفرضه أيضاً .
244 ـ عثمان بن عمير .
80 ـ   المراجعة 7 : طلب البينة من كلام الله .
عدي بن ثابت ، عطية بن سعد العوفي .
دعوى لزوم الدور في الاحتجاج هنا بكلام
العلاء بن صالح ، علقمة بن قيس .
أئمتنا .
250 ـ علي بن بديمة ، علي بن الجعد شيخ
81 ـ   المراجعة 8 : الغفلة عما أشرنا إليه من السنن
البخاري في صحيحه .
الصحيحة الصريحة في الموضوع .
علي بن زيد ، علي بن صالح ، علي بن غراب .
الخطأ في دعوى لزوم الدور .
علي بن قادم ، علي بن المنذر شيخ الترمذي
تفصيل ما كنا أشرنا إليه من حديث الثقلين .
والنسائي .
تواتر هذا الحديث .
علي بن هاشم شيخ الإمام أحمد .
دلالته على ضلال من لم يستمسك بالعترة .
255 ـ عمّار بن زريق ، عمّار بن معاوية شيخ
تمثيلهم بسفينة نوح وباب حطة والنص على
السفيانيين وغيرهما . عمرو بن عبدالله أبو
أنهم الأمان من الاختلاف .
إسحق السبيعي الهمداني .
بيان المراد بأهل البيت هنا . الوجه في
عوف الصدق الأعرابي .
تشبيههم بسفينة نوح وباب حطة . .
259 ـ الفضل بن دكين .
101 ـ المراجعة 9 : وفيها من النصوص الصريحة
فضيل بن مرزوق .
التي تفرض مذهب أهل البيت .
فطر بن خليفة ، مالك بن إسماعيل شيخ
101 ـ المراجعة 10 : وفيها طلب الصريحة
البخاري في صحيحه .
والسنن الواردة في هذا الموضوع ما فيه
263 ـ محمد بن خازم وهو أبو معاوية الضرير .
بلاغ .
الإمام الحاكم محمد بن عبد الله ، محمد بن
115 ـ المراجعة 11 : الإيمان بما أوردناه من السنن
عبيد الله بن أبي رافع .
التي تفرض مذهب أهل البيت .
محمد بن فضيل .
دهشة المناظر في الجمع بينها وبين ما عليه
محمد بن مسلم الطائفي .
الجمهور من مخالفة أهل البيت .
محمد بن موسى الفطري ، معاوية بن عمار
التماسه حججاً من الكتاب استظهاراً بها .
الدهني ، معروف الكرخي ، منصور بن المعتمر .
117 ـ المراجعة 12 : وفيها فصل الخطاب بحجج
المنهال بن عمرو ، موسى بن قيس .
الكتاب .
276 ـ نفيع بن الحارث النخعي ، نوح بن قيس .
172 ـ المراجعة 13 : وفيها قياس المعترض بأن 277 ـ هارون بن سعد ، هاشم بن البريد ، هبيرة بن
الذين رووا نزول تلك الأيات في اهل البيت
مريم
إنما هم شيعة ، والشيعة ليسوا بحجة عند
هشام بن زياد ، هشام بن عمار شيخ
أهل السنة .
البخاري في صحيحه . هشيم بن بشير .
173 ـ المراجعة 14 : وفيها بطلان قياس المعترض 281 ـ وكيع بن الجراح .
لثبوت نزول تلك الايات من طريق أهل السنة
283 ـ يحيى بن الجزار العرني .
ولثبوت الاحتجاج برجال الشيعة في
يحيى بن سعيد ، يزيد بن أبي زياد .
الصحيحين وغيرهما .
285 ـ أبو عبد الله الجدلي .
177 ـ المراجعة 15 : وفيها طلب أسماء من احتج 294 ـ المراجعة 17 : عواطف المناظر وألطافه .
بهم أهل السنة من رجال الشيعة مع نصوص
تصريحه بأن لم يبق للسني مانع
أهل السنة على تشيعهم والاحتجاج بهم .
الاحتجاج بثقات الشيعة .
177 ـ المراجعة 16 : وفيها مئة من أسناد الشيعة في