tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum tariqa qadiriya boudchichiya.ch
sidihamza.sidijamal.sidimounir-ch
 
 FAQFAQ   RechercherRechercher   MembresMembres   GroupesGroupes   S’enregistrerS’enregistrer 
 ProfilProfil   Se connecter pour vérifier ses messages privésSe connecter pour vérifier ses messages privés   ConnexionConnexion 

إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي

 
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية حية قادرية النسب تيجانية المشربCatégorie >>> مناجات - اوراد - احزاب - التصريف - ادكار صوفية - روحانية - نورانية - ربانية - وحدانية - صمدانية - رحموتية - قدسية - رحمانية - الى اخره .....Sous forum
Sujet précédent :: Sujet suivant  
Auteur Message
jnoun735
Administrateur


Hors ligne

Inscrit le: 28 Sep 2009
Messages: 2 147
madagh

MessagePosté le: Sam 19 Déc - 08:07 (2009)    Sujet du message: إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي Répondre en citant









[إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي - لعبدالله الغماري.rar/COLOR]للامام المحدث الاصولي الشريف عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني
تقديم وتعليق
حسن بن علي السقاف

ويليه
الرد على الالباني المسمى
ببيان نكث الناكث المعتدي بتضعيف الحارث
لمحدث المغرب السيد عبد العزيز الغماري الحسني
قدم لهما وعلق عليهما حسن بن علي السقاف
________________________________________
[ 1 ]
إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي للامام المحدث الاصولي الشريف عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني ويليه الرد على الالباني المسمى ببيان نكث الناكث المعتدي بتضعيف الحارث لمحدث المغرب السيد عبد العزيز الغماري الحسني قدم لهما وعلق عليهما حسن بن علي السقاف
________________________________________
[ 2 ]
حقوق الطبع محفوظة الطبعة الثانية 1412 ه‍ - 1992 م دار الامام النووي الاردن / عمان ص . ب 925393
________________________________________
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي اختص سيدنا محمدا بالرسالة واجتباه ، فتوسنا واستغثنا به إلى من اختاره واصطفاه ، وجعله افضل الخلق بالكمال ، بما جمله به من الجلال والجمال ، واختاره وبعثه لاظهر كلمة الحق بعد ان مد الضلال رواقه ، فلم يزل بإعزاز الشرع قائما ، ولساعات زمانه في طلب رضا الله قاسما ، لا ينحرف عن مقاصد الصواب ولا يميل ، ولا يخلي مطايا جده في تقوية الدين مما تابع فيه الرسيم والذميل ، إلى ان ازال عن القلوب صدأ الشكوك وجلا ، وأجلى مسعاه عن كل ما اودع نفوس احلاف الباطل والحاقدين وجلا ، ومضى وقد اضاء للايمان هلال أمن سراره ، ورضي لابادة الشرك حساما لا ينبو قط غراره ، فصلى الله عليه وعلى آله الطاهرين ، ورضي عن صحابته المنتخبين ، صلاة يتصل الاصيل فيها بالغدو ، ونرى قيمتها في الاجر وافية العلو . أما بعد : فالتوسل والاستغاثة والتشفع بسيد الانام ، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مصباح الظلام ، من الامور المندوبات المؤكدات ، وخصوصا عند المدلهمات ، وعلى ذلك سار العلماء العاملون ، والاولياء العابدون ، والسادة المحدثون ، والائمة السالفون ، كما قال السبكي فيما نقل عند صاحب فيض القدير (2 / 135) : ويحسن التوسل والاستعانه (1) والتشفع بالنبي إلى ربه ولم ينكر ذلك احد من السلف ولامن الخلف . . . أه‍ . حتى نص السادة الحنابلة في مصنفاتهم الفقهية عل استحباب التوسل بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقلوا ذلك عن الامام احمد انه استحبه كا في كتاب الانصاف فيما ترجح من الخلاف (2 / 456) وغيره ونقل ابن كثير في البداية (14 / 45) ان ابن تيمية أقر أخيرا في المجلس الذي عقده له العلماء العاملون الربانيون
________________________________________
(1) وقد تصحفت وصوابها الاستغاثة أه‍ (*)
________________________________________
[ 4 ]
المجاهدون بالتوسل واصر على انكار الاستغاثة . مع انه يقول في رسالة خاصة له في الاستغاثة بجوازها بالنبي فيما يقدر عليه المخلوق . واعتمد الامام الحافظ النووي استحباب التوسل والاستغاثة في مصنفاته كا في حاشية الايضاح على المناسك له (ص 450) و (ص 498) من طبعة اخرى وفي شرح المهذب المجموع (8 / 274) وففي الاذكار (ص 307) من طبعة دار الفكر في كتاب اذكار الحج وص (184) من طبعة المكتبة العلمية وهو مذهب الشافعية وغيرهم من الائمة المرضيين المجمع على جلالتهم وثقتهم وإني أود ان أسرد بعض الادلة من الاحاديث الصحيحة الثابتة عند علماء المسلمين وائمة الحفاظ والمحدثين ، والتى لم تضرها محاولة تلاعب المتلاعبين في الطعن في اسانيدها ، وغير ذلك من طرق التلاعب والتدليس التي بينتها ومثلت عليها في بهجة الناظر في الفصل الرابع . ولا يعرف الحق كا هو معلوم بالجعجعة وكثرة الكلام ونفخ الكتب بتكثير عدد الصفحات وانما يعرف الحق بالبراهين العلمية ، والادلة الواضحة الجلية ، وان كانت قليلة العبارات ، فهي كثرة التعبيرات والاشارات ، وقد ارشد إلى ذلك سيدنا رسول الله صلى اللة عليه وسلم في قوله (اوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا) . وإني ابدأ بعرض بعض أدلة التوسل ثم أردفها بأدلة الاستغاثة المندوبة التي ارشدت إليها السنة الغراء فأقول : أدلة التوسل : (1) حديث الشفاعة المتواتر والمروي في الصحيحين وغيرهما من ان الناس يتوسلون بسيد الانام عند اشتداد الامر عليهم يوم القيامة ويستغيثون به ولو كان التوسل والاستغاثة من الكفر والشرك لم يشفع النبي للناس يؤمئذ ولا يأذن الله له بالشفاعة للمشركين والكفار على زعم من يكفر عباد الله بالالاف ، ويحاول تهييج العامة والسذج على من اظهر كفر من قال بقدم العالم المجمع على كفر قائله ومعتقده ، وايضا لو كان التوسل شركا أو كفرا لبينه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اخبر اصحابه بحديث الشفاعة . فلما لم يكن كفرا بنص
________________________________________
[ 5 ]
الاحاديث المتواترة كان امرأ مندوبا إليه في الدنيا والاخرة لان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومن قال ان التوسل والاستغاثة كفر في الدنيا ليس كفرا في الآخرة قلنا له : إن الكفر كفر سواء كان في الدنيا أو في الآخرة . قبل موته صلى الله عليه وسلم وبعد موته لا فرق . وان ادعيت الفرق فأت لنا بدليل شرعي مخصص مقبول معتبر . (2) حديث سيدنا عثمان بن حنيف رضي الله عنه قال : (إن رجلا ضريرأ اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله ان يعافينى فقال : إن شئت دعوت وان شئت صبرت وهو خير قال فادعه . فأمره ان يتوضأ ويحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء : اللهم اني اسألك واتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد إنى اتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى اللهم شغعه في . قال سيدنا عثمان : فعاد وقد أبصر) . رواه الترمذي والنسائي والطبراني والحاكم وأقره الذهبي والبيهقي بالاسانيد الصحيحة . وللحديث تتمة صحيحة تأتي في (ارغام المبتدع الغبي) . (3) حديث سيدنا علي رضي الله عنه وكرم وجهه : أن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن فاطمة بنت أسد أم سيدنا علي رضي الله عنهما قال : اللهم بحقى وحق الانبياء من قبلى اغفر لامى بعد أمي " رواه الطبراني والحاكم مختصرأ وابن حبان وغيرهم وفي اسناده روح بن صلاح قال الحاكم ثقة وضعفه بعضهم والحديث صحيح . (4) وروى الامام البخاري في صحيحه : " ان سيدنا عمر رضى الله عنه استسقى عام الرمادة بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ومن قوله توسلا به : اللهم انا كنا نتوسل اليك بنبينا صلى الله عليه وسلم وانا نتوسل اليك بعم نبينا قال فيسقون . وفي الحديث اثبات التوسل به صلى الله عليه وسلم وبيان جواز التوسل بغيره كالصالحين من آل البيت ومن غيرهم . كما قال الحافظ في فتح الباري (2 / 497)
________________________________________
[ 6 ]
وأما أدلة الاستغاثة : (1) فما روى البخاري في صحيحه وغيره من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في حديث الشفاعة بلفظ : (ان الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده اهل الجمع كلهم) . وهذا صريح في الاستغاثة وهي عامة في جميع الاحوال ، مع لفت النظر أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره يبلغه سلام من يسلم عليه وكلام من يستغيث به لان الاعمال تعرض عليه كما صح فيدعو الله لاصحاب الحاجات . (2) روى الامام احمد بسند حسن كما قال الامام الحافظ ابن حجر في الفتح (8 / 579) عن الحارث بن حسان البكري رضي الله عنه قال : خرجت انا والعلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . الحديث وفيه - فقلت - اعوذ بالله وبرسوله ان أكون كوافد عاد ، قال - أي سيدنا رسول الله - وما وافد عاد ؟ وهو اعلم بالحديث ولكنه يستطعمه . . . الحديث . وقد استغاث الرجل بالله وبرسوله ولم يكفره سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خالف إلالباني ذلك فكفر كل مستغيث به صلى الله عليه وسلم كما في توسله ص 7 الطبعة الثانية وقلده في هذه البدعة اصحابه والمتعصبين له وانكروا على من كفر من العلماء مثبت قدم العالم نوعا ومن قال بالحد والجهة والاستقرار وغير ذلك من طامات نسأل الله لهم الهداية وان يردهم إلى دينه والى الحق ردا جميلا . وان يخلصهم من أهوائهم وعنادهم الذى بنوه على سوء فهم كبيرهم الذي علمهم السحر أو فساد قصده وقد يجتمعان . (3) قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الاعمى الصحيح عندما علم الرجل ان يقول : (يا محمد اني اتوجه بك إلى الله) . في كل زمان ومكان .
________________________________________
[ 7 ]
وهذه استغاثة صريحة ، وقد اعتمدها العلماء المحدثون والحفاظ في كتب السنة في صلاة الحاجة حاثين الامة عليها . (4) جاء في البخاري ان النبي صلى اللله عليه وسلم قص على اصحابه قصة السيدة هاجر هي وابنها في مكة قبل ان تبنى الكعبة بعد ان تركهما سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام وفي ما قصه أنها لما سمعت صوتا عند الطفل قالت : " إن كنت ذا غوث فأغث " فاستغاثت فإذا بجبريل عليه السلام فغمز الارض بعقبه فخرجت زمزم . ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم أنها كفرت كما يزعم الالباني ولم ينبه ان تلك الاستغاثة منها كفر البتة . وهى تعلم ان صاحب الصوت لن يكون رب العالمين المنزه عن الزمان والمكان . وهناك ادلة كثيرة بجواز التوسل والاستغاثة وندبهما افردتها برسالة خاصة اسميتها (الاغاثة بأدلة الاستغاثة) وقد اقتصرت هنا على بعضها وفيها بيان لمن القى السمع وهو شهيد هذا إذا كان قلبه نظيفا لا يحب رمي عباد الله بالشرك بمجرد مخالفتهم لمزاجه وأراد اقتفاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وأختم الاستدلال ببيان مسألة هامة جدا وهى استدلال أخير على التوسل والاستغاثة من احد الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واقرار الباقين من الصحابة له وعلى رأسهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (2 / 495) حيث قال : روى ابن ابي شيبة باسناد صحيح (وصححه أيضا ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 92 من طريق البيهقي) عن أبي صالح السمان عن مالك الدار وكان خازن عمر قال : أصاب الناس قحط شديد في زمن عمر فجاء رجل الي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استسق لامتك فإنهم قد هلكوا فاتي الرجل في المنام فقيل له ائت عمر واقرئه السلام واخبره أنهم يسقون اسناده صحيح وقد ضعف هذا الاثر الصحيح الالباني بحجج أوهى من بيت العنكبوت في توسله ص (119 - 121) وزعم ان مالك الدار مجهول . ونقل ترجمته من كتاب الجرح والتعديل لابن ابي حاتم فقط ليوهم قراءه انه لم يرو عنه الا رجل واحد وهو ابو صالح السمان ، وقد تقرر عند الالبافي بما ينقله عن بعض العلماء من غير المتفق عليه ان الرجل يبقى مجهولا حتى يروى عنه اثنان فأكثر . ثم
________________________________________
[ 8 ]
قال لينصر هواه ان المنذري والهيثمي لم يعرفا مالك الدار فهو مجهول ولا يصح السند لوجود مجهول فيه ثم تبجح قائلا : وهذا علم دقيق لا يعرفه الا من مارس هذه الصناعة . ونحن نقول له بل هذا تدليس وغش وخيانة لا يدريه الا من امتلا قلبه حقدا وعداء على السنة والتوحيد واهلهما . وقد تبعه على هذا الغش والتدليس وزاد عليه احد الاغبياء المتعصبين اللاهثين وراء بريق الدراهم في كتاب له ملاه من هذه البضاعة . تخيل فيه انه رد التوسل وهيهات وهو لم يقرأ العلوم وخاصة ملحة الاعراب على احد ولم يكن له في حياته استاذ يهذب أو شيخ يدرب الا التلقي من صفحات دفاتر هذا الالباني . ونقول في بيان نسف ما قاله الالباني من جهالة مالك الد ار : إذا صرح المنذرى والهيثمي بأنهما لا يعرفانه فنقول للباحث عن الحق اذن لم يصرحا بتوثيق له أو تجريح لانهما لا يعرفانه . لكن هناك من يعرفه وهم ابن سعد والبخاري وعلى ابن المديني وابن حبان والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهم . فهل يا الباني ينقل كلام من عرفه أم كلام من جهله ؟ ! ! . العجيب ان الالباني يحبذ كلام من جهل حاله ويختاره ويفضله على كلام من علم حاله الذى يستره الالباني ولا يحب ان يطلع عليه احد . وما سأنقله من اقوال الائمة الحفاظ الذين عرفوه في توثيقه كاف في اثبات ما يقوله السيد عبد الله الغماري وغيره من المحدثين والمشتغلين في علم الحديث من ان الالباني يعرف الصواب في كثير من الامور لكنه غاش مدلس خائن مضلل لا يؤتمن على حديث واحد . وقد صرح بذلك كثير من اهل العلم كالسيد احمد الغماري والسيد عبد الله والسيد عبد العزيز المحدثون والشيخ عبد الفتاح ابو غدة والمحدث حبيب الرحمن الاعظمي محدث الهند والباكستان والشيخ اسماعيل الانصاري والشيخ محمد عوامة والشيخ محمود سعيد والشيخ شعيب الارناؤوط وغيرهم عشرات من اهل هذا الفن والمشتغلين به . فأهل الحديث شهدوا بأن هذا الرجل لا يعتمد كلامه في التصحيح والتضعيف لانه يصحح ويضعف حسب الهوى والمزاج وليس حسب القواعد العلمية ومن تتبع اقواله وما يكتبه تحقق ذلك . ويكفينى ان اقول في مالك الدار ان ابن سعد قال في الطبقات (5 / 12) : مالك الدار مولى عمر بن الخطاب روى عن ابي بكر وعمر ثم قال وكان معروفا .
________________________________________
[ 9 ]
وقال الحافظ ابن حجر في الاصابة في ترجمته ترجمة رقم (8356) : له ادراك اي انه معدود من الصحابة ويكفيه في ذلك توثيقا ثم ذكر أنه روى عنه اربعة رجال وهم ابو صالح السمان وابناه عون و عبد الله ابنا مالك و عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي . ثم قال : قال علي بن المدينى : كان مالك الدار خازنا لعمر أه‍ بمعناه ملخصا . وبذلك نعلم ان سيدنا عمر وسيدنا عثمان قد وثقاه إذ قد ولياه بيت مال المسلمين وفي ذلك اقوى توثيق له ايضأ . - وقد نقل الحافظ الخليلي في كتابه الارشاد (/) الاتفاق عل توثيق مالك الدار فقال هناك : " متفق عليه أثنى عليه التابعون " . فقد ذهب كلام الالباني هباء وللموضوع توسع في رسالة لنا خاصة اسميناها بالباهر . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . حسن بن علي السقاف
________________________________________
[ 11 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان الا على الظالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الاكرمين ، ورضي الله عن صحابته والتابعين . وبعد ، فإن الشيخ الالباني سامحه الله تعالى صاحب غرض وهوى ، إذا رأى حديثا أو اثرا لا يوافق هواه فإنه يسعى في تضعيفه بأسلوب فيه تدليس وغش (1) ، ليوهم قراءه انه مصيب ، مع انه مخطئ بل خاطئ غاش ، وبأسلوبه هذا ضلل كثيرا من أصحابه الذين يثقون به ويظنون انه على صواب ، والواقع خلاف ذلك . ومن المخدوعين به من يدعى حمدي السلفي (2) الذي يحقق المعجم الكبير ، فقد أقدم بجرأة على تضعيف أثر صحيح لم يوافق هواه كما لم لرافق هوى شيخه (3) وكان كلامه في تضعيفه هو كلام شيخه نفسه . فأردت ان ارد الحق إلى نصابه ، ببيان بطلان كلام الخادع والمخدوع به ، وعلى الله اعتمادي ، واليه تفويضي واستنادي . روى الطبراني في المعجم الكبير (9 / 17) من طريق ابن وهب عن شبيب عن روح بن القاسم عن ابي جعفر الخطمي المدني عن ابي أمامة بن سهل بن حنيف عن
________________________________________
(1) كما ضعف الاثر الصحيح الذي قال عنه ابن حجر العسقلاني في الفتح (2 / 495) : روى ابن ابي شيبة باسناد صحيح عن ابي صالح عن مالك الدار وكان خازن عمر قال : (اصاب الناس‍ قحط شديد في زمن عمر ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلي الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله استسق لامتك فإنهم قد هلكوا ، فأتي الرجل في المنام فقيل له ائت عمر واقرئه السلام وأخبرهم انهم يسقون) ضعفه الالباني بجهالة مالك الدار مع انه ثقة بإجماع الصحابة وغيرهم زمن سيدنا عمر وسيدنا عثمان رضي الله عنهما ولم يجرحه أحد البتة وغير ذلك مما بسطناه في غير هذا الموضوع فهذا الاثر صحيح وقد ضعفه الالباني لانه مخالف لهواه بحجج واهية غير مقبولة حسب الموازين العلمية ، فتأمل . (2) وقد أساء هذا المقلد غاية الاساءة في ترجمة الحافظ أحمد الغماري في مقدمة تعليقاته على (فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب) فاتهمه وبهته بما هو برئ منه . (3) مع انه من المعلوم لا يجوز التصحيح والتضعيف الا من الحافظ كما هو في كتب المصطلح . (*)
________________________________________
[ 12 ]
عمه عثمان بن حنيف رضي الله عنه : أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ، ولا ينظر في حاجته ، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك ، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد ، فصل فيه ركعتين ، ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبى الرحمة ، يا محمد اني اتوجه بك إلى ربي فتقضي لى حاجتى ، وتذكر حاجتك ، ورح إلي حتى أروح معك . فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثم اتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذ بيده ، فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة ، وقال له ما حاجتك فذكر حاجته ، فقضاها له ، ثم قال : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة ، وقال : ما كانت لك من حاجة فائتنا . ثم ان الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف ، فقال له : جزاك الله خيرا ، ما كان ينظر في حاجتى ولا يلتفت الي حتى كلمته في . فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أو تصبر ؟ فقال : يا رسول الله انه ليس لي قائد وقد شق علي . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ، ثم ادع بهذه الدعوات) قال عثمان بن حنيف : فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث ، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط " . صححه الطبراني ، وتعقبه حمدى السلفي بقوله : لا شك في صحة الحديث المرفوع ، وانما الشك في هذه القصة التي يستدل بها على التوسل المبتدع ، وهي انفرد بها شبيب كا قال الطبراني ، وشبيب لا بأس بحديثه ، بشرطين ان يكون من رواية ابنه احمد عنه ، وان يكون من رواية شبيب عن يونس بن يزيد . والحديث رواه عن شبيب ابن وهب وولداه اسماعيل واحمد ، وقد تكلم الثقات في رواية ابن وهب عن شبيب ، في شبيب ، وابنه اسماعيل لا يعرف ، وأحمد وان روى القصة عن ابيه الا انها ليست من طريق يونس بن يزيد ، ثم اختلف فيها على احمد ، ورواه ابن السنى في عمل اليوم والليلة والحاكم من ثلاثة طرق بدون ذكر القصة ، ورواه الحاكم من طريق عون بن عمارة البصري عن روح بن القاسم به ، قا أي شيخنا محمد
________________________________________
[ 13 ]
ناصر الدين الالباني : وعون هذا وان كان ضعيفا فروايته اولى من رواية شبيب لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن ابي جعفر الخطمي . (4) أ ه‍ . وفي هذا الكلام تدليس وتحريف نبينه فيما يلي . (اولا) : هذه القصة رواها البيهقي في دلائل النبوة (5) من طريق يعقرب بن سفيان حدثنا
________________________________________
(4) وفي هذا الكلام من الاباني كتمان لتمام ما رواه وذكره الحاكم في المستدرك (1 / 526) : والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون أ ه‍ ، فكتم الالباني هذا ورمى خصومه بكتم ما فيه عكس مصالحهم كما يدعى ، كما فعل مثلا في متدمته الجديدة الي اسفرت عن اخلاقه في آداب زفافه الذي خالف فبه الحدث والاجماع . سهل الله الرد عليه قريبا .
________________________________________
(5) انظر دلائل النبوة بتحقيق القلعجي (6 / 166 - 168) وقد اورد البهيقى في الدلائل (6 / 167) القصة اولا من طريق اسماعيل بن شبيب حدثنا ابي عن روح بن القاسم ثم (ص 168) ثم ثني بذكر ان القصة مروية من طريق أحمد ابن شبيب ، وقال : وهذه زيادة الحقتها به في شهر رمضان سنة اربع واربعين . فتكون القصة مروية عند البيهقي في الدلائل من طريق احمد ابن شبيب عن أبيه عن روح ، وقد صحح الحاكم في المستدرك (1 / 527) هذا السند على شرط البخاري واقره على ذلك الذهبي ، وهو الموافق لكلام الحافظ في التقريب (2739) طبعة محمد عوامة) : لا بأس بحديثه من رواية ابنه احمد عنه . . . وقول الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري (ص 409) : قلت : اخرج البخاري من رواية ابنه عن يونس احاديث . ولم يخرج من روايته عن غير يونس ولا من رواية ابن وهب عنه شيئا . أه‍ . أقول : وقول الحافظ : (ولم يخرج من روايته عن غير يونس احاديث) ليس تصريحا من الحافظ بضعف رواية شبيب عن غير يونس ولا إشارة كما توهم الالباني واستنبط في (التوسل انواعه وأحكامه 87 الطبعة ا لثانية) لوجوه : 1) انه اراد ان يدفع عن رواية شبيب أي شائبة طعن لانه ذكر عن ابن عدي ان روايته عن يونس مستقيمة وقد قوعت في البخاري عن يونس وهي المثهود لها بالصحة والاستقامة ولم تقع عن غيره ، فليس في ذلك كله أي طعن اشارة أو تمريحا برواية شبيب غير يونس ، وانما المراد بيان اقوى رواياته واكثرها استقامة هي التي وقعت في البخاري . وأما قول الحافظ : (ولا من رواية ابن وهب عنه شيئا) فمراده انه لما نقل الطعن في رواية ابن وهب عن شبيب بأن فيها مناكير اراد ان يبرئ روايته في البخاري من طريق ابن وهب عنه ، فلما ذكر الحافظ ان رواية شبيب من طريق ابن وهب عنه منكرة ، ولم ينقل في روايته عن يونس الايلى طعن اتتضح المراد الذى قررناه ، والذي يوافق : 2) ما ذكره الحافظ في التقريب عنه ، انه إذا روي الحديث من طريق ابنه احمد عنه فهو لا باس به . 3) ان الحافظ كالحاكم والذهبي حكموا على رواية احمد بن شبيب عن ابيه عن روح بانها على شرط (*)
________________________________________
[ 14 ]
احمد بن شبيب (6) بن سعيد ثنا أبي عن روح بن القاسم (7) عن ابي جعفر الخطمى عن ابى امامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف ان رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فذكر القصة بتمامها . ويعقوب بن سفيان هو الفسوي الحافظ الامام الثقة ، بل هو فوق الثقة ، وهذا اسناد صحيح . البخاري ، ومعنى ذلك انها صحيحة وهذا الذي يوافق كلام الحافظ ، ويبطل ما استنبطه الاباني من كلام الحافظ في مقدمة فتح الباري فليتأمل . 4) ان الحافظ ايضا صححوا هذه القصة ، كالمنذري في الترغيب والترهيب (1 / 476) باقراره للطبراني ، والهيثمي في مجمع الزوائد (2 / 279) ايضا ، وقبلهما الامام الحافظ الطبراني في معجمه الصغير (1 / 307 الروض الداني) وغيرهم . 5) انه لم ينقل الالباني عن حافظ واحد انه نص على تضعيف القصة مع ملاحظة هؤلاء الحفاظ من الائمة الاعلام كالمنذري والهيثمي وغيرهما لم ينصوا على ان هذا بدعة أو شرك ، بل ذكروها في ابواب صلاة الحاجة ناصين على التصحيح مقرين له ، غير معقبين عليه بالضعف والنكارة أو الشرك والبدعة كما فعل الاباني القاصر في هذا العلم . 6) وقد تقرر في علم المصطلح اتفاق الحفاظ على عدم جواز التصحيح والتضعيف لغير الحافظ ، ولا عبرة بقول أمثال الالباني الذين هم ليسوا حفاظا ولم يتلقوا هذا العلم عن أهله ، فهل نصغي للائمة الحفاظ اهل هذا الشأن ام إلى الالباني الذي ظهر خطله ؟ ا . وبهذا كله يسقط قول الالباني في توسله ص 88 حيث قال : ومن عجائب التعصب واتباع الهوى ان الشيخ الغماري اورد روايات هذه القصة في المصباح ص 12 - 17 . . ثم لم يتكلم عليها مطلتا لا تصحيحا ولا تضعيفا والسبب واضح ، اما التصحيح فغير ممكن صناعة واما التضعيف فهو الحق ولكن . . .) أه‍ كلامه بشينه ومينه ، وقد تبين ان التصحيح هو الصحيح الثابت صناعة وان التضعيف هو لتعصب الالباني واتباع هواه وما يوحيه إليه شيطانه ، وبان ان هذه الوصمة هي صفة الالباني وليست صفة الامام الحافظ المحدث الحجة سيدي عبد الله والحمد لله . تماما كما قالوا : " رمتني بدائها وانسلت " . (6) احمد بن شبيب قال الذهبي في الميزان (1 / 103 - 104) : صدوق ، ثم نقل عن الازدي أنه قال منكر الحديث ، ثم رد عليه وقال : قلت : قد وثقه ابو حاتم أ ه‍ ، قلت : وهو من رجال البخاري كما في الجمع (1 / 10 - 18) . (7) قال الحافظ في التقريب (1970 طبعة محمد عوامة) : ثقة حافظ من رجال البخاري ومسلم وابو داود والنسائي وابن ماجه . (*)
________________________________________
[ 15 ]
فالقصة صحيحة جدا ، وقد وافق على تصحيحها ايضا الحافظ المنذري في الترغيب (ج 2 / 6 06) (8) والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (2 / 279) . (ثانيا) : احمد بن شبيب من رجال البخاري ، روى عنه في الصحيح وفي الادب المفرد ، وثقه ابو حاتم الرازي وكتب عنه هو وأبو زرعة ، وقال ابن عدي : وثقه أهل البصرة وكتب عنه علي ابن المديني (9) . وأبوه شبيب بن سعيد التميمي الحبطي البصري ابو سعيد من رجال البخاري أيضا (*) روى عنه في الصحيح وفي الادب المفرد . وثقه ابو زرعة وابو حاتم والنسائي والذهلي والدارقطني والطبراني في الاوسط . قال ابو حاتم : كان عنده كتب يونس بن زيد ، وهو صالح الحديث لا بأس به : وقال ابن عدي : ولشبيب نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري أحاديث مستقيمة . وقال ابن المدينى : ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر وكتابه كتاب صحيح ، هذا ما يتعلق بتوثيق شبيب ، وليس فيه اشتراط صحة روايته بأن تكون عن يونس بن يزيد ، بل صرح ابن المديني بأنه كتابه صحيح . وابن عدي انما تكلم على نسخة الزهري عن شبيب فقط ، ولم يقصد جميع رواياته ، فما ادعاه الالباني تدليس وخيانة . يؤكد ذلك ان حديث الضرير صححه الحفاظ ولم يروه شبيب عن يونس عن ا لزهري ! ! وانما رواه عن روح بن القاسم ، ودعواه ضعف القصة بالاختلاف فيها حيث لم يذكرها بعض الرواة عند ابن السنى والحاكم ، لون آخر من التدليس (10) لان من
________________________________________
(8) في الطبعة الواقعة في 4 مجلدات في (1 / 476) . (9) انظر تهذيب التهذيب (1 / 31 - 32) . (*) وقد انغر كاتب متعصب بكلام الالباني في اكتوبة اسماها بالزهر ص 79 بان شبيب متكلم في حفظه كما أوهم كلام بعضهم في التهذيب 4 / 270 فأبان عن غباء وتدليس . (10) ولا شك ان تدليسه على الطلبة والضعفاء في هذا الفن له الوان واشكال . (*)
________________________________________
[ 16 ]
المعلوم عند اهل العلم ان بعض الرواة يروي الحديث وما يتصل به كاملا ، وبعضهم يختصر منه ، بحسب الحاجة . والبخاري يفعل هذا ايضا ، فكثيرا ما يذكر الحديث مختصرا أو يوجد عند غيره تاما . والذي ذكر القصة في رواية البهيقي إمام فذ يقول عنه ابو زرعة الدمشقي : قدم علينا رجلان من نبلاء الناس احدهما وارحلهما يعقوب بن سفيان (1) يعجز اهل العراق ان يرو مثله رجلا . وتقديمه رواية عون (12) الضعيف على من زاد القصة ، لون ثالث من التدليس والغش . فإن الحاكم روى حديث الضرير من طريق عون مختصرا ثم قال : تابعه شبيب ابن سعيد الحبطى عن روح بن القاسم زيادات في المتن والاسناد ، والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون ، هذا كلام الحاكم ، وهو يؤكد ما تقرر عند علماء الحديث والاصول ان زيادة الثقة مقبولة ، وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ (13) . والالباني رأى كلام الحاكم لكن لم يعجبه لذلك ضرب عنه صفحا ، وتمسك بأولوية رواية عون الضعيف عنادا وخيانة (14) . (ثالثا) : تبين مما اوردناه وحققناه في كشف تدليس الالباني وغشه ان القصة صحيحة جدا رغم محاولاته وتدليساته وهى تفيد جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله ، لان الصحابي راوي الحديث ، فهم ذلك ، وفهم الراوي له قيمته العلمية ، وله وزنه في مجال الاستنباط . وانما قلنا ان القصة من فهم الصحابي ، على سبيل التنزل ، والحقيقة ان ما فعله عثمان بن حنيف من ارشاده الرجل إلى التوسل ، كان تنفيذا لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت في حديث الضرير .
________________________________________
(11) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (11 / 338) . (12) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (8 / 154) . (13) كما تقرر عند الحفاظ واهل الشأن . (14) كما ضرب صفحا عن ترجمة مالك الدار في الاصابة وطبقات ابن سعد وثقات ابن حبان وكم لذلك من ا شتبا ه . (*)
________________________________________
[ 17 ]
قال ابن ابي خيثمة (15) في تاريخه : حدثنا مسلم بن ابراهيم (16) ثنا حماد بن سلمة (17) أنا ابو جعفر الخطمي (18) عن عمارة بن خزيمة (19) عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه : ان رجلا اعمى اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اني أصبت في بصري فادع الله لى قال : " اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل اللهم اني اسألك واتوجه اليك بنبيي محمد نبي الرحمة يا محمد اني استشفع بك عن ربي في رد بصري اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبيي في رد بصرى وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك " اسناد ه صحيح . والجملة الاخيرة من الحديث تصرح بإذن النبي صلى الله عليه وسلم في التوسل به عند عروض حاجة تقتضيه . وقد أعل ابن تيمية هذه الجملة بعلل واهية . بينت بطلانها في غير هذا المحل (2) ، وابن تيمية جرئ في رد الحديث الذي لا يوافق غرضه . ولو كان في الصحيح (21) .
________________________________________
(15) هو الحافظ الحجة الثقة أحمد بن ابي خيثمة زهير بن حرب النسائي ابو بكر الحافظ ابن الحافظ ، قال الداقطني ، ثقة مأمون . انظر سير اعلام النبلاء (11 / 492) . (16) من رجال الستة ، انظر تهذيب التهذيب (10 / 109) . . (17) في التقريب (1498) ثقة عابد . من رجال مسلم والاربعة . (18) اسمه عمير بن يزيد بن عمير ترجمته في التهذيب (8 / 134) . وهو ثقة . (19) ترجمته في التهذيب (7 / 364) وهو ثقة . (20) بينها في كتابه (ممباح الزجاجة - طبعة عالم الكتب ص 37) ودحض كلام ابن تيمية ومنه يتبين سقوط كلام الالباني في (توسله ص 83) حيث اعترض على الشيخ وانه وضع القاعدة التى جلبها من نخبة الفكر في غير محلها . والحمد لله . (21) أو صحيحا في غير صحيح البخاري ومسلم : كحديث السيدة عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم : " كان يقصر الصلاة في السفر ويتم ويفطر ويصوم) قال الدراقطني : هذا اسناد صحيح . وانظر سنن البيهقي (3 / 142) والجوهر النقي اسفل الصحيفة للتركماني ، فقال ابن القيم في زاد المعاد : وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية يقول : هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . أفاده السيد عبد الله في كتابه المبح السافر (ص 37) فانظره . وتأمل . وفي لسان الميزان (6 / 319) ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة يوسف بن الحسن الرافضي ، ان ابن تيمية رداحاديثا جيادا وغير ذلك . (*)
________________________________________
[ 18 ]
مثال ذلك : روى البخاري في صحيحه حديث : " كان الله ولم يكن شئ غيره وهو موافق لدلائل النقل والعقل والاجماع المتيقن . لكنه خالف رأيه في اعتقاده قدم العالم ، فعمد إلى رواية للبخاري ايضا في هذا الحديث بلفظ " كان الله ولم يكن شئ قبله " فرجحها على الرواية المذكورة ، بدعوى انها توافق الحديث الآخر " انت الاول فليس قبلك شئ " . قال الحافظ ابن حجر (22) : مع ان قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه الرواية على الاولى لا العكس ، والجمع مقدم عل الترجيح بالاتفاق . أه‍ . قلت : تعصبه لرأيه اعماه عن فهم الروايتين اللتين لم يكن بينهما تعارض ، لان رواية " كان شئ " . مثال ثان : حديث امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الابواب الشارعة في المسجد وترك باب علي عليه السلام ، حديث صحيح ، أخطأ ابن الجوزى بذكره في الموضوعات . ورد عليه الحافظ في القول المسدد (23) . وابن تيمية لانحرافه عن علي عليه السلام كما هو معلوم . لم يكفه حكم ابن الجوزى . بوضعه فزاد من كيسه حكاية اتفاق المحدثين على وضعه ، وامثلة رده للاحاديث التي يردها لمخالفة رأيه كثيرة يعسر تتبعها . (رابعا) : ونقول على سبيل التنزل : لو فرضنا ان القصة ضعيفة تطيبا لخاطر الالباني ، وان روايهة ابن ابي خيثمة معلولة كما في محاولة ابن تيمية (24) ، قلنا في حديث توسل
________________________________________
(22) في فتح الباري (13 / 410) . (23) القول المسدد (طبقة عالم الكتب ص 10 - 11) . (24) اي لو سلم ذلك جدلا ، مع كون ادعاء ضعف القصة وما اشبه ذلك باطلا قطعا . (*)
________________________________________
[ 19 ]
الضرير كفاية وغناء ، لان النبي حين علم الضرير ذلك التوسل ، دل على مشروعيته في جميع الحالات . ولا يجوز ان يقال عنه : توسل مبتدع ، ولا يحوز تخصيصه بحال حياته صلى الله عليه وسلم ، ومن خصصه فهو المبتدع حقيقة لانه عطل حديثا صحيحا وابطل العمل به ، وهو حرام . والالباني عفا الله عنه جرئ على دعوى التخصيص والنسخ لمجرد خلاف رأيه وهواه . فحديث الضرير لو كان خاصا به ، لببنه النبي صلى الله عليه وسلم ، كما بين لابي بردة ان الجذعة من المعز تجزئه في الاضحية ولا تجزئ غيره ، كما في الصحيحين . وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (25) . " اعتذار وجوابه " قد يقال : الداعي إلى تخصيصي الحديث بحال حياة النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه من ندائه ، وهو عذر مقبول . والجواب : ان هذا اعتذار مردود (26) ، لانه تواتر عن النبي صلى عليه وسلم تعليم التشهد في الصلاة ، وفيه السلام عليه بالخطاب ونداؤه (السلام عليك ايها النبي) وبهذه الصيغة علمه على المنبر النبوى ابو بكر وعمر (27) ، وابن الزبير ومعاوية ، واستقر عليه الاجماع كما يقول ابن حزم (28) وإبن تيمية (29) والالباني لابتداعه خالف هذا كله ، وتمسك بقول ابن مسعود ، فلما مات قلنا السلام على النبي ، ومخالفة التواتر والاجماع ، هي عين الابتداع .
________________________________________
(25) كما هو مقرر في الاصول . (26) كما وضح ذلك المصنف في كتابه (القول المقنع في الرد على الالبناني المبتدع (ص 13 - 18) فلينظر فانه مهم . (27) كما ثبت ذلك بالاسانيد الصحيحة في الموطأ ومصنف ابن ابي شيبة ومصنف عبد الرزاق ومعاني الاثار . (28) كما في الفصل في النحل لابن جزم (1 / 89) . (29) في كتابه الجواب الباهر . (*)
________________________________________
[ 20 ]
مع انه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان اعمالنا تعرض عليه (30) ، وكذلك صلاتنا عليه صلى الله عليه وسلم ، تعرض عليه ، وثبت ان لله ملالكة سياحين في الارض يبلغونه سلام امته ، وثبت بالتواتر والاجماع ان النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره (31) ، وان جسده الشريف لا يبلى ، فكيف يمتنع مع هذا نداؤه في التوسل به (32) وهل هو إلا مثل ندائه في التشهد ! . ولكن الالباني عنيد شديد العناد ، والالبانيون عندهم عناد ، وصلابة في الرأي ، أخبرني بذلك عالم الباني حضر على في تفسير البيضاوي وشرح التحرير لابن امير الحاج ، وكان وديعا هادئ الطبع ، وهو تلميذ لى .
________________________________________
(30) كما جاء في الحديث الصحيح : " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم تعرض علي اعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رايت من شر استغفرت لكم " وهو من رواية سيدنا عبد الله بن مسعود ، واوله : " ان لله ملائكة سياحبن يبلغوني عن امتي السلام " ثم قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (حياتي . . .) الحديث . قال العراقي في طرح التثريب : اسناده جيد أه‍ . اي صحيح . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رجال اسناده رجال الصحيح أه‍ . وقال السيوطي في الخصائص الكبرى : اسناده صحيح وكذا علي القارى والخفاجي ، وقد جمع الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11 / 385) بينه وبين حديث (انك لا تدرى ما احدثوا بعدك) ونقل الجمع عن خمسة من الحفاظ ، فانظره . (31) انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر (طبعة دار الكتب العلمية) ص 135 ، حديث رقم (115) حياة الانبياء في قبورهم . (32) قال العلامة ابن حجر الهيثمى في قصيدة له شرحها الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي : تواترت الادلة والنقول فما يحصي المصنف ما يقول بأن المصطفى حي طرئ هلال ليس يطرقه أفول وأن الجسم منه بقاع لحد كورد لا يدنسه الذبول وأن الهاشمي بكل وصف جميل لا يغيره الحلول ويسمعهم إذا صلوا عليه باذنيه فقصر يا ملول ومن لم يعتقد هذابطه يقينا فهو زنديق جهول عبيد هيتمي مستجير بمن حطت بساحته الحمول وجاء في حديث اوس بن اوس مرفوعا : " ان الله حرم على الارض اجساد الانبياء " وهو حديث صحيح رواه ابو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم . (*)
________________________________________
[ 21 ]
هذا موجز ردنا لدعوى الالباني . اما من يدعى حمدى السلفي فليس هناك ، وانما هو مجرد مخدوع يردد الصدا (33) . (خامسا) : والذي اقرره هنا ، ان الالباني غير مؤتمن في تصحيحه وتضعيفه ، بل يستعمل في ذلك انواعا من التدليس والخيانة في النقل ، والتحريف في كلام العلماء (34) ، مع جرأته على مخالفة الاجماع * ، وعلى دعوى النسخ بدون دليل ، وهذا يرجع إلى جهله بعلم الاصول ، وقواعد الاستنباط ، ويدعى انه يحارب البدع مثل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وتسويده في الصلاة عليه (35) ، وقراءة القرآن على الميت ! ! لكنه يرتكب اقبح البدع بتحريم ما أحل الله ، وشتم مخالفيه بأقذر الشتائم خصوصا الاشعرية والصوفية ، وحاله في هذا كحال ابن تيمية ، تطاول على الناس فأكفر طائفة من العلماء ، وبدع طائفة اخرى ، ثم اعتنق هو بدعتين لا يوجد اقبح منهما : احداهما قوله بقدم العالم (36) ، وهي بدعة كفرية (37) والعياذ بالله تعالى .
________________________________________
(33) يعني لا صلة له بعلم الحديت ولا معرفة وانما هو مقلد هذا الجاهل . (34) ويتضح ذلك لمن طالع كتاب : " تنبيه المسلم إلى تعدى الالباني على صحيح مسلم " وكتاب " وصول التهاني " للمحقق البحاثة محمود سعيد و " بيان نكث الناكث " للسيد المحدث عبد العزيز الغماري متعنا الله بحباته . وغير ذلك من الكتب المفيدة . (*) وقد صنفت في الرد عليه في انكاره الاجماع كتابا اسميته (احتجاج الخائب بعبارة من ادعى الاجماع فهو كاذب) فلينظر . (35) اعلم ان حديت " لا تسيدوني في الصلاة " كذب موضوع نص على ذلك جماعة منهم الحافظ السخاوى في المقاصد الحسنة وعلي القارى في موضوعاته الكبرى والصغرى ، والعجلوني في كشف الخفاء وابن حجر الهيتمي في المنهاج القويم . وعندنا معاشر الشافعية تسويد النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة الابرهيمية وغيرها سنة ، وقد اعتمد ذلك الرملي والزيادي والحلبي وابن ظهيرة ، وقال ابن حجر في الايعاب : الاولى سلوك الادب اي فيأتي بسيدنا ، افادة العلامة الكردى في الحواشي المدينة (1 / 174 طبعة مكتبة الغزالي) وكذا غيره . (36) قال ذلك في عدة من كتبه كمنهاج السنة (1 / 109) والموافقة (2 / 75) من الطبعة الواقعة في هامش منهاج السنة في مجلدين . (37) باجماع العلماء وقد نقل ذلك خلائق حتى ابن حزم في مراتب الاجماع (167) وهذا الاجماع مدعم بنصوص الكتاب والسنة والتي فصلناها في كتابنا ، (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد) فليراجع . (*)
________________________________________
[ 22 ]
والاخرى انحرافه عن علي عليه السلام (38) ، ولذلك وسمه علماء عصره بالنفاق ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي " لا يحبك الا مؤمن ولا يبعضك الا منافق " وهذه عقوبة من الله لابن تيمية (39) الذى يسميه الالباني شيخ الاسلام (40) ، ولا ادري كيف يعطي هذا اللقب وهو يعتقد عقيدة تناقض الاسلام ؟ ! ! واظن بل اجزم ان الحافظ ابن ناصر لو اطلع على عقيدته وما فيها من طامات ، لما كتب في الدفاع عنه كتاب الرد الوافر (41) ، لانه كتبه وهو مغرور بمن اثنى عليه ،
________________________________________
(38) نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة (1 / 114) ان ابن تيمية خطا امير المؤمنين عليا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف نص الكتاب ، وان العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في سيدنا علي ، ولقوله ايضا فيه : أنه كان مخذولا ، وانه قاتل للرياسة لا للديانة فمن شاء فليراجع الدرر الكامنة . وقال ابن تيمية في منهاج السنة (2 / 203) ما نصه : (وليسس علينا ان نبايع عاجزا عن العدل علينا ولا تاركا له . . .) وانظر لزاما التوفيق الربنني في الرد على ابن تيمية الحراني (ص 85) والفرق بين الفرق (ص 350 - 351) . (39) انظر كتاب الصبح السافر في تحقيق صلاة المسافر للسيد عبد الله بن محمد بن الصديق مؤلف هذا الكتاب (ص 54) . (40) انظر القول المقنع في الرد على الاباني المبتدع للمؤلف ص (9) . والالباني حريص كل الحرص على نلقيب ابن تيمية بشيخ الاسلام مع انه لقب مبتدع لا اصل له عن السلف الا ما جاء باسناد واه عن عبد الله بن ابي رأس المنافقين : أنه رأى ابا بكر رضي الله عنه وجماعة من الصحابة ، فقال لاصحابه انظروا كيف أصرف هؤلاء السفهاء فقتدم إلى ابي بكر فصافحه وسماه شيخ الاسلام نفاقأ ومداهنة ، ثم ان الاسلام دين الله انزله على رسوله (محمد صلى الله عليه وسلم) فكيف يكون احد شيخا له ؟ ! والعجيب في امر هذا الاباني انه يحرص على ابن تيمية بهذا اللقب المبتدع ويعيب على الذين يسودون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة عليه ويعتبر لفظ السيادة (الواردة في القرآن والسنة) بدعة ؟ ! ويعتبر الذين يذكرونها مبتدعة ! مع ان سيادته صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة بالتواتر . ومعلومة بالضرورة لكل مسلم ا . ه‍ فأقول : وكتاب الرد الوافر هذا من فرح بما فييه فقد فرح في غير مفرح حقا ، وماذا يفيد ثناء الناس على رجل ثبت الزيغ في كتبه ؟ ! ومن قال بقدم العالم وقيام الحوادث بذات الله تعالى وغيرها من الطامات المستشنعة لا ينفعه مديح المادحين ولا ثناء المثنين وخصوصأ إذا علم ايضا ان اقوال من نقل ثناءهم لديه ، مسطرة في كتبهم ومؤلفاتهم بذمهم عليه . فليستيقظ المخدعون . (*)
________________________________________
[ 23 ]
وكذلك الالوسي ابن صاحب التفسير ، لو عرف عقيدته على حقيقتها ، ما كتب جلاء العينين . وشواذ الالباني في اجتهاداته الاثمة ، وغشه وخيانته في التصحيح والتضعيف حسب الهوى ، واستطالته على العلماء وافاضل المسلمين . كل ذلك عقوبة من الله له ، وهو لا يشعر ، فهو من الذين (يحسبون انهم يحسنون صنعا الا ساء ما يظنون) . نسأل الله العافية مما ابتلاه به ، ونعوذ بالله من كل سوء . والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الاكرمين . (الحا ق) قال الدرامي في سننه (42) : حدثنا ابو النعمان ثنا سعيد بن زيد ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا ابو الجوزاء اوس بن عبد اللة قال : قحط اهل المدينة قحطا شديدا ، فشكوا إلى عائشة ، فقالت انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فافتحوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا . فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الابل حتى تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق . ضعف الالباني هذا الاثر بسعيد بن زيد ، وهو مردود لان سعيدا من رجال مسلم ووثقه يجيى بن معين (43) .
________________________________________
(42) رواه الدارمي في سننه في المقدمة (1 / 42) وكذا (1 / 43) باب 5 من الطبعة الهندية باسناد صحيح . (43) ذكر الالباني تضعيفه في كتاب (التوسل انواعه واحكامه الطبعة الثانية ص (128) : واحتج بحجج باطلة على عادته في تمويهاته ، حيث نقل كلام ابن حجر في التقربب الذي يوافق هواه ولم ينقل من هنالك انه من رجال مسلم في صحيحه ، فلننتبه إلى هذا التدليس وهذه الخيانة التي تعود عليها هذا الرجل الذي يصف اعدائه بكتمان الحق وما يخالف آرائهم كما في مقدمته الجدبدة لاداب زفافه والتى حلاها بما دل على اختلاطه من هجر وخنا . ثم اردف ذلك بنقل ترجمة " سعيد بن زيد " من الميزان للذهبي زيادة في الكتم والتعمية ، وقد خان فلم يذكر ما ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (4 / 29) من نقل اقوال موثقيه زيادة على انه من رجال مسلم في الصحيح فقد قال البخاري حدثنا مسلم هو ابن ابراهيم ثنا سعيد بن زبد ابو الحسن (*)
________________________________________
[ 24 ]
وضعفه ايضا باختلاط ابي النعمان (44) ، وهو تضعيف غير صحيح لان اختلاط ابي النعمان لم يؤثر في روايته ، قال الدارقطني : تغير بأخرة وما ظهر له بعد اختلاط حديث منكر وهو ثقة . وقول ابن حبان : وقع في حديثه المناكير الكثيرة بعد اختلاطه ، رده الذهبي فقال : لم يقدر ابن حبان ان يسوق له حديثا منكرا والقول
________________________________________
صدوق حافظ . وقال الدوري عن ابن معين ثقة ، وقال ابن سعد : كان ثقة ، وقال العجلي : بصري ثقة وقال ابو زرعة سمعت سليمان بن حرب يقول ثنا سعيد بن زيد وكان ثقة ، وقال ابو جعفر الدارمي ثنا حبان بن هلال ثنا سعيد بن زيد وكان حافظا صدوقا ، وقال ابن عدى : وليس له من منكر لا يأتي به غيره وهو عندي في جملة من ينسب إلى الصدق أ . ه‍ فإذا تأملنا هذه النقول في توثيقه ووصفه بالحفظ والصدق وخصوصا من البخاري ومسلم الذي روى له في صحيحه ، ثم تأملنا قول الالباني في اقتصاره على نقل كلام بعض الجارحين عرفنا حقا انه معدوم الامانة العلمية وانه متغافل ، يرمى الاخرين بالتغافل حيث رمى الامام المحدث عبد الله كما في توسله ص (129) في الحاشية بالتغافل ولم يكن كذلك . وقد اثبت الله تعالى لنا ان هذه وصمة الالباني المخلط والحمد لله . (44) فقد خان في ذلك ، ونقل في توسله ص (128) ان البرهان الحلبي ذكر ابا النعمان في (الاغتباط بمن رمى بالاختلاط ص 23) تعمية على مقلديه ومن يقرأ له ، وينبغي ان نعلم ان المذكورين ممن رموا بالاختلاط في الكتاب المذكور منهم من ضرهم الاختلاط في حديثهم ومنهم من لم يضره الاختلاط في حديثه لانه لم يحدث زمن الاختلاط أو غير ذلك ومنهم ابو النعمان ، وقد وضح ذلك الذهبي كما في الميزان (4 / 8) فنقول للالباني الخساف المتهور المتغافل : لم يغفل الشيخ الغماري عن ذلك الاختلاط لانه محدث حافظ ولكنك غفلت ايها اللماز الهماز فتب إلى الله فقد قرب الرحيل وما اظنك تذكره كما لا اظن انك تقرأ قرانا لتتعظ فيا خيبة من خدع بك ويا خسارة من اتبع هواك (تنبيه) : وأما جواب الالباني عما قاله في توسله ص (128) على النقطة الثانية من ان (الاثر موقوف على عائشة ولو صح لم تكن حجة) أ . ه‍ . فجوابه : انه صحيح بلا شك وريب ، وهو حجة من وجهين : الاول : ان بصحته سقط كلام الابانى وتمويهه في التضعيف وثبت ان التوسل مذهب للسيدة عائشة ام المؤمنين ايضا وغير ذلك مما لا نود الان الاطالة به . ففيه ان الصحابة توسلوا واستغاثوا به صلى الله عليه وسلم بعد موته . والثاني : انه اتفاق من حضر من المسلمين صحابة ممن كانوا صحابة وغيرهم وفى ذلك تثبيت مع اثر عثمان بن حنيف في ارشاد الرجل للتوسل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، واثرابن ابي شيبه الصحيح عن مالك الدار الثقة ما يثبت ان الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم توسلوا به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بلا ريب . واما ما نقله الالباني من التعليل المهلهل عن ابن تيمية فباطل كما رده المصنف مع ان ابن تيمية رجع عن تحريم التوسل فاباحه وبقي محرما للاستغاثة بعد استتابته بمحضر من العلماء كما نقل ذلك تلميذه ابن كثير في البداية والنهاية (14 / 45) فليراجع . (*)
________________________________________
[ 25 ]
فيه ما قال الدارقطني (45) ، وابن تيمية كذب اثر عائشة ، ولا عبرة به ، لجرأته على تكذيب ما يخالف هواه . والحمد لله رب العالمين .
________________________________________
(45) حيث قال كما في الميزان (4 / 81) : تغير باخرة ، وما ظهر له بعد اختلاطه حديت منكر وهو ثقه أه‍ . اقول وهو من رجال البخاري ومسلم والاربعة . فتأمل . والحمد لله رب العالمين . (*)
________________________________________
[ 27 ]
الرد على الالبالني المسمى بيان نكث الناكث المتعدي بتضعيف الحارث تأليف السيد العلامة المحدث عبد العزيز بن محمد بن الصديق عفا الله عنه آمين الطبعة الثالثة 1410 ه‍ - 1990 م
________________________________________
[ 29 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان الا على الظالمين . والصلاة والسلام على اشرف المرسلين ، سيدنا ومولانا محمد ، وعلى آله الطاهرين الاكرمين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد ، فقد قرأت كلاما للالباني في مقدمة لكتاب علق عليه ، يقول فيه في حق كتابي : " الباحث ، عن علل الطعن في الحارث " بعد كلام دعاه إليه حب الشغب والخصام ، وحمله عليه ما عرف به واشتهر عنه من تسليط لسانه الاعجمي على عباد الله تعالى بدون ذنب اكتسبوه ولا اثم اقترفوه ، حتى امتد منه ذلك إلى ائمة السلف واصحاب المذاب المتبوعة شرقا وغربا ، المشهود لهم بالفضل والدين بين الخاص والعام ، والمتفق على جلالتهم في العلم ، وعلو درجتهم في الاجتهاد ، وعظيم مكانتهم في خدمة الاسلام والمسلمين . وتطاول على مقام اكابر الحفاظ ، كالمنذري الحافظ المتقن - رحمه الله تعالى - وغيره بدون ادنى سبب يوجب ذلك التطاول على مقامهم في خدمة الحديث النبوى . وكتبه لا تخلو من التهجم على الائمة من السلف والخلف ، الامر الذي يدل على شئ في نفسه ، والله تعالى اعلم بمراده منه . والا ، فلو كان غرضه بيان الحقيقة ونشر العلم وتعريف الناس بصواب من أخطأ ، لسلك في ذلك مسلك المخلصين من اهل العلم الناصحين ، ولاتبع طريقهم في التعليم والتبليغ ، ونهج ما كانوا عليه من القول الحسن والجدال بالتى هي احسن . لان مرادهم - رضي الله تعالى عنهم - كان هو رد الحق إلى نصابه والتعريف بما يجب الاخذ به ، وكل ذلك لا يحتاج إلى الطعن والقدح والذم وجلب العبارات الشائنة المشينة ، واهل الاخلاص من أهل العلم برءاء من هذه الصفات الذميمة .
________________________________________
[ 30 ]
لانها من صفات النفاق - نسأل الله السلامة منها لنا ولاخواننا - كا ورد في الحديث في بيان آية المنافق : " وإذا خاصم فجر " . وقال الشاعر : إن المنافق معلوم سجيته همز ولمز وإيماء واغماض والمقصود : إن الالباني قال بعد كلام في تلك المقدمة في شأن كتابي : " الباحث ، عن علل الطعن في الحارث " ما نصه : حتى ان أحدهم الف رسالة خاصة في توثيق الحارث الاعور الشيعي . فدل هذا الكلام منه على امرين ، أبان بهما عن جهل عظيم وتصور فاضح . أما الجهل : فما يفهم منه القاصر في العلم من اني تفردت بتوثيق الحارث الاعور الهمداني ، وخرجت بذلك عن سبيل اهل الحديث ، وسلكت غير الجادة بتوثيقه . ومن طالع كتادبي " الباحث " ، يعلم بطلانه وفساده وبعده عن الحقيقة ، وأنه كلام الغرض منه الشغب والرغبة في الجدال ونشر الخصام بين الناس بدون فائدة تعود على احد من اهل العلم من ذلك . لان الحارث الاعور الهمداني الذى وثقته وبينت بطلان جرح من جرحه ، مثله مثل سائر رواة الصحيح الذين اختلف فيهم ائمة الجرح ، ما بين مادح وقادح ومجرح وموثق ، كما يعلم ذلك من تتبع احوال رجال الصحيحين . وكا أشرت إلى بعض الامثلة في ذلك في خاتمة كتاب " الباحث " . بل من يتتبع أحوال الرجال ويطلع على كتب الجرح والتعديل ، يحصل عنده العلم اليقين أنه لا يوجد راو ، مهما علا قدره وسمت منزلته ، لم يتناوله جرح ، ولو بالتدليس مثلا . حتى قال بعضهم : من أخذ بالقواعد المصطلح عليها في راوي الحديث الصحيح لم يمكنه ان يصحح الا الحديث بعد الحديث ، لعدم سلامة راو مطلقا من جرح وتضعيف ، ولو بأقل وجوه الجرح كا قلنا واضعفها .
________________________________________
[ 31 ]
وإذا كان هذا حال سائر الرواة الا النادر منهم جدأ ، فلا ينبغي ان يحمل باللوم على من اختار توثيق الحارث . لا سيما إذا كان ذلك الاختيار مبنيا على القواعد المقرر عند ائمة الحديث ، ومدعما بالادلة السالمة من الوهن والضعف ، كما بينت ذلك في " الباحث " ذلك الكناب الذي اعجب له كل من قرأه من اهل العلم السالمين من داء الشغب والشغف بنشر الحلاف بين المسلمين ، في الوقت الذي هم فيه احوج ما يكونون إلى الوفاق والالتئام والوئام ، وجمع الكلمة على خدمة الاسلام ، وتوحيد القلوب على صد الهجمات والغارات الموجهة من اعداء الاسلام ضد المسلمين في شرق الارض وغربها ، وطرح الترهات والخزعبلات التي يراها الجاهلون ومن في قلوبهم مرض انها من صميم الدين ، وليست من الدين لا في قبل ولا في د بير . وانما أثارها المثيرون وأخرجها المضلون من زوايا الاهمال ومخابئ النسيان ، تلبية لنداء الشر واجابة لدعوة الشيطان في التفرقة ورفع لواء التنافر والتناحر وايغار الصدور بين اهل لا اله الا الله ، ليسهل اجتياحهم على عدوهم ، والقضاء عليهم في عقر دارهم ، رغم ما هم فيه من بلاء . والالباني نفسه يعلم هذا ويلمسه ، بل ويسمعه ويشاهده . ووطنه الذي ينتمي إليه ، وعرف بالانتساب إليه ، يحكمه الشيوعيون بل المتطرفون منم ، وانا لله وانا إليه راجعون ، واخوانه يذوقون الويل والعذاب من تسلطهم ، فكان ينبغي للالباني قبل الهجوم على العلماء وأئمة السلف والسعي بين المسلمين بالفرقة بقصد أو بدون قصد ، ان يكرس جهوده ويوجه لسانه على الاقل لدعوة الالبانيين اخوانه للجهاد وقتال الشيوعيين الملاحدة . مع اني لم اسمع عنه شيئا يتعلق بهذا الامر مطلقا . بل كان الواجب عليه ان يكون اول الحاملين للسلاح لتحرير بلاده من حكم الملاحدة ، وعند ذلك يعطي الدليل والف دليل على غيرته على الاسلام ، ونصيحته لدينه ، والدفاع عن اهل ملته . أما حمل القلم وتجريد اللسان للطعن في ائمة المسلمين وحماة الشريعة من رجال السلف والخلف والدعوة إلى الخلاف والشقاق في امور تافهة للغاية ، فذلك لا
________________________________________
[ 32 ]
يجمل صدوره من مسلم عامي ، فضلا عمن يدعي خدمة الاسلام ونشر السنة المحمدية ، وينصب نفسه لارساء القواعد (للدولة الاسلامية) إلى درجة ان يدخل من اجل ذلك في مداخل لا قبل له بها ، ولا تقرها السنة النبوية التي نصب نفسه للدعوة إليها . لان صاحبها - عليه الصلاة والسلام - أمرنا ان لا ننازع الامر أهله . اقول : لا يجمل بمسلم عامي في هذا الوقت الذي اصاب البلاد الاسلامية سرطان الارتداد ، ونبذ الدين ، والخروج منه جملة ، بما دخل إليها بواسطة عملاء الشيوعية الملحدة ، والصليبية والصهيونية ، وغيرهم من عملاء المذاهب الضالة الهدامة ، كالوجودية والبهائية والقاديانية والماسونية . حتى صار تسعون بالمئة من الشباب ملحدا مارقا منحلا ، لا يقر بدين ولا يقول بعقيدة . لا يجمل بمسلم ابدا في هذا الوتت العصيب الذي خرج فيه الناس من دين الله أفواجا ، ان يسعى السعي الحثيث ، ويعمل جهده ، ويصرف طاقته الفكرية والمادية ، في نشر الخلاف وبث الشقاق بين البقية الباقية من المسلمين اهل لا اله الا الله ، الذين لا يستطيع الالباني مهما حاول من مغالطات وارتكب من شذوذ ان يخرجهم عن دائرة جماعة اهل السنة عند السلف والخلف . والذين لا يجوز لاجل ذلك تكفيرهم ، أو منع الصلاة خلفهم ، وعليهم ، أو معاملتهم بغير ما يعامل به المسلم الذي حرم الله تعالى دمه وماله وعرضه . لانهم من أهل لا اله الا الله التي يثقل بها ميزانهم يوم يقوم الناس للحساب ، مهما ارتكبوا من موبقات ، ومهما خرجوا عن الطريق وفعلوا وفعلوا . كما يشهد بذلك حديث (البطاقة) وهو معروف مشهور متداول بين أهل الحديث خصه كثير منهم بالتأليف والتصنيف ، لانه حديث قاصم لظهر كل من يريد ان يحجر على اهل لا اله الا الله رحمة الله تعالى وفضله ومغفرته التي وعد بها قائلها ، فيدخل الجنة منهم من أتبعه ورأى رأيه ، ويدخل النار من خالفه ، ولو كانت المخالفة في الامور التافهة التى لا تغني العامل بها ولا تسمنه من جوع .
________________________________________
[ 33 ]
أقول : لا يجمل بالمسلم الناصح ، ان يسعى بين جماعة المسلمين - في هذا الوقت - بالتفرقة وبث الشقاق والخلاف في امور تافهة للغاية . إثمها اكبر من نفعها ان كان فيها نفع ، والا فإثمها محقق ، وضررها قد ظهر للعيان ، وأصاب ما تبقى من هذه الطائفة المسلمة ، طائفة أهل السنة والجماعة في صميم مجتمعها ، بما نجم عنه من الخلاف والتنافر والتناحر وتقريق الشمل واللمز بالتبديع ، بل والتكفير ، بما لا يعد كفرا ولا بدعة ، حتى وصل ضرر ذلك إلى المصلين في مساجدهم ، وأهل العلم في حلقة علمهم ودرسهم (1) . وكل ذلك - والعياذ بالله تعالى - بسبب هذه الاباطيل والخلافات الواهية ، التى كرس لها المنتونون جهدهم بنشرها بين العامة وضعفاء العتول من طلبة العلم . فعم البلاء بها ، واتسع خرقها على الرقع وتنكرت بسببها القلوب بعد ان كانت مؤتلفة ، وبلغ الحال إلى تعدد الجماعات في الوقت الواحد في المسجد الواحد . والى إعراض الاب عن ابنه ، والابن عن أييه ، ومخاصمة الاخ لاخيه ، ورمي المسلم أخاه بالبدعة والضلال ، والخروج عن الاسلام ، وترك التحية بينهما بالسلام ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . ولنرجع إلى بيان جهل الالباني ، فيما اعترض به على من وثق الحارث . فنقول : إن الحارث ثقة عدل رضي ، وثقة جماعة السلف والخلف ، واعتمدوا على روايته ، واحتجوا بحديثه ، لانه امام من أئمة العلم والحديث في الكوفة . وروى عنه الاكابر من رجال العلم ، وقدمه اهل الكوفة على غيره ، في العلم ، وفي الصلاة بهم ، في الوقت الذي كانت فيه عامرة بسادات التابعين وأئمة العلم والرواية . حتى كانوا يقدمونه على المشاهير من ائمة التابعين ، كعبيدة السلماني ، وعلقمة ، ومسروق ، وشريح .
________________________________________
(1) حتى ان اتباع الالباني ومقلديه في امريكا كانوا وما يزالون سببا لاغلاق مساجد عديدة من قبل البوليس الامريكي لاجل ما فعلوه وسببوه من فتن وخلافات وشجار في تلك المساجد أه حسن . (*)
________________________________________
[ 34 ]
ولو لم يكن دليل على توثيق الحارث ، وجعله في الطبقة الاولى من اهل العدالة ، وتقديمه على اغلب رجال الصحيح الا هذا ، لكان كافيا لاهل العلم في ذلك ، ومغنيا عن غيره من الادلة . لان من المقرر عند أهل الحديث ، أن من الامور التي يعرف بها عدالة الراوي وكونه ثقة ، شهرته بذلك بين اهل بلده ووطنه ، وربما كان عندهم هذا اعلى وارقى في التعديل والتوثيق من ثناء رجل واحد من ائمة الجرح عليه . وهو وجيه من جهة النظر - كا لا يخفى - لما تفيده الشهرة من العلم بذلك مالا يفيده تعديل الرجل الواحد . وقليل من الرواة الثقات من تكون لهم هذه المكانة في الشهرة بالعلم والرواية التى تغني عن الثناء عليه والنص على ذلك من إمام من أئمة الجرح . فلو قال قائل : إن الحارث الهمداني من الطبقة الاولى والدرجة المثلى في العدالة والضبط ، وان حديثه من الصحة والثبوت بما تقتضيه منزلته في ذلك ، لكان صادقا في قوله ، مؤيدا بالدليل الذي لا يمكن نقضه ، يضاف إلى هذا توثيق الائمة من اهل عصره له ، واخذهم عنه ، وشهادتهم له بالتفوق في العلم على غيره . وأول من اعتمد عليه في الرواية عنه والاخذ منه سيدا شباب أهل الجنة - الحسن والحسين - عليهما السلام . فقد روى ابن سعد في الطبقات 6 / 168 عن الشعبي ، قال : لقد رأيت الحسن والحسين يسألان الحارث الاعور عن حديث علي . ورواه ايضا ابن ابي حاتم ، في ا لجرح 1 / 2 / 79 . فهذا الشعبى نفسه يخبر انه رأى الحسن والحسين عليهما السلام يسألان الحارث عن حديث علي عليه السلام . وفي هذا اعظم دليل واكبر حجة واقوى برهان على أنه ثقة عندهما ، عنده من حديث علي والدهما - عليه السلام - ما لا يوجد عند غيره . قد يقول قائل : إن الرواية عن شيخ لا تدل على كون الراوي عنه يوثقه .
________________________________________
[ 35 ]
إلا أنا نقول : مثل الحسن والحسين في العلم والجلالة في الدين ، لا يأخذ الحديث عمن عرف بالكذب وعدم الصدق في الرواية . لانهما يعلمان قبح ذلك ، وأنه لا فائدة في الاخذ عن الكذاب ، بل فيه الاثم . لان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو احد الكذابين . ومن روى عن الكذاب ونشر حديثه بين الناس فهو داخل في هذا الوعيد . وحاشا الحسن والحسين - عليهما السلام - أن يجهلا هذا الوعيد أو يستخفا بهذه الكبيرة حتى يستجيزا الرواية عن الكذاب . فرواية الحسن والحسين عن الحارث ترد طعن الشعبي فيه بالكذب ، وتظهر انه اراد به - إن سلم ذلك له - الكذب في الرأي ، كا قال أحمد بن صالح المصري . ولهذا قال الحافظ الكبير ابو حفص ابن شاهين في : (الجزء الذي ذكر فيه من اختلف فيه العلماء ونقاد الحديث ، فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه ، ومن قيل فيه قولان) وهو مطبوع في آخر تاريخ جرجان : 559 قال بعد ان ذكر قول الشعبي الحارث الاعور أحد الكذابين ما نصه : قال ابو حفص : وفي هذا الكلام من الشعبي في الحارث نظر ، لانه قد روى هو أنه رأى الحسن والحسين يسألان الحارث عن حديث علي . وهذا يدل على ان الحارث صحيح في الرواية عن على ، ولولا ذلك لما كان الحسن والحسين ، مع علمهما وفضلهما ، يسألان الحارث ، لانه كان وقت الحارث من هو ارفع من الحارث من اصحاب علي ، فدل سؤالهما للحارث على صحة روايته . ومع ذلك ، فقد قال يحيى بن معين : ما زال المحدثون يقبلون حديثه . وهذا من قول يحيى بن معين الامام في هذا الشأن زيادة لقبول حديث الحارث وثقته . وقد وثقه احمد بن صالح المصري امام أهل مصر في الحديث ، فقيل لاحمد بن
________________________________________
[ 36 ]
صالح ، قول الشعبى : حدثنا الحارث وكان كذابا ، قال احمد بن صالح : لم يكن بكذاب ، وانما كان كذبه في رأيه . ا ه‍ كلام ابن شاهين ، في الجزء المذكور . فمن الذي يعترض بعد هذا على من يقول بتوثيق الحارث ؟ ! ومما لا شك فيه ان الحارث كان عنده من حديث على - عليه السلام - مالا يوجد عند غيره ، كما يدل على ذلك ما رواه ابن سعد 6 / 168 عن علباء بن أحمر : ان علي بن ابي طالب - عليه السلام - خطب الناس فقال : من يشتري علما بدرهم . فاشترى الحارث الاعور صحفا بدرهم . ثم جاء بها عليا ، فكتب له علما كثيرا ، ثم إن عليا خطب الناس بعد فقال : يا أهل الكوفة ، غلبكم نصف رجل . وهذه ايضا شهادة من علي - عليه السلام - بفضل الحارث ، وأنه من اهل العلم الذين يؤخذ عنهم ، وأنه غلب أهل الكوفه في العلم ، ولو كان متهما في ذلك لبين علي أمره وحذرهم منه . ولم يوثق احد على لسان علي بن ابي طالب - عليه السلام - فوق المنبر على رؤوس الناس كما وثق الحارث ، وهذا هو السبب في كون أهل الكوفة كانوا يقدمون الحارث الاعور في صلاتهم ، لانه كان اعلمهم بالسنة . ومن كان كذلك فهو اولى بالامامة ، وكانوا يقدمونه في صلاتهم على الجنائز لانه افضلهم ، وأهل الفضل اولى بالصلاة على الجنازة . فقد روى ابن سعد في الطبقات 6 / 168 قال : أخبرنا الفضل ابن دكين ، حدثنا زهير بن معاوية ، عن ابي إسحاق : أنه كان يصلى خلف الحارث الاعور ، وكان امام قومه ، وكان يصلى على جنائزهم ، فكان يسلم - إذا صلى على الجنازة - عن يمينه مرة واحدة . وهذا ايضا هو السبب في كون اهل الكوفة كانوا يقدمون الحارث الاعور على ائمة العلم من اهل الكوفة ، كعبيدة السلماني ، وعلقمة ، ومسروق ، وشريح . قال ابن سيرين : أدركت الكوفة وهم يقدمون خمسة : من بدأ بالحارث ثنى بعبيدة ، ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث ، ثم علقمة الثالث لا شك فيه ، ثم مسروق ، ثم شريح .
________________________________________
[ 37 ]
قال ابن سيرين : إن قوما آخرهم شريح لقوم لهم شأن . ا ه‍ . انظر " المعرفة والتاريخ " ليعقوب بن سفيان 2 / 557 و " تهذيب الكمال " 1 / 215 و " تهذيب التهذيب " 2 / 146 و " الميزان " 1 / 203 . وفي بعض الروايات ، قال ابن سيرين : وان قوما آخرهم شريح لقوم خيار . وفي اللفظ الذي ذكره الذهبي في " الميزان " قال ابن سيرين : وفاتني الحارث فلم أره ، وكان يفضل عليهم ، وكان أحسنهم . ا ه‍ . وهذا ايضا توثيق من ابن سيرين - التابعي الجليل - للحارث ، وشهادته له بالفضل على عبيدة ومسروق وعلقمة وشريح . فيضم . إلى من وثقه من أئمة التابعين المعاصرين له . وانظر كيف اخبر ابن سيرين بأن اهل الكوفة كانوا في شأن تقديم الحارث على عبيدة السلماني مختلفين ، منهم من يقدمه على عبيدة ، ومنهم من يقدم عبيدة عليه . أما ابن سيرين نفسه ، فجزم بأن الحارث أفضل الخمسة وأحسنهم كما ذكر الذهبي ذلك ، في ترجمة الحارث من " الميزان " 1 / 203 . وعلى حسب رواية الذهبي ، فإن خلاف أهل الكوفة إنما كان في الثلاثة ، أيهم أفضل ، علقمة ومسروق وعبيدة ، وأما الحارث ، فكان مقدما عندهم على الجميع . مما يدل على علو مكانة الحارث في نفوسهم ، وأنه مقدم على اكابر التابعين الكوفيين . وبالوقوف على ما كان لعبيدة وعلقمة ومسروق وشريح من المنزلة الرفيعة عند اهل الحديث والفقه من السلف ، لا سيما المعاصرون لهم ، يظهر لك منزلة الحارث في العدالة والثقة والتفوق في العلم . وأنه ممن يجب ان يكون في مقدمة رجال الصحيح ، بل يجب ان يكون سنده عن علي - عليه السلام - اصح الاسانيد من غير شك ، لانهم قالوا فيما ذكروه في اصح الاسانيد : محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، عن علي . فإذا ثبت عندنا ان الحارث كان مقدما عند اهل الكوفة على عبيدة ، وانه افضل منه واعلم ، كما قال ابن سيرين ، كان بلا شك على ما يقتضيه النظر أن حديثه عن
________________________________________
[ 38 ]
علي - عليه السلام - اصح من حديث عبيدة السلماني ، عنه . وكذلك قالوا فيما قالوه في اصح الاسانيد : ابراهيم النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود . فيقتضي هذا ايضا ان يكون حديث الحارث عن ابن مسعود اصح من حديث علقمة عنه ، لاتفاق اهل الكوفة على تقديم الحارث على علقمة . كما حكى ابن سيرين ذلك من غير خلاف بينهم . بل ابن سيرين نفسه شهد بأن الحارث افضلهم واحسنهم . وأما تكذيب الشعبى له ، فقد رده عليه ائمة الجرح وحكموا ببطلانه . بل جعلوا طعن ابراهيم النخعي في الشعبي بكذبه في السماع من مسروق عقوبة من الله تعالى له ، حيث تعدى على الحارث في لمزه بالكذب . وقد ذكرت القصة في " الباحث " وحتى لو لم يرد أحد طعن الشعبى في الحارث فهو باطل ، لانه غير مفسر ولا مبين السبب ، وهو مردود اتفاتا . لا سيما إذا كان معارضا بالتوثيق ممن هو ارجح منه ، وهو العدد الجم من الائمة الذين وثقوه ورووا عنه واثنوا عليه بالفقه والعلم وسعة الرواية . حتى فضلوه - لاجل ذلك - على علقمة ومسروق وشريح ، بل وعبيدة السلماني كما ذكرنا . ولم يخرج تكذيب الشعبي له عن ان يكون من كلام الاقران في بعضهم بعضا ، وذلك معروف مشهور بين اهل العلم ، وعقد له ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " بابا خاصا استوفى الكلام فيه على ذلك . انظر 2 / 150 منه . ولذلك لم يلتفت اهل الجرح إلى من تكلم فيه بسبب المعامرة كما يعلم ذلك من كتب الرجال ، ولو عملوا بمقتضاه لما بقي في يدهم راو واحد يحتج به . بل قال الذهبي رحمه الله تعالى - في مقدمة رسالته " في الرواة الثقات المتكلم فيهم . بما لا يوجب ردهم " بعد كلام ما نصه :
________________________________________
[ 39 ]
وما زال يمر بالرجل الثبت ، وفيه مقال من لا يعبأ به ، ولو فتحنا هذا الباب على نفوسنا لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والائمة ، فبعض الصحابة كفر بعضهم بتأويل ما . ثم قال بعد كلام : وهكذا كثير من كلام الاقران بعضهم في بعض ، ينبغى ان يطوى ولا يروي ، ويطرح ولا يجعل طعنا . ا ه‍ كلام الذهبي رحمه الله . قلت : ولو عملنا بكلام الاقران في بعضهم البعض ، لطرحنا - لاجل ذلك - حديث الشعبي نفسه ، فقد كذبه إبراهيم النخعي في دعواه السماع من مسروق ، لا سيما وقد فسر جرحه له ، وبين سببه . ومع ذلك لم يلتفت أحد إلى كلام إبراهيم النخعي في الشعبى ، لانه صدر عن أمر خارج عن حقيقته ، فلا يعتبر به . وتكذيب الشعبي للحارث من هذا الباب ، فلذلك روى عنه الشعبى ايضا واخذ عنه العلم لما زال ما في نفسه عنه ، وذهب وحر صدره . والشعبى - رحمه الله تعالى - كان سريع التكذيب والطعن في كل من حدث بما لم يسمعه من الحديث ولم يبلغه . ومعلوم ان الحارث كان اعلم بحديث على - عليه السلام - من الشعبى ، فلما سمع منه ما لم يبلغه من حديث علي عليه السلام - سارع إلى تكذيبه ، وهكذا حاله حتى مع الصحابة ، فكيف بالحارث ! ؟ فقد نقل الحافظ الذهبي في ترجمة الشعبى من " تذكرة الحفاظ " 1 / 83 عن الحاكم ، عن ربيعه بن يزيد ، قال : قعدت إلى الشعبى بدمشق في خلافة عبد الملك ، فحدث رجل من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : " اعبدوا ربكم ولا تشركوا به شيئا ، وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، واطيعوا الامراء ، فان كان خيرا فلكم . وان كان شرا فعليهم وأنتم منه براء " فقال له الشعبي : كذبت . فهذه القصة فيها دليل بين على ان الشعبى كان سريع التكذيب لمن حدث بما لم يبلغه ، فمن جعل طعن الشعبى في الحارث بالكذب حجة فليجعله في تكذيب هذا الصحابي كذلك ، مع اني اكاد أجزم بأن تكذيب الشعبي للحارث انما هو من جهة رأيه لا غير .
________________________________________
[ 40 ]
والا لما أخذ عنه وتعلم منه ، وهو معدود من الرواة عن الحارث . لا سيما والكذب لم يكن له سوق بين التابعين ، ولا له رواج على لسانهم ، وإذا وقع منهم فعلى سبيل الغلط والوهم والخطأ . وهذا شأن عامتهم ، فكيف بعلمائهم وساداتهم كالحارث ! ؟ وما صار التابعون يأخذون الحذر من الرواة ويحتاطون في الاخذ حتى وقعت الفتنة ، فلما وقعت ، نظروا من كان من اهل السنة اخذوا حديثه ، ومن كان من اهل البدع تركوا حديثه - كما قال ابن سيرين - رحمه الله تعالى . وهذا الاحتياط لم يكن منهم لاجل انتشار الكذب بينهم ، وانما كان لاجل المذهب والخروج عن جماعة اهل السنة . ثم بعد ان قررت هذا ، وسنح في الفهم عند كتابة هذه السطور ، وجدت الذهبي - رحمه الله تعالى - يقول في رسالته : " في الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم " : 4 بعد كلام ما نصه : واما التابعون ، فيكاد يعدم فيهم من يكذب عمدا ، ولكن لهم غلط وأوهام ، فمن ندر غلطه في جنب ما قد حمل احتمل ، ومن تعدد غلطه وكان من اوعية العلم اغتفر له ايضا ، ونقل حديثه ، وعمل به على تردد بين الائمة الاثبات في الاحتجاج عمن هذا نعته ، كالحارث الاعور ، وعاصم بن ضمرة ، وصالح مولى التوأمة ، وعطاء بن السائب ، ونحوهم ، ومن فحش خطؤه وكثر تفرده لم يحتج بحديثه ، ولا يكاد يقع ذلك في التابعين الاولين ، ويوجد ذلك في صغار التابعين فمن بعدهم . أه‍ . كلامه . فأفاد هذا التقرير ، من الحافظ الناقد المتقن الذهبي - رحمه الله تعالى - فيما يتعلق بالحارث امورا : أولها : ان الحارث لم لكن كذابا كما زعم الشعبى ، لان الكذب لم يكن يصدر من التابعين عمدا . ثانيها : ان حديثه يعمل به في الاحكام وينقل بين الناس ، ولهذا احتج اصحاب كتب السنة بحديثه للمعنى الذي ذكره الذهبي ، والتردد في ذلك لا يضر ، فقد
________________________________________
[ 41 ]
ذكرت ان ذلك التردد لا أساس له ولا دليل عليه ، وأن الحارث ثقة يعمل بحديثه قولا واحدا على حسب القواعد المقررة . ثالثها : إن الحارث لم يقع منه تفرد في حديثه ، وإنه لم يكن ممن فحش خطؤه وكثر همه ، لانه كان من التابعين الاولين ، وإنما ذلك يوجد في صغار التابعين فمن بعدهم . فأين يذهب الالباني من هذا الكلام الذي قرره الذهبي الحافظ الناقد ، الذي ما اتى بعد يحيى بن معين خبير بأحوال الرجال مثله ، في شأن الحارث وحكمه فيه بأنه ممن يعمل بحديثه وينقل عنه ! ؟ ومعلوم ان الذهبي لم يكن له بالتشيع صلة ، ولا له بالشيعة رابطة ، حتى يتهم هو الاخر بأنه قال ما قال لاجل تشيعه . فظهر من هذا ان الالباني ليس له معرفة بالرجال ، ولا له غوص في نقل عبارات اهل الجرح . وانما شأنه فاصر على جمع طرق الحديث ، وذكر الصفحات بأرقامها التي يوجد فيها الحديث لا غير ، وكون السند فيه ثقة أو ضعيفا ، أما نقد الرجال والكلام على علل الحديث الخفية التي هي اهم علوم الحديث ، فهذا لا يعلمه ولا يدريه ، ولا شأن له به في كلامه على الاسانيد ، كما يظهر من كتبه وتعاليقه . فتجده يصحح ما هو موضوع ، ويضعف ما هو صحيح ، ويحكم بوقف ما هو مرفوع . ولكنه اغتر بفراغ الجو وخلو البلاد ممن يشتغل بالحديث على الوجه الصحيح ، (1) ولم يجد بين أهل العلم من يتفرغ لبيان اوهامه وسقطاته واغلاطه التى ارجوا ان يهئ
________________________________________
(1) قلت : وخصوصأ بلاد الشام فليس فيخت محدث البتة والشيخ بدر الدين الذي شهروا بأنه محدث لم يكن كذلك ويشهد لذلك عدم تخرج تلامذة به يعرفون الحديث مع علم وجود كتب حديث من تصنيفه تدل علي انه محدث وكل من عرفته أو سمعت عنه يشهد له بأنه محدث هو حقيقة لا يعرف الحديث ، وانما يتناقل الناس ذلك دون تمحيص وادراك وقد نقل الحافظ الشريف احمد الغماري في بعض كتبه بانه حضر عليه فوجده لا يعرف الحديث . وليى هذا طعنا بالشيخ البتة وانما هو اخبار بالواقع أه‍ حسن . (*)
________________________________________
[ 42 ]
الله تعالى الفرصة لبيانها ، حتى يعلم الطلبة انه محدث الاوراق والصحف . واعظم دليل على هذا ما وقع له في شأن الحارث ، مع وقوفه على قول الذهبي في ترجمة الحارث في " الميزان " ان الجمهور على توهينه ، فأخذ ذلك منه مسلما ، ورأى ان ذلك هو الحق ، لانه ليس له أهلية لمعرفة صواب كلام اهل الجرح من خطئه ، وحقه من باطله ، والا لو كانت له اهلية وكفاءة ، وكان محدثا على طريق النقاد ، لتتبع كلام اهل الجرح وسبر اقوالهم ، ليعلم هل قول الذهبي في الحارث ان الجمهور على توهينه صواب ام خطأ ؟ حق ام باطل ؟ لان الذهبي ، وإن كان حافظا ناقدا ، لكنه له اوهام واغلاط في كلامه على بعض الرجال ، من لم يتنبه لها يقع في حبالتها . كما يقع له ايضا اوهام في تصحيح الاحاديث وتضعيفها ، وتساهل في الكلام على اسانيدها ، كما يعلم ذلك من قرأ تلخيص المستدرك له ، ومن ذلك قوله في الحارث إن الجمهور على توهينه ، فإنه وهم محض ، وتسرع في القول لا غير . ولو تتبع الالباني ، كلام اهل الجرح في الحارث - كما حصل لنا - ونظر في مخرج جرح المجرحين له ، لعلم وتحقق أن الجمهور الذى قال الذهبي أنه اتفق على توهين الحارث لا يوجد الا في (الميزان) للذهبي - رحمه الله تعالى - وأنه لا حقيقة له في الحارج مطلقا ، كما يقولون في العنقاء . لان الجمهور الذي يخرج منه الحسن والحسين ، ومعهما والدهما - عليهم السلام - وأهل الكوفة جميعا ، وابن سيرين ، وسعيد بن جبير ، وابن معين ، واحمد بن صالح المصري ، وحبيب بن ابي ثابت ، والنسائي ، وابو بكر بن ابى داود ، وابو حفص ابن شاهين ، وابن عبد البر ، وغيرهم كثير ممن وثقه واثنى عليه . بل قال ابن معين : ما زال المحدثون يقبلون حديثه . الجمهور الذي يخرج منه هذا العدد الجم من ائمة السلف والخلف ، لجدير ان ينبذ نبذ النواة ، ويطرح في زوايا الترك والاهمال ، ويسدل عليه ستار النسيان . ويكفى في رد دعوى الذهبي - رحمه الله تعالى - هذه في كون الجمهور على هين الحارث :
________________________________________
[ 43 ]
انه كان معدودا من سرج الكوفة - كا قال سعيد بن جبير - رضي الله تعالى عنه لهذا ذكره ابو اسحاق الشيرازي - رحمه الله تعالى - في فقهاء التابعين بالكوفة ، وقد ذكر منهم علقمة بن قيس ، والاسود بن يزيد بن قيس ، والنخعي ، ومسروق ، وشريح بن الحارث القاضى ، والحارث الاعور . وقال - بعد ان ترجم لهؤلاء الستة ما نصه - : وهؤلاء الستة الذين ذكرناهم اصحاب عبد الله بن مسعود ، وقال سعيد بن جبير : كان اصحاب عبد الله سرج هذه القرية . وقال فيهم الشاعر : وابن مسعود الذى سرج القرية اصحابه ذوو الاحلام وله جماعة من غير هؤلاء من الاصحاب . قال الشعبي : ما كان من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افقه صاحبا من عبد الله بن مسعود ، انظر " طبقات الفتهاء " لابي اسحاق الشيرازي : 80 . وقد اقتصر أبو إسحق الشيرازي في هذه الطبقات على ذكر فقهاء الامصار الذين لا يسع الفقيه جهلهم لحاجته إليهم في معرفة من يعتبر قوله في انعقاد الاجماع ويعتد به في الخلاف ، وذكر ما دل على علمهم من ثناء الفضلاء عليهم . انظر " الطبقات " : 31 . فالذي يتمسك بقول الذهبي في توهين الحارث بعد هذا هو الواهي حقيقة . وأرى ان الذهبي نفسه - رحمه الله تعالى - ناقض نفسه في دعواه توهين الجمهور للحارث ، حيث قال في كلامه السابق ، الذي ذكره في رسالة " الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم " : ان الحارث وشبهه يعمل بحديثه . وينقل على تردد بين الائمة الاثبات في الاحتجاج عمن هذا نعته . فجعله ممن تردد الائمة في الاحتجاج به ، وهذا يرد دعوى توهين الجمهور له . وكذلك ناقض الذهبي نفسه حيث قال : مع روايتهم لحديثه في الابواب ، وهذا الشعبى يكذبه ثم يروى عنه ، والظاهر انه يكذب في لهجته وحكاياته واما في
________________________________________
[ 44 ]
الحديث النبوي فلا ، وكان من اوعية العلم . . . الخ كلامه المذكور ، في " الميزان " 1 / 202 . فرواية أهل الحديث لحديثه في الابواب دليل على انه لم يوهنوه ، كما ذكرت ذلك‍ في " الباحث " . وأما قوله : والظاهر انه كان يكذب في لهجته ، فباطل ايضا ، بل من أبطل ا لباطل . لان المقرر عند اهل الحديث ان الراوي إذا كان يكذب في لهجته وكلامه ولا يكذب في حديثه ، فروايته ايضا غير مقبولة . لان العدالة لا تتجزأ ولا تتبعض ، فلا يكون الراوي ثقة عدلا في جهة ، وكذابا فاسقا في جهة اخرى . وهذا مما تشترك فيه الرواية مع الشهادة . بخلاف الضبط ، فقد يكون الراوي ضابطا في شيخ ، ضعيفا في اخر ، كما هو معلوم لصغار الطلبة . اما العدالة فلا تتبعض ولا تتجزأ مطلقا ، لا سيما وقد قالوا في تعريف الثقة : هو الذى يجتنب الكبائر ولا يتظاهر بخوارم المروءة . وهل هناك كبيرة اعظم وأقبح من الكذب ، والاخبار بغير الواقع ! ؟ وان كان بعغى رجال الحديث قبل رواية الرجل الذي يكذب في لهجته وكلامه ، ولا يكذب في حديثه . وذلك مذكور في المصطلح ، ويظهر ان الذهبي - رحمه الله تعالى - مشى على هذا القول في توجيه طعن الشعبى بالكذب في الحارث . وهو مردود عقلا ونقلا ، ولا يتمشى مع القواعد المقررة ، فكن منه على بال . والمقصود بعد هذا ، أن الحارث ثقة عدل رضي ، وثقة الائمة من رجال السلف والخلف . بل لو قلت : الاتفاق قد حصل ووقع على توثيقه ، الا ما شذ من الاقوال المخالفة للجمهور لكنت صادقا في ذلك ، ومن خالف الجمهور في ذلك فخلافه مردود بما تقتضيه القواعد المقررة التى لا يمكن نقضها وردها ، كما بينت ذلك ، في " الباحث " . ولاجل ذلك احتج به اصحاب السنن ، وذكروا حديثه في الابواب ، فإنه لا نى لذلك الا كونه حجة صالحا للعمل .
________________________________________
[ 45 ]
بل قال الذهبي في " الميزان ، 1 / 23 : والنسائي مع تعنته في الرجال ، قد احتج به وهذه شهادة من النسائي بأن الطعن الذي وقع في الحارث ، مردود غير مقبول ، ولا يلتفت إليه ، لانه ما دام متعنتا في الرجال - والمتعنت المتشدد - يرد حيث الراوي بما لا يكون جرحا ، فكيف إذا جرح بالكذب ! ؟ . فاحتجاجه بالحارث ، مع هذا ، دليل واضح على أنه ثقة ؟ وان الطعن الذي قيل فيه ، لا أساس له يستند عليه ، وأن حديثه صحيح كسائر أحاديث الثقات . ولهذا صرح بصحته الامام حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر - رحمه الله تعالى - حيث قال في " التمهيد " 4 / 287 في الكلام على الصلاة الوسطى بعد كلام ما نصه : والصحيح عن على من وجوه شتى صحاح أنه قال في الصلاة الوسطى : صلاة العصر . وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، رواه عنه جماعة من اصحابه ، منهم عبيدة السلماني ، وشتير بن شكل ، ويحيى الجزار ، والحارث . والاحاديث في ذلك صحاح ثابتة ، أسانيدها حسان . أ ه‍ . والالباني لشذوذه وجهله بالجرح والتعديل ، وأخذه الاقوال في ذلك من غير نقد لها ولا بحث ولا تحقيق ولا تمحيصي ، خالف عمل هؤلاء الائمة من السلف والخلف في توثيق الحارث وتصحيح حديثه ، وصار يحكم على حديث الحارث بالوضع اغترارا منه بكلام الذهبي في دعواه ان الجمهور على توهينه . كما وقع منه في كلامه ، على حديث : الانبياء قادة ، والفقهاء سادة ، ومجالسهم زيادة . فقد ذكره في " الضعيفة " 1 / 54 وقال : موضوع ، أخرجه الدارقظى ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ، من طريق ابي اسحاق ، عن الحارث ، عن علي بن أبي طالب مرفوعا . ثم قال الالباني : وهذا سند ضعيف جدا . الحارث : هو ابن عبد الله الهمداني الاعور ز قد ضعفه الجمهور . + وقال ابن المدينى : كذاب . وقال شعبة : لم يسمع ابو إسحاق منه الا اربعة احاديث . . . الخ كلامه .
________________________________________
[ 46 ]
وقد أظهر في هذا الكلام من الجهل ما يضحك منه صغار الطلبة ، لانه فضح به نفسه ، واظهر للناس صدق قولنا فيه : إنه محدث الاوراق والصحف ، ولا يغوص لاستخراج علل أسانيد الاحاديث الخفية ، ولا يغوض لاستخراج علل اسانيد الاحاديث الخفية ، ولا يتتبع الطرق ويعتبر بها ، كا هو مقرر عند اهل هذا العلم ، وانما غايته كغيره ممن يتعاطى الاشتغال بالحديث ان يرجع إلى رجل من رجال السند ، فيكتفي بما قيل فيه في الطعن في الحديث ، وان كان ذلك الراوي المسكين لا ناقة له ولا جمل في علة الحديث ، وهذا صنيع المبتدئين البسطاء في هذا الفن . ولبيان تهوره هذا اقول : ان الحارث برئ من هذا الحديث براءة الذئب من دم يوسف . ولا علاقة له به مطلقا . والالباني اوقعه في هذا الخطأ القبيح والغلط الشنيع ، تقليده لابي الطيب العظيم آبادي ، فهو الذى اقتصر على إلصالق التهمة في هذا الحديث بالحارث في كتابه : " التعليق المغنى على الدارقطني " 3 / 80 وذلك قصور منه . واعتماد الالباني عليه - لعدم وصوله إلى درجة الاجتهاد في الكلام ، على الرجال أوقعه كما قلنا فيما كشف به عن جهله . وذلك ان الحديث رواه الدارقطني في آخر كتاب البيوع من " سننه " 3 / 80 والخطيب في " الفقيه والمتفقه) 1 / 32 من طريق الهيثم بن موسى المروزي ، عن عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ، عن إسرائيل ، عن ابي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي - عليه السلام - به مرفوعا . فالقاعدة المقررة ، عند اهل العلم بالحديث ، والامر الذى عليه العمل عندهم ، وهو الذي يقتضيه النظر ايضا : إن الحديث يجب ان يعلل اولا بالهيثم بن موسى المروزى المجهول ، فإفي لم أقف له على ترجمة فيما لدي من كتب الرجال ، وانما الذي وجدته عنه هو ذكر الخطيب له في " تاريخ بغداد " في ترجمة إسحاق بن البهلول ، الذين أخذ عنهم الفقه ، فقال : وذكر اهله أنه كان فقيها ، حمل الفقه عن الحسن بن زياد اللؤلؤي ، وعن الهيثم بن موسى صاحب ابي يوسف القاضى . فهذا ما وجدته عنه . فالرجل في عداد المجهولين فيما يظهر .
________________________________________
[ 47 ]
فكان يجب على الالباني - لو كان بصيرا بنقد الاسانيد - أن يبدأ في الكلام على سند الحديث الذي أعله بالحارث من أوله ليسلم له التعليل . وإلا ، فما دام السند لم يثبت إلى الحارث ، فمن قال له : انه من صنعه . هذا لا يقوله طالب في هذا العلم ابدا . ثم بعد هذا ، هناك علة اكبر من علة وجود هذا الرجل المجهول : وهى علة العلل التي يجزم بسببها طالب الحديث بأن الحارث برئ من هذا الحديث ، وأنه لا يرميه به الا الرجل العامي في هذا العلم . وهذه العلة هي عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ، شيخ الهيثم بن موسى ، فإنه ضعيف جدا . قال البخاري : ليس بالقوي عندهم . وقال ابن معين : ضعيف . وقال مسلم : ذاهب الحديث . وقال ابن عدي : الضعف على رواياته بين . وقال ابو داود : متروك الحديث . وتال ابو القاسم البغوي : ضعيف الحديث . وقال ابو زرعة الدمشقي : سألت أبا مسهر . فقلت . عبد العزيز بن الحصين ممن يؤخذ عنه ؟ فقال : أما اهل الحزم فلا يفعلون . وقال ابن المدينى : روى عنه معن وغيره ، بلاء من البلاء ، وضعفه جدا . وقال النسائي في " التمييز " : ليس بثقة ، ولا يكتب حديثه . وقال الحافظ في " اللسان " : واعجب من كل ما تقدم ان الحاكم أخرج له في " المستدرك " وقال : إنه ثقة . انظر " اللسان " 4 / 28 . وقال الذهبي في " المغنى " 2 / 397 : ضعفه يحيى والناس . وكذلك قال في " ديوان الضعفاء " : 195 . فوجود عبد العزيز بن الحصين هذا هو الذى يجب ان يعلل به الحديث ، كما هي قاعدة اهل العلم في مثل هذا ، لانه لم يوثقه احد ، وقيل فيه : إنه متروك غير ثقة .
________________________________________
[ 48 ]
فكيف يترك تعليل السند به ويرحل إلى الحارث الذى وثقه الجمهور - كما قلنا - وعمل اهل السنة بحديثه . واحتجوا به ، كأنه لا يوجد ضعيف في السند إلا هو . فتنبه لهذا تعلم قصور الالباني في كلامه على أسانيد الحديث ، وأنه صحفي لا غير . وحتى لو سلمنا له ان الحارث ضعيف وكذاب - كما قال - ولكن من يثبث لنا انه هو صاحب الحديث ما دام الطريق إليه فيها متروكا وغير ثقة ؟ ! ولو سلمنا له سلامة السند من كل هذا ، وان التهمة فيه من جهة الحارث وحده ، ولكن ما زالت في الطريق إلى الصاق التهمة بالحارث علة أخرى تحول عند اهل الحديث دون الصاق التهمة به . وهذه العلة هي تدليس أبي اسحاق السبيعي ، فإنه كان مدلسا ، وقد عنعن في روايته عن الحارث ، وعنعنة المدلس لا يقبلها احد من أهل العلم مطلقا ، لا عند المحدثين ولا عند غيرهم . وأبو إسحاق السبيعى ذكره الحافظ - رحمه الله تعالى - في المرتبة الثالثة ، من " طبقات المدلسين " : 14 وقال : مشهور بالتدليس . بل نقل الحافظ في " تهذيب التهذيب " 8 / 66 عن الجوزجاني : أنه قال : كان قوم من اهل الكوفة لا تحمد مذاهبهم - يعني التشيع - هم رؤوس محدثي الكوفة : أبو إسحاق ، والاعمش ، ومنصور ، وزبيد ، وغيرهم من اقرانهم ، احتملهم الناس على صدق السنتهم في الحديث ، ووقفوا عندما ارسلوا ، لما خافوا ان لا تكون مخارجها صحيحة . فأما أبو إسحاق ، فروى عن قوم لا يعرفون ، ولم ينتشر عند أهل العلم الا ما حكى ابو إسحاق عنهم . وهذا الكلام الذي قاله الجوزجاني - وان كان مردودا من جهة الطعن بالتشيع - فإنه اخبر فيه بأن أبا إسحاق يروي عمن لا يعرف ، ويرسل عنهم . فيجب على قوله هذا ترك عنعنته - كما هو معلوم - لاحتمال أنه أخذه عمن لا يعرف . ولهذا قال معن : أفسد حديث أهل الكوفة الاعمش وأبو إسحاق للتدليس . فهذه العلة وحدها تدفع التهمة عن الحارث ، وتظهر ان من ضعف الحديث
________________________________________
[ 49 ]
بسببه بعيد عن صناعة الحديث بعد السماء عن الارض . ومن الامور التي تدل على تصور الالباني : أنه اقتصر في كلامه على الحارث على قوله : ضعفه الجمهور . وقال ابن المديني : كذاب . وترك ذكر العدد الكبير الذي وثقه واثنى عليه كما ذكر ذلك في ترجمة الحارث من كتب الجرح . وقد ذكرت ذلك فيما سبق . والمقرر عن المحدثين والذى عليه عملهم : أنه يجب أن يذكر في الراوي ما قيل فيه من جرح وتعديل ومدح وذم ليعرف منزلة قول الجارح من المادح ، فإن عبارات المجرحين يظهر الخلل فيها من أقوال الموثقين للراوي نفسه كما هو معلوم . ولعلي أشرت إلى هذا في " الباحث " ، من ذلك : ان الجرح لا يقبل الا مفسرا كما اجمع عليه اهل النقد من أهل الحديث ، اللهم الا إذا كان الراوى لم يوثق مطلقا . أما إذا كان الراوى وثقة جماعة وجرحه اخرون بجرح غير مفسر ، فالجرح مردود غير مقبول قولا واحدا بدون خلاف من احد . كما هو الحال في الحارث ، فان المجرحين له لم يفسروا جرحهم له ، ولم يبينوا أسبابه ، فيطرح جرحهم ويترك ويعمل بقول من وثقه ، وهو الجمهور من السلف والخلف . ولكن الالباني اقتصر على قوله : انه كذاب ، والجمهور على تضعيفه . ونحن لا نكون مثله ، فنقول : إنه يشم منه رائحة النصب ، وقد عابوا على ابن الجوزي في كتابه في الرجال صنيعه الذى تفرد به عن اهل الحديث ، وهو الاقتصار على ذكر ما قيل في الرجل من الجرح دون التعديل ، لان ذلك ينافي الامانة اولا ، ويضلل الباحث عن حال الرجال ثانيا . ومما يضحك ويجعل حبوتك تنحل عجبا من هذا الالباني : أنه جعل قول شعبة : لم يسمع ابو اسحق منه إلا أربعة أحاديث ، مما يجرح به الحارث ، مع ان هذا لا دخل له في باب الجرح مطقا عند اهل الحدث النقاد ، وانما هو اخبار عن كون ابي اسحاق لم يكن من المكثرين عن الحارث لا غير . كما ان عددا من المشاهير الثقات من رجال الصحيح لم يرو عنهم بعضى الائمة الا حديثا واحدا ، فضلا عن اربعة .
________________________________________
[ 50 ]
ولم يقل أحد ان ذلك جرح لهم ، وهذا موضوع معروف بين اهل الحديث ، والفوا فيه التآليف ، بل يوجد هذا حتى في الصحابة ، ففيهم عدد كبير لم يرو عنهم الرواة الا حديثأ واحدا أو ثلاثة أو اربعة . وحتى لو سلمنا للالباني فهمه ، فإن هذا يكون حجة عليه في رمي الحارث بهذا الحديث ، لانه يدل على ان أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الحارث ، فلماذا يرميه به اذن ، ويتهمه بوضعه هذا ؟ ! والله انه الدخول فيما لا يحسنه الانسان . ومن جهله ايضا ، ظنه ان توثيق الراوي لشيخه لا يتم حتى يروي عنه العدد الكبير من الاحاديث . ولهذا اعتمد على قول شعبة هذا ، مع أن هذا الشرط لا تجده الا في مخيلة الالباني . والا فلا فرق في ذلك بين ان يروي شيخ حديثا واحدا أو مئة في الدلالة على كونه ثقة عنده ان قلنا : إن الرواية عن الشيخ تدل على كونه ثقة عند الراوى عنه . والمسألة فيها نزاع شهير مذكور في محله . ثم مما يعرفك بضعف الالباني في هذا العلم ، وقصوره فيه ، وعدم اتباعه للمقرر فيه عند أهله ، أنه حكم على الحديث اولا بأنه موضوع ، ثم قال بعد ان ذكر سند الحديث الذي علقه من طريق أبي اسحاق ، عن الحارث ، عن علي بن ابي طالب : وهذا سند ضعيف جدا . فحكمه اولا بأن الحديث موضوع - وهو شر الضعيف لانه لا درجة بعده مطلقا - ثم حكمه على السند بأنه ضعيف جدا ثانيا ، تناقض عظيم ، وجهل كبير ، يعلمه طلبة " نخبة الفكر " لان السند الضعيف جدا لا يصل ان يكون به الحديث موضوعا . بل يحتمل ان يكون واهيا يرتفع إلى درجة الضعيف . بخلاف الحديث الموضوع ، فإنه لا يرتفع إلى درجة الضعيف مطلقا ، ولا تنفع فيه المتابعات والشواهد . وهذا امر معلوم لا يحتاج إلى شرحه للالباني ، وعليه بقرءة " النخبة " ليعلمه ، وفي الوقت الذي نجد فيه الالباني يرفض الاعتماد في التصحيح والتضعيف على الحفاظ النقاد ، لان ذلك يكون غالبا فيما لا يوافق هواه . ولا يتمشى مع رأيه ، نراه هنا يؤيد قوله ورأيه في الحارث بما لا يعد تأييدا عند
________________________________________
[ 51 ]
العلماء ، وذلك في قوله : وفي " الكشف " قال القاري : هو موضوع كما في " الخلاصة " . كأن الالباني يرهب خصومه ويرفع في وجههم السلاح الفتاك إذا ارادوا معارضته في الحكم على الحارث بالكذب بقول القاري : هو موضوع ، كأن القاري - رحمه الله تعالى - يحيى بن معين ، أو علي بن المديني ، أو الحافط ابن الحجر ، أو المنذري ، رضي الله عنهم جميعا . مع أنه لا يعد في هذا العلم شيئا مذكورأ ، ولا هو فيه بالرتبة التي يذكر بسببها بيه اهل الحديث ، كما تدل كتبه ومصنفاته ، بل إذا رأيت الذي يشتغل بالحديث يذكر في كتبه القاري محتجا به ومستشهدا بكلامه ، فاعلم انه لا ياتي منه شئ في هذا العلم . وفي الختام ، اراد الالباني ان يجهز عل الحديث مرة واحدة ، ولا يدع للنزاع معه طريقا ، فتناول الطعن في الحديث من جهة معناه ، فقال : ولوائح الوضع عليه ظاهرة . وهذا منه مجرد تحكم بالهوى ، ودفع بالصدر ، والا فما الذي يلوح عليه من علامات الوضع ؟ ومعناه واضح ظاهر لذى عينين ، وورد ما يشهد له في احاديث كثيرة . وورد موقوفا عن ابي مسعود ، بلفظ : المتقون سادة ، والفتهاء قادة ، ومجالسهم زيادة . رواه الطبراني في " الكبير " . قال الهيثمي في " المجمعع " 1 / 126 : ورجاله موثقون . فالحكم على الحديث بأن لوائح الوضع عليه ظاهرة ، من غير ان يكون هناك دليل شرعى يشهد بفساد ذلك المعنى ، أو دليل عقلي قاطع على ذلك ، جرأة عظيمة من صاحبه ، وهو يفتح الباب امام الجهلة المتنطعين لرد الاحاديث الثابتة لمجرد عدم فهمهم لمعناها ، وقصور عقلهم عن إدراك مراد الشارع منها . وبعد ، فقد تبين مما ذكرناه في هذه السطور ، وأشرنا إليه في هذه الورقات اليسيرة ، ان القول بأن الحارث ثقة ، هو قول الجمهور ، وهو الذي مشى عليه اصحاب السنن ، وعليه كان اهل الكوفة ، وقد كانت عامرة بالائمة من علماء التابعين وفقهائهم وغيرهم ، وإن القول بأنه غير ثقة لا نصيب له من الصواب ،
________________________________________
[ 52 ]
لانه لا يؤيده دليل ولا برهان ، ولا تشهد له قواعد علم الحديث التى يحتكم إليها عند الخلاف ، ويرجع إلى فصلها عند النزاع . وان كان الالباني لا يقول بقاعدة ، ولا يرجع إلى أصل يحتكم إليه . وهو يخترع القواعد على حسب ما يظهر له ويريد فهمه ، ولهذه تجده في كلامه على الاحاديث يصحح ويضعف ويثبت ويبطل بما يخالفه هو نفسه إذا اقتضى نظره وجداله وخصامه ولدده ذلك . لان قواعده مبعثرة ، فلا هي تابعة لاهل الحديث ، ولا لاهل الاصول ، ولا للفقهاء ، وغرضه بذلك الهرب من الوقوع في يد خصمه إذ وقع في نزاع فيما يختاره من الاقوال الشاذة الواهية وهي كثيرة ، في صفة صلاته ، وتجهيز جنازته ، وحجاب امرأته ، وحلية نسائه ، وسلسلة احاديثه ، بحيث لو تتبعها الانسان لاخرج منها كتابا مفيدا للفكاهة وقت الاستراحة من العمل الشاق ، يصلح ان يكون ذيلا لكتاب : " أخبار الحمقى والمغفلين " لابن الجوزي - رحمه الله تعالى - . ومن شذوذه المضحك : ما وقع منه في شأن الحارث من جزمه بكذبه ، واعتراضه علي في توثيقي له ، الامر الذي يوهم الغر المبتدئ أني تفردت بذلك عن الجمهور . وهو اعتراض - كما قلت - ينبئ عن جهل ، وعجز ، وقلة اطلاع ، وتهجم على القول لمجرد النزاع والجدال ونشر الخصام لا غير . ولولا ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : " اتركوا الترك " لخضنا معه في بيان اوهامه الساقطة ، وأقواله الخارجة عن اجماع المسلمين ، في المصطلح والحديث وفي الاصول ، الذي ظهر من كلامه فيه أنه لا يتقنه ، ولا يحسن معرفته ، ولذلك يخالف قواعده المقررة عند أهله . وكذلك أقواله في الفروع التي خالف فيها اجماع السلف والخلف ، رغبة في التفرقة وبث الشقاق والخلاف ، فيما لا يفيد ولا ينفع المسلمين ، بل يضرهم وينفع غيرهم ، الامر الذى يدل على دغل ، والعياذ بالله تعالى .
________________________________________
[ 53 ]
وكذلك أقواله الشائنة فيما يتعلق بذات الله تعالى ، مما يدل على انه لا يعرف ما يستحيل وصف الحق تعالى به ، كقوله : العصمة لله تعالى . (1) وهي كلمة لا تصدر الا من جهلة العوام ، ومن دخل في دين الاسلام عن كبر . ولكن يكفي في ذلك ما ذكرناه وأشرنا إليه ، وقد قالوا : يكفى من القلادة ما أحاط بالعنق . وبالله تعالى التوفيق ، ومنه وحده المعونة والتأييد .
________________________________________
(1) وكاقراره لشارح الطحاوية في ما ذكره في الشرح من أغلاط كقدم نوع العالم واثبات الحد لله دون ان يعلق على تلك العبارات بالانكار وغير ذلك وقد بينا ذلك في رسائل عديدة . (*)
________________________________________
[ 54 ]
الفصل وأما قصوره الذي أظهره في الاعتراض علي في توثيق الحارث لكونه شيعيا ، فهو أن توثيق الشيعي ليس بأمر منكر ، ولا بالطريق الصعب ، ولا بالسبيل الوعر . بل الراوي الشيعي كغيره من الرواة ، ان كان ثقة ضابطا فحديثه صحيح مقبول ، يجب الاخذ به ويحرم رده . وعلى هذا عمل أهل الحديث قاطبة ، وفي متدمتهم الامامان : البخاري ومسلم . فلا يحصى كم عدد رواتهما من الشيعة ، بل وممن وصفوا بالغلو في التشيع . فإخراج احاديثهم في صحيحعهما أعظم دليل على ان الشيعي كغيره من الرواة في صحة حديثه إذا ثبت عدالته وضبطه . وكتب الرجال ، ك‍ " تهذيب الكمال " و " تهذيب التهذيب " و " الميزان " و " لسان الميزان " وغيرها ، مملوءة بالرواة الشيعة الذين وثقهم أئمة الجرح والتعديل . بل تجد الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - يذكر في " لسان الميزان " رجالا من الشيعة ينقلهم من كتب رجال الشيعة للكشي والنجاشي ، وينص على توثيقهم ، ولو تتبع الانسان " اللسان " لاخرج عددا كبيرا منهم . فلا يرد حديث الثقة الشيعي الا من قصر نظره وقل علمه ولم يدر ما اتفق عليه أئمة الحديث والسنة من الاحتجاج بحديث الشيعي الثقة . وكيف يردون حديثه ولا يوثقونه لاجل تشيعه ، والتشيع كان فاشيا في التابعين . فلو رد حديث الثقة الموصوف بالتشيع لرددنا من أجل ذلك جملة كبيرة من احاديث التابعين ، وذلك يذهب عدد كبير من الاحكام الشرعية ادراج الرياح ، وهذا لا يقول به أحد ، ولم يقل به أحد ، ولن يقول به احد ، اللهم الا الرجل القصير النظر ، الذي لا يميز بين الليل والنهار . قال الذهبي - رحمه الله تعالى - في ترجمة أبان بن تغلب 1 / 5 : شيعي جلد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقة ، وعليه بدعته .
________________________________________
[ 55 ]
ثم قال بعد ان ذكر من وثقه من الائمة - ما نصه : غلو التشيع ، أو التشيع بلا غلو ولا تحرف ، فهذا كثير في التابعن وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الاثار النبويهة ، وهذه مفسدة بينة . فرد حديث الشيعي الثقة مفسدة بينة ، كما قال الذهبي - رحمه الله تعالى - لما يترتب على ذلك من ذهاب جملة من الاحاديث النبوية . فلهذا كان عمل اهل الحديث سلفا وخلفا ، وفي متدمتهم : البخاري ومسلم ، على الاحتجاج بحديث الشيعي الثقة . فمن رد حديثه ، ورأى توثيقه منكرا ، وعملا غير مشروع ، وأمرا لا يجوز ، فهو شاذ ، خارج عن إجماع اهل الحديث ، فلا يعتبر به ، ولا يلتفت إلى كلامه . وصدور ذلك منه يدل على قصوره في علم الحديث ، وعدم معرفته بما اجمعوا عليه من مسائله بينهم . ويكفي في الدلالة على ان الشيعي محتج بحديثه مقبول الرواية ، إذا كان ثقة ، وأن هذا هو الذي عليه جماعة أهل الحديث واتفقت الامة معهم في ذلك ، إخراج البخاري ومسلم لحديثه ، فإن ذلك دليل على إطباق الامة ، سلفها وخلفها ، على الاحتجاج بالشيعي لاطباق الامة على قبول حديث الصحيحين والاحتجاج بهما والحكم عليهما بأنهما أصح الكتب بعد القرآن . فهذا وحده كاف في كون الشيعي الثقة مجمعا على الاحتجاج به ، مقبول الرواية . ومن خالف ذلك فقد خرج عن هذا الاجماع ، ورد ما أجمعت الامة على قبوله ، والله تعالى يقول : (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم) " سورة النساء الاية 115 " وكفى هذا فسادا لقول الالباني في الاعتراض على توثيق الحارث الشيعي . قال الحافظ - رحمه الله تعالى - في مقدمة " الفتح " (384) : ينبغي لكل منصف ان يعلم ان تخريج صاحب الصحيح لاي راو كان مقتضيا لعدالته عنده وصحة ضبطه ، وعدم غفلته ، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من اطباق جمهور الائمة على تسمية الكتاببن بالصحيحين . وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح ، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما .
________________________________________
[ 56 ]
ثم قال بعد كلام : وقد كان ابو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح : هذا جاز القنطرة . يعني بذلك : أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه . وقال الشبخ ابو الفتح القشيري في مختصره : وهكذا نعتقد ، وبه نقول ، ولا نخرج عنه الا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذى قدمناه من اتفاق الناس - بعد الشيخين - على تسمية كتابيهما بالصحيحين ، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما . ثم قال الحافظ : (قلت) : فلا يقبل الطعن في أحد منهم الا بقادح واضح ، لان اسباب الجرح مختلفة . . . الخ كلامه ، وهو دال على ان التشيع لا دخل له في عدالة الراوي ، ولا علاقة بضعفه . وأنه إذا ثبت براءة الشيعي من الكذب والغفلة ، فحديثه صحيح يحتج به ، ولو كان غالبا في التشيع ، فإن ذلك لا يضره ايضا في العدالة ، لان الغلو في التشيع ليس مفسقا لصاحبه ، ولا يعد به من المبتدعة الخارجين عن الجماعة ، كما بين ذلك الحافظ في مقدمة " الفتح " . بل أغلب التابعين كان على هذا كما قال الذهبي ، ومع ذلك ما رد حديثهم أحد . وفي الصحيحين احاديث كثيرة ، من رواية اهل الغلو في التشيع . وبذلك يكون ايضا اجماع الامة على قبول حديث الشيعي الغالي في التشيع - كما تقدم - في كلام الحافظين : ابن دقيق العيد ، وابن حجر - رحمهما الله تعالى - . وذكر الذهبي في ترجمة ابي احمد الحاكم ، من " تذكرة الحافظ " 3 / 978 : قال ابو احمد الحاكم : سمعت أبا الحسين الغازي يقول : سألت البخاري عن ابي غسان . فقال : عم تسأل عنه ؟ . قلت : شأنه في التشيع . فقال : هو على مذهب ائمة اهل بلدة الكوفيين ، ولو رأيتم عبيد الله وأبا نعيم وجميع مشايخنا لما سألتمونا عن ابي غسان . قلت : ولو تتبعت تراجم أئمة الكوفة لما وجدت واحدا منهم لم يوصف بالتشيع ، وأغلبهم له رواية في الصحيحين ، بل منهم من كان من سادات اهل
________________________________________
[ 57 ]
الحديث ورؤوس محدثي الكوفة ، مثل : أبي اسحاق السبيعي ، والاعمش ، ومنصور بن زبيد ، والشعبي . وان كان الذهبي يقول في حق الشعبى : ان تشيعه يسير كما نقل ذلك صاحب (الروض الباسم ، في الذب عن سنة ابي القاسم) 1 / 148 عن (النبلاء) للذهبي ، أنه قال : روى الشعبي عن حذيفة انه تكلم في ابي موسى بكلام يقتضى أنه منافق ، ثم قال : في الشعبي تشيع يسير . وقول من قال : ان الشعبي يقبل حديثه فيما لا يؤيد مذهبه ولا يوافق رأيه ، باطل ايضا . فالعمدة في الرواية على العدالة والضبط ، فإذا ثبتا في الراوي فلا معنى للنظر في شئ زائد عنهما ، الا التعنت والتمحل في رد ما لا يوافق الهوى . ولا يجوز في العقل ، ان يكون الرجل حجة ثبتا ثقة في حديث ويكون في الوقت نفسه كذابا متهما باطل الرواية في حديث آخر . والثقة على هذه الصورة ، لا يوجد الا في مخيلة النواصب ، ومن تبعهم من الجهلة . وأما المسلمون عموما ، لا فرق بين عالمهم وجاهلهم ، فالثقة عندهم : هو الذى يجتنب الكبائر ، ولا يعتمد الولوج في الصغائر ، ولا يتظاهر بخوارم المروعة . وإذا ارتكب كبيرة ، وتظاهر بها ، أو عرفت عنه ، فهو فاسق لا يقبل حديثه مطلقا بتاتا ، سواء كان صادقا فيه أو لم يكن . وعلى هذا اصطلح عباد الله تعالى في شرق الارض وغربها ، لان الله تعالى يقول : (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) فأطلق سبحانه الامر بالتبين في نبأ الفاسق ، ولم يخص منه نوعا دون نوع . وأول من أظهر هذه الزيادة ، وهي ان الشيعي الثقة لا يقبل حديثه المؤيد لمذهبه وأدخالها في تقييد حديث الشيعي الثقة أبو إسحاق الجوزجاني ، وهو ناصبي مشهور ، له صولات وجولات وتهجمات شائنة في القدح في الائمة الذين وصفوا
________________________________________
[ 58 ]
بالتشيع ، حتى دعاه ذلك إلى الكلام في اهل الكوفة كافة ، وأخذ الحذر منهم ومن روياتهم . وهذا معروف عنه ، مشهور له ، حتى نصوا على عدم الالتنات إلى طعنه في الرجال الكوفيين ، أو من كان على مذهبهم في التشيع ، لانه خارج عن هوى وتعصب وغرض . ولاجل ذلك لم يلتفت إلى زيادة هذه في تقييد حديث الثقة الشيعي ، بأن لا يكون مؤيدا لمذههه ، أهل الحديث ، ولم يعملوا بها ، واقتصروا على ما يشهد له العقل من وجوب حديث الراوي إذا كان ثقة ضابطا ، بدون ان كون ذلك القبول مقيدا بباب دون باب ، أو معنى دون معنى ، لان ذلك لا يتفق مع شواهد العقل وقواعد النقل . والالباني لقصوره وجهله ، وعدم اطلاعه على ما عليه العمل عند اهل الحديث من قبول رواية الشيعي الثقة ، وان كانت موافقة لمذهبه ، صار يستند ويعتمد على ما زاده الجوزجاني من هذا الشرط الباطل الذي لا يؤيده عقل ولا نقل ، فيضعف الاحاديث بسببها ، ويجعلها حجة على الوضع ، وكون الحديث كذبا ، كما فعل في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : " أنا سيد ولد ادم ، وعلي سيد العرب " . فإنه حكم بوضعه في مقدمة كتبها لبعضي الرسائل ، مستدلا على وضعه بان روح التشيع واضحة في الحديث . ولا ادري أين هذا التشيع الذي وضح له من الحديث ! ؟ مع ان الحديث له شواهد وطرق ، وعلى قوله هذا وقاعدته الفارغة ينبغي ألا نقبل حديثا في فضل علي عليه السلام ، ولو تواتر ، لا سيما إذا كان يخبر بفضل لعلي لا يوجد لغيره من الصحابة - رضوان الله عليهم اجمعين - كحديث : (من كنت مولاه ، فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه وانصر من نصره) . وهكذا إذا اتبع الانسان كل جاهل ، وأجاب كل صارخ ، ولم يعمل النظر ويبحث عن الاقوال قبل قائلها ، فإنه يرد السنة الصحيحة جملة ، ويعطى مع ذلك السلاح لاعداء الدين وملاحدة العصر في رد مالا يعجهم ويوافق هواهم من حديث سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم .
________________________________________
[ 59 ]
وقوله : إن الصحابة كانوا يقولون في عهد ابي بكر : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، إذا اتفق الصحابة على هذا الترتيب ، فإنما كان ذلك في الخلافة ، أما في التفضيل والفضل ، فالخلاف في ذلك معروف معلوم لكل من له علم واطلاع (1) . والمقصود بعد هذا : هو بيان ان رد حديث الثقة الشيعي إذا كان يؤيد مذهبه لم يصدر الا من النواصب ومن لف حولهم واختار قولهم ودار في فلكهم . وأما أهل الانصاف ، من أئمة الحديث سلفا وخلفا ، فلا يقولون بهذا الهراء الذي لا طائل تحته ، والذي يدل على التخريف والتحريف . ولهذا احتج الشيخان بما رواه الشيعة الثقات من الاحاديث التي تؤيد مذهبهم ، كحديث : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى فتد رواه البخاري ، من طريق عبيد الله بن موس العبسي ، وقد كان شديد التشيع . وكذلك حديث : " لا يحبك الا مؤمن ، ولا يبغضك الا منافق " رواه مسلم في " صحيحه " ، من طريق عدي بن ثابت ، وقد كان شيعيا غاليا ، بل كان داعية . وتبعهم على ذلك بقية الائمة الذين جمعوا الصحاح والفوا السنن ، فقد رووا في هذه المصنفات العدد الكثير من حديث الشيعة فيما يؤيد مذهبهم ، وصرحوا بصحتها أو صحة أكثرها . وكل هذا يدل على ان ما زاد ه الجوزجاني ، وتبعه عليه الجهلة من النواصب ومبغضي آل البيت ، مع كون حديث الشيعي الثقة لا يقبل إذا كان يؤيد مذهبه ، وينصر رأيه ، باطل لا أصل له ، ولا يشهد له عقل ، ولا يؤيده نظر . ولولا ضيق الوقت ، لذكرنا العدد الكبير من الاحاديث التى رواها الشيعة الثقات فيما يؤيد مذهبهم ، وصححها الائمة ، وأخرجوها في كتبهم .
________________________________________
(1) قال الحافظ ابن حجر في التهذيب (1 / 94) التشيع في عرف المتقدمين : هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان وأن عليا كان مصيبا في حروبه وأن مخالفه مخطئ مع تقديم الشيخين وتفضيلهما وربما اعتقد بعضهم ان عليا افضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان معتقدا ذلك ورعا دينا صادقا مجتهدا فلا ترد روايته بهذا . . . أه‍ قلت : وكان في المحابة ومن بعدهم من يعتقد ان افضل الناس بعد النبي هو سيدنا علي وذلك مشهور وذكره الذهبي في السير فتأمل . (*)
________________________________________
[ 60 ]
ولعلنا نجد فرصة لتفصيل الكلام في هذا الموضوع تفصيلا كافيا لذوي الانصاف رادعا لاهل الاعتساف . أما هذا الجزء ، فقد كتبته على عجل ، تلبية لرغبة بعضى الاخوان في التعجيل ببيان فساد دعوى المتطفل - فميا زعمه - في الاعتراض علي في توثيق الحارث بن عبد الله الهمداني . وكان الفراغ من هذا الجزء ، صباح يوم الاحد ، الحادي والعشرين من جمادى الثانية ، سنة أربع وأربع مئة وألف . والحمد لله أولا واخرا ، وصلى الله على خاتم الانبياء وسيد المرسلين ، وعلى آله الابرار الاكرمين ، وسلم تسليما إلى يوم الدين .


شعاع من بني النورالتوسل - 2

من وحي علموا عني - 3

بالحقائق ناطقين





التوسل - 2

أدلــة مـا عـليـه
المسلمون من التوسل

قال الله تعالى

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} المائدة 53، والوسيلة هي كل ما جعله الله سبباً للزلفي عنده ووصلة إلى قضاء الحوائج منه، والمدار فيها على أن يكون للوسيلة قدر وحرمة عند المتوسل إليه.

لفظ الوسيلة عام في الآية كما ترى، فهو شامل للتوسل بالذوات الفاضلة من الأنبياء والصالحين في الحياة وبعد الممات وبالاتيان بالأعمال الصالحة على الوجه المأمور به وللتوسل بها بعد وقوعها، وفيما يلي سترى من الأحاديث والآثار ما يجلي لك هذا العموم واضحاً لترى أنه قد ثبت التوسل به صلى الله عليه وسلم قبل وجوده وبعد وجوده في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة.

التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل وجوده البشري

توسل سيدنا آدم به: قد جاء في الحديث عن سيدنا عمررضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لما اقترف آدم الخطيئة قال: يارب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب، لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فـيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، وإنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك) أخرجه الحاكم في المستدرك ج2، ص165، ورواه الحافظ السيوطي في الخصائص النبوية وصححه، ورواه البيهقي في دلائل النبوة، وصححه أيضاً القسطلاني والزرقاني في المواهب اللدنية ج2 ص62، والسبكي في شفاء السقام)، وجاء من طريق آخر عن طريق بن عباس رضي الله عنه بلفظ: (فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار) (رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص615 وقال: صحيح الإنساد وصححه شيخ الإسلام البلقيني في فتاويه ورواه أيضاً الشيخ بن الجوزي في الوفاء في أول كتابه، ونقله بن كثير في البداية ج1 ص180)، وروي بن المنذر في تفسيره عن محمد بن علي بن حسين بن علي عليهم السلام قال: (لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه واشتد ندمه، فجاءه جبريل عليه السلام فقال:يا آدم، هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه؟، قال: بلى يا جبريل، قال قم في مقامك الذي تناجي فيه ربك فمجده وامدحه، فليس شيء أحب إلى الله من المدح، قال: فأقول ماذا يا جبريل؟، قال: فقل:لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير، ثم تبوء بخطيئتك فتقول: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي، قال: ففعل آدم، فقال الله: يا آدم، من علمك هذا؟، فقال: يا رب لما نفخت فـيَّ الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر، رأيت على ساق عرشك مكتوباً، بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله، فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب ولا نبي مرسل غير اسمه، علمت أنه أكرم خلقك عليك، قال: صدقت، وقد تبت عليك وغفرت لك) (وكذا في الدر المنثور للسيوطي ج1 ص146)، ومحمد بن علي بن الحسين هو أبوجعفر الباقر من ثقات التابعين وساداتهم، أخرجه الستة.

روي عن جابر وأبي سعيد وبن عمر وغيرهم، وروي أبو بكر الآجري في كتابه (الشريعة) قال: (حدثنا هارون بن يوسف التاجر قال: حدثنا أبومروان العثماني قال: حدثني أبوعثمان بن خالد عن عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك، قال الله تعالى: وما يدريك ما محمد؟، قال: يا رب، رفعت رأسي فرأيت مكتوباً على عرشك لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك).

عوض عبداللطيف- الاسكندرية







من وحي علموا عني - 3

أحسن القصص



{نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} أول سورة يوسف، أى الغافلين عن القصص والتاريخ. وبداية من شدة قوة معرفة سيدنا يعقوب بالله، كان يدرك أن نور النبوه إلى سيدنا عيسى فى ولده سيدنا يوسف، ورغم أن له احد عشر ولداً غيره لكنه كان يحب سيدنا يوسف فى الله، أى من أجل الأنوار التى يحملها، ثم يرى سيدنا يوسف رؤيا، قال يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين، سيدنا يعقوب {قال يابنى لاتقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدوٌ مبين}، سكت سيدنا يوسف ولكن الكلام تسرب، ولذلك فإن ابن الطريقة المجتهد فى أوراده لايجوز له أن يتكلم عن أوراده ولا وارده إلا لمرشده طبقاً للنص القرآنى لاتقصص، ونعود لقصتنا، وبعد أن تسرب خبر الرؤيا، إخوة سيدنا يوسف ذهبوا إلى سيدنا يعقوب ليحدثوه وقالوا (... يوسف لازم يلعب ولازم يعمل ولازم يشتغل...) فقال لهم إنى أخاف أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلين فأصروا وألحوا حتى سمح لهم سيدنا يعقوب، وفى العشاء جاءوا...وقالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب أى نفس الكلام الذى قاله سيدنا يعقوب فى البدايه، بمعنى أن الكلام معروف له، وعليه يقولون إن الأولياء لايعلمون الغيب... أليس هذا بغيب! فقال لهم سيدنا يعقوب بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على.. بما يوحى بعملتهم التى جردوا فيها سيدنا يوسف من ملابسه ثم ألقوه فى الجب، والجب عميق وبه مياه قليله، وكان هناك ثعبان يأتى لسيدنا يوسف بالفاكهة، والجب كناية عن (الخلوة الأولى لقتل النفس الأمارة)، والثعبان كناية عن إبليس دخل لفتنة النفس الأمارة. أما إخوة سيدنا يوسف فقد ذبحوا جمل ثم جاءو بدم الجمل على قميص سيدنا يوسف وهذا هو الدم الكذب كما أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى بدم كذب. وإذا بسيدنا يعقوب يثبت لهم كذبهم، بأن سكب الماء على قميص سيدنا يوسف وإذ بالقميص غير ممزق ولايوجد به أثار لمخالب وأنياب الذئب. فقالوا وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ولو حرف إمتناع لوجوب، بمعنى أنهم كذابين ولكنهم نفذوا ما أرادوه. وظل سيدنا يوسف بالجب (الخلوة الأولى) إلى أن جاء جماعة التجار المسافرين، وأدلوا الدلوا فتعلق به سيدنا يوسف، قالوا أنت إنس أم جن؟ قال لهم: إنس من خيار الناس وقص لهم قصته... فقالوا فيما بينهم هذا غلام جميل نأخذوه ونبيعه للملك فيعطينا مالاً كثيراً.وخاصة أن الملك ليس عنده ذرية، إلا أنهم عندما عرضوا عليه سيدنا يوسف رفض فى البداية، وأخيراً اشتراه بثمن بخس دراهم معدودة، والملك كناية عن (الحضرة الإلهيه)، ولأنه مستغنى عن كل من سواه، ولكن إن الله اشترى.. التوبة 111. وكانوا فيه من الزهدين... وأعطاه الملك لامرأته التى هى كناية عن (الدنيا)، وفى طريقتنا المريد الصادق الدنيا تتحداه وتشاغله، والمهم أن الدنيا عشقته فوجدت عزمه شديد، فظلت تراوده وتراوده وهو لايقبل، وأخيرأً همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه وعندما رأى برهان ربه جرى وهى من خلفه تلاحقه، وأمسكته من ظهره فشقت قميصه، وظل هو يجرى وإذا بالعزيز عند الباب، فقامت زليخه بمعنى الدنيا تقول للعزيز الذى يعنى الحضرة الإلهيه ما جزاء من أراد بأهلك سوءا، وكان لإخت زليخه طفل لايتجاوز الثمانية أشهر، وعندما نظر العزيز لسيدنا يوسف ليسأله عن ما حدث؟، فإذا بسيدنا يوسف يشير إلى الطفل ويقول إسألوه، وفى الحال الطفل يقف ويقول {إن كان قميصه قد قدَّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبينüوإن كان قميصه قد قدَّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين}، وأمسك العزيز بالقميص ليعاينه فوجده قد مزق من الخلف فقال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم.





بالحقائق ناطقين

العلاقات الأسرية - 2

كنا قد ابتدرنا حديثنا آنفاً عن توتر وفتور العلاقات الأسرية داخل الأسرة الواحدة ونواصل في هذا المبحث نسبة للأهمية التي تترتب عليه، لأن الأسرة هي اللبنة الأساسية في تكوين المجتمع وذلك من خلال بنائها للكينونة الشخصية للفرد والذي تفتت انتمائه نحو أسرته سواء أكان هذا الفرد يشكل دور الأب أو الأخ أو الابن أو الأم نسبة لأن المجتمع الحديث تعددت فيه الأنشطة بمختلف أنواعها، المؤسسات والثقافات والتيارات الفكرية، مما أدَّى إلى وفرة المشاكل المتنوعة لدى أفراد الأسرة وبالتالي توزع انتمائه على أكثر من جهة ونتج عنه تفتت حقيقى لإنتمائه الوجدانى نحو الأسرة وجمود العاطفة التي ترسم أو تحدد الشكل المثالي للأسرة الإسلامية والعربية.

وبما أن عجلة التطورات الحيوية الممرحلة وغير الممرحلة أضحت متحركة بصورة مستمرة فبالتالي تزداد التطلعات الأسرية التي تقف مع جمود إمكانات الأسرة ومحدوديتها بما أثر على أعصاب أفرادها وتوتر العلاقات بينهم وتكون النتيجة الحتمية فى معظم الأحيان مشاركة المرأة فى العمل وهذا يزيد من قدرتها على الاستقلال المترف وبالتالى معالجة المسائل بشيء من التشدد مع الطرف الاخر وقد يحدث فى هذا التشدد نوع من التمادى الذى يضفى شيئاً من الكآبة على الجو العائلى ويطوى امكانية التقارب الوجدانى ويزيد من فجوة عدم التواصل الاسرى، و لكن إذا انتقلنا فى المقابل إلى أسرة تكون نقطة الالتقاء لديهم حب شيخهم وحب الله ورسوله الكريم وسلسلة نسبه الشريف القويم لوجدنا الآية غير ذلك تماما برغم الاشتراك التام فى كل العوامل الحيوية المختلفة والتى نعيشها سويا على أرض الواقع إلا أن الاختلاف يكون فى مشرب الروح الرابط الحقيقى لكل الكيانات الانسانية إذ إن الروح تتحلى بالمحبة وتتشربها بالذكر على يد الشيخ العارف والمربى الروحى الذى بدوره ينتهج المنهاج التربوى النبوى مستمدة من ريّان السعادة ومرفأ الأرواح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبالمحبة الروحية والتربية الداخلية تتشكل الأرض الصلدة التى تنبع من خلالها العلاقات الأسرية الحقيقية لأنها تكون قائمة على التوادد والتراحم والتآخى المتبادل بين أفراد الأسرة الواحدة وهذا ليس بالشيء الخيالى ولكن هذه حقيقة واقعية غير مدركة، فاذا كان الذكر على يد خبير مربى يجمع بين ثقافات وتيارات فكرية مختلفةفى بوتقة أسرية واحدة على قلب رجل واحد فمن باب اولى أن يربط روحيا ووجدانيا بين أفراد الأاسرة الواحدة.وهذا الحديث ماهو إلا خلاصة لمانراه فى حياتنا اليومية المعاشة ولكم أن تقيسوا على هذا.


بـالـحـقـائـق نـاطـقـيـن




بسم الله الرحمن الرَّحيمالبحث عن الوارث المحمدي
القطب المحمدي والوارث النور المحمدي (س


التبرك بالمحبة

لا تزال رحلتنا في السِّفر الكريم (انتصار أولياء الرحمن على أولياء الشيطان) في مبحث التوسل والتبرك بالأنبياء والصالحين وآل البيت الطاهرين وهو خير زاد في مسيرنا إلى الله تعالى. وقد انتهى المطاف بنا إلى أن التبرك ما هو إلا صورة ظاهرة لمعنى المحبة الحقيقية وتبين لنا جليا جواز التبرك بالأنبياء وآل البيت والصالحين والتوسل بهم،واليوم نتطرق إلى مبحث التبرك من وجهة نظر محبة محضة لأننا نجد أن المحبة في الغالب الأعم لا تتحقق إلا بعد معرفة وإدراك والمحبة تتفاوت بتفاوت المعرفة بين الناس ومن هذا السياق نجد أن الأنبياء والصالحين قد عرفوا الله معرفة تامة وأحبهم وأحبوه فعظَّمهم وجعلهم وسائط لنا في تبليغ شرائع دينه قال تعالى (يُحبُّهم ويحبُّونه) وقال تعالى في الحديث القدسى (.. لا يزال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبَّه..)وقد عظم الله تعالى أنبيائه وأصفيائه وأوليائه فعظمناهم لأجله وأحببناهم لحبِّه لهم وحبِّهم له الذى تمَّ بالمعرفة والتحقق فتبرَّكنا وتوسلنا بهم وبحبهم لأن التبرك ما هو إلا أشواق متزايدة بالمحبة للمحبوب لأن الحب عبارة عن ميل الطبع إلى المحبوب فاذا قوى سمى عشقا وازداد شوقا وولها له.وهنا نستشهد بقصة الصحابى الجليل سيدنا بلال ليست من باب التكرار ولكن لما تحتويه من عبرة في الحب والشوق، ذكر الحافظ بن عساكر والحافظ عبد الغنى المقدس الحنبلى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بلالا في منامه حينما كان بالشام في ضيافة معاوية وقا ل له: أوحشتنا يا بلال.فانتبه حزينا وركب راحلته قاصدا المدينة فأتى قبر النبى صلى الله عليه وسلم فجعل يبكى ويمرِّغ وجهه على القبر ويقول: أوحشتنى يا رسول الله.فكان هذا الموقف العظيم خير مثال للتبرك بالمحبة والشوق من هنا يتضح لنا جليا أن من أنكر التبرك فقد أنكر المحبة ومن أنكر المحبة فلابد أن ينكر حقيقة الشوق لأنه لا يكون إلا للمحبوب.وأما اتخاذنا لهم وسيلة إلى الله تعالى لقضاء حوائجنا فهذا اتباع لله تعالى في توسيطهم لنا لأننا أصغر من أن نطلب حوائجنا منه مباشرة بلا واسطة وذلك احتقارا لأنفسنا لكثرة ذنوبنا ولوفرة عيوبنا.قال الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى في كتابه الانتصار (ان مراعاة جانب الله تعالى والمحافظة على توحيده انما تكون بتعظيم من عظَّمه الله تعالى وتحقير من حقَّره الله تعالى)

ونجد أن من أساليب التعبير عن كثرة المحبه وشدة الشوق دائما ما تكون عبارة عن التقبيل أو التمسح أوالتعانق وهذه هى بالفعل أساليب التبرك بالأحباب لأنها وسيلة أو صورة تعبيرية لمعنى المحبة الصادقة ولم يكن تعبيراً للنفور أو الكراهية أبدا،


 


بسم الله الرحمن الرَّحيمالبحث عن الوارث المحمدي
القطب المحمدي والوارث النور المحمدي (س



مــاذا تـعـلـمـت مـن شـيـخـي؟

علموا عني فإني من رجالٍ جدُّهم هادي الهداةِ الكاملين

مقالنا السابق كان عن العلماء في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وعلمنا أن المقصود بالعلماء هم الأولياء، فمن هم الأولياء وماذا تعرف عنهم وهل تتبع أنت أو توالى أحداً منهم، أم أنت من الذين ليس لهم عقيدة في الأولياء وهل لديك أدنى فكرة عنهم أم أنت خالي الذهن تماماً عن هذا الموضوع؟.

الأولياء هم ورثة الأنبياء يقول في تعريفهم الإمام القشيري رضي الله عنه (الولي من توالت طاعته من غير تخلل معصية أو الذي يتولى الحق سبحانه حفظه وحراسته على الإدامة والتوالي فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان وإنما يديهم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة)، {وهو يتولى الصالحين}. وقال عنهم سيدي محي الدين بن العربي رضي الله عنه (الأولياء الذين تولاهم الله بنصرته في مقام مجاهدتهم للأعداء الأربعة الهوى والنفس والشيطان والدنيا) وقال الإمام أبوالحسن الشاذلي رضي الله عنه (من أجل مواهب الله الرضا بمواقع القضاء والصبر عند نزول البلاء والتوكل على الله عند الشدائد والرجوع إليه عند النوائب فمن خرجت له هذه الأربع من خزائن الأعمال على بساط المجاهدة ومتابعة السنة والاقتداء بالأئمة فقد صحت ولايته لله ولرسوله وللمؤمنين) قال تعالى {ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.

والولي في اللغة هو القريب، وهي مأخوذة من الولي بسكون اللام وهو القرب والدنو وسمي ولي لأنه والي الله تعالى بالطاعة والتقوي والله تعالى والاه بالحفظ وزيادة الإمداد يقول سيدي فخر الدين الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني في ديوانه شراب الوصل.

لقيت من المولى رضاه وقربه نشرت عليكم بردتي وعبائتي

ويقول سيدي إبراهيم الدسوقي في ديوانه جوهرة الدسوقي:

دنوت من المحبوب أعلى المراتب فقربني بالقرب أزكـى المطالـب

والاسم الولي مأخوذة من قــوله تعالى {الله ولي الذين آمنوا} سورة البقرة وقوله تعالى {ذلك بأن الله مــولى الذين آمنوا} سورة محمد. ولقدذكرهم الله تعالى في قوله {ألا إن أولياء الله لا خــوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} تشـير هذه الآية إلى أن الولي هو من آمن بالله واتقى، فكل من كان تقيا كان لله وليـا، والولي لا يخاف ولا يحزن بدليل قوله تعالى {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} لأنه يعلم أن المتصرف في هذا الكون هو الله سبحانه وتعالى سواء أوافقه ذلك التصرف أم لا.

فمات ابن لسيدنا ومولانا الحسين رضي الله عنه فلم تُر عليه كآبة فعوتب في ذلك، فقال: (إنا أهل بيت نسأل الله فيعطينا فإذا أراد ما نكره فيما نحب رضيناه) ولقد أشارت السنة الشريفة إلى الأولياء في حديث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانتهم من الله فقلنا: يا رسول الله من هم وما أعمالهم لعلنا نحبهم قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلي منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم تلا قوله تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ويقول سيدي الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني:

ويعرف عني من هدى الله قلبه ويعزف عن حبي طريدُ الهداية

ويقول سيدي إبراهيم القرشي الدسوقي:

أسلك طريقي تعش في نعمة وهنا ولازم الذكر سراً كان أو علنــا

ولا تنم كسلاً فالزهد فيه غـنـاً الزهد راحتنا والذكر حرفتـنـا

وأبان سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم: حين سئل عنهم بقوله الشريف (هم الذين إذا رؤوا ذكر الله) يقول سيدي الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني:

هو من صفاء الكنه أعظم آية هو صفوة والكون بعض صفاه

فالصوفية الحق هم الصالحون من عباد الله وهم أولياء الله الذين وصفهم الله تعالى بالإيمان والتقوى في قوله تعالى {الذين آمنوا وكانوا يتقون} ووصفهم بالاستقامة والمداومة على الذكر في قوله تعالى {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة}.

فالصوفية شغلهم الشاغل هو دوام الذكر ودوام المراقبة والترقي في الذكر للدخول في نسب المحبة، محبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة الله سبحانه وتعالى.

يقولون:

نسب المحبة أقرب الأنساب خال من الأغراض والأسباب

ويقول في جوهرة الدسوقي:

لله قوم أخلصوا فـي حبه فـأحبهم واختارهم خدامـا

لذلك حذر الله تعالى من معاداة أوليائه في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقول الله تبارك وتعالى من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه)، والشاهد أن آل البيت الذين جعل الله عليهم الرحمة والبركة مستمرة إلى يوم القيامة كل ولي إلى يوم القيامة يكون من نسلهم، يقول سيدي الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني:

وأهلي أولوا الشرف العظيم وعترة لخاتم رسـل الله هادي البـريـة

لذلك معرفة الأولياء ضرورية وزيارتهم مهمة وتكون الزيارة من باب البركة أو الود أو من باب السؤال لقضاء الحوائج، يقول أحد المحبين:

على الأبواب بابـا فبابـا نناديكم وننتظر الجـوابـا

وكيف لا تطرق أبوابهم وهم الذين قال عنهم الله تعالى {لهم ما يشاءون عند ربهم} إذ كرمهم الله تعالى وأعطاهم كل شيء، لذلك يقول سيدي إبراهيم القرشي الدسوقي:

دعوني فلي مولى إذا ما دعوته أجاب وإن أبطأت عنه دعاني

فموالاة واتباع الأولياء واجبة بدليل قوله تعالى {ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً} وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} وقوله تعالى {واتبع سبيل من أناب إلي} كل هذه الآيات تدل على أمر اتباع الأولياء. وأوضح دليل على اتباع الأولياء من القرآن الكريم هو في سورة الكهف في قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر في قوله تعالى {هل اتبعك علي أن تعلمني مما علمت رشدا}، فاتباع الصالحين وهم الأولياء هو امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، يقول سيدي إبراهيم الدسوقي:

فلا تعترض يا منكر الجود حالنا وادخل حمانا كي تنال رضانـا

ولذ بحمانـا واقـرع الآن بابنا فنحن الذين نحمى لمن أتى لنا

وتأتي أهمية اتباع الأولياء والمشايخ في الفائدة التي تعود على الإنسان من هذا الاتباع ألا وهي الهداية والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، يقول سيدي الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني:

من يروم العـلـم عـنـدي يجتني رطـبـاً جـنـيـا

فاتبـعنـي يـا مـريـدي اهـدك العـلـم الـسويـا






بسم الله الرحمن الرَّحيمالبحث عن الوارث المحمدي
القطب المحمدي والوارث النور المحمدي (س



نيـل المـراد فـي شـرح الأوراد

ما الأصلُ فـي الأورادِ والأحزابِ وتعيينِ العَددِ فـي العباداتِ وذكرِ الألفاظِ المعجماتِ وإنشاءِ العباداتِ على غيرِ ما أُثِرَ عنِ الشارع؟

والجواب: بفضلِ اللهِ أنَّ ذلكَ كلَّهُ عملُ النبي صلى الله عليه وسلم والصحابةِ والسلفِ الصالحِ كلِّهم، وما خالَفَ ذلكَ إلاَّ شاذٌّ أوْ مُضِل، والأصلُ فـي ذلكَ آياتٌ عديدةٌ وأحاديثُ كثيرةٌ وآثارٌ جَمَّةٌ نذكرُ بعضَها على سبيلِ الاختصار، فمنْها:

قولُهُ تعالى{إِنَّ لَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا ♦ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبّـِكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا} سورةُ المزمِّلِ 7، 8 وقولُهُ تعالى {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبّـِكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ♦ وَمِنَ الليل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبّـِحْهُ لَيْلا طَوِيلا} (سورةُ الإنسانِ 25، 26) وقولُهُ تعالى {وَسَبّـِحْ بِحَمْدِ رَبّـِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْــسِ وَقَبْلَ الْغُرُوب وَمـِنَ الَّيْلِ فَسَبّـِحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجـُود) سورة ق 39، 40 وقولُهُ تعـالى (كَانُوا قَلِيلا مّـِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ♦ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون} سورةُ الذاريات 17، 18.

وقولُهُ صلى الله عليه وسلم (أَحَبُّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) ذكرَهُ الغزاليُّ فـي الإحياءِ وقولُه صلى الله عليه وسلم(اكْلُفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)

وقولُه صلى الله عليه وسلم (أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَل) وقولُهُ صلى الله عليه وسلم (مَنْ عَوَّدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَةً فَتَرَكَهَا مَلاَلَةً مَقَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى) وقولُهُ صلى الله عليه وسلم(مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ بِاللَّيْلِ فَقَرَأَهُ بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْل) رواهُ مسلم. وقولُ الإمامِ الحسن: (أَشَدُّ الأَعْمَالِ قِيَامُ اللَّيْلِ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِك، وَمُدَاوَمَةُ الأَوْرَادِ مِنْ أَخْلاَقِ الْمُؤْمِنِينَ وَطَرَائِقِ الْعَابِدِينَ وَهِيَ مَزِيدُ الإِيمَانِ وَعَلاَمَةُ الإِيقَان)،أمّا عنِ الأورادِ عندَ الصوفيةِ فلقدْ قالَ فيها سيدي أحمدُ زروق : (وبالجملةِ فأحزابُ المشايخِ صفةُ حالِهمْ ونكتةُ مقالِهمْ وميراثُ علومِهمْ وأعمالِهم، وبذلكَ جَرَوْا فـي كلِّ أمورِهمْ لا بالهوى فلِذلكَ قُبِلَ كلامُهمْ ـ وربّما جاءَ ـ بعدُ ـ مَنْ أرادَ محاولةَ ذلكَ بنفسِهِ لِنفسِهِ فعادَ ما تَوَجَّهَ لهُ عليهِ بعكسِه؛ وما هوَ إلاَّ كما يُحْكَى عنِ النَّحلةِ أنَّها عَلَّمَتِ الزنبورَ طريقةَ النسجِ فنَسَجَ على منوالِها ووضعَ بيتاً على مثالِها ثمَّ ادَّعَى أنَّ لهُ مِنَ الفضيلةِ ما لَها فقالَتْ له: هذا البيت، وأينَ العسل؟!. فإنَّما السرُّ فـي السكّانِ لا فـي المنزل، فأحوالُهمْ مؤيَّدةٌ بعلومِهمْ مُسَدَّدةٌ بإلهاماتِهمْ مصحوبةٌ بكراماتِهمْ). (شرحُ حزبِ البحرِ لِسيدي أحمدَ زروق). ويقولُ العلاّمةُ الصاويُّ فـي حاشيتِهِ على الشرحِ الصغير: أورادُ العارفينَ لا تخلو مِنْ كونِها مِنَ الكتابِ أوِ السُّنَّةِ أوِ الفتحِ الإلهي؛ ولِذلكَ تُقَدَّمُ على غيرِها، والوردُ إجمالاً هو: إقامةُ الطاعاتِ فـي الأوقاتِ ومسكُ الختامِ قولُ سيدي فخرِ الدينِ عندَما سُئِل: هلْ أورادُ العارفينَ على غيرِ ما وردَ نصاً فـي السُّنَّةِ المطهّرةِ مقبولة شرعا؟ هلْ هناكَ ما يفيدُ بأنَّ ما وردَ عنِ العارفينَ مِنْ أوراد لمْ تُدَوَّنْ فـي كتبِ السُّنَّةِ مقبولٌ ومعتمَدٌ فـي الدينِ؟ فأجابَ رضي الله عنه بما يفيدُ أنَّها معتمَدةٌ ومقبولةٌ لأنَّها إجماع، وإجماع الناسِ على الخبيرِ مِنَ الصالحينَ الذاكرينَ فيهِ الكفايةُ على الاتِّباعِ لِقولِهِ تعالى {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلّـِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرا} سورةُ النساءِ 511،أمّا عنِ المسبحةِ والعَددِ فالأدلةُ عقليةٌ ونقليةٌ لا سبيلَ لإنكارِها إلاَّ مِنْ مجادِلٍ مُغْرِضٍ لا يبتغي وجهَ اللهِ فـي أعمالِ دينِه، فمِنْ ذلكَ أنَّ اللهَ تعــالَتْ حكمتُهُ قَيَّدَ العباداتِ فـي الأوقاتِ والمقادير، فما مِنْ عبادةٍ إلاَّ ولَها كَمٌّ وكيفٌ وميقـات، فإذا تَحَقَّقَ هذا فـي الأركانِ والفرائضِ فما الغريبُ فـي كونِهِ فـي النـوافلِ حاصل؟!ومِنْ وجهٍ آخَرَ إذا كانَ مِنْ أسماءِ اللهِ الحسنى الاسمانِ الكريمانِ (الحسيبُ والمحصِي) فمِنَ المعروفِ أنَّ لِكلِّ اسـمٍ فـي الكونِ تَجَلٍّ فكيفَ يكـونُ تَجَلِّيهما فـي أشرفِ الأعمالِ على الإطلاقِ وهوَ العبادة؟ فلا شـكَّ أنْ يكونَ الحسابُ والإحصاءُ ظاهرَيْنِ فـي كلِّ العباد العبادات الفرضية و النفلية، و هكذا صنع الشارع صلى الله عليه و سلم.

وصلِّ اللهم على الحبيب المصطفى النور العظيم الذى أُعطى جوامع الكلم فكان من أقواله(يحشر المرء مع من أحب)وعلى آله سفن النجاة وأصحابه نجوم الاهتداء وسلم تسليما كثيرا.

قوامُ طريقِ القومِ حُبٌّ وطاعة *** وكلٌّ مقامٍ قامَ بالاستـقـامـة










نفحات نبوية

فـي ذكر أسمائه الشريف
الـمنـبئة عن كمال صفاته المنيفة

كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وقد سمى الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بأسماء كثيرة في القرآن العظيم وغيره من الكتب السماوية، وعلى ألسنة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام. ثم إن أشهر أسمائه: محمد وبه سماه جده عبد المطلب وذلك لما قيل له: ما سميت ولدك؟ فقال: محمداً، فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك؟ فقال: لأني أرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم.

وذلك لرؤيا كان رآها عبد المطلب كما ذكر حديثها علي القيرواني العابر في كتابه البستان قال: كان عبد المطلب قد رأى في المنام كأن سلسلة من فضة قد خرجت من ظهره، لها طرف في السماء، وطرف في الأرض، وطرف في المشرق وطرف في المغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها. فقصها، فعُبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق وأهل المغرب، ويحمده أهل السماء وأهل الأرض، فلذلك سماه محمداً، ومع ما حدثته به أمه آمنة حين قال لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة فإذا وضعتيه فسميه محمداً.

وعن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبـيه قـال: قال رسول الله صلى الله عليه وسـلم: إن لي أسماء: أنا محـمد، وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنـا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب. رواه الشيخان.(على قدمي): أي يحشـرون على أثري وزماني ورسالتي،

وروى النقاش عنه عليه الصلاة والسلام: لي في القرآن سبعة أسماء: محمد وأحمد ويس وطه والمزمل والمدثر وعبد الله،وقد جاءت من ألقابه وسماته في القرآن عدة كثيرة، وقد تعرض جماعة لتعدادها وبلغوا بها عددا مخصوصاً. فمنهم من بلغ تسعة وتسعين موافقة لعدد أسماء الله الحسنى الواردة في الحديث، قال القاضي عياض: وقد خصه الله بأن سماه من أسمائه الحسنى بنحو من ثلاثين إسماً،وقال ابن دحية في كتابه المستوفى: إذا فحص عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن والحديث وفَّى الثلاثمائة، والمراد الأوصاف: فكل الأسماء التي وردت أوصاف مدح، وإذا كان كذلك فله من كل وصف اسم، ثم إن منها ما هو مختص به أو الغالب عليه، ومنها ما هو اسماً بلغت أوصافه ما ذكر بل أكثر والذي رأيته في كلام شيخنا في القول البديع والقاضي عياض في الشفا وابن العربي في القبس، والأحكام له، وابن سيد الناس، وغيرهم يزيد على الأربعمائة.

واعلم أنه لا سبيل لنا أن نستوعب شرح جميع هذه الأسماء الشريفة، إذ في ذلك تطويل يفضي بنا إلى العدول عن غرض الاختصار، فلنذكر من ذلك ما يفتح الله تعالى به مما يدل على سواه، وأما أحمد وهو اسمه عليه الصلاة والسلام الذي سمي به على لسان عيسى وموسى، فإنه منقول أيضاً من الصفة التي معناها التفضيل، فمعنى أحمد هو أحمد الحامدين لربه، وكذلك هو في المعنى، لأنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم تفتح على أحد قبله، فيحمد ربه بها، ولذلك يعقد له لواء الحمد، قال: وأما محمَّد فمنقول من صفة أيضاً، وهو في معنى محمود.ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار، فالمحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة، كما أن المكرَّم من أكرم مرة بعد أخرى، وكذلك الممدح ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه وتعالى سماه به قبل أن يُسمى به، عَلَم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، إذ كان اسمه صادقاً عليه، فهو محـمود في الدنيا بما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة.

وهو محمود في الآخرة بالـشفاعة، فقد تكرر معنى الحمد، كما يقتضيه اللفظ، ثم إنه لم يكن محمداً حتى كان أحمد، حمد ربه فنبأه وشرفه، فلذلك تقدم اسم احمد على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى فقال اسمه أحمد (الصف:6)، وذكره موسـى حـين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد. فبأحمد ذكر قبل أن يذكر بمحمد، لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث كان محمداً أيضاً بالفعل. وكذلك في الشفاعة، يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه، فيكون أحمد الحامدين لربه، ثم يشفع فيُحمد على شفاعته.

فانظر كيف ترتب هذا الاسم قبل الاسم الآخر في الذكر والوجود، وفي الدنيا والآخرة، تلح لك الحكمة الإلهية في تخصيصه بهذين الاسمين، وقال القاضي عياض: كان عليه الصلاة والسلام أحمد قبل أن يكون محمداً، كما وقع في الوجود لأن تسميته أحمد وقعت في الكتب السالفة، وتسميته محمداً وقعت في القرآن، وذلك أنه حمد ربه قبل أن يحمده الناس،وهذا موافق لما قال السهيلي وذكره في فتح الباري وأقره عليه، وهو يقتضي أسبقية اسمه أحمد، خلافاً لما ادعاه ابن القيم، وقال القاضي عياض - في باب تشريفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بما سماه به من أسماه الحسنى-: أحمد بمعنى أكبر، من حَمِد، وأجل: من حُمِد.

ثم إن في اسمه محمد خصائص: منها: كونه على أربعة أحرف ليوافق اسم الله تعالى اسم محمد، فإن عدد حروف الجلالة على أربعة أحرف كمحمد، ومنها: أنه قيل: إن مما أكرم الله به الآدمي أن كانت صورته على شكل كتب هذا اللفظ، فالميم الأول رأسه، والحاء جناحاه،والميم سرته والدال رجلاه

ومنها: أنه تعالى اشتقه من اسمه المحمود كما قال حسان بن ثابت:

أغر عليه للنبوة خاتــــــم من الله نور يلوح ويشهـــد

وضم الإله اسم النبي إلى اسمـه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وشق له من اسمه ليجلــــه فذو العرش محمود وهذا محمـد

وأخرج البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن زيد قال: كان أبو طالب يقول:

وشق له من اسمه ليجلـــه فذو العرش محمود وهذا محمد



وقد سماه الله تعالى بهذا الاسم قبل الخلق بألفي ألف عام، كما ورد في حديث أنس بن مالك، من طريق أبي نعيم في مناجاة موسى، وروى بن عساكر عن كعب الأحبار قال: إن الله أنزل على آدم عصياً بعدد الأنبياء والمرسلين. ثم أقبل على ابنه شيث فقال: أي بني أنت خليفتي من بعدي، فخذها بعمارة التقوى،والعروة الوثقى، وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد، فإني رأيت اسمه مكتوباً على ساق العرش، وأنا بين الروح والطين، ثم إني طفت السموات فلم أر في السموات موضعاً إلا رأيت اسم محمد مكتوباً عليه، وإن ربي أسكنني الجنة فلم أرَ في الجنة قصراً ولا غرفة إلا اسم محمد مكتوباً عليه،ولقد رأيت اسم محمد مكتوباً على نحور الحور العين، وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى،وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب، وبين أعين الملاكة، فأكثر ذكره فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها.

بدا مجده من قبل نشـــأة آدم فأسماؤه في العرش من قبل تكتب

وأما اسمه عليه الصلاة والسلام محمود فاعلم أن من أسماء الله تعالى الحميد، ومعناه المحمود، لأنه حمد نفسه، وحمده عباده، وقد سمى الرسول بمحمود، وكذا وقع اسمه في زبور داود، وأما الماحي ففسر في الحديث بمحو الكفر، ولم يمح الكفر بأحد من الخلق ما محي بالنبي، فإنه بعث وأهل الأرض كلهم كفار، ما بين عابد اوثان ويهود ونصارى ضالين وصابئة ودهرية لا يعرفون ربا ولا معاداً وبين عباد الكواكب وعباد النار وفلاسفة لا يعرفون شرائع الأنبياء ولا يقرون بها فمحاها برسوله حتى أظهر دينه على كل دين وبلغ دينه مابلغ الليل والنهار وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار ولما كانت البحار هي الماحية للأدران كان اسمه عليه الصلاة والسلام فيها الماحي، وأما الحاشر ففسر أيضاً في الحديث بأنه الذي يحشر الناس على قدمه أي يقدمهم وهم خلفه، وقيل على سابقته،وقيل قدامه وحوله، أي يجتمعون إليه في القيامة،وقد كان حشره لأهل الكتاب: إخراجه لهم من حصونهم وبلادهم من دار هجرته إلى حيث أذاقهم الله من شدة الحشر ما شاء في دار الدنيا إلى ما اتصل لهم بذلك في برزخهم. وهو أول من تنشق عنه الأرض فيحشر الناس على أثره، وإليه يلجأ ونفي محشرهم،وقيل: على سببه، وأما العاقب فهو الذي جاء عقب الأنبياء، فليس بعده نبي، لأن العاقب هو الآخر، أي: عقب الأنبياء، وقيل: وهو اسمه عليه الصلاة والسلام في النار، فإذا جاء لحرمة شفاعته - خمدت النار وسكنت، كما روى أن قوماً من حملة القرآن يدخلونها فينسيهم الله تعالى ذكر محمد صلى الله عليه وسلم حتى يذكرهم جبريل، فيذكرونه فتخمد النار وتنزوي عنهم.

وأما المقفى فكذلك، أي: قفا آثار من سبقه من الرسل، وهي لفظة مشتقة من القفو يقال: قفاه يقفوه إذا تأخر عنه، ومنه قافية الرأس، وقافية البيت، فالمقفى: الذي قفا من قبله من الرسل فكان خاتمهم وآخرهم.

وأما الأول فلأنه أول النبيين خلقا - كما مر- وكما أنه أول في البدء فهو أول في العود، فهو أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يدخل الجنة، وهو أول شافع وأول مشفع، كما في أوليات البدء في عالم الذر أول مجيب، إذ هو أول من قال: بلى، إذ أخذ ربه الميثاق على الذرية الآدمية، فأشهدهم على أنفسهم: {ألست بربكم} (الأعراف:172) فهو الأول في ذلك كله على الإطلاق.، وأما الآخر فلأنه آخر الأنبياء في البعث كما في الحديث، وأما الظاهر فلأنه ظهر على جميع الظاهرات ظهوره، وظهر على الأديان دينه، فهو الظاهر في وجوه الظهور كلها، وأما الباطن فهو المطلع على بواطن الأمور بواسطة ما يوحيه الله تعالى إليه، وأما الفاتح الخاتم ففي حديث الإسراء عن أبي هريرة من طيق الربيع بن أنس قوله تعالى له: وجعلتك فاتحاً وخاتماً. وفي حديث أبي هريرة أيضاً وفي الإسراء، قوله صلى الله عليه وسلم: وجعلني فاتحاً وخاتماً فهو الذي فتح الله به باب الهدى بعد أن كان مرتجاً، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وفتح أمصار الكفر، وفتح به أبواب الجنة، وفتح به طرق العلم النافع والعمل الصالح، والدنيا والآخرة، والقلوب والأسماع والأبصار، وقد يكون المراد: المبدأ المقدم في الأنبياء، والخاتم لهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث، وأما الرؤوف الرحيم ففي القرآن {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (التوبة: 128)، وهو فعول من الرأفة، وهي أرق من الرحمة، قاله أبو عبيدة، والرحيم فعيل من الرحمة، وقيل رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين، وأما الحق المبين فقال تعالى: {حتى جاءهم الحق ورسول مبين} (الزخرف: 29) وقال تعالى: {وقل إني أنا النذير المبين} (الحجر:89) وقال تعالى {قد جاءكم الحق من ربكم} (يونس:108) وقال تعالى: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} (الأنعام:5)، قيل (المراد): محمد عليه السلام، وقيل القرآن، ومعناه هنا ضد الباطل، والمتحقق صدقه وأمره، والمبين البين أمره ورسالته، أو المبين عن الله ما بعثه به، كما قال تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} (النحل:44)، وأما المؤمن فقال تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} (التوبة:61) أي يصدق، وقال صلى الله عليه وسلم:أنا أمنة لأصحابي فهذا بمعنى المؤمن، وأما المهيمن فقال تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} (المائدة:48) قال ابن الجوزي في زاد المسير: إن ابن نجيح روى عن مجاهد (ومهيمنا عليه) قال: محمد مؤتمن على القرآن، قال: فعلى قوله في الكلام تقدير محذوف، كأنه قال: وجعلناك يا محمد مهيمناً عليه، وسماه العباس بن عبد المطلب في شعره مهيمناً في قوله:

حتى احتوى بيتك المهيمن من خندق علياء تحتها النطـق

وأما العزيز فمعناه: جلالة القدر، أو الذي لا نظير له، أو المعز لغيره، وقد استدل القاضي عياض لهذا الاسم بقوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله} (المنافقون: 8) أي فجائز أن يوصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعزيز والمعز، لحصول العز لله. ولقائل أن يقول: هذا اللفظ أيضاً للمؤمنين لشمول العطف إياهم، فلا اختصاص للنبي، والغرض اختصاصه، قال اليمني: وعجبت من القاضي كيف خفي عليه مثل هذا: ويجاب: باختصاصه عليه الصلاة والسلام برتبة من العزة ليست لغيره والله أعلم، وأما العالم والعليم والعلم ومعلم أمته فقد قال تعالى: {وعلمك ما لم تكن تعلم} (النساء: 113) وقال: {ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} (البقرة: 151)، وأما الخبير فمعناه: المطلع على كنه الشيء، العالم بحقيقته، وقيل: المخبر، قال الله تعالى: {الرحمن فاسأل به خبيراً} (الفرقان:59). قال القاضي بكر بن العلاء فيما ذكره في الشفاء: المأمور بالسؤال غير النبي خبير بالوجهين المذكورين، قيل لأنه عليه الصلاة والسلام عالم على غاية من العلم بما أعلمه الله من مكنون علمه، وعظيم معرفته، مخبر لأمته بما أذن له في إعلامهم به.

وأما العظيم فقال الله تعالى في شأنه: {وإنك لعلى خلق عظيم} (القلم: 4) ووقع في أول سفر من التوراة عن إسماعيل: وسيلد عظيماً لأمة عظيمة. فهو عظيم وعلى خلق عظيم، وأما الشاكر والشكور فقد وصف نفسه بذلك فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً أي: أأترك تهجدي فلا أكون عبداً شكوراً؟! والمعنى: أن المغفرة سبب لكون التهجد شكراً، فكيف أتركه؟ وعلى هذا فتكون الفاء للسببية. وقال القاضي عياض: شكوراً أي: معترفاً بنعم ربي، عالماً بقدر ذلك، مثنياً عليه، مجهداً نفسي في الزيادة من ذلك لقوله تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم} (إبراهيم: 7)، وأما الشكار فهو أبلغ من شاكر، وفي حديث ابن ماجه أنه كان من دعائه: رب اجعلني لك شكارا. وأما الكريم والأكرم وأكرم ولد آدم فسماه الله تعالى به في قوله تعالى: {إنه لقول رسول كريم} (الحاقة:40) أي محمد صلى الله عليه وسلم ، وليس المراد به جبريل، لأنه تعالى لما قال: إنه لقول رسول كريم ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والمشركون لم يكونوا يصفوا جبريل بذلك، فتعين أن يكون المراد بالرسول الكريم هنا محمداً.

وقال عليه السلام: أنا أكرم ولد آدم، وأما الولي والمولى فقال عليه الصلاة والسلام: أنا ولي كل مؤمن، وأما الأمين فقد كان عليه الصلاة والسلام يعرف به، وشهر به قبل النبوة وبعدها، وهو أحق العالمين بهذا الاسم، فهو أمين على وحيه ودينه، وهو أمين من في السماء والأرض.

واما الصادق والمصدوق فقد ورد في الحديث تسميته بهما، ومعناهما غير خفي، وكذلك الأصدق وروى أنه عليه الصلاة والسلام لما كذبه قومه حزن فقال له جبريل: إنهم يعلمون أنك صادق.

وأما الطيب وماذ ماذ بميم ثم ألف ثم ذال معجمة منونة، ثم ميم ثم ألف ثم ذال معجمة كذا رأيته لبعض العلماء، ونقل العلامة الحجازي في حاشيته على الشفاء عن السهيلي: ضم الميم وإشمام الهمزة ضمة بين الواو والألف ممدود، وقال: نقلته عن رجل أسلم من علماء بني إسرائيل، وقال معناه: طيب طيب، ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم أطيب الطيبين وحسبك أنه كان يُؤخذ من عَرَقِه ليُتطيب به، فهو صلى الله عليه وسلم طيب الله الذي نفحه في الوجود، فتعطرت به الكائنات وسمت، واغتذت به القلوب فطابت، وتنسمت به الأرواح فنمت، وأما الطاهر والمطهر والمقدس أي المطهر من الذنوب، كما قال تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} (الفتح:2) أو الذي يُتطهر به من الذنوب، ويُتنزه بابتعاده عنها، كما قال الله تعالى: {ويزكيهم} (البقرة: 129) وقال: {ويخرجهم من الظلمات إلى النور} (المائدة:16) أو يكون مقدساً بمعنى مطهراً من الأخلاق الذميمة والأوصاف الدنية، وأما العفو والصفوح فمعناهما واحد، وقد وصفه الله بهما في القرآن والتوراة والإنجيل، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند البخاري (ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح) وأمره تعالى بالعفو فقال: {خذ العفو} (الأعراف:199) وقال: {فاعف عنهم واصفح} (المائدة: 13)، واما العطوف فهو الشفوق، وسمي به عليه الصلاة والسلام لكثرة شفقته على أمته، ورأفته بهم، وأما النور فقال تعالى: {قد جاءكم من الله نور} (المائدة: 15) قيل: محمد صلى الله عليه وسلم وقيل القرآن، فهو نور الله الذي لا يطفأ، وأما السراج فسماه الله تعالى به في قوله: {وسراجاً منيرا} (الأحزاب:46) لوضوح أمره، وبيان نبوته، وتنوير قلوب المؤمنين والعارفين بما جاء به، فهو نيّر في ذاته منير لغيره، فهو السراج الكامل في الإضاءة، ولم يوصف بالوهاج كالشمس، لأن المنير الذي ينير من غير إحراق بخلاف الوهاج، وأما الهادي فبمعنى الدلالة والدعاء، قال الله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} (الشورى: 52) وقال تعالى فيه: {وداعياً إلى الله بإذنه} (الأحزاب:46).

وأما البرهان فقال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} (النساء:174) قيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل معجزاته وقيل القرآن، وأما النقيب فروى أنه لما مات نقيب بني النجار أبو أمامة أسعد بن زرارة وجد عليه ولم يجعل عليهم نقيباً بعده، فقال: أنا نقيبكم فكانت من مفاخرهم، والنقيب هوشاهد القوم وناظرهم وضمينهم وأما الجبار فسمي به في مزامير داود، في قوله في مزمور أربعة وأربعين. تقلد أيها الجبار سيفك، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك، لأنه الجبار الذي جبر الخلق بالسيف على الحق، وصرفهم عن الكفر جبراً. قال القاضي عياض: وقد نفي الله تعالى عنه جبرية التكبر التي لا تليق به فقال: {وما أنت عليهم بجبار} (ق: 45)، وأما الشاهد والشهيد فسماه الله بهما في قوله: {إنا أرسلناك شاهداً} (الأحزاب:45) أي على من بعثت إليهم بتصديقهم وتكذيبهم، ونجاتهم وضلالهم. وقوله: {ويكون الرسول عليكم شهيداً} (البقرة:143) روى أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالبهم الله ببينة التبليغ - وهو أعلم بهم - إقامة للحجة على المنكرين، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون فتقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته، فيشهد بعدالتهم،

وأما الناشر فسمي به لأنه نشر الإسلام وأظهر شرائع الأحكام، وأما المزمل فأصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي وسمي به، لما روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يفرق من جبريل ويتزمل بالثياب أول ما جاءه، وقيل أتاه وهو في قطيفة، وقال السدي معناه: يا أيها النائم، قال: وكان متلففاً في ثياب نومه، وعن ابن عباس: يعني المتزمل بالقرآن، وعن عكرمة بالنبوة، وقيل من المزمل، بمعنى الحمل، ومنه الزاملة، أي: المتحمل بأعباء النبوة، وعلى هذا يكون التزمل مجازا، وقال السهيلي: ليس المزمل باسم من أسمائه يعرف به، وإنما هو مشتق من حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب، والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب بترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب وقد نام ولصق جنبه بالتراب: قم أبا تراب إشعاراً بأنه ملاطف له، فقوله: {يا أيها المزمل} (المزمل:1) فيه تأنيس وملاطفة.

وأما المدثر فأصله: المتدثر، فأدغمت التاء في الدال. روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: كنت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني وشمالي. فلم أر شيئاً فنظرت فوقي فإذا هو على عرش بين السماء والأرض يعني الملك الذي ناداه، فرعبت فرجعت إلى خديجة فقلت دثروني دثروني فنزل جبريل وقال: يا أيها المدثر وعن عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها قد تدثرت هذا الأمر فقم به، وقيل: ناداه بالمزمل والمدثر في أول أمره، فلما شرع خاطبه الله تعالى بالنبوة والرسالة، وأما طـه فروى النقاش عنه عليه الصلاة والسلام: لي في القرآن سبعة أسماء فذكر منها طه. وقيل: هو اسم الله، وقيل معناه: يا رجل، وقيل يا إنسان، وقيل: يا طاهر يا هادي يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مروي عن الواسطي، وقيل معناه: يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى الملة، وقيل الطاء في الحساب بتسعة والهاء بخمسة وذلك أربعة عشر فكأنه قال: يا بدر، وهذا من محاسن التأويل، لكن المعتمد أنهما من أسماء الحروف، وأما يس، عن الحنفية: معناه يا محمد، وعن أبي العالية: يا رجل، وعن أبي بكر الوراق: يا سيد البشر، وعن جعفر الصادق: يا سيد مخاطبة له عليه الصلاة والسلام، وفيه من تعظيمه على تفسير أنه يا سيد ما فيه، وأما الفجر فقال ابن عطاء في قوله تعالى: {والفجرv وليال عشر} (الفجر:2،1) الفجر محمدصلى الله عليه وسلم، لأن منه تفجر الإيمان. وهو تأويل غريب لم ير لغيره.



وأما القوي فقال الله تعالى: {ذي قوة عند ذي العرش مكين}(التكوير: 20) قيل محمد، وقيل جبريل عليهما الصلاة والسلام،... وأما ما قاله بن عطاء في قوله تعالى: {ق والقرآن المجيد} أقسم بقوة قلب حبيبه محمد حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله، فلا يخفى ما فيه، وأما النجم فعن جعفر بن محمد بن الحسين في تفسير قوله تعالى: والنجم أنه محمد إذا هوى إذا نزل من السماء ليلة المعراج. وحكى السلمي في قوله تعالى:{والسماء والطارق ü وما أدراك ما الطارق v النجم الثاقب} (الطارق:1-3) أن النجم هنا أيضاً محمد ، وأما رسول الرحمة أو نبي الرحمة أو نبي المرحمة فقال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء:107) وقال تعالى: {بالمؤمنين رؤوف رحيم}(التوبة:128) فبعثه تعالى رحمة لأمته، ورحمة للعالمين وروى البيهقي مرفوعا (إنما أنا رحمة مهداة)ذكره البيهقي في دلائل النبوة، وذكره بن كثير في تفسيره، ومصنف ابن أبي شيبة فرحم الله تعالى به الخلق مؤمنهم وكافرهم، وهذا الاسم من أخص أسمائه، وقد كان حظ آدم من رحمته سجود الملائكة له تعظيماً إذ كان في صلبه، ونوح: خروجه من السفينة سالماً، وإبراهيم: كانت النار عليه برداً وسلاماً إذ كان في صلبه، فرحمته عليه الصلاة والسلام في البدء والختام والدوام لما أبقى الله له من دعوى الشفاعة، ولما كانت نبوته رحمة دائمة مكررة مضاعفة اشتق له من الرحمة اسم الرحمة، وأما قدم صدق فقال قتادة والحسن وزيد بن أسلم في قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} (يونس:2) هو محمد يشفع لهم، وعن أبي سعيد الخدري: هي شفاعة نبيهم محمد هو شفيع صدق عند ربهم، وعن سهل بن عبد الله: هي سابقة رحمة أودعها في محمد، وأما نعمة الله فقال سهل في قوله تعالى:{وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (النحل:18) نعمته بمحمد، وقال: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} (النحل:83) يعني يعرفون أن محمداً نبي ثم يكذبونه، وهذا مروي عن مجاهد والسدي وقال به الزجاج، وأما الصراط المستقيم فقال أبو العالية والحسن البصري في تفسير سورة الفاتحة: هو رسول الله وخيار أهل بيته وأصحابه. حكى الماوردي ذلك في تفسير {صراط الذين أنعمت عليهم} (الفاتحة:6) عن عبد الرحمن بن زيد،وأما قثم وقثوم ففسره القاضي عياض بالجامع للخير. وقال ابن الجوزي مشتق من القثم، وهو الإعطاء يقال: قثم له من العطاء، إذا أعطاه وقد كان رسول الله أعظم الخلق ندى وأسخاهم يدا،وأما البارقليط والفارقليط بالموحدة. وبالفاء بدلها، وفتح الراء والقاف. وبسكون الراء مع فتح القاف، وفتح الراء مع سكون القاف وبكسر الراء وسكون القاف غير منصرف للعجمة والعلمية. فوقع في إنجيل يوحنا، ومعناه: روح الحق وفي نهاية ابن الأثير، في صفته عليه السلام أن اسمه في الكتب السالفة فارق ليطا أي يفرق بين الحق والباطل، قال: ومنه الحديث: محمد فرق بين الناس، أي يفرق بين المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه.

وأما حمطايا فبفتح الحاء المهملة وسكون الميم - قال الهروي: أي حامي الحرم، وقال ابن الأثير في حديث كعب أنه قال في أسماء النبي في الكتب السالفة: محمد وأحمد وحمطايا قال أبو عمرو: سألت بعض من أسلم من اليهود عنه فقال: معناه يحمي الحرم من الحرام، ويوطئ الحلال.

وأما أحيد وهو بهمزة مضمومة ثم حاء مهملة مكسورة ثم مثناة تحتية ساكنة ثم دال مهملة. كذا وجدته في بعض نسخ الشفاء المعتمدة، والمشهور ضبطه بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وبفتح المثناة التحتية، وفي نسخة بفتحها وكسر الحاء وسكون المثناة، فقال النووي في كتابه تهذيب الأسماء واللغات: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إسمي في القرآن محمد، وفي الإنجيل أحمد، وفي التوراة أحيد، وإنما سميت أحيد لأني أحيد عن أمتي نار جهنم، وأما المنحمنا وهو بضم الميم وسكون النون وفتح الحاء المهملة وكسر الميم وتشديد النون الثانية المفتوحة، مقصور، وضبطه بعضهم بفتح الميمين، فمعناه بالسريانية محمد.

وأما المشفح وهو بضم الميم وبالشين المعجمة وبالفاء المشددة المفتوحتين ثم حاء مهملة، وروى بالقاف بدل الفاء ففي كتاب شعيا في البشارة به عليه السلام: يفتح العيون العور، والآذان الصم ويحيي القلوب، وما أعطيه لا أعطيه أحداً، مشفح يحمد الله حمداً جديداً، وهو بلغتهم السريانية الحمد، وأما مقيم السنة ففي كتاب الشفاء: قال داود عليه الصلاة والسلام اللهم ابعث لنا محمداً يقيم. السنة بعد الفترة، وأما المبارك فمبدأ الكون ونماؤه كائن من بركته المستمدة من بركة الله، ومن كمال بركته نبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام القليل ببركته حتى أشبع الجيش الكثير، ويغر ذلك مما لمسه أو باشره.

وأما المكين فهو المكين بعلو مكانته عند ربه تعالى، ومن ذلك أن قرن سبحانه ذكره بذكره فما أذن باسم أحد سواه، ولا قرن اسم أحد مع اسمه إلا إياه، فأعلن له في السابقة على ساق العرش وأذن به في اللاحقة على منار الإيمان، وأما الأمي فهو من أخص أسمائه، وقال تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} (الشورى: 52)، فهو تعالى يُقرئه ما كتبه بيده، وما خطته أقلامه العلمية في ألواح قدسه الأقدسية، فيغنيه بذلك عن أن يقرأ ما تكتب الخلق، وأما عبد الكريم فذكر الحسين بن محمد الدامغاني (فقيه حنفي توفى سنة 478هـ) في كتابه شوق العروس وأنس النفوس نقلاً عن كعب الأحبار أنه قال: اسم النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل الجنة عبد الكريم، وعند أهل النار عبد الجبار وعند أهل العرش عبد الحميد، وعند سائر الملائكة عبد المجيد، وعند الأنبياء عبد الوهاب، وعند الشياطين عبد القهار، وعند الجن عبد الرحيم، وفي الجبال عبد الخالق، وفي البر عبد القادر وفي البحر عبد المهيمن، وعند الحيتان عبد القدوس، وعند الهوام عبد الغياث، وعند الوحوش عبد الرزاق، وعند السباع عبد السلام، وعند البهائم عبد المؤمن، وعند الطيور عبد الغفار، وفي التوراة موذ موذ، وفي الإنجيل طاب طاب، وفي الصحف عاقب، وفي الزبور فاروق، وعند الله طه ويس وعند المؤمنين محمد صلى الله عليه وسلم، وكنيته أبو القاسم لأنه يقسم الجنة بين أهلها، وأما عبد الله فسماه الله تعالى به في أشرف مقاماته فقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فائتوا بسورة من مثله} (البقرة:23) وقال: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً }(الفرقان:1)، وقال: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} (الكهف:1) فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه والتحدي بأن يأتوا بمثله. وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه }(الجن:19) فذكره في مقام الدعوة إليه، وقال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} (الإسراء:1)، وقال: {فأوحى إلى عبده} (النجم:10)، ولو كان له اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالات العلية، ولما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، ورقاه إلى أعلى المعالي العلوية، ألزمه تشريفا له اسم العبودية، وقد كان يجلس للأكل جلوس العبد، وكان يتخلى عن وجوه الترفعات كلها في ملبسه ومأكله ومبيته ومسكنه إظهاراً لظاهر العبودية فيما يناله العيان، صدقاً عما في باطنه من تحقق العبودية لربه تحقيقاً لمعنى {والذي جاء بالصدق وصدق به} (الزمر:33)، ولما خُيّر بين أن يكون نبياً ملكاً، أو نبياً عبداً اختار أن يكون نبياً عبداً، فاختار ما هو الأتم، وكان يقول كما في الصحيح: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، ولكن قولوا عبد الله ورسوله فاستثبت ما هو ثابت له، وأسلم لله ما هو له لا لسواه، وليس للعبد إلا اسم العبد، ولذا كان عبد الله أحب الأسماء إلى الله تعالى.






العلاقة بين أمير المؤمنين عليه السلام وليلة القدر




العلاقة بين أمير المؤمنين عليه السلام وليلة القدرالليلة المباركة

ليس من الصدفة تزامن ليلة القدر مع ذكرى استشهاد وليد الكعبة في محراب العبادة بل هناك ترابط معنوي بين الحادثتين وانسجام نوراني بين الأمرين، ليلة القدر ظرف زمني فيها أنزل الله تعالى الثقل الأكبر وهو القرآن الكريم جملة واحدة على قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبذلك صارت ليلة مباركة فيها يفرق كل أمر حكيم فارتبط الروح بالروح وتجلى الكلام الإلهي منسلخاً عن الألفاظ والكلمات، على قلب الحبيب ليكون من المنذرين، ولم يسمح للرسول أن يعجل به من قبل أن يقضى إليه وحيه وطولب منه أن لا يحرك به لسانه تعجيلا به، فطولب منه في 27 من شهر رجب وهو في غار حراء أن يقرأ باسم ربه.
القَـدر بيد العـبد :
وأمّا علي عليه السلام فهو ذلك الإمام الذي انشرح صدره واتسع ظرفه فتجلّت فيه الولاية العظمى فكان هو الثقل الكبير الذي لن ينفك عن الثقل الأكبر، فالظرفان قد تلاحما والنوران قد تجليا، فالتقدير في هذه الليلة يتوقف على مدى ارتباطنا بالثقلين وتمسكنا بالنورين، إنّ هذه الليلة تقدَّر فيها حوادث السنة من حياة وموت ورزق وسعادة وشقاء، فما أدراك ما ليلة القدر! إنّها تعادل ألف شهراً أي أربع وثمانين سنة، والليلة كلها سلامٌ حتى مطلع الفجر لا يعتريها شيئ من الآفات والنقمات والاضطرابات لأن القدر إنّما هو بيد العبد، له أن يعلو إلى قمّة السعادة ويرتقي في درجات الجنّة أو ينحدر إلى حضيض الشقاء ويسقط في دركات جهنّم، ومادام أن مصير العبد بيده فهو في سلام مطلق وأمن دائم مادام قد ارتبط بأمناء الرحمن وهم أهل بيت العصمة والطهارة وعلى رأسهم أمين الله في أرضه الذي لا قرين له بالفضل سوى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
تجلّي قدرة الله تعالى في علي عليه السلام :
لقد تجلّت قدرة الله في أيدي علي عليه السلام، فهو أشهر المجاهدين الذي لا تأخذه في الله لومة لائم قد وتر فيه صناديد العرب، وقتل أبطالهم، وناوش ذؤبانهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله في شأنه: "برز الإيمان كلّه إلى الشرك كله" وقال: "ضربة علي في يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين".
ومن ناحية أخرى قد وصل إلى مستوى من العدالة بحث يقول:
"والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت".
وأعلى ما وصل إليه علي بن أبي طالب عليه السلام هو أنّه كان عبداً لله تعالى لاخوفا ولا طمعا بل شكرا وعشقاً لله {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}(البقرة/207).
عليٌ مظهر الرحمة الواسعة والغضب الإلهي، عليٌ أبو الفضل، عليٌ أبو المكارم، عليٌ أبو الأيتام، عليٌ سيد الأنام وسيد المظلومين قد عانى من الظلم ما عانى فكان يدعوا:
"اللهم إنّي مللتهم وملّوني وسئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيراً منهم وأبدلهم بي شرّاً منّي"
وقد استجيب دعاءه حينما وقع صريعاً في محراب المسجد، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.



 



jnoun735


Revenir en haut
Visiter le site web du posteur ICQ AIM Yahoo Messenger MSN Skype GTalk/Jabber
Publicité







MessagePosté le: Sam 19 Déc - 08:07 (2009)    Sujet du message: Publicité

PublicitéSupprimer les publicités ?
Revenir en haut
Montrer les messages depuis:   
Poster un nouveau sujet   Répondre au sujet    tariqa qadiriya boudchichiya.ch Index du Forum >>> الطريقة القادرية البودشيشية طريقة صوفية مغربية حية قادرية النسب تيجانية المشربCatégorie >>> مناجات - اوراد - احزاب - التصريف - ادكار صوفية - روحانية - نورانية - ربانية - وحدانية - صمدانية - رحموتية - قدسية - رحمانية - الى اخره .....Sous forum Toutes les heures sont au format GMT + 1 Heure
Page 1 sur 1

 
Sauter vers:  

Index | creer un forum | Forum gratuit d’entraide | Annuaire des forums gratuits | Signaler une violation | Conditions générales d'utilisation
Powered by phpBB © 2001, 2005 phpBB Group
Traduction par : phpBB-fr.com
Thème réalisé par SGo